١ أما الكلابية:
وهم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان (^٤) (ت ٢٤٣ هـ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين:
فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها.
والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا.
فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها. ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري وغيرهما.
وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه ثم قيل عن الحارث: إنه رجع عن قوله" (^٥).
فهذا النهج الذي أحدثه ابن كلاب هو ما صار يعرف فيما بعد بمنهج متكلمة الصفاتية لأن ابن كلاب كان في طريقته يميل إلى مذهب أهل الحديث والسنة، لكن
_________________
(١) -مقالات الإسلاميين ١/ ٣٣٩.
(٢) -الفرق بين الفرق ص ٢١٥.
(٣) -مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٥١، ٣٥٢.
(٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٥٥).
(٥) درء تعارض العقل والنقل (٢/ ١).
[ ١ / ٤٢٤ ]
كان في طريقته نوع من البدعة، لكونه أثبت قيام الصفات بذات الله، ولم يثبت قيام الأمور الاختيارية بذاته.
وقد كانت له جهود في الرد على الجهمية (^١) ولكنه ناظرهم بطريق قياسية سلم لهم فيها أصولًا هم واضعوها من امتناع تكلمه تعالى بالحروف، وامتناع قيام الصفات الاختيارية بذاته مما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال والكلام وغير ذلك. (^٢) فأصبح بعد ذلك قدوة وإمامًا لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات وناقضوا نفاتها، لكن شاركوهم في بعض أصولهم الفاسدة التي أوجبت فساد بعض ما قالوه من جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول". (^٣)
فابن كلاب أحدث مذهبًا جديدًا، فيه ما يوافق السلف وفيه ما يوافق المعتزلة والجهمية. وبذلك يكون قد أسس مدرسة ثالثة وهي مدرسة «الصفاتية» التي اشتهرت بمذهب الإثبات، لكن في أقوالهم شيء من أصول الجهمية. (^٤)
وقد سار على هذا النهج القلانسي، والأشعري، والمحاسبي، وغيرهم، وهؤلاء هم سلف الأشعري والأشاعرة القدماء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان أبو محمد بن كلاب هو الأستاذ الذي اقتدى به الأشعري في طريقه هو وأئمة أصحابه، كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي، وأبي سليمان الدمشقي، وأبي حاتم البستي" (^٥)
فابن كلاب هو إمام الأشعرية الأول، وكان أكثر مخالفة للجهمية، وأقرب إلى السلف من الأشعري (^٦).
ولكن هذا النهج الكلابي ابتعد شيئًا فشيئًا عن منهج السلف، وأصبح يقرب أكثر فأكثر إلى نهج المعتزلة وذلك على يد وارثيه من الأشاعرة.
فابن كلاب كما أسلفنا كان أقرب إلى السلف من أبي الحسن الأشعري، وأبو الحسن الأشعري أقرب إلى السلف من القاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي أبو بكر وأمثاله أقرب إلى السلف من أبي المعالي الجويني وأتباعه (^٧).
ولهذا يوجد في كلام الرازي والغزالي ونحوهما من الفلسفة مالا يوجد في كلام
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦٦).
(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧٦).
(٣) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦٦).
(٤) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٦).
(٥) منهاج السنة (٢/ ٣٢٧).
(٦) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٢، ٢٠٣).
(٧) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٣).
[ ١ / ٤٢٥ ]
أبي المعالي الجويني وذويه، ويوجد في كلام الرازي والغزالي والجويني من مذهب النفاة المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي الحسن الأشعري وقدماء أصحابه، ويوجد في كلام أبي الحسن الأشعري من النفي الذي أخذه من المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي محمد بن كلاب الذي أخذ أبو الحسن طريقته.
ويوجد في كلام ابن كلاب من النفي الذي قارب فيه المعتزلة ما لا يوجد في كلام أهل الحديث والسنة والسلف والأئمة. وإذا كان الغلط شبرًا صار في الأتباع ذراعًا ثم باعًا حتى آل إلى هذا المآل والسعيد من لزم السنة (^١).
وقد تلاشت الكلابية كفرقة، لكن أفكارها حملت بواسطة الأشاعرة، فقد احتفظ الأشعري وقدماء أصحابه بأفكار الكلابية ونشروها، وبذلك اندرست المدرسة الكلابية الأقدم تاريخًا والأسبق ظهورًا في الأشعرية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والكلابية هم مشايخ الأشعرية، فإن أبا الحسن الأشعري إنما اقتدى بطريقة أبي محمد بن كلاب، وابن كلاب كان أقرب إلى السلف زمنًا وطريقة. وقد جمع أبو بكر بن فورك (ت ٤٠٦ هـ) كلام ابن كلاب والأشعري وبين اتفاقهما في الأصول" (^٢).
فالكلابية أسبق في الظهور من الأشاعرة والماتريدية، فقد نشأت الكلابية في منتصف القرن الثالث، وهي أول الفرق الكلامية بعد الجهمية والمعتزلة، فقد توفي ابن كلاب سنة (٢٤٣ هـ).
قولهم في الصفات.
الكلابية: أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، وقول الحارث المحاسبي (^٣) وأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري في طوره الثاني، وقدماء الأشاعرة كأبي الحسن الطبري والباقلاني وابن فورك، وأبي جعفر السمناني
_________________
(١) بغية المرتاد (ص ٤٥١).
(٢) الاستقامة (١/ ١٠٥).
(٣) -قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الحارث المحاسبي يوافقه -أي يوافق ابن كلاب -ثم قيل إنه رجع عن موافقته؛ فإن أحمد بن حنبل أمر بهجر الحارث المحاسبي وغيره من أصحاب ابن كلاب لما أظهروا ذلك، كما أمر السري السقطي الجنيد أن يتقى بعض كلام الحارث؛ فذكروا أن الحارث ﵀ تاب من ذلك. وكان له من العلم والفضل والزهد والكلام في الحقائق ما هو مشهور وحكى عنه أبوبكر الكلاباذي صاحب (مقالات الصوفية): (أنه كان يقول إن الله يتكلم بصوت)، وهذا يوافق قول من يقول: إنه رجع عن قول ابن كلاب). مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢١، ٥٢٢.
[ ١ / ٤٢٦ ]
ومن تأثر بهم من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني والتميميين وغيرهم. (^١)
وهؤلاء يجمعهم أنهم نفاة الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة.
وهؤلاء يسموْن الصفاتية لأنهم يثبتون صفات الله تعالى خلافًا للمعتزلة، لكنهم لم يثبتوا لله أفعالًا تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته، بل ولا غير الأفعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته. (^٢)
وأصلهم الذي أصلوه في هذا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته (^٣) لا فعل ولا غير فعل. (^٤)
والفرق بينهم وبين المعتزلة:
أن المعتزلة تقول: (لا تحله الأعراض والحوادث) فالمعتزلة لا يريدون [بالأعراض] الأمراض والآفات فقط، بل يريدون بذلك الصفات. ولا يريدون [بالحوادث] المخلوقات، ولا الأحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك -مما يريده الناس بلفظ الحوادث-بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه.
ولكن ابن كلاب ومن وافقه خالفوا المعتزلة في قولهم: "لا تقوم به الأعراض" وقالوا: "تقوم به الصفات ولكن لا تسمى أعراضًا".
ووافقوا المعتزلة على ما أرادوا بقولهم: لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته. (^٥)
ففرقوا بين الأعراض -أي الصفات-والحوادث-أي الأمور المتعلقة بالمشيئة. (^٦) (^٧)
_________________
(١) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١١، ٦/ ٥٢، ٥٣، ٤/ ١٤٧، شرح الأصفهانية ص ٧٨
(٢) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠.
(٣) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٤.
(٤) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٢.
(٥) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢١.
(٦) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٥.
(٧) -تتميمًا للفائدة فإن الخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال:
(٨) قول المعتزلة ومن وافقهم: أن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث).
(٩) قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل.
(١٠) قول الكرامية ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.
(١١) قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. وهذا هو الصحيح. مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢٥، ١٤٩.
[ ١ / ٤٢٧ ]
فالكلابية ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله (^١)، ويقولون: "لو قامت به لكان محلًا للحوادث. والحادث إن أوجب له كمالًا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالًا لم يجز وصفه به. (^٢)
ولتوضيح قولهم نقول: إن المضافات إلى الله سبحانه في الكتاب والسنة لا تخلو من ثلاثة أقسام:
القسم الأول: إضافة الصفة إلى الموصوف
كقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء مِنْ علمه﴾ (^٣) وقوله: ﴿إن الله هو الرَّزَّاق ذو القوَّة﴾ (^٤) فهذا القسم يثبته الكلابية ولا يخالفون فيه أهل السنة، وينكره المعتزلة.
والقسم الثاني: إضافة المخلوق.
كقوله تعالى: ﴿ناقة الله وسقياها﴾ (^٥) وقوله تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾ (^٦) وهذا القسم لا خلاف بين المسلمين في أنه مخلوق.
والقسم الثالث: -وهو محل الكلام هنا-ما فيه معنى الصفة والفعل.
كقوله تعالى: ﴿وكلَّم الله موسى تكليما﴾ (^٧) وقوله تعالى: ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾ (^٨) وقوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بغضب على غضب﴾ (^٩)
فهذا القسم الثالث لا يثبته الكلابية ومن وافقهم على زعم أن الحوادث لا تحل بذاته. فهو على هذا يلحق عندهم بأحد القسمين قبله فيكون:
١ - إما قديمًا قائمًا به.
٢ - وإما مخلوقًا منفصلًا عنه.
_________________
(١) -الصفات الفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، أو التي تنفك عن الذات: كالاستواء، والنزول، والضحك، والإتيان، والمجيء، والغضب والفرح. مجموع الفتاوى ٦/ ٦٨، ٥/ ٤١٠.
(٢) -مجموع الفتاوى ٦/ ٦٩، وانظر الرد على هذه الشبهة ٦/ ١٠٥.
(٣) -الآية ٢٥٥ من سورة البقرة.
(٤) -الآية ٥٨ من سورة الذاريات.
(٥) -الآية ١٣ من سورة الشمس.
(٦) -الآية ٢٦ من سورة الحج.
(٧) -الآية ١٦٤ من سورة النساء.
(٨) -الآية ١ من سورة المائدة.
(٩) -الآية ٩٠ من سورة البقرة.
[ ١ / ٤٢٨ ]
ويمتنع عندهم أن يقوم به نعت أو حال أو فعل ليس بقديم ويسمون هذه المسألة: «مسألة حلول الحوادث بذاته» (^١) وذلك مثل صفات الكلام، والرضا، والغضب، والفرح، والمجيء، والنزول والإتيان، وغيرها. وبالتالي هم يؤولون النصوص الواردة في ذلك على أحد الوجوه التالية:
(١) -إرجاعها إلى الصفات الذاتية واعتبارها منها، فيجعلون جميع تلك الصفات قديمة أزلية، ويقولون: نزوله، ومجيئه وإتيانه، وفرحه، وغضبه، ورضاه، ونحو ذلك: قديم أزلي (^٢) وهذه الصفات جميعها صفات ذاتية لله، وإنها قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته واختياره. (^٣)
(٢) -وإما أن يجعلوها من باب «النسب» و«الإضافة» المحضة بمعنى أن الله خلق العرش بصفة تحت فصار مستويًا عليه، وأنه يكشف الحجب التي بينه وبين خلقه فيصير جائيًا إليهم ونحو ذلك. وأن التكليم إسماع المخاطب فقط. (^٤)
فهذه الأمور من صفات الفعل منفصلة عن الله بائنة وهي مضافة إليه، لا أنها صفات قائمة به. ولهذا يقول كثير منهم: "إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات، وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات. (^٥)
(٣) -أو يجعلوها «أفعالًا محضة» في المخلوقات من غير إضافة ولا نسبة. (^٦)
مثل قولهم في الاستواء إنه فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قربًا فيصير مستويًا عليه من غير أن يقوم بالله فعل اختياري. (^٧)
وكقولهم في النزول إنه يخلق أعراضًا في بعض المخلوقات يسميها نزولًا. (^٨)
ونفاة الصفات الاختيارية يثبتون الصفات التي يسمونها عقلية وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. واختلفوا في صفة البقاء.
ويثبتون في الجملة الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعين ولكن إثباتهم لها مقتصر على بعض الصفات القرآنية، على أن بعضهم إثباته لها من باب التفويض.
وأما الصفات الخبرية الواردة في السنة كاليمين، والقبضة، والقدم، والأصابع
_________________
(١) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٤، ١٤٧.
(٢) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٢.
(٣) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٠.
(٤) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٩.
(٥) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١١، ٤١٢.
(٦) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٩.
(٧) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤٣٧، الأسماء والصفات للبيهقي ص ٥١٧.
(٨) -مجموع الفتاوى ٥/ ٣٨٦.
[ ١ / ٤٢٩ ]
فأغلب هؤلاء يتأولها. (^١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن.
وأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها. (^٢)
وفي أول القرن الرابع الهجري نشأت بقية فرق أهل الكلام وهم الأشاعرة المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري المتوفى سنة (٣٢٤ هـ) والماتريدية: أتباع أبي منصور الماتريدي المتوفى سنة (٣٣٣ هـ) وهي الفرق القائمة حتى زماننا هذا.
٢ الأشعرية:
يعتبر أبو الحسن الأشعري امتدادًا للمذهب الكلابي فأبو الحسن الأشعري الذي عاش في الفترة ما بين (٢٦٠ هـ -٣٢٤ هـ) كان معتزليًا إلى سن الأربعين، حيث عاش في بيت أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في البصرة، ثم رجع عن مذهب المعتزلة وسلك طريقة ابن كلاب وتأثر بها مدة طويلة، ولعل السبب في ذلك أنه وجد في كتب ابن كلاب وكلامه بغيته من الرد على المعتزلة وإظهار فضائحهم وهتك أستارهم، وكان ابن كلاب قد صنف مصنفات رد فيها على الجهمية والمعتزلة وغيرهم. ولكن فات الأشعري أن ابن كلاب وإن رد على المعتزلة وكشف باطلهم وأثبت لله تعالى الصفات اللازمة، فقد وافقهم في إنكار الصفات الاختيارية التي تتعلق بمشيئته تعالى وقدرته، فنفى كما نفت المعتزلة أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته. كما نفى أيضًا الصفات الاختيارية مثل الرضى، والغضب، والبغض، والسخط وغيرها.
وقد مضى الأشعري في هذا الطور نشيطًا يؤلف ويناظر ويلقى الدروس في الرد على المعتزلة سالكًا هذه الطريقة.
_________________
(١) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/ ١٠٣٤، ١٠٣٦.
(٢) -مجموع الفتاوى ٤/ ١٤٧، ١٤٨.
[ ١ / ٤٣٠ ]
ثم التقى بزكريا بن يحي الساجي فأخذ عنه ما أخذ من أصول أهل السنة والحديث (^١)، وكان الساجي شيخ البصرة وحافظها (^٢) ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أمورًا أخرى وذلك بآخر أمره.
ولكن كانت خبرته بالكلام خبرة مفصلة، وخبرته بالسنة خبرة مجملة، فلذلك وافق المعتزلة في بعض أصولهم التي التزموا لأجلها خلاف السنة واعتقد أنه يمكنه الجمع بين تلك الأصول، وبين الانتصار للسنة، كما فعل في مسألة الرؤية والكلام، والصفات الخبرية وغير ذلك (^٣).
وقال عنه السجزي: "رجع في الفروع وثبت في الأصول" (^٤) أي أصول المعتزلة التي بنوا عليها نفي الصفات، مثل دليل الأعراض وغيره (^٥).
وقال ابن تيمية: "أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كُلاَّب البصري، وأبو الحسن الأشعري كانا يخالفان المعتزلة ويوافقان أهل السنة في جمل أصول السنة. ولكن لتقصيرهما في علم السنة وتسليمهما للمعتزلة أصولًا فاسدة، صار في مواضع من قوليهما مواضع فيها من قول المعتزلة ما خالفا به السنة، وإن كانا لم يوافقا المعتزلة مطلقًا" (^٦).
وقال أيضًا: "والذي كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب والأشعري بقايا من التجهم والاعتزال، مثل اعتقاد صحة طريقة الأعراض وتركيب الأجسام، وإنكار اتصاف الله بالأفعال القائمة التي يشاؤها ويختارها، وأمثال ذلك" (^٧).
وقد مرت الأشعرية بأطوار ومراحل كان أولها زيادة المادة الكلامية، ثم الجنوح الكبير للمادة الاعتزالية، ثم خلط هذه العقيدة بالمادة الفلسفية.
فالأشعرية المتأخرة مالوا إلى نوع التجهم بل الفلسفة وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه (^٨).
فقدماء الأشاعرة يثبتون الصفات الخبرية بالجملة، كأبي الحسن الأشعري وأبي
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٨٦)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٩٠٧).
(٢) العلو (ص ١٥٠)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٩٠٧).
(٣) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٤).
(٤) الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص ١٦٨).
(٥) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (١/ ٣٦٧).
(٦) الاستقامة (١/ ٢١٢).
(٧) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٩٧).
(٨) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٩٧).
[ ١ / ٤٣١ ]
عبد الله بن مجاهد، وأبي الحسن الباهلي والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي وغير هؤلاء (^١).
لكن المتأخرين من أتباع أبي الحسن الأشعري كأبي المعالي الجويني وغيره لا يثبتون إلا الصفات العقلية، وأما الخبرية فمنهم من ينفيها ومنهم من يتوقف فيها كالرازي والآمدي وغيرهما.
ونفاة الصفات الخبرية منهم من يتأول نصوصها ومنهم من يفوض معناها إلى الله تعالى.
وأما من أثبتها كالأشعري وأئمة أصحابه. فهؤلاء يقولون: تأويلها بما يقتضي نفيها تأويل باطل، فلا يكتفون بالتفويض بل يبطلون تأويلات النفاة (^٢).
وهذا الاضطراب في العقيدة الأشعرية بين المتقدمين والمتأخرين سببه ما أسلفنا من ميل الأشاعرة بأشعريتهم إلى الاعتزال أكثر فأكثر بل إنهم خلطوا معها الفلسفة.
قولهم في الصفات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالأشعرية وافق بعضهم المعتزلة في الصفات الخبرية، وجمهورهم وافقهم في الصفات الحديثية، وأما الصفات القرآنية فلهم قولان:
فالأشعري والباقلاني وقدماؤهم يثبتونها، وبعضهم يقر ببعضها؛ وفيهم تجهم من جهة أخرى.
فإن الأشعري شرب كلام الجبائي شيخ المعتزلة، ونسبته في الكلام إليه متفق عليها عند أصحابه وغيرهم.
وابن الباقلاني أكثر إثباتًا بعد الأشعري، وبعد ابن الباقلاني ابن فورك، فإنه أثبت بعض ما في القرآن.
وأما الجويني ومن سلك طريقته فمالوا إلى مذهب المعتزلة فإن أبا المعالي كان كثير المطالعة لكتب أبي هاشم، قليل المعرفة بالآثار، فأثر فيه مجموع الأمرين (^٣).
فما إن جاء أبوبكر الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، فتصدى للإمامة في تلك الطريقة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ١٤٧، ١٤٨).
(٢) منهاج السنة (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤).
(٣) منهاج السنة (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤).
[ ١ / ٤٣٢ ]
وهذبها ووضع لها المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة، وجعل هذه القواعد تبعًا للعقائد الإيمانية من حيث وجوب الإيمان بها (^١) وأسهم إلى حد كبير في تنظير المذهب الأشعري الكلامي وتنظيمه مما أدى إلى تشابه منهجي بين المذهب الأشعري والمذهب المعتزلي فقد كان الأشعري يجعل النص هو الأساس والعقل عنده تابع، أما الباقلاني فالعقيدة كلها بجميع مسائلها تدخل في نطاق العقل (^٢) ويعتبر الباقلاني المؤسس الثاني للمذهب الأشعري (^٣).
ثم جاء بعده إمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨ هـ) فاستخدم الأقيسة المنطقية في تأييد هذه العقيدة، وخالف الباقلاني في كثير من القواعد التي وضعها. وإن كان الجويني قد استفاد أكثر مادته الكلامية من كلام الباقلاني، لكنه مزج أشعريته بشيء من الاعتزال استمده من كلام أبي هاشم الجبائي المعتزلي على مختارات له، وبذلك خرج عن طريقة القاضي وذويه في مواضع إلى طريقة المعتزلة.
وأما كلام أبي الحسن الأشعري فلم يكن يستمد منه، وإنما ينقل كلامه مما يحكيه عنه الناس (^٤) وعلى طريقة الجويني اعتمد المتأخرون من الأشاعرة، كالغزالي (ت ٥٠٥ هـ) وابن الخطيب الرازي (ت ٦٠٦ هـ) وخلطوا مع المادة الاعتزالية التي أدخلها الجويني مادة فلسفية، وبذلك ازدادت الأشعرية بعدًا وانحرافًا.
فالغزالي مادته الكلامية من كلام شيخه الجويني في "الإرشاد" و"الشامل" ونحوهما مضمومًا إلى ما تلقاه من القاضي أبي بكر الباقلاني. ومادته الفلسفية من كلام ابن سينا، ولهذا يقال أبو حامد أمرضه "الشفا"، ومن كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا ورسائل أبي حيان التوحيدي ونحو ذلك.
وأما الرازي فمادته الكلامية من كلام أبي المعالي والشهرستاني فإن الشهرستاني أخذه عن الأنصاري النيسابوري عن أبي المعالي، وله مادة اعتزالية قوية من كلام أبي الحسين البصري (ت ٤٣٦ هـ)، وفي الفلسفة مادته من كلام ابن سينا والشهرستاني ونحوهما (^٥).
والأشعرية الأغلب عليهم أنهم مرجئة في باب الأسماء والأحكام وجبرية في باب
_________________
(١) مقدمة ابن خلدون (ص ٤٦٥)، ط: مصطفى محمد.
(٢) مقدمة التمهيد للباقلاني (ص ١٥)، بتحقيق الخضيري وأبو ريدة.
(٣) نشأة الأشعرية وتطورها (ص ٣٢٠).
(٤) بغية المرتاد (ص ٤٤٨، ٤٥١)، بتصرف.
(٥) بغية المرتاد (ص ٤٤٨)، بتصرف.
[ ١ / ٤٣٣ ]
القدر، وأما الصفات فليسوا جهمية محضة بل فيهم نوع من التجهم، ولا يرون الخروج على الأئمة بالسيف موافقة لأهل الحديث وهم في الجملة أقرب المتكلمين إلى أهل السنة والحديث (^١).
وهناك عدة عوامل أدت إلى انتشار الأشعرية واشتهارها لعل من أبرزها ما يلي:
أولًا: نشأةُ المذهب في "بغداد" التي كانت حاضرة الخلافة العباسية ومحط أنظار طلاب العلم الذين كانوا يفدون إليها من شتى الأقطار، فهذا العامل أدى بدوره إلى تبني البعض للمذهب الأشعري والسعي لنشره في الأقطار الأخرى (^٢) بسبب تواجد كثير من أعيان المذهب الأشعري في بغداد في ذلك الحين.
ثانيًا: التقارب الذي كان موجودًا بين الأشعرية والحنبلية وما نفقت الأشعرية وراجت إلا بتوالفها مع الحنبلية. ولولا ذلك لكان مصيرها مصير المعتزلة الذين كان للحنابلة دور كبير في مقاومتهم والرد عليهم. وقد كان بين الأشعرية والحنبلية شيء من التوالف والمسالمة وكانوا قديما متقاربين.
فإن أبا الحسن الأشعري ما كان ينتسب إلا إلى مذهب أهل الحديث، وإمامهم عنده أحمد بن حنبل، وكان عداده في متكلمي أهل الحديث.
والأشعرية فيما يثبتونه من السنة فرع على الحنبلية كما أن متكلمة الحنبلية فيما يحتجون به من القياس العقلي فرع عليهم.
وإنما وقعت الفرقة بسبب فتنة القشيري (^٣) وكان تلميذًا لابن فورك الذي كان من أشعرية خراسان الذين انحرفوا إلى التعطيل، فلما صنف القاضي أبو يعلى الحنبلي كتابه «إبطال التأويلات» رد فيه على ابن فورك شيخ القشيري وكان الخليفة وغيره مائلين إليه. فلما صار للقشيرية دولة بسبب السلاجقة جرت تلك الفتنة (^٤).
قال ابن تيمية: " فَالْأَشْعَرِيَّةُ " وَافَقَ بَعْضُهُمْ فِي الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ وَجُمْهُورُهُمْ وَافَقَهُمْ فِي الصِّفَاتِ الحديثية؛ وَأَمَّا فِي الصِّفَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فَلَهُمْ قَوْلَانِ:
o فَالْأَشْعَرِيُّ والْبَاقِلَانِي وَقُدَمَاؤُهُمْ يُثْبِتُونَهَا.
o وَبَعْضُهُمْ يُقِرُّ بِبَعْضِهَا؛
وَفِيهِمْ تَجَهُّمٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى:
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٥).
(٢) انظر كتاب موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الأشاعرة (٢/ ٤٩٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢ - ٥٣).
(٤) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢ - ٥٤).
[ ١ / ٤٣٤ ]
• فَإِنَّ الْأَشْعَرِيَّ شَرِبَ كَلَامَ الجبائي شَيْخِ الْمُعْتَزِلَةِ وَنِسْبَتُهُ فِي الْكَلَامِ إلَيْهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ؛
• وَابْنُ الْبَاقِلَانِي أَكْثَرُ إثْبَاتًا بَعْدَ الْأَشْعَرِيِّ فِي " الْإِبَانَةِ ".
• وَبَعْدَ ابْنِ الْبَاقِلَانِي ابْنُ فورك فَإِنَّهُ أَثْبَتَ بَعْضَ مَا فِي الْقُرْآنِ.
• وَ" أَمَّا الجُوَيْنِي " وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَتَهُ: فَمَالُوا إلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ؛ فَإِنَّ أَبَا الْمَعَالِي كَانَ كَثِيرَ الْمُطَالَعَةِ لِكُتُبِ أَبِي هَاشِمٍ قَلِيلَ الْمَعْرِفَةِ بِالْآثَارِ فَأَثَّرَ فِيهِ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ.
• والقشيري تِلْمِيذُ ابْنِ فورك؛ فَلِهَذَا تغلظ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ مِنْ حِينَئِذٍ وَوَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَنْبَلِيَّةِ تَنَافُرٌ بَعْدَ أَنْ كَانُوا متوالفين أَوْ مُتَسَالِمِينَ.
وَ" أَمَّا الْحَنْبَلِيَّةُ:
• فَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ قَوِيٌّ فِي الْإِثْبَاتِ جَادٌّ فِيهِ يَنْزِعُ لِمَسَائِلِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ؛
• وَسَلَكَ طَرِيقَهُ صَاحِبُهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى؛ لَكِنَّهُ أَلْيَنُ مِنْهُ وَأَبْعَدُ عَنْ الزِّيَادَةِ فِي الْإِثْبَاتِ.
• وَأَمَّا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ فَطَرِيقَتُهُ طَرِيقَةُ الْمُحَدِّثِينَ الْمَحْضَةِ كَأَبِي بَكْرٍ الآجري فِي " الشَّرِيعَةِ " واللالكائي فِي السُّنَنِ وَالْخَلَّالُ مِثْلُهُ قَرِيبٌ مِنْهُ وَإِلَى طَرِيقَتِهِ يَمِيلُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَمُتَأَخِّرُو الْمُحَدِّثِينَ.
• [وَ" أَمَّا التَّمِيمِيُّونَ " كَأَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ أَبِي الْفَضْلِ وَابْنِ رِزْقِ اللَّهِ] (*) فَهُمْ أَبْعَدُ عَنْ الْإِثْبَاتِ وَأَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ غَيْرِهِمْ وَأَلْيَنُ لَهُمْ؛ وَلِهَذَا تَتْبَعُهُمْ الصُّوفِيَّةُ وَيَمِيلُ إلَيْهِمْ فُضَلَاءُ الْأَشْعَرِيَّةِ: كالْبَاقِلَانِي وَالْبَيْهَقِي؛ فَإِنَّ عَقِيدَةَ أَحْمَد الَّتِي كَتَبَهَا أَبُو الْفَضْلِ هِيَ الَّتِي اعْتَمَدَهَا البيهقي مَعَ أَنَّ الْقَوْمَ مَاشُونَ عَلَى السُّنَّةِ.
• وَأَمَّا ابْنُ عَقِيلٍ فَإِذَا انْحَرَفَ وَقَعَ فِي كَلَامِهِ مَادَّةٌ قَوِيَّةٌ مُعْتَزِلِيَّةٌ فِي الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ الْأَشْعَرِيُّ أَحْسَنَ قَوْلًا مِنْهُ وَأَقْرَبَ إلَى السُّنَّةِ. فَإِنَّ الْأَشْعَرِيَّ مَا كَانَ يَنْتَسِبُ إلَّا إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَإِمَامُهُمْ عَنْهُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَغَيْرُهُ فِي مُنَاظَرَاتِهِ: مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْحَدِيثِ لَمْ يَجْعَلْهُ مُبَايِنًا لَهُمْ؛ وَكَانُوا قَدِيمًا مُتَقَارِبِينَ إلَّا أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ مَا قَدْ يُنْكِرُونَهُ عَلَى مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْكَلَامِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْبِدْعَةِ؛ مَعَ أَنَّهُ فِي أَصْلِ مَقَالَتِهِ لَيْسَ عَلَى السُّنَّةِ الْمَحْضَةِ بَلْ هُوَ مُقَصِّرٌ عَنْهَا تَقْصِيرًا مَعْرُوفًا.
[ ١ / ٤٣٥ ]
وَ" الْأَشْعَرِيَّةُ " فِيمَا يُثْبِتُونَهُ مِنْ السُّنَّةِ فَرْعٌ عَلَى الْحَنْبَلِيَّةِ كَمَا أَنَّ مُتَكَلِّمَةَ الْحَنْبَلِيَّةِ -فِيمَا يَحْتَجُّونَ بِهِ مِنْ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ-فَرْعٌ عَلَيْهِمْ؛
وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بِسَبَبِ فِتْنَةِ القشيري. وَلَا رَيْبَ أَنَّ " الْأَشْعَرِيَّةَ " الخراسانيين كَانُوا قَدْ انْحَرَفُوا إلَى التَّعْطِيلِ.
وَكَثِيرٌ مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ زَادُوا فِي الْإِثْبَاتِ. وَصَنَّفَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى كِتَابَهُ فِي " إبْطَالِ التَّأْوِيلِ " رَدَّ فِيهِ عَلَى ابْنِ فورك شَيْخِ القشيري وَكَانَ الْخَلِيفَةُ وَغَيْرُهُ مَائِلِينَ إلَيْهِ؛ فَلَمَّا صَارَ للقشيرية دَوْلَةٌ بِسَبَبِ السَّلَاجِقَةِ جَرَتْ تِلْكَ الْفِتْنَةُ وَأَكْثَرُ الْحَقِّ فِيهَا كَانَ مَعَ الفرائية مَعَ نَوْعٍ مِنْ الْبَاطِلِ وَكَانَ مَعَ القشيرية فِيهَا نَوْعٌ مِنْ الْحَقِّ مَعَ كَثِيرٍ مِنْ الْبَاطِلِ.
فَابْنُ عَقِيلٍ إنَّمَا وَقَعَ فِي كَلَامِهِ الْمَادَّةُ الْمُعْتَزِلِيَّةُ بِسَبَبِ شَيْخِهِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ الْوَلِيدِ وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ التَّبَّانِ المعتزليين؛ وَلِهَذَا لَهُ فِي كِتَابِهِ " إثْبَاتِ التَّنْزِيهِ " وَفِي غَيْرِهِ كَلَامٌ يُضَاهِي كَلَامَ المريسي وَنَحْوِهِ لَكِنْ لَهُ فِي الْإِثْبَاتِ كَلَامٌ كَثِيرٌ حَسَنٌ وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ فِي كِتَابِ " الْإِرْشَادِ " مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَزِيدُ فِي الْإِثْبَاتِ لَكِنْ مَعَ هَذَا فَمَذْهَبُهُ فِي الصِّفَاتِ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ قُدَمَاءِ الْأَشْعَرِيَّةِ والْكُلَّابِيَة فِي أَنَّهُ يُقِرُّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ وَيَتَأَوَّلُ غَيْرَهُ؛ وَلِهَذَا يَقُولُ بَعْضُ الْحَنْبَلِيَّةِ أَنَا أُثْبِتُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ تَعْطِيلِ ابْنِ عَقِيلٍ وَتَشْبِيهِ ابْنِ حَامِدٍ.
• وَالْغَزَالِيُّ فِي كَلَامِهِ مَادَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ كَبِيرَةٌ بِسَبَبِ كَلَامِ ابْنِ سِينَا فِي " الشفا " وَغَيْرِهِ؛ " وَرَسَائِلِ إخْوَانِ الصَّفَا " وَكَلَامِ أَبِي حَيَّانَ التَّوْحِيدِيِّ. وَأَمَّا الْمَادَّةُ الْمُعْتَزِلِيَّةُ فِي كَلَامِهِ فَقَلِيلَةٌ أَوْ مَعْدُومَةٌ كَمَا أَنَّ الْمَادَّةَ الْفَلْسَفِيَّةَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ قَلِيلَةٌ أَوْ مَعْدُومَةٌ وَكَلَامُهُ فِي " الْإِحْيَاءِ " غَالِبُهُ جَيِّدٌ لَكِنَّ فِيهِ مَوَادَّ فَاسِدَةً: مَادَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ وَمَادَّةٌ كَلَامِيَّةٌ وَمَادَّةٌ مِنْ تُرَّهَاتِ الصُّوفِيَّةِ؛ وَمَادَّةٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ. وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ عَقِيلٍ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ مِنْ جِهَةِ تَنَاقُضِ الْمَقَالَاتِ فِي الصِّفَاتِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَكْفُرُ فِي أَحَدِ الصِّفَاتِ بِالْمَقَالَةِ الَّتِي يَنْصُرُهَا فِي الْمُصَنَّفِ الْآخَرِ؛ وَإِذَا صَنَّفَ عَلَى طَرِيقَةِ طَائِفَةٍ غَلَبَ عَلَيْهِ مَذْهَبُهَا.
• وَأَمَّا ابْنُ الْخَطِيبِ فَكَثِيرُ الِاضْطِرَابِ جِدًّا لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ وَإِنَّمَا هُوَ بَحْثٌ وَجَدَلٌ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَطْلُبُ وَلَمْ يَهْتَدِ إلَى مَطْلُوبِهِ؛ بِخِلَافِ أَبِي حَامِدٍ فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَسْتَقِرُّ. (^١) "
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ٦/ ٥١ - ٥٦.
[ ١ / ٤٣٦ ]
ثالثًا: انتساب بعض الأمراء والوزراء للمذهب الأشعري وتبنيهم له ومن أبرزهم:
أ الوزير نظام الملك الذي تولى الوزارة لسلاطين السلاجقة فتولى الوزارة لألب أرسلان وملكشاه مدة ثلاثين سنة وذلك من سنة (٤٥٥ هـ إلى ٤٨٥ هـ).
وفي عهده أنشئت المدارس النظامية نسبة إليه وذلك في عدة مدن منها البصرة، وأصفهان، وبلخ، وهراة، ومرو، والموصل، وأهمها وأكبرها المدرسة النظامية في نيسابور وبغداد.
وكان نظام الملك معظمًا للصوفية والأشعرية، إذ كان هؤلاء الذين يلقون الدروس في هذه المدارس، فكان لذلك دوره الكبير في نشر أصول العقيدة الأشعرية (^١).
ب- المهدي بن تومرت (٥٢٤ هـ) صاحب دولة الموحدين واسمه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت، الذي تلقب بالمهدي، وكان قد ظهر في المغرب في أوائل المائة الخامسة، وكان قد دخل إلى بلاد العراق، وتعلم طرفًا من العلم، وكان فيه طرف من الزهد والعبادة، ولما رجع إلى المغرب صعد إلى جبال المغرب ونشر دعوته بين أناس من البربر وغيرهم من الجهال الذي لا يعرفون من دين الإسلام إلا ما شاء الله فعلمهم بعض شرائع الإسلام واستجاز أن يظهر لهم أنواعًا من المخاريق ليدعوهم بها إلى الدين، وادعى أنه المهدي الذي بشر به رسول الله ﷺ. وعظم اعتقاد أتباعه فيه، واستحلوا بسبب ما علمهم من المعتقد الأشعري والفلسفي دماء ألوف مؤلفة من أهل المغرب المالكية الذين كانوا على معتقد أهل السنة واتهموهم زورًا وبهتانًا أنهم مشبهة مجسمة ولم يكونوا من أهل هذه المقالة (^٢).
فكان ابن تومرت هو السبب في إدخال العقيدة الأشعرية في بلاد المغرب التي كانت قبل ذلك سنية سلفية فحسبنا الله ونعم الوكيل.
ج-صلاح الدين الأيوبي، وكان صلاح الدين الأيوبي أشعريًا، فقد حفظ في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري أحد أعلام الأشعرية وصار يحفظها صغار أولاده، ولذلك نشأ هو وأولاده على المعتقد الأشعري، فحمل صلاح الدين الكافة على عقيدة أبي الحسن الأشعري، وتمادى الحال على ذلك في جميع أيام ملوك بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك (^٣).
_________________
(١) انظر موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الأشاعرة (٢/ ٥٠٠).
(٢) انظر مجموع الفتاوى (١١/ ٤٧٥).
(٣) الخطط للمقريزي (٢/ ٣٥٨).
[ ١ / ٤٣٧ ]
وقد كان لذلك دوره الكبير في نشر الأشعرية في سائر أنحاء العالم الإسلامي، فمصر التي كانت مقر الدولة الأيوبية كانت هي حاضرة العلم في تلك العصور وقد كان للأزهر دور كبير في نشر العقيدة الأشعرية التي ادخلها صلاح الدين في مصر بعد أن قضى على الدولة العبيدية الإسماعلية، ومنذ زمن صلاح الدين والأزهر يقرر عقيدة الأشاعرة إلى يومنا هذا.
والأشاعرة يخالفون أهل السنة في الكثير من مسائل الاعتقاد.
ومنها على سبيل المثال:
١ أن مصدر التلقي عندهم في قضايا الإلهيات (أي التوحيد) والنبوات هو العقل وحده، فهم يقسمون أبواب العقيدة إلى ثلاثة أبواب: إلهيات، نبوات، سمعيات، ويقصدون بالسمعيات ما يتعلق بمسائل اليوم الآخر من البعث والحشر والجنة والنار وغير ذلك.
وسموها سمعيات لأن مصدرها عندهم النصوص الشرعية وأما ما عداها أي الإلهيات والنبوات فمصدرهم فيها العقل.
٢ زعمهم أن الإيمان هو مجرد التصديق، فأخرجوا العمل من مسمى الإيمان.
٣ بناءً على تعريفهم للإيمان فقد أخرجوا توحيد الألوهية من تقسيمهم للتوحيد، فالتوحيد عندهم هو أن الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وواحد في صفاته لا نظير له. وهذا التعريف خلا من الإشارة إلى توحيد الألوهية، فلذلك فإن أي مجتمع أشعري تجد فيه توحيد الإلهية مختلًا، وسوق الشرك والبدعة رائجة لأن الناس لم يعلّموا أن الله واحد في عبادته لا شريك له.
٤ وبناءً كذلك على تعريفهم للإيمان فقد أخرجوا الاتباع من تعريفهم للإيمان بالنبي ﷺ فحصروا الإيمان بالنبي في الأمور التصديقية فقط، ومن أجل ذلك انتشرت البدع في المجتمعات الأشعرية.
٥ خالفوا أهل السنة في أسماء الله وصفاته وهذا سيأتي بيانه.
٦ خالفوا أهل السنة في باب القدر، فقولهم موافق لقول الجبرية.
٧ خالفوا أهل السنة في مسألة رؤية الله من جهة كونهم يقولون يرى لا في مكان.
٨ خالفوا أهل السنة في مسألة الكلام، فهم لا يثبتون صفة الكلام على حقيقتها بل يقولون بالكلام النفسي. إلى غير ذلك من أنواع المخالفات.
[ ١ / ٤٣٨ ]
٣ الماتريدية:
تعد الماتريدية شقيقة الأشعرية، وذلك لما بينهما من الائتلاف والاتفاق حتى لكأنهما فرقة واحدة، ويصعب التفريق بينهما. ولذلك يصرح كل من الأشاعرة والماتريدية بأن كلًا من أبى الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي هما إماما أهل السنة على حد تعبيرهم (^١).
ولعل هذا التوافق مع كونه يرجع إلى سبب رئيسي وهو توافق أفكار الفرقتين وقلة المسائل الخلافية بينهما وخاصة مع الأشعرية المتأخرة، إلا أن هناك أسباب مهمة يرجع إليها ويجب اعتبارها وأخذها في الحسبان ولعل أهمها التزامن في نشأة الفرقتين مع كون كل فرقة استقلت بأماكن نفوذ لم تنازعها فيها الفرقة الأخرى. فالماتريدية انتشرت بين الأحناف الذين كانوا متواجدين في شرق العالم الإسلامي وشماله فقل أن تجد حنفيًا على عقيدة الأشاعرة إلا ما ذكر من أن أبا جعفر السمناني -وهو حنفي-كان أشعريًا.
بينما نجد الأشعرية قد انتشرت بين الشافعية والمالكية وهم اليوم يتواجدون في وسط وغرب وجنوب وجنوب شرق العالم الإسلامي، فجل الشافعية والمالكية على الأشعرية. ولست أعني بذلك عوامهم وإنما الطبقة المثقفة منهم.
والماتريدية تنسب إلى أبي منصور محمد بن محمد بن محمود بن محمد الماتريدي المتوفى سنة (٣٣٣ هـ) (^٢) كان معدودًا في فقهاء الحنفية، وكان صاحب جدل وكلام ولم يكن له دراية بالسنن والآثار (^٣)، وقد نهج منهجًا كلاميًا في تقرير العقيدة يشابه إلى حد كبير منهج متأخري الأشاعرة، وعداده في أهل الكلام من الصفاتية من أمثال ابن كلاب وأبي الحسن الأشعري وأمثالهما. وقد تابع الماتريدي ابن كلاب في مسائل متعددة من مسائل الصفات وما يتعلق بها (^٤).
ومن المعلوم أن الأحناف وأهل المشرق عمومًا كانوا من أسبق الناس تأثرًا بعلم الكلام، فقد كانت بداية الجهم من تلك الجهات، وفي هذا يقول الإمام أحمد في معرض كلامه عن الجهم: "وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب
_________________
(١) مفتاح السعادة (٢/ ١٥١، ١٥٢) تأليف: طاش كبرى زاده
(٢) انظر ترجمته في كتاب الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات (١/ ٢٠٩) للدكتور شمس الدين الأفغاني.
(٣) العقيدة السلفية في كلام رب البرية (ص ٢٧٩) تأليف: عبد الله بن يوسف الجديع.
(٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٤٣٣)، كتاب الإيمان (ص ٤١٤)، منهاج السنة (٢/ ٣٦٢).
[ ١ / ٤٣٩ ]
عمرو بن عبيد بالبصرة. " (^١).
فبشر بن غياث المريسي (٢٢٨ هـ) والقاضي أحمد بن أبي دؤاد (٢٤٠ هـ) وغيرهما كانوا من الأحناف، فلا غرابة أن يكون الماتريدي الحنفي من أولئك الذين ناصروا علم الكلام وسعوا في تأسيسه وتقعيده، إلى أن أصبح علمًا من أعلامه وصاحب إحدى مدارس الكلام التي صارت فيما بعد تعرف باسمه.
فالماتريدي لا يبعد كثيرًا عن أبي الحسن الأشعري (في طوره الثاني) فهو خصم لَدُود للمعتزلة، إلا أنه كان متأثرًا بالمنهج الكلامي على طريقة ابن كلاب من الاعتماد على المناهج الكلامية في تقرير المسائل الاعتقادية شأنه في ذلك شأن أبي الحسن الأشعري، فكلاهما يعتبر امتدادًا لمدرسة ابن كلاب التي عرفت كمدرسة ثالثة بعد أن كان الخلاف دائرًا بين أهل السنة والجماعة من جهة، والجهمية والمعتزلة من جهة أخرى، فجاء ابن كلاب وأحدث منهجًا ثالثًا حاول فيه التلفيق بين النصوص الشرعية والمناهج الكلامية كما سبق الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن الكلابية.
فالمذهب الكلابي كان له وجوده في العراق والري وخراسان وكان له انتشار في بلاد ما وراء النهر التي كانت تغص بمختلف الطوائف والفرق (^٢).
ولم تتعرض الماتريدية للتطور الذي حصل على العقيدة الأشعرية والذي سبق بيانه في الحديث عن الأشعرية فالماتريدية بقيت على ما كانت عليه.
_________________
(١) الرد على الجهمية (ص ١٠٣ - ١٠٥).
(٢) انظر أحسن التقاسيم للمقدسي (ص ٣٢٣).
[ ١ / ٤٤٠ ]
(٧٣) "والذين قصدنا الرد عليهم في هذه الفتيا هم هؤلاء، إذ كان نفور الناس عن الأَوَّلين مشهورًا، بخلاف هؤلاء، فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة وهم في الحقيقة لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا، ولكن أولئك الفلاسفة ألزموهم في نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات، فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان، وقد علمنا الشُّبَه المانعة منه.
(٧٤) وأهل السنة يقولون لهؤلاء: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد.
ويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول وناظروه عليه، بخلاف الصفات، فإنه لم ينكر شيئًا منها أحد من العرب.
(٧٥) فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، وكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به.
(٧٦) وأيضًا: فقد عُلم أنه ﷺ قد ذمَّ أهل الكتاب على ما حرَّفوه وبدَّلوه، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات، فلو كان هذا مما حرف وبدل لكان إنكار ذلك عليهم أولى، فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجبًا منهم وتصديقًا؟، ولم يَعِبْهُم قط بما تعيب النفاةُ لأهل الإثبات، مثل: لفظ التجسيم والتشبيه ونحو ذلك، بل عابهم بقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١].
وقولهم: استراح لما خلق السماوات والأرض، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
(٧٧) والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن. فإذا جاز أن نتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان، فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى، والثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ أنه باطل فالأول أولى بالبطلان".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٤٤١ ]
يقول المصنف: "والذين قصدنا الرد عليهم في هذه الفتيا هم هؤلاء" يقصد المتكلمة ولم يقصد المؤلف بتأليف هذه الفتوى الرد على الفلاسفة، فالفلاسفة لهم ردٌ آخر، فهو أراد أن يرد على أهل الكلام.
وقوله: "إذ كان نفور الناس عن الأَوَّلين مشهورًا" أي أن قول الفلاسفة وكلامهم واضح البطلان، ونفور الناس عنه مشهور.
وقوله: "بخلاف هؤلاء، فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة" أي بخلاف أهل الكلام فإنهم تظاهروا بنصر السنة، بل وتظاهروا أنهم ضد الفلاسفة ولهم ردود وكتبٌ في ذلك.
وقال المصنف: "وهم في الحقيقة لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا، ولكن أولئك الفلاسفة ألزموهم في نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات، فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان، وقد علمنا الشُّبَه المانعة منه. " فأعظم القضايا التي فيها النزاع مع الفلاسفة هي مسألة المعاد، وحشر الناس، وتكلم هؤلاء فيها كثيرًا وردوا على الفلاسفة، والفلاسفة ردوا عليهم في مسألة الصفات، فيقول: أولئك الفلاسفة في رد نصوص الميعاد بنظير ما ادعاه أهل الكلام في نصوص الصفات أي إذا كنتم لا تقبلون الاستدلال بالنصوص في باب الصفات فمن باب أولى ألا يقبل الاستدلال بالنصوص في باب المعاد، فلم يكن عند أهل الكلام من جواب إلا أن قالوا: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه، فاحتجوا بالنصوص في إثبات المعاد.
وقول المصنف: "وأهل السنة يقولون لهؤلاء: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد".
فبالتالي أهل السنة يحتجون على أهل الكلام بجنس دليلهم، فيقولون: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد إلى آخر الكلام الذي قاله المصنف في هذه المسألة، كل هذا في تقرير أن الأصل في المسألتين واحد، وكلا المسألتين من الأمور المعلومة بالاضطرار من دين الرسول ﷺ.
فإن كنتم أجزتم التأويل في الصفات فينبغي كذلك أن تجيزوا التأويل في المعاد،
[ ١ / ٤٤٢ ]
فتشاركون الفلاسفة أو يكون الأمر أنكم تقرُّون صفات ما تقرون به في الميعاد فتكونون في أهل السنة، وأنتم لا الإسلام نصرتم، لا كنتم مع أهل السنة الذين نصروا الإسلام، ولا الفلاسفة كسرتم؛ لأنكم وافقتموهم في شيء وخالفتموهم في شيء، ووافقتم أهل السنة في شيء وخالفتموهم في شيء.
فلا كسرتم الفلاسفة ولا نصرتم الإسلام بهذا، بل قولكم أصبح حجة للفلاسفة عليكم، فمثل هذا ينبغي أن يواجه به كل متكلم من الأشاعرة وغيرهم، فقل له: لماذا أنت في نصوص الميعاد تقبل هذه النصوص على ظاهرها، ولا تقبل ذلك في نصوص الصفات، فلماذا فرَّقت بين الأمرين، ولماذا أنت عندما يأتي النقاش مع الفيلسوف تحتج بمثل هذا في نصوص الميعاد وتترك ذلك في نصوص الصفات؟
وقوله: "وأهل السنة يقولون لهؤلاء: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد.
ويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول وناظروه عليه، بخلاف الصفات، فإنه لم ينكر شيئًا منها أحد من العرب".
أراد المصنف هنا أن يقرِّر أن الأمر واحد، بل إن نصوص الصفات أكثر وأعظم من نصوص المعاد، وهؤلاء، يعني مشركو العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد وقد أنكروه على الرسول، (قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) يس ٧٨، ولكن ما أنكروا الصفات، فإنه لم ينكر شيئًا منها أحدٌ من العرب شيئًا من الصفات.
وقوله: "فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، وكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به".
أي فعُلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم وقوعًا عند المنكرين من إنكار الصفات، فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟
يعني كيف يقبل هذا في المعاد ولا يقبل في الصفات؟، فإذًا أنتم فرَّقتم بين النصوص، فقبلتم ذلك في المعاد ولم تقبلوه في الصفات، مع أن نصوص الصفات أوضح، وأكثر في النص،
وقوله: "وأيضًا: فقد عُلم أنه ﷺ قد ذمَّ أهل الكتاب على ما حرَّفوه وبدَّلوه، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات، فلو كان هذا مما حرف وبدل لكان إنكار ذلك عليهم
[ ١ / ٤٤٣ ]
أولى، فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجبًا منهم وتصديقًا؟، ولم يَعِبْهُم قط بما تعيب النفاةُ لأهل الإثبات"
أي قد عُلم أنه ﷺ ذم أهل الكتاب على ما بدَّلوه وحرَّفوه، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات فلو كان هذا مما حُرِّف وبُدِّل لكان إنكار ذلك عليهم أولى، فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يعني يضحك ويتعجب منهم تصديقًا له.
ألم يأتي ذلك اليهودي إلى النبي ﷺ وقال: يا محمد إن الله يُمسك السموات على أصبع، والجبال على أصبع والشجر على أصبع والخلائق على أصبع،، حتى بدت نواجذه.
فكان ﷺ لم يعبهم قط على ما ذكروه في هذا، كما يعيب هؤلاء على أهل الإثبات، فعندما تُذكر هذه النصوص يقولون: مشبِّهة مجسِّمة حشوية، هكذا ينبزون أهل السنة بألفاظ التجسيم والتشبيه.
فالعيب وقع على اليهود لما وصفوا الله بالنقص، فقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، لو كان في إثبات اليدين أو في إثبات الوجه أو في إثبات الأصابع نقص لنفاه الله ﷾، فهل يُعقل أنه يَذُمُّ الواصفين له بالنقص، ثم في نفس الوقت يصف نفسه بالنقص؟، ألا يكون هذا تناقضًا؟، فكيف يظنُّ من يصف نفسه بوصف ثم يمدح نفسه بأمرٍ هو في حقه نقص كما زعم هؤلاء.
ففي أول الآية، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾، أليس هذا ذم لهم؟ ثم قال بعدها ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، فكيف يذم الواصفين له بالنقص ثم يصف نفسه بالنقص لو كان في إثبات اليدين نقص، هل يُعقل هذا؟ فهذا لا يمكن أن يقبله عاقل.
وقوله: "والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن. فإذا جاز أن نتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان، فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى، والثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ أنه باطل فالأول أولى بالبطلان".
أي أن التوراة مملوءة بذكر الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، مع أن التوراة ليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن، فإذا أجاز أن تتأوَّل الصفات التي اتفق عليها الكتابان، فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى.
والثاني: مما يُعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه باطل، فالأوَّل أولى بالبطلان،
[ ١ / ٤٤٤ ]
إما أن يجمعوا بين المسألتين، أو يعني يكونون على الباطل، فلماذا يقبلون التأويل في الصفات ويتركون التأويل في نصوص المعاد؟، فهذا من الأمور التي يُحتج بها على هؤلاء.
[ ١ / ٤٤٥ ]
(٧٨) "وأما الصنف الثالث: وهم أهل التجهيل: فهم كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف. يقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يعرف معاني ما أنزل الله عليه من آيات الصفات، ولا جبريل يعرف معاني [تلك] الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك.
وكذلك قولهم في أحاديث الصفات: إن معناها لا يعلمه إلا الله، مع أن الرسول تكلم بهذا ابتداءً، فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه.
وهؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، فإنه وقف كثير من السلف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ وهو وقف صحيح [لكن] لم يفرقوا بين معنى الكلام وتفسيره، وبين التأويل الذي انفرد الله تعالى بعمله، وظنوا أن التأويل [المذكور] في كلام الله تعالى هو التأويل المذكور في كلام المتأخرين، وغلطوا في ذلك.
من الافتراءات التي أُلصقت بمذهب السلف أهل السنة والجماعة، أنهم يؤمنون بألفاظٍ مجرَّدة دون التطرق للمعاني، وهو ما يسميه من ينسبه إليهم مذهب التفويض، واستدلوا لذلك بقول أكثر من واحد من أئمة السلف في نصوص الصفات: «أمروها كما جاءت»، وهم إنما نفوا العلم بالكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصّفة.
وهذا الزعم فيه تجهيل للسلف، واتهام لهم بعدم العلم، وحقيقة الأمر أن السلف كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا للنصوص الشرعية، وبخاصة ما يتعلق منها بمعرفة الله ﷿، يؤمنون بألفاظها، ويعرفون معانيها، لكن لم يكونوا يتكلفون ما لم يحيطوا به علمًا ولا فهما، ولا يخوضون في كيفية ذات الله ﷿ وصفاته.
فالسلف يؤمنون بأسماء الله وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني والأحكام، أما كيفيتها فيفوضون علمها إلى الله.
وهم برآء مما اتهمهم به المعطلة الذين زعموا أن السلف يؤمنون، بألفاظ نصوص الأسماء والصفات، ويفوضون معانيها.
[ ١ / ٤٤٦ ]
فإنهم كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا لآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ، خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى، فكانوا يدرون معاني ما يقرأون ويحملون من العلم، ولكنهم لم يكونوا يتكلفون الفهم للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضون في كيفيات الصفات شأن أهل الكلام والبدع، فإنهم حين خاضوا في ذات الله وصفاته وقعوا في التأويل والتعطيل، وإنما ألجأهم إلى ذلك، الضيق الذي دخل عليهم بسبب التشبيه، فأرادوا الفرار منه فوقعوا في التعطيل،، ولم يقع تعطيل إلا بتشبيه، ولو أنهم نزهوا الله تعالى ابتداء عن مشابهة الخلق، وأثبتوا الصفة مع نفي المماثلة لسلموا ونجوا، ولوافقوا اعتقاد السلف ولبان لهم أن السلف لم يكونوا حملة أسفار لا يدرون ما فيها.
ومن تدبر كلام أئمة السلف المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب، وأن الذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، ولذلك صار أولئك الذين خالفوا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (^١).
ومن له اطِّلاع على أقوال السلف المدونة في كتب العقيدة والتفسير والحديث، يدرك أن السلف تكلموا في معاني نصوص الصفات، وبينوها ولم يسكتوا عنها، وهذه الأقوال أكبر شاهدٍ على فهم السلف لتلك النصوص وإدراك معانيها (^٢).
ودعوى تفويض معاني النصوص دعوى مرفوضة وهي دليل على جهل المخالفين بأقوال السلف في هذا الباب.
وقد حاول أولئك تمرير هذا الباطل تحت عدد من المسميات، فقد أثاروا هذه المسألة تحت قضية المحكم والمتشابه، وتحت دعوى التأويل، وتحت دعوى المجاز، وتحت دعوى التفويض، وغيرها من المسائل.
أشار المصنف هنا بشيء من الإجمال إلى أصحاب هذا القول، وبين في أخر الفتوى الحموية تفاصيل بعض قولهم فقال: "وأما القسمان الواقفان:
- فقسم يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله، ويجوز ألا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.
- وقسم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات".
_________________
(١) الآية ١٧٦ من سورة البقرة
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩، ٧/ ١٠٨ - ١٠٩).
[ ١ / ٤٤٧ ]
الواقفان الذين يقفون في هذا على أحد قولين:
- قسم يقول: تجرى على ظاهرها، ومع ذلك يجوز أن يكون المراد أمرًا آخر، فيجوز أحد الاعتبارين، أحد الحالين، يجوز في نفس الوقت إجراؤها على ظاهرها، ويجوز في نفس الوقت أن يكون لها معنى آخر لا يعلمه إلا الله تعالى، فهذا فرق بينه وبين الذي قبله، فالذي قبله يجزم بأنها على خلاف ظاهرها لكن يسكت عن تحديد المراد، أما هذا فيجوِّز الحالين، يجوِّز الحالين معًا وهذا في غاية التناقض لأنه جمع بين ضدين.
- وقسم أصحاب الجهل البسيط الذين يمسكون عن هذا كله، ويقولون: نحن نقرأ القرآن ولا نتجاوز قراءة النص، ونُعرض عن هذا كله، وهذا يعني لا شك أنه إعراض عن ذكر الله ﷾.
ويذكر شيخ الإسلام سبب نشوء هذه الشبهة فيقول عن المفوضة: "هم طائفة من المنتسبين إلى السنة، وأتباع السلف، تعارض عندهم المعقول والمنقول، فأعرضوا عنها جميعا بقلوبهم وعقولهم، بعد أن هالهم ما عليه أصحاب التأويل من تحريف للنصوص، وجناية على الدين فقالوا في أسماء الله وصفاته، وما جاء في ذكر الجنة والنار، والوعد والوعيد إنما هي نصوص متشابهة لا يعلم معناها إلا الله تعالى.
وهم طائفتان من حيث إثبات ظواهر النصوص ونفيها.
الأولى تقول: المراد بهذه النصوص خلاف مدلولها الظاهر، ولا يعرف أحد من الأنبياء، ولا
الملائكة، ولا الصحابة، ولا أحد من الأمة، ما أراد الله بها، كما لا يعلمون وقت الساعة.
الثانية تقول: بل تحري على ظاهرها، وتحمل عليه، ومع هذا، فلا يعلم تأويلها إلا الله تعالى فتناقضوا؛ حيث أثبتوا لها تأويلا يخالف ظاهرها، وقالوا، مع هذا بأنها تحمل على ظاهرها.
وهم أيضا طائفتان؛ من حيث علم الرسول ﷺ بمعاني النصوص
الأولى تقول: إن الرسول ﷺ كان يعلم معاني النصوص المتشابهة، لكنه لم يبين للناس المراد منها، ولا أوضحه إيضاحا يقطع النزاع، وهذا هو المشهور عنهم.
والثانية تقول: وهم الأكابر منهم، أن معاني هذه النصوص المتشابهة لا يعلمها إلا الله، لا الرسول، ولا جبريل، ولا أحد من الصحابة والتابعين، وعلماء الأمة.
وعند الطائفتين أن هذه النصوص إنما أنزلت للابتلاء، والمقصود منها تحصيل
[ ١ / ٤٤٨ ]
الثواب بتلاوتها، وقراءتها، من غير فقه، ولا فهم) (^١).
ويرى شيخ الإسلام أن القول بالتفويض يفضي إلى (القدح في الرب جلا وعلا، وفي القرآن الكريم، وفي الرسول ﷺ؛ وذلك بأن يكن الله تعالى أنزل كلامًا لا يفهم، وأمر بتدبر ما لا يتدبر، وبعقل ما لا يعقل، وأن يكون القرآن الذي هو النور المبين والذكر الحكيم سبب لأنواع الاختلافات، والضلالات، بل يكون بينهم، وكأنه بغير لغتهم، وأن يكون الرسول ﷺ لم يبلغ البلاغ المبين، ولا بين للناس ما نزل إليهم، وبهذا يكون قد فسدت الرسالة، وبطلت الحجة، وهو الذي لم يتجرأ عليه صناديد الكفر) (^٢)
وهذه الشبه سيرد عليها المصنف في النصوص الآتية وذلك من وجهين:
الوجه الأول: بيان أن النصوص معلومة المعنى، وذلك من خلال بيان معاني لفظ (التأويل) والمقصود منه.
والوجه الثاني: النقول الواردة عن سلف الأمة في بيان معاني نصوص الصفات وتفسيرهم لها.
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ١٦/ ٤٤٢.
(٢) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل: ١/ ٢٠٤.
[ ١ / ٤٤٩ ]
(٧٩) "فإن التأويل يراد به ثلاث معان:
فالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين هو: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك.
فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهره تأويلًا على اصطلاح هؤلاء، وظنوا أن مراد الله بلفظ التأويل ذلك، وأن للنصوص تأويلًا مخالف لمدلولها لا يعلمه إلا الله، أو يعلمه المتأولون.
ثم كثير من هؤلاء يقولون: تجرى على ظاهرها، فظاهرها مراد. مع قولهم: إن لها تأويلًا بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله، وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم.
والمعنى الثاني: [أن] التأويل هو تفسير الكلام، سواء وافق ظاهره أو لم يوافقه، وهذا هو التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم، وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم، وهو موافق لوقف من وقف من السلف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ كما نقل ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، ومحمد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن إسحاق، وابن قتيبة وغيرهم.
وكلا القولين حق باعتبار، كما قد بسطناه في مواضع أُخَر، ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا وكلاهما حق.
والمعنى الثالث: أن التأويل: هو الحقيقة التي يؤول الكلام إليها، وإن وافقت ظاهره، فتأويل ما أخبر به في الجنة من الأكل والشرب واللباس والنكاح وقيام الساعة وغير ذلك، هو الحقائق الموجودة أنفسها، لا ما يتصور من معانيها في الأذهان، ويعبر عنه باللسان، وهذا هو التأويل في لغة القرآن كما قال تعالى عن يوسف ﵇ أنه قال: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]. وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٤٥٠ ]
وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله.
فتأويل الصفات هو الحقيقة التي انفرد الله بعلمها، وهو الكيف المجهول الذي قال فيه السلف كمالك وغيره: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول» فالاستواء معلوم يعلم معناه وتفسيره ويترجم بلغة أخرى، وأما كيفية ذلك الاستواء، فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.
وقد رُوي عن ابن عباس ﵁ ما ذكره عبد الرزاق وغيره في تفسيرهم عنه أنه قال: «تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله ﷿ من ادعى علمه فهو كاذب.
وهذا كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، وقال النبي ﷺ: «يقول الله: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عَيْن رأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَر على قَلْب بَشَر».
وكذلك عِلْم الساعة ونحو ذلك، فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، وإن كنا نفهم معاني ما خوطبنا به، ونفهم من الكلام ما قصد إفهامنا إياه، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، فأمر بتدبر القرآن كله لا بتدبر بعضه.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: «حدثنا الذين كانوا يُقرؤوننا القرآن عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا».
وقال مجاهد: «عرضتُ المصحف على ابن عباس ﵄ من فاتحته إلى خاتمته، أقف عند كل آية أسأله عنها».
وقال الشعبي: «ما ابتدع أحدٌ بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها».
وقال مسروق: «ما قال أصحابُ محمد ﷺ عن شيء إلا وعِلْمُه في القرآن، ولكن عِلْمُنا قَصُرَ عنه».
وهذا بابٌ واسعٌ قد بُسط في موضعه."
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٤٥١ ]
بين المصنف أن التأويل يراد به ثلاثة معانٍ:
الأول: تفسير اللفظ وبيان معناه، وهذا اصطلاح السلف، وجمهور المفسرين، وهو موافق لقول من قال بالوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (^١).
الثاني: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، وهي وقوع المخبر به في وقته الخاص إذا كان الكلام خبرًا، أو امتثال ما دلَّ عليه الكلام إذا كان الكلام طلبًا، وهذا اصطلاح آخر قال به السلف الصالح.
الثالث: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك، وهذا اصطلاح كثير من المتأخرين (^٢).
ولفظ التأويل في القرآن يراد به:
أولًا: ما يؤول الأمر إليه، وإن كان موافقًا لمدلول اللفظ ومفهومه في الظاهر.
ثانيًا: ويراد به تفسير الكلام وبيان معناه، وإن كان موافقًا له، وهو اصطلاح المفسرين المتقدمين كمجاهد وغيره.
وأما القسم الثالث الذي يراد به صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى المرجوح لدليل يقترن بذلك.
فتخصيص لفظ التأويل بهذا المعني إنما يوجد في كلام بعض المتأخرين فأما الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم فلا يخصون لفظ التأويل بهذا المعني، بل يريدون المعني الأول أو الثاني.
ولهذا لما ظن طائفة من المتأخرين أن لفظ التأويل في القرآن والحديث في مثل قوله تعالي ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾ آل عمران: ٧، أريد به هذا المعني الاصطلاحي الخاص، واعتقدوا أن الوقف في الآية عند قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ لزم من ذلك أن يعتقدوا أن لهذه "الآيات
_________________
(١) الآية [٧] من سورة آل عمران.
(٢) انظر: في هذه التعريفات: الفتوى الحموية ص (٧٠ - ٧١)، التدمرية ص (٩٠ - ٩٦)، الإكليل في المتشابه والتأويل، ضمن مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٨٨ - ٢٩٤). وللتوسع انظر: جناية التأويل الفاسد ص (٨ - ٣٠)، موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة ص (٤٨١ - ٥٠١).
[ ١ / ٤٥٢ ]
والأحاديث معاني تخالف مدلولها المفهوم منها، وأن ذلك المعني المراد بها لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه الملك الذي نزل بالقرآن، وهو جبريل ولا يعلمه محمدًا ﷺ ولا غيره من الأنبياء، ولا تعلمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وأن محمدًا ﷺ كان يقرأ قوله تعالي ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه: ٥ قوله ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ فاطر: ١٠ وقوله ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة: ٦٤ وغير ذلك من آيات الصفات، بل ويقول: "ينزل ربنا كل ليلة إلي السماء الدنيا" ونحو ذلك، وهو لا يعرف معاني هذه الأقوال، بل معناها الذي دلت عليه لا يعلمه إلا الله، ويظنون أن هذه طريقة السلف.
قال ابن القيم: «والمقصود أن التَّأْوِيل يتجاذبه أصلان: التفسير، والتَّحْرِيف.
فتأويل التفسير هو الحق، وتأويل التَّحْرِيف هو الباطل.
فتأويل التَّحْرِيف مِنْ جنس الإلحاد؛ فإنه هو الميلُ بالنصوصِ عن ما هي عليه، إما بالطعن فيها أو بإخراجها عن حقائقها مع الإقرار بلفظها، وكذلك الإلحاد في أسماء الله يكون بجحد معانيها وحقائقها، وتارةً يكون بإنكار المسمَّى بها، وتارة يكون بالتشريك بينه وبين غيره فيها.
فالتَّأْوِيل الباطل هو إلحادٌ وتحريفٌ، وإن سماه أصحابه تحقيقًا وعرفانًا وتأويلًا.
فمِن تأويل التَّحْرِيف والإلحادِ تأويلُ الجهمية قولَه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، أي: جَرَحَ قلبَه بالحِكم والمعارف تجريحًا.
ومن تحريف اللفظ إعراب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ من الرفع إلى النصب، وقال: (وكلَّم اللهَ) أي: موسى كلم اللهَ، ولم يكلمه اللهُ، وهذا من جنس تحريف اليهود، بل أقبح منه، واليهود في هذا الموضع أولى بالحق منهم.
ولما حرَّفها بعضُ الجهمية هذا التَّحْرِيف قال له بعض أهل التوحيد: فكيف تصنعُ بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؟! فَبُهِتَ المحرِّف.
ومن هذا أنَّ بعض الفرعونيَّة سأل بعضَ أئمة العربية هل يمكن أن يُقرأ العرش بالرفع في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟ وقصد الفرعونيُّ بهذا التَّحْرِيف أن يكون الاستواء صفة للمخلوق، لا للخالق.
ولو تَيَسَّر لهذا الفرعوني هذا التَّحْرِيف في هذا الموضع لم يتيسر له في سائر الصفات» (^١).
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢١٥ - ٢١٨).
[ ١ / ٤٥٣ ]
(٨٠) "والمقصود هنا التنبيه على أُصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلال في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول ﷺ، وأن من جعل الرسول غير عالم بمعاني القرآن الذي أُنزل إليه، ولا جبريل جعله غير عالم بالسمعيات، لم يجعل القرآن هدى ولا بيانًا للناس.
(٨١) ثم هؤلاء ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية، فلا يجعلون عند الرسول ﷺ وأمته في باب معرفة الله ﷿ لا علومًا عقلية ولا سمعية، وهم قد شاركوا في هذا الملاحدة من وجوه متعددة، وهم مخطئون فيما نسبوه إلى الرسول ﷺ وإلى السلف من الجهل، كما أخطأ في ذلك أهل التحريف والتأويلات الفاسدة، وسائر أصناف الملاحدة".
فبعد أن بين المصنف-رحمه الله تعالى-أقسام أهل التعطيل وبين مسالكهم في تعطيلهم نبَّه هنا إلى أمرٍ هام، وهو: أن تلك المقالات الفاسدة أوجبت الضلال في باب العلم والإيمان، الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ، وكذلك في تلك المقالات هدمٌ لأصلي الدين، وهدمٌ للأمور التي يُستمد منها هذا الدين.
ولذلك رحم الله السجزي في رسالته إلى أهل زبيد، لما أرسل إليه بعض أهل السنة من أهل زبيد يسألونه في مسألة الحرف والصوت، فذكر في هذه الرسالة في رسالته إلى أهل زبيد الرد على من أنكر الحرف والصوت، أرسل إليهم وبين لهم قواعد بها يعرف الإنسان من على السنة ومن ليس على السنة.
فقال-﵀-في أول ما قال:
"ولا خلاف بين المسلمين في أن كتاب الله لا يجوز رده بالعقل. بل العقل دل على وجوب قبوله والائتمام به، وكذلك قول الرسول ﷺ إذا ثبت عنه لا يجوز رده، وأن الواجب رد كل ما خالفهما أو أحدهما.
واتفق السلف على أن معرفة الله من طريق العقل ممكنة غير واجبة، وأن الوجوب من طريق السمع لأن الوعيد مقترن بذلك قال تعالى: " ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
[ ١ / ٤٥٤ ]
فلمّا علمنا بوجود العقل قبل الإِرسال، وأن العذاب مرتفع عن أهله، ووجدنا من خالف الرسل والنصوص مستحقا للعذاب بينا أن الحجّة هي ما ورد به السمع لا غير.
وقد اتفقنا أيضًا على أن رجلًا لو قال: العقل ليس بحجّة في نفسه وإنما يعرف به الحجّة لم يكفر ولم يفسق، ولو قال رجل: كتاب الله سبحانه ليس بحجّة علينا بنفسه، كان كافرًا مباح الدم.
فتحققنا أن الحجّة القاطعة هي التي يرد بها السمع لا غير.
ووجدنا أيضًا القائلين بالعقل المجرّد وأنه أوّل الحجج مختلفين فيه، كلّ واحد يزعم أنّ الحقّ معه وأنّ مخالفه قد أخطأ الطريق، ولا سبيل إلى من يحكم بينهم في الحال، وإنما الحاصل دوام الجدل المنهي عنه،
ونجدهم أيضًا يقولون اليوم قولًا يزعمون أنه مقتضى العقل، ويرجعون عنه غدا إلى غيره، وما كان بهذه المثابة لا يجب أن يكون حجّة في نفسه.
ووجدنا الكتاب المنزل غير جائز ورود النسخ عليه.
وقد وجب علينا الإذعان له، والدخول تحت حكمه، فكانت الحجّة فيه لا في مجرّد العقل.
وإنما ورد الكتاب بالتنبيه على العقل وفضله وبيّن أن من خالف الكتاب ممن لا يعقل لأنّ العقل يقتضي قبول العبد من مولاه، وترك ظنه له، ومصيره إلى طاعته ويحكم بقبح ما خالف ذلك؛ وفي هذا القدر كفاية إن شاء الله تعالى. (^١) "
وقال ﵀: "اعلموا رحمكم الله أنّ السنة في لسان العرب هي: الطريقة فقولنا: سنّة رسول الله ﷺ يعني: طريقته، وما دعا إلى التمسك به ولا خلاف بين العقلاء في "أن سنّة الرسول ﵇ لا تعلم بالعقل وإنما تعلم بالنقل.
فأهل السنة: هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح ﵏ عن الرسول ﷺ أو عن أصحابه ﵃ فيمالم يثبت فيه نص في الكتاب ولا عن الرسول ﷺ لأنهم ﵃ أئمة، وقد أمرنا باقتداء آثارهم، واتباع سنّتهم وهذا أظهر من أن يحتاج فيه إلى إقامة برهان. والأخذ بالسنّة واعتقادها مما لا مرية في وجوبه.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾، وقال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت: ص: ١٣٤ - ١٣٩.
[ ١ / ٤٥٥ ]
" عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإنّ كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة " وقال عبد الله بن عمر ﵄: "من خالف السنّة كفر" (^١)
"وإذا كان الأمر كذلك فكلّ مدع ١ للسنّة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله، فإن أتى بذلك عُلِم صدقه، وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، علم أنه محدث زائغ وأنه لا يستحق أن يصغا ٢ إليه أو (يناظر) ٣ في قوله، وخصومنا المتكلمون معلوم منهم أجمع اجتناب النقل والقول به بل تمحينهم ٤ لأهله ظاهر، ونفورهم عنهم بين، وكتبهم عارية عن إسناد بل يقولون: قال الأشعري، وقال ابن كلاب، وقال القلانسي/ وقال الجبائي ٥ فأقل ما يلزم المرء في بابهم أن يعرض ما قالوه على ما جاء عن النبي ﷺ، فإن وجده موافقًا له"
"ومستخرجًا منه قبله، وإن وجده مخالفًا له رمى به ١.
ولا خلاف أيضًا في أن الأمة ممنوعون من الإحداث في الدين ومعلوم أن القائل بما ثبت من طريق النقل الصحيح عن الرسول ﷺ، لا يسمى محدثًا بل يسمى سنّيًا متبعًا، وأن من قال في نفسه قولا وزعم أنه مقتضى عقله، وأنّ الحديث المخالف له لا ينبغي أن يلتفت إليه، لكونه من أخبار الآحاد وهي لا توجب علمًا وعقله موجب للعلم، يستحقّ أن يسمى محدثًا مبتدعًا، مخالفًا، ومن كان له أدنى تحصيل أمكنه أن يفرق بيننا وبين مخالفينا بتأمل هذا الفصل في أوّل وهله ويعلم أن أهل السنّة نحن دونهم وأنّ المبتدعة خصومنا دوننا. وبالله التوفيق" (^٢)
وهكذا بدأ السجزي في رسالته إلى أهل زبيد يؤصِّل أصولًا لكي يقف بها طالب العلم على حقيقة أقوال المخالفين وحقيقة بُعدِها عن الكتاب والسنة.
وهكذا ينبغي لطالب العلم أن ينظر في هذا الكتاب، لأنه عقد فيه فصولًا تستطيع بها أن تميز بين أهل السنة وبين غيرهم، وتستطيع كذلك أن تجابه بها أي معترض، وأي مبتدع، ثم إن المبتدع غالبًا يحاول أن يُلقي ظلالًا من الشك، أو يُلقي بعض الشُبه لكي تصدَّ طالب العلم المبتدئ عن الحق.
_________________
(١) "ذكره الهيثمي عن مورق قال: "سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر فقال ركعتين ركعتين من خالف السنّة كفر، وقال رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح " أ. هـ. مجمع الزوائد ٢/ ١٥٤ - ١٥٥، ولم أجده في المطبوع من المعجم. "
(٢) رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت: ص ١٤٢ - ١٤٧.
[ ١ / ٤٥٦ ]
فيقول السجزي: إن أهل البدع يشوِّشون على المبتدئين وعلى عامة الناس، لكن من طبق هذه القواعد يستطيع بذلك أن يميز بين الحق والباطل، لذلك ينبغي علينا أن نحرص على مثل هذا الكتاب وعلى قراءته، لأنه يعرض لنا نموذجًا من الخلاف الحاصل بين أهل السنة وبين المبتدعة.
فالمصنف كما بين وقال: هؤلاء دائمًا يشككون في النصوص ولا يستندون إليها ويطعنون فيها، وبالتالي إذا حيل بينك وبين الأصل واستطاع هؤلاء أن يصدوك عن الحق تصبح بعد ذلك عرضة لأهل الباطل ولشبههم وأقوالهم.
[ ١ / ٤٥٧ ]
(٨٢) فقال هنا: "والمقصود هنا التنبيه على أُصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلال في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول ﷺ، وأن من جعل الرسول غير عالم بمعاني القرآن الذي أُنزل إليه، ولا جبريل جعله غير عالم بالسمعيات، لم يجعل القرآن هدى ولا بيانًا للناس".
فهذا هو شأنهم مع الأصل ومع النصوص، يحاولون التشكيك في دلالتها والتشكيك في ثبوتها، وحتى التشكيك في قائلها الذي هو النبي ﷺ.
ثم هؤلاء يُنكرون العقليات في هذا الباب بالكلية، فلا يجعلون عند الرسول ﷺ وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم في باب معرفة الله ﷿ لا علومًا عقلية ولا سمعية لأنهم يقولون: إن هؤلاء مفوضة كانوا يقرؤون هذه النصوص ولا يدرون ما هي معانيها.
فهكذا يستمر هجومهم على الحق وعلى القائلين به، وهؤلاء جعلوا النبي ﷺ وجعلوا سلف الأمة أُناسًا يقرؤون القرآن ولا يفقهون معناه، وأنهم هم الذين استطاعوا أن يفقهوا تلك المعاني وأن يعرفوها، فهؤلاء كما يقول المصنف شاركوا الملاحدة من وجوهٍ متعددة، فإذا كان الملاحدة يقولون: هذه خيالات فأيضًا هؤلاء شاركوهم في بعض الأحيان في ذلك، فيقولون: إنما قال النبي ﷺ هذه الأمور من باب أن يخاطب هؤلاء بما يعقلون.
فيقولون: إن النبي ﷺ خاطبهم بذكر الاستواء وذكر اليد، وذكر الرضا وذكر الغضب وغير ذلك لأن هؤلاء لا يؤمنون إلا بهذا الأسلوب، فهذا وجه مشاركة بين الأشاعرة أهل الكلام وبين الملاحدة من الفلاسفة، ولاشك أنهم مخطئون فيما نسبوه إلى النبي ﷺ وإلى السلف من الجهل، كما أخطأ في ذلك أهل التحريف والتأويلات الفاسدة وسائر أصناف الملاحدة.
[ ١ / ٤٥٨ ]
(٨٣) "ونحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها، وألفاظ من نقل مذهبهم بحسب ما يحتمله هذا الموضع ما يعلم به مذهبهم".
فبعد أن أصل المصنف لمنهج السلف وبين حال المنحرفين عن هذا المنهج، انتقل إلى ذكر ألفاظ السلف، والمقولات عن السلف؛ لأنه للأسف مرَّت فترة من الزمن عمت فيها الأشعرية والماتريدية وانتشرت بسبب تمكين بعض السلاطين لها كما أسلفنا، وبالتالي نتج عن ذلك البعُدٌ عن كتب السلف، وعن تركٍ للمعتقد الصحيح.
وحتى لا يقول القائل هذا الكلام من أفكار ابن تيمية ومن آرائه الخاصة، هذا الكلام ما كان عليه السلف الصالح، فالمصنف هنا يريد أن يوصل القارئ بكلام السلف ليعرف حقيقة أقوال السلف، ويزيل عنها التشويه الذي أراد هؤلاء أن يلحقوه بمذهب السلف وبمعتقدهم؛ لأن هؤلاء نشروا أن معتقد السلف هو التفويض وأنهم كانوا يقرؤون النصوص ولا يفقهون معانيها.
فبدأ المصنف هنا وسيستمر ذلك في جُلِّ الكتاب على هذا المنوال، في سائر الكتاب إلا في صفحات قليلة في آخره سيستمر على هذه النقول، وهذا فيه ردٌ على من يقول من المبتدعة اليوم هذه أفكار ابن تيمية وأراء ابن تيمية، وابن تيمية بذلك شذَّ وخرج عما عليه أهل السنة والجماعة، وأنت ترى أن مِنْ منهج شيخ الإسلام ابن تيمية وهذه طريقته في سائر كتبه، إذا أراد أن يقرر الحق في مسألة من المسائل يرجع بك إلى أصولها فتنبه لهذا.
عندما تقرأ في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية عليك أن تعلم أن من طريقته في كل مسألة وقع فيها اختلاف، اعتماده الخطوات الآتية:
أولًا: يؤصل للمسألة بحيث يبين أصول أهل السنة فيها والتي تتمثل بالرجوع إلى الكتاب السنة وفق فهم السلف الصالح.
ثانيًا: يبين معتقد أهل السنة والجماعة في المسألة مستدلًا لذلك بنصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، فهذا هو معتقد أهل السنة: كتابٌ وسنة وفق فهم سلف الأمة،
[ ١ / ٤٥٩ ]
ثالثًا: يبين أقوال المخالفين يتعرض للشُبهة التي يحاول هؤلاء أن يلحقوها بالحق، ثم بعد ذلك من منهجه أنه يردُّ على الأُسُسَ التي اعتمدها أولئك في باطلهم.
فهذه طريقته وهذا منهجه في سائر المسائل التي يتكلم عنها، فهو من جهة يعيد الأمر إلى أصله وأساسه ويحيي ما اندثر من علم السلف، وهذه قضية ميزت كلام وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، فامتاز بذلك أنه في سائر كتبه إذا ناقش مسألة من المسائل فإنه يعيدك إلى أصولها حتى تفهم أن هذا هو قول الله فيها، وهذا هو قول رسوله ﷺ، وهذا قول السلف الصالح.
فهنا يقول: "ونحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها، وألفاظ من نقل مذهبهم بحسب ما يحتمله هذا الموضع ما يعلم به مذهبهم". فهذا إحياءٌ لمذهب السلف.
[ ١ / ٤٦٠ ]
(٨٤) "روى أبو بكر البيهقي في "الأسماء والصفات" بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته" (^١).
(٨٥) فقد حكى الأوزاعي وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التابعين، الذين هم مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله فوق العرش، وبصفاته السمعية، وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه والنافي لكتابه ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك.
(٨٦) وروى أبو بكر الخلال في "كتاب السنة" عن الأوزاعي قال: "سُئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث، فقالا: أَمِرُّوها كما جاءت".
نقل المصنف عن البيهقي الذي نقل عن الأوزاعي، والأوزاعي هو الأوزاعي الذي له وزنه كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، فانظر إلى هذا النص: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته".
فهو هنا فسَّر الاستواء وأثبت الفوقية، لأن استوى بمعنى علا وارتفع، فالله ﷾ عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه، فهذا هو منهج السلف الصالح، كنا والتابعون متوافرون نقول: أن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. فهل يقال بعد ذلك هذا تفويض للاستواء وللعلو كما يزعم المعطلة.
فهذا نقلٌ من النقول عن أحد أئمة السلف وهو الأوزاعي، الذي يقول عنه المصنف: "أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التابعين، الذين هم مالك إمام أهل
_________________
(١) انظر كتاب الأسماء والصفات صفحة (٣٠٤).
[ ١ / ٤٦١ ]
الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق"، فهذا يعني شهرة هذا القول الذي نقله الأوزاعي في الإيمان بأن الله تعالى فوق العرش، والإيمان بالصفات التي جاءت بها النصوص.
فقوله هنا: "ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته" فيه رد على المعطلة، فمثلًا الأشاعرة يقولون لا نؤمن إلا بالصفات العقلية، لأن الصفات السبع الذي يجمع بينها عندهم كونها صفات دل عليها العقل، أما ما لا يدل عليه العقل فهذا لا يثبتونه (^١).
وقال المصنف: "وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه والنافي لكتابه ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك"، فالجهم ظهر في أواخر عصر التابعين، والأوزاعي في عصر تابعي التابعين، فذكر هذا ليعرف الناس أن مذهب السلف كان بخلاف هذا.
فهذا نقلٌ من النقول فيه:
• إثبات للاستواء بل تفسيرٌ له.
• الإيمان بجميع ما جاءت به السنة من الصفات.
• أن السنة هي مصدرٌ من المصادر التي يُعتمد عليها في هذا الباب.
فهذه بعض الفوائد في هذا النقل.
وذكر نقلًا آخر عن الأوزاعي كذلك فقال: "وروى أبو بكر الخلال في "كتاب السنة" عن الأوزاعي قال: "سُئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث، فقالا: أَمِرُّوها كما جاءت" (^٢). يحاول بعض المعطلة أن يأخذ أمثال هذه النصوص ويقولون: انظر هذا
_________________
(١) يُثبت الأشاعرة لله ﷿ سبع صفات فقط، وينفون الباقي، وهي: (الحياة والسمع والعلم والكلام والإرادة والبصر والقدرة)، على خلافٍ مع أهل السُّنَّةِ في كيفية الإثبات؛ فهم يُثبتون إثباتًا ذاتيًّا لا فعليًّا؛ فيقولون: كلام الله نفسيٌّ في ذاته بلا لفظ، وهذا الذي في المصاحف فهو مَخلوق يُعَبِّر عن كلام الله. وقد جُمعت هذه الصفات السَّبع في قول ناظمهم: حيٌ عليمٌ قديرٌ والكلام له … إرادة وكذاك السمع والبصر انظر: «القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى»، لابن عثيمين (ص ٨٢).
(٢) روى الخلال في «السنة» (١/ ٢٥٩) عن الوليد بن مسلم قال: سألت سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث! فقالوا: نُمِرُّها كما جاءت». هذا في أحاديث الصِّفات، وهو مذهب السلف: إثبات حقيقتها ونفي علم الكيفية»، ورواه البيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٣٧٧) عن الوليد بن مسلم أيضًا، قال: «سئل الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي جاءت في التَّشبيه! فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيفية».
[ ١ / ٤٦٢ ]
نقلٌ عن السلف يقولون: أمروها كما جاءت، أي على حد تفسيرهم لهذا أنهم يقولون: اقرؤوها بدون فهم وبدون معنى.
ولكن بلا شك أن هذا ليس مقصود السلف، وهذا الغمز منهم وحمل هذا القول على هذا الزعم، هو زعمٌ باطلٌ فالتفويض نوعان:
النوع الأول: تفويض في المعنى.
النوع الثاني: تفويض في الكيفية.
فتفويض المعنى هذا ليس من منهج ومعتقد السلف الصالح، بدليل: أن السلف فسروا نصوص الصفات، وهذه كتب التفسير وكتب الحديث، تشهد أنهم يفسرون معاني النصوص، فقد سبق أن ذكرنا لكم عن مجاهد كما ذكر البخاري في صحيحه أنه لما جاء إلى معنى الاستواء قال: استوى: علا وارتفع (^١)، ومجرد إلقاء نظرة على كتب التفسير للمأثور وكتب الحديث وكتب العقائد التي نقلت من المأثور، تجد أن السلف لم يريدوا تفويض المعنى ولم يذهبوا إليه.
وإنما قالوا: مثل هذه العبارات ردًا على المعطلة الذين حرَّفوا وأوَّلوا، فلما حرَّف أولئك وأوَّلوا قال السلف: "أمروها كما جاءت" (^٢) أي لا تأوِّلوها، أي لا تحرِّفوها عن معانيها، ولكن كما قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، فلو كان السلف مفوِّضة لمَّا ثبت عنهم تفسير هذه الصِّفات وإثبات معانيها.
وارجع لصحيح البخاري، أو ارجع إلى تفسير الطبري، أو ارجع إلى الكتب التي حوت أصول أهل السنة، تجد أنهم لم يريدوا هذا، فهذا الأوزاعي بنفسه كما نقل المصنف عن البيهقي يقول: نؤمن بأن الله فوق عرشه، فهل هذا يكون مفوضًا؟
_________________
(١) انظر: «صحيح البخاري» (٩/ ١٢٤)، في ترجمة باب ﴿وكان عرشه على الماء﴾ [هود: ٧]، ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة: ١٢٩])، من كتاب (التوحيد).
(٢) تقدم الإشارة إليه في صفحة (١٣).
[ ١ / ٤٦٣ ]
(٨٧) "ورُوي أيضًا عن الوليد بن مسلم قال: "سألتُ مالكَ بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات؟ فقالوا: أمِرُّوها كما جاءت. وفي رواية: فقالوا: أمِرَّها كما جاءت بلا كيف" (^١).
(٨٨) فقولهم ﵃: "أمِرُّوها كما جاءت" ردٌّ على المعطلة، وقولهم: "بلا كيف" رد على الممثلة. والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم، والأربعة الباقون هم أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين، ومن طبقتهم حماد بن زيد، وحماد بن سلمة وأمثالهما.
(٨٩) روى أبو القاسم الأزجي بإسناده عن مطرِّف بن عبد الله، قال: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: قال عمر بن عبد العزيز: "سَنّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من خلق الله تغييرها ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتدٍ، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاَّه الله ما تولَّى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا" (^٢).
(٩٠) وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة، قال: "سُئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق" (^٣).
(٩١) وهذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة من غير وجه، منها: ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني، وأبو بكر البيهقي، عن يحيى بن يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل، فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) انظر كتاب السنة لأبي بكر الخلال صفحة (٢٥٩).
(٢) انظر كتاب السنة لعبد الله بن أحمد صفحة (٣٥٧).
(٣) انظر: كتاب الفتوى الحموية الكبرى الجزء الأول صفحة (٣٠٦).
[ ١ / ٤٦٤ ]
كيف استوى؟، فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرُّحَضَاء ثم قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا، ثم أمر به أن يُخرج" (^١).
فقول ربيعة ومالك: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" موافقٌ لقول الباقين: "أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف"، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة.
ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول"، ولما قالوا: "أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف" (^٢)، فإن الاستواء حينئذٍ لا يكون معلومًا، بل مجهولًا بمنزلة حروف المعجم.
(٩٢) وأيضًا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية، إذا لم يفهم من اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.
(٩٣) وأيضًا: فإن من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقًا لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ﷾ ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان من مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف.
(٩٤) وأيضًا: فقولهم: أمِرُّوها كما جاءت. يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظًا دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمِرُّوا ألفاظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمِرُّوا ألفاظها مع اعتقاد أن الله لا يُوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أُمِرّت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف، إذ نفي الكيفية عما ليس بثابت لغوٌ من القول".
جاءت عبارة "بلا كيف" في آثارٍ كثيرةٍ عن السلف الصالح عند حديثهم عن نصوص الصفات، كما أورد المصنف هنا، ومعنى قولهم: "بلا كيف"، أي: بلا
_________________
(١) انظر: كتاب الأسماء والصفات للبيهقي الجزء الثاني صفحة (٣٠٥).
(٢) تقدم الإشارة إليه.
[ ١ / ٤٦٥ ]
كيف يعقله البشر، لا أن المراد نفي الكيفية مطلقًا، فإن كلَّ شيء لابد وأن يكون على كيفية معيَّنة، ومرادهم هو نفي العلم بهذه الكيفية، فلا يعلم كيف الله ﷿ ولا كيف صفاته إلا هو، وهذا من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلا سبيل للوصول إليه (^١).
وعدم العلم بالكيفية لا يقدح في الإيمان بالصفات، ومعرفة معانيها
فمن المقرر في منهج أهل السنة والجماعة في باب الصفات، أن عدم العلم بالكيفية والذي سبق تأكيده من خلال النقاط السابقة، لا يقدح أبدًا في الإيمان بالصفات ومعرفة معانيها، فإن الكيفية وراء ذلك، فإثبات السلف للصفات إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، يؤمنون بتلك الصفات، ويفهمون معانيها ويفسرونها ويعتقدون ما دلت عليه من الأحكام ويعملون بمقتضياتها من الآثار (^٢).
فكثيرٌ من الأمور التي أخبر الله ﷿ بها، لا تُعلم كيفيَّتها ولا كنهها، ولم يمنع ذلك من الإيمان والتصديق الجازم بها.
فمنها ما أخبر الله ﷿ به من حقائق الإيمان باليوم الآخر، فإنا نؤمن بها وإن لم نعلم حقيقتها وكيفيتها، ومن ذلك الروح التي بين جنبي الإنسان، كل واحدٍ منا يشعر بها ويوقن بوجودها لكن لا يدرك كنهها وحقيقتها، ومع ذلك لم يمنعه عدم علمه بكيفيتها من الإيمان بوجودها.
فكان الإيمان بالصفات مع الابتعاد عن طلب كيفيتها من منهج الراسخين في العلم المتبعين لهدي الكتاب والسنة، والذين يقولون وفق هذا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (^٣)، أما طلب علم الكيفية، فيترتب على ذلك: إما تعطيل للصفات، أو تمثيلها بالمخلوقات، وهذا هو سبيل أهل الأهواء والبدع، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^٤).
كما هو شأن أهل السنة والجماعة دائمًا فإنهم ينطلقون في جميع ما يستنبطونه من قواعد وأسس لمنهجهم في توحيد الأسماء والصفات، وفي سائر الأبواب، من
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣٥)، مدارج السالكين (٣/ ٣٧٦)، شرح العقيدة الواسطية للهراس ص (٢٢)، شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (١/ ٩٩).
(٢) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، بيان تلبيس الجهمية (٢/ ١٨٠)، مدارج السالكين (٣/ ٣٧٦)، الصواعق المرسلة (١/ ٢١٠).
(٣) الآية [٧] من سورة آل عمرن.
(٤) الآية [٧] من سورة آل عمرن. انظر: معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات ص (١٠٣ - ١٠٤).
[ ١ / ٤٦٦ ]
نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وهذه القاعدة شأن مثيلاتها مما سبق ذكره أيضًا، مستند أهل السنة والجماعة فيها القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، مستنيرين بفهم السلف الصالح، وأقوالهم الموافقة لمضمون هذه القاعدة، فمما استدل به أهل السنة والجماعة في تقرير هذه القاعدة ما يلي:
• قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (^١).
• وقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (^٢).
فمدلول هاتين الآيتين واحد، تفيدان أن البشر لا يطلعون على شيء من علم ذات الله ﷿ وصفاته، إلا بما أطلعهم الله عليه (^٣)، والله ﷿ لم يطلعنا على كيفية ذاته ولا صفاته، فدخل علم كيفية ذات الله ﷿ وصفاته، في الأمور التي لا يحيط البشر بها علمًا، وشاء الله ﷿ في نفس الوقت أن يحيطنا علمًا بمعاني ما اتصف به ﷾، فتُثْبَت له على الوجه اللائق به ﵎.
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي (^٤) ﵀: «… لأن إدراك حقيقة الكيفية مستحيل، وهذا نَصَّ الله عليه في سورة طه حيث قال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، فقوله: "يحيطون به" فعل مضارع، والفعل الصناعي الذي يسمى بالفعل المضارع وفعل الأمر والفعل الماضي، ينحل عند النحويين عن مصدر وزمن، كما قال ابن مالك (^٥) في الخلاصة (^٦):
المصدرُ اسمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ منْ … مَدْلُولَي الفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ
وقد حرر علماء البلاغة في مبحث الاستعارة التبعيِّة، أنه يَنْحَلُّ عن مصدرٍ وزمنٍ ونسبةٍ، فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا، ف "يحيطون" تكمن في مفهومها الإحاطة،
_________________
(١) الآية [٢٥٥] من سورة البقرة.
(٢) الآية [١١٠] من سورة طه.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٢٩٢).
(٤) محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي، العلامة المحقق، وحيد عصره، برع في فنون كثيرة، وصنف التصانيف البديعة، منها: أضواء البيان في التفسير، وآداب البحث والمناظرة، والمذكرة في أصول الفقه، وغيرها كثير. توفي بمكة سنة ١٣٩٣ هـ. انظر ترجمته في: مشاهير علماء نجد ص (٥١٧ - ٥٢٠، ٥٤٠ - ٥٤٣)، الأعلام (٦/ ٤٥).
(٥) محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجَيَّاني، أبو عبد الله الأندلسي الدمشقي، أحد أئمة علوم العربية، له مؤلفات عدة منها: الخلاصة، المشهور بألفية ابن مالك وعليها شروح لا تعد، توفي سنة ٦٧٢ هـ. انظر ترجمته في: فوات الوفيات (٢/ ٢٢٧)، نفح الطيب (١/ ٤٣٤).
(٦) انظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (٢/ ١٦٩).
[ ١ / ٤٦٧ ]
فيتسلَّط النفي على المصدر الكامن في الفعل، فيكون معه كالنكرة المبنيَّة على الفتح، فيصير المعنى: لا إحاطة للعلم البشري برب السموات والأرض، فينفى جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها، فالإحاطة المسندة للعلم منفية عن رب العالمين» (^١).
وفي الحديث: «تَفَكَرُوا فِي خَلْقِ اللهِ، وَلَا تَفَكَرُوا فِي اللهِ» (^٢).
قال شيخ الإسلام-﵀، بعد أن أورد هذا الأثر: «… لأن التفكير والتقدير يكون في الأمثال المضروبة، والمقاييس، وذلك يكون في الأمور المتشابهة، وهي المخلوقات.
وأما الخالق-ﷻ ﷾-فليس له شبيه ولا نظير، فالتفكر الذي مبناه على القياس ممتنع في حقه، وإنما هو معلوم بالفطرة، فيذكره العبد. وبالذكر، وبما أخبر به عن نفسه، يحصل للعبد من العلم به أمور عظيمة؛ لا تنال بمجرد التفكير والتقدير؛ أعني من العلم به نفسه؛ فإنه الذي لا تفكير فيه.
فأما العلم بمعاني ما أخبر به ونحو ذلك، فيدخل فيها التفكير والتقدير، كما جاء به الكتاب والسنة» (^٣).
فبيَّن-﵀، أن الله ﷿ والمراد ذاته وصفاته-لا يدخل تحت مجال التفكير الإنساني، والعقل البشري القاصر؛ لأن مبنى التفكير على قياس الغائب على الشاهد، وإيجاد العلاقة بين النظير ونظيره، والله ﷿ ليس له ندٌّ ولا مثيلٌ ولا مسامٍ ولا نظيرٌ حتى يقاس عليه، أو توجد بينه وبينه علاقة، تؤدي إلى إدراك كنهه وحقيقته.
وفي حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄: «أَنَّ النَّبِي ﷺ نَهَى عَنِ الأُغْلُوطَاتِ» (^٤).
قال عيسى بن يونس (^٥) ﵀، وهو أحد رواة الحديث: «والأغلوطات ما لا
_________________
(١) منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص (٢٤).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٩ - ٤٠).
(٤) أخرجه أبو داود في سننه (٤/ ٤٤)، كتاب العلم، باب التوقي في الفتيا برقم (٣٦٥٦). والإمام أحمد في المسند (٥/ ٤٣٥)، وقال محقق المسند حمزة أحمد الزين: "إسناده حسن"، (١٧/ ٧٨) برقم (٢٣٥٧٧ - ٢٣٥٧٨) ط/ دار الحديث؛ وضعف إسناده الألباني كما في تخريج أحاديث مشكاة المصابيح (١/ ٨١).
(٥) عيسى بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني، أبو عمرو السبيعي، الكوفي الإمام القدوة، الحافظ الحجة، أخو الحافظ إسرائيل بن يونس، أخرج له أصحاب الكتب الستة، توفي سنة ١٨٧ هـ. انظر ترجمته في: السير (٨/ ٤٨٩)، تهذيب التهذيب (٣/ ٣٧١).
[ ١ / ٤٦٨ ]
يحتاج إليه من كيف وكيف» (^١).
وقال الخطابي-﵀-في معالم السنن: «وفيه كراهية التعمق والتكلف فيما لا حاجة للإنسان إليه من المسائل، ووجوب التوقف عما لا علم للمسؤول به» (^٢).
ولا شك أن معرفة حقيقة كنه الله ﷿، وكيفية ذاته وصفاته، مما لا يحتاج إليه أحد، ولا يتوقف الإيمان به ﷾ على معرفة كيفية ذاته وصفاته، فالبحث في ذلك من التعمق والتكلف فيما لا حاجة للإنسان إليه، فوجب التوقف عما لا علم للإنسان به، ولا يمكنه أن يحيط به بحال من الأحوال.
وقول المصنف: "فقول ربيعة ومالك: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" موافقٌ لقول الباقين: "أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف"، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة".
فقد علَّق الإمام الذهبي-﵀، على قول الإمام مالك بقوله: «وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نعمِّق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيًا ولا إثباتًا، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينًا مع ذلك أن الله لا مثل له لا في صفاته، ولا في استوائه ولا في نزوله ﷾) (^٣).
وقد بيَّن الإمام ابن عبد البر-﵀ (ت ٤٦٣ هـ) أن أهل السنة والجماعة لا يخوضون في شأن الكيفية بل: «يفزعون منها؛ لأنها لا تصلح إلا فيما يحاط به عيانًا وقد جلَّ الله وتعالى عن ذلك، وما غاب عن العيون؛ فلا يصفه ذووا العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات الله إلا ما وصف نفسه به في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، فلا نتعدى ذلك إلى تشبيه، أو قياس، أو تمثيل، أو تنظير، فإنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾» (^٤).
وقال الإمام البغوي-﵀ (ت ٥١٠ هـ): «إن الامتناع عن الخوض
في صفات الله تعالى بالتكييف والتشبيه واجب، وأن المهتدي من سلك في نصوص الصفات طريق التسليم، وأن الخائض فيها زائغ، والمنكر معطِّل، والمكيِّف مشبِّه، تعالى الله عما
_________________
(١) أورده ابن بطة في الإبانة (١/ ٤٠١).
(٢) معالم السنن (٥/ ٢٥٠).
(٣) العلو (٢/ ٩٥٤).
(٤) التمهيد (٧/ ١٤٥).
[ ١ / ٤٦٩ ]
يقول الظالمون علوًا كبيرًا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾» (^١).
وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀ (ت ٧٢٨ هـ) أن طلب معرفة كيفية صفات الله ﷿ بدعة، وأن معرفة كيفية الصفات غير حاصل للعباد؛ لأن العلم بكيفية الصفات فرع العلم بكيفية الموصوف، فإذا كان الموصوف لا تُعلم كيفيته، امتنع أن تُعلم كيفية صفاته (^٢).
وأكدَّ على اتفاق أهل السنة والجماعة على نفي معرفة حقيقة الله وكيفية صفاته، وقالوا: لا تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته ببال، ولا يحيط أحد من المخلوقين على حقيقة ذاته (^٣).
ومما ذكره الإمام ابن القيم-﵀ (ت ٧٥١ هـ) في تقرير هذه القاعدة قوله: «إن العقل قد يئس من تعرُّف كنه الصفة وكيفيتها؛ فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول السلف: "بلا كيف"، أي: بلا كيف يعقله البشر، فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته، ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنا لا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فَعَجْزُنَا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم» (^٤).
فعُلم مما تقدم من آثار عن سلف الأمة وأئمتها، أن أهل السنة والجماعة متفقون على النهي عن طلب كيفية صفات الله ﷿، وأن ذلك من الطرق المفضية إلى التشبيه والتمثيل، مجانبين في ذلك لطريق المعطِّلة الذين خاضوا في الكيفية فوقعوا في التشبيه أولًا، ثم فروا منه إلى التعطيل، ومجانبين أيضًا طريق المشبِّهة الذين خاضوا في الكيفية فوقعوا في التشبيه والتمثيل المذموم، فأثبت أهل السنة والجماعة الصفات، ونزهوه ﷾ عن مشابهة المخلوقات.
وإلى جانب ما استدلَّ به أهل السنة والجماعة من أدلة نقلية وآثارٍ واردة عن أئمة
_________________
(١) شرح السنة (١٥/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
(٢) انظر: التدمرية ص (١٥)، نقض المنطق، ضمن مجموع الفتاوى (٤/ ٦ - ٧)، مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩٩).
(٣) انظر: درء التعارض (١٠/ ٢٧٧)، التدمرية ص (١٦ - ١٨)، الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز، ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٥)، الإكليل في المتشابه والتأويل، ضمن مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٦٤، ١٩٧ - ١٩٩).
(٤) مدارج السالكين (٣/ ٣٧٦).
[ ١ / ٤٧٠ ]
السلف في أن نفي العلم بالكيفية لا يتعارض مع الإيمان بأصل الصفة، فقد استدلوا أيضًا بأدلة عقلية تدل على هذه القاعدة المهمة.
من ذلك أن يقال: إن كيفية الشيء لا تدرك إلا بأحد طرق ثلاث:
إما بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره، أو خبر الصادق عنه.
ونحن لم نشاهد الله ﷿، فإن ذلك من الأمور المستحيلة في هذه الدنيا، والله ﷿ ليس له نظير حتى يقاس عليه، فتعرف كيفية صفاته، ولم يأتنا الخبر الصادق من الله ﷿ أو من رسوله ﷺ، عن كيفية صفاته تعالى، والذي جاءنا هو الإخبار عن اتصاف الله ﷿ بهذه الصفات الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، فوجب الإيمان بها والوقوف حيث وقف الله ﷿ ورسوله، وعدم الخوض في شأن الكيفية (^١).
كما استدلوا أيضًا في هذه المسألة بقياس الأولى، فإن الإنسان يؤمن بحقائق كثيرة، ولا يعلم كنهها وكيفيتها، وعدم علمه بكيفية هذه الأشياء التي يؤمن بها لم يقدح في إيمانه بها، لعجزه وضعفه عن إدراك أشياء كثيرة تحيط به في هذا العالم من حوله، بل مثال ذلك أقرب الأشياء إليه وهي روحه التي بين جنبيه، يؤمن الإنسان ويجزم بوجودها، وإن لم يعرف حقيقتها وكنهها، فالله ﷿ أولى أن يُؤمن العبد بصفاته الثابتة له، وإن لم يعلم كيفيتها، وعدم علمه بكيفيته ليس مسوغًا أبدًا، لجحدها وإنكارها، أو تعطيلها عن معانيها التي تدل عليها (^٢).
_________________
(١) انظر: شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (١/ ٩٨ - ١٠٢).
(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١٠/ ٢٩٣)، مدارج السالكين (١/ ٤٦١، ٣/ ٣٧٦)، اجتماع الجيوش الإسلامية ص (١٦٢).
[ ١ / ٤٧١ ]
(٩٥) وروى [الأثرم في السنة] وأبو عبد الله بن بطة في الإبانة، [وأبو عمر الطلمنكي وغيرهم] بإسناد صحيح، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون وهو أحد أئمة المدينة الثلاثة الذين هم مالك بن أنس، وابن الماجشون، وابن أبي ذئب وقد سئل فيما جحدت به الجهمية:
«أما بعد: فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتابعت الجهمية ومن خالفها في صفة الرب [العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير وكَلَّت الألسن عن] تفسير صفته، وانحسرت العقول دون معرفة قدره ردت عظمته العقول فلم تجد مساغًا فرجعت خاسئة وهي حسيرة، وإنما أُمروا بالنظر والتفكر فيما خلق بالتقدير، وإنما يقال «كيف»؟ لمن لم يكن ثم كان، فأما الذي لا يحول ولا يزول، ولم يَزَلْ، وليس له مثل، فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعرف قدر من لم يبد ومن لم يمت، ولا يبلى، وكيف [يكون] لصفة شيء منه حد أو منتهى؟ يعرفه عارف أو يحد قدره واصف على أنه الحق المبين، لا حق أحق منه، ولا شيء، أبين منه. الدليل على عجز العقول في تحقيق صفته، عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه، لا تكاد تراه صغرًا يحول ويزول، ولا يرى له سمع ولا بصر، لما يتقلب به ويحتال من عقله، أعضل (^١) بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين، وخالقهم وسيد السادات، وربهم ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
اعرف رحمك الله غناك عن تَكلُّف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، إذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف، هل تستدل بذلك على شيء من طاعته، أو تنزجر به عن شيء من معصيته؟
فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقًا وتكلفًا، فقد ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام: ٧١] فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن [قال]: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا (^٢)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أي: اشتد واستغلق عليك فهمه.
(٢) كما تقول الجهمية: إنه يلزم من إثبات الصفات لله: أن يكون جسمًا أو عَرَضًا؛ فيكون محدثًا. كما سيذكر المصنف عنهم هذا بعد قليل.
[ ١ / ٤٧٢ ]
فعمي عن البَيِّن بالخفي، وجحد ما سَمَّى الربُّ من نفسه بصمتِ الرَّبِّ (^١) عَمَّا لم يُسَمِّ منها، فلم يَزل يُملي له الشيطان حتى جَحَد قولَ الرَّبِّ ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، فقال: لا يراه أحدٌ يوم القيامة، فجَحَد- واللهِ- أفضل كرامة الله التي أَكرم بها أولياءه يوم القيامة من النَّظَر إلى وجهه (^٢)، ونضرته إيَّاهم ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وقد قضى أنَّهم لا يَموتون؛ فهم بالنَّظر إليه يَنظرون.
إلى أن قال: وإنَّما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحُجَّة الضَّالة المضلة؛ لأنه قد عرف إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مُؤمنين، وكان له جاحدًا.
وقال المسلمون: يا رسول الله، هل نرى ربَّنا؟
فقال رسول الله ﷺ: «هل تُضَارُّون في رؤيةِ الشَّمس ليس دونها سحاب؟». قالوا: لا. قال: «فهل تُضَارُّون (^٣) في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟». قالوا: لا. قال: «فإنَّكم تَرَوْنَ رَبَّكم كذلك» (^٤).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) إطلاق «الصمت» على الله من باب الإخبار، وهو باب واسع، وقد ورد وصف الله بالسكوت كما في حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁، وفيه: قوله ﷺ: «وسَكَتَ عن أشياء من غير نسيانٍ فَلا تبحثوا عنه»، رواه الدارقطني في «سننه» (٥/ ٣٢٥) برقم (٤٣٩٦)، وحسنه الألباني في تحقيق كتاب «الإيمان» لابن تيمية (ص ٤٤).
(٢) وهو أعظم نعيم أهل الجنة؛ قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فالله-﵎-وَعَد المحسنين من عباده على إحسانهم: الحُسنى، وهي أن يجزيهم على طاعتهم إيَّاه الجنة، وأن يُبَيِّض وجوههم، ووعدهم مع الحسنى: الزيادة عليها. ومن الزيادة على إدخالهم الجنة: أن يُكرمهم بالنَّظر إليه. انظر: «تفسير الطبري» (١٥/ ٧١). وروى مسلم في «صحيحه» (١٨١) عن صهيب ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهلُ الجنةِ الجَنَّةَ، قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أَزيدُكم؟ فيقولون: أَلَم تُبَيِّض وجوهنا؟ ألم تُدخلنا الجنة، وتُنجنا من النار؟ قال: فيَكشف الحجاب؛ فما أُعطوا شيئًا أَحَبَّ إليهم مِنْ النَّظَرِ إلى ربِّهم ﷿».
(٣) «تُضَارون» بتشديد الراء من الضَّرَر، وبتخفيفها من الضَّيْر، أي: تكون رؤيته تعالى رؤية جَلِيَّة بَيِّنَة لا تَقبل مِراء ولا مِرية؛ فيُخالف فيها بعضُكم بعضًا ويُكَذِّبه، كما لا يشك في رؤية الشمس والقمر ولا يُنازع فيهما. انظر: «شرح الطيبي على مشكاة المصابيح» (١١/ ٣٥٠٨).
(٤) رواه البخاري (٦٥٧٣) ومسلم (١٨٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٤٧٣ ]
وقال رسول الله ﷺ: «لا تَمتلئ النارُ حَتَّى يَضع الجَبَّارُ فيها قَدَمه، فتقول: قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض» (^١).
وقال لثابت بن قيس ﵁: «لقد ضَحِك اللهُ مِمَّا فعلت بضيفك البارحة» (^٢).
وقال فيما بلغنا: «إن الله ليضحك من أَزلِكم وقنوطكم (^٣) وسرعة إجابتكم»، فقال له رجل من العرب: إنَّ رَبَّنا ليضحك؟ قال: «نعم». قال: لا نَعْدِمَ مِنْ ربٍّ يَضحك خيرًا» (^٤). في أشباهٍ لهذا مِمَّا لم نُحْصِه.
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧].
فوالله ما دلَّهُم على عِظَم ما وصف من نفسه، وما تحيط به قبضته إلا صِغر نظيرها منهم عندهم، إن ذلك الذي ألقى في رُوعهم، وخلق على معرفة قلوبهم، فما وصف الله مِنْ نفسه فسَمَّاه على لسان رسوله ﷺ سَمَّيْنَاه كما أَسْمَاه، ولم نتكلف منه صِفة ما سواه-لا هذا ولا هذا-لا نَجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يَصِف.
اعلم-رحمك الله-أنَّ العِصمة في الدِّين أن تنتهي في الدِّين حيث انْتُهي بك، ولا تُجاوز ما حُدَّ لك؛ فإنَّ مِنْ قِوام الدِّين معرفة المعروف وإنكار المنكر، فما بُسطت عليه المعرفةُ وسَكنت إليه الأفئدةُ وذُكِر أصلُه في الكتاب والسُّنَّة وتَوارث علمَه الأُمَّةُ؛ فلا تَخافنَّ في ذكره وصفته مِنْ رَبِّك ما وصفه من نفسه عيبًا، ولا تكلفنَّ لما وصف لك من ذلك قدرًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه البخاري (٣٧٩٨) ومسلم (٢٠٥٤) من حديث أبي هريرة ﵁، وفيهما: أن المقول له ليس ثابت بن قيس ﵁، وإنما هو أبو طلحة ﵁. وقد بَيَّنَ الإمامُ ابنُ حجر «فتح الباري» (٧/ ١١٩، ١٢٠) أن هذا وهم وقع في بعض الروايات، والصحيح أن المقول له: هو أبو طلحة ﵁، كما نصَّت على ذلك روايةُ مسلم.
(٣) الأزل: الشدة والضيق. والقنوط: اليأس. كأنَّه أراد من شدة ضيقكم ويأسِكم. انظر «النهاية» لابن الأثير (١/ ٩٨).
(٤) رواه ابن ماجه (١٨١)، وابن أبي عاصم في «السنة» (١/ ٢٤٤) برقم (٥٤٤)، والطبراني في «الكبير» (١٩/ ٢٠٧، ٢٠٨) من حديث أبي رزين ﵁، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٣١)، ثم صححه في «الصحيحة» (٢٨١٠).
[ ١ / ٤٧٤ ]
وما أنكرته نفسك، ولم تَجد ذكره في كتاب ربِّك ولا في الحديث عن نبِيِّك-مِنْ ذِكر ربك-فلا تتكلفن علمه بعقلك، ولا تَصفه بلسانك، واصمت عنه كما صمت الربُّ عنه من نفسه، فإن تكلفك معرفة ما لم يَصف من نفسه كإنكارك ما وصف منها، فكما أعظمت ما جَحد الجاحدون مما وصف من نفسه، فكذلك أَعْظِم تَكَلُّف ما وصف الواصفون مما لم يَصف منها (^١).
فقد-والله-عَزَّ المسلمون (^٢) الذين يَعرفون المعروف وبمعرفتهم يُعرف، ويُنكرون المنكر وبإنكارهم يُنكر، يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه، وما يبلغهم مثله عن نبيه، فما مَرِض من ذِكر هذا وتَسميته قلبُ مسلم، ولا تَكَلَّف صفة قدرة ولا تسمية غيره من الربِّ مؤمنٌ.
وما ذكر عن الرسول ﷺ أنه سَمَّاه من صفة ربه، فهو بمنزلة ما سمى وما وصف الرب من نفسه.
والرَّاسخون في العلم-الواقفون حيث انتهى علمُهم، الواصفون لربِّهم بما وصف من نفسه، التاركون لما ترك من ذكرها-لا يُنكرون صفة ما سَمَّى منها جحدًا، ولا يتكلَّفون وصفه بما لم يُسَمِّ تعمُّقًا؛ لأنَّ الحقَّ تركُ ما ترك وتسميةُ ما سمَّى، ومَن يَتَّبِعْ ﴿غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وَهَبَ اللهُ لنا ولكم حُكْمًا، وألحَقَنا بالصالحين». اه (^٣).
وهذا كله كلام ابن المَاجَشون الإمام فَتَدَبَّرْه! وانظر كيف أثبت الصفات ونفى علم الكيفية مُوافقة لغيره من الأئمة؟ وكيف أنكر على مَنْ نفى الصفات بأنه يَلزم من إثباتها كذا وكذا، كما تقوله الجهمية: أنه يلزم أن يكون جسمًا أو عَرَضًا فيكون».
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وهذا معنى قول الإمام أحمد المتقدم: «لا يُوصف اللهُ إلا بما وَصف به نفسَه، أو بما وصفه به رسوله ﷺ؛ لا يُتجاوز القرآن والحديث».
(٢) أي: قَلُّوا حَتَّى كادوا لا يُوجدون. انظر: «لسان العرب» (٥/ ٣٧٦).
(٣) رواه ابنُ بَطَّة في «الإبانة الكبرى» (٧/ ٦٣)، باب (باب الإيمان بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصار رءوسهم؛ فيُكلمهم ويكلمونه لا حائلَ بينه وبينهم ولا ترجمان). ورواه الذهبي في «العلو» (ص ١٤١، ١٤٢)، ثم قال: «كان عبد العزيز مِنْ بُحُور العلم بالحجاز نُودي مرَّة بالمدينة بأمر المنصور: لا يُفْتِي النَّاسَ إِلَّا مالكٌ وعبدُ العزيز بن الماجشون. توفِّي ابن الماجشون سنة أربع وستين ومائة، وكان ابنه عبد الملك مِنْ كبار تلامذة مالك».
[ ١ / ٤٧٥ ]
يستفاد من قول الإمام عبد العزيز بن الماجشون السابق الأمور الآتية:
أولًا: الإثبات، وذلك من قوله: «فما وصف اللهُ مِنْ نفسه فسَمَّاه على لسان رسوله ﷺ سَمَّيْنَاه كما أَسْمَاه»، أي: أثبتنا ما أثبته الله لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.
ثانيًا: عدم الزيادة، وذلك من قوله: «ولم نَتَكَلَّف منه صفة ما سواه؛ لا هذا ولا هذا»، أي: لا نزيد على ما أثبته اللهُ لنفسه في كتابه وعلى لسان رسولِه ﷺ.
ثالثًا: التوقف فيما لم يَرِد إثباته أو نفيه؛ وذلك من قوله: «ولا نَتَكَلَّفُ معرفةَ ما لم يَصِف»، أي: لا نخوضُ في معرفة ما لم يَرِد به نصٌّ، ولا نتكلف معرفةَ ذلك».
رابعًا: عدم النقص، وذلك من قوله: «لا نَجحد ما وصف»، أي: لا نُنقص مما أَثبته الله لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.
ونستفيد قاعدة جليلة جدًّا من قوله ﵀: «اعلم-رحمك الله-أنَّ العصمة في الدِّين أن تَنتهي في الدِّين حيث انْتُهِي بك، ولا تُجاوز ما حُدَّ لك». فهذه قاعدة عظيمة النفع لو التزمها العبد لَسَلِم ونجا، أي: قِف عند ما أخبرك الله من الغَيب، ولا تتجاوز ذلك الحدَّ.
وبَيَّن العلة من ذلك فقال: «فإنَّ مِنْ قِوَام الدِّين: معرفةَ المعروف وإنكارَ المنكر»: أي: من إقامة الدين: معرفة المعروف وإنكار المنكر، «فما بُسِطت عليه المعرفةُ، وسَكنت إليه الأفئدةُ، وذُكر أَصْلُه في الكتاب والسُّنَّة وتَوَارَثَ عِلْمُه الأمة، فلا تخافنَّ في ذِكره وصفته من ربك ما وصفه من نفسه عيبًا»، أي: اصدع به، وقل كما صحَّ: «يضحك رَبُّنا»، و«يَغضب ربُّنا»، و«يرضى ربنا»! فلماذا تَجبن في هذه المواقف؟ مع أنَّ عندك من كلام الله تعالى وما صحَّ من كلامِ رسوله ﷺ ما يُؤَيِّد ذلك؛ فقد جاءت هذه الصفاتُ صريحةً فيهما؟!
وقوله: «فلا تخافنَّ في ذِكره وصفته من ربِّك ما وصفه من نفسه عيبًا»، يعني: لا تَخف أن يُعاب عليك بما تذكره من صفات الله الصحيحة الثابتة؛ فيُقال عنك: مُشَبِّه، أو مجسِّم، أو حشوي، أو وهَّابي، أو غير ذلك من الألقاب التي يُطلقونها على مَنْ يثبت صفات الله من غير تكييف.
فلا تَخْشَ-أيها المُسلم على منهج أهل السُّنَّة والجماعة-على نفسِك مِنْ ذِكْرِ أمرٍ أخبر الله به؟
[ ١ / ٤٧٦ ]
إن كنتَ مصدقًا بثبوته؛ فَلِمَ تَخافُ مِنْ الألقاب التي يُطلقها هؤلاء وأنت معك على ذلك أدلة من كلام الله تعالى ومن كلام رسوله ﷺ؟!
فلا بُدَّ من إقامة المعروف ولا بُدَّ من إنكار المنكر!
كيف تَصمت، وكيف لا تصدع بالحق وأنت ترى فِرقة تعطِّل صفات الله وتَجحدها؟
كيف لا تُنكر منكرَ تَعطيل صفات الله؟!
ثم قال ابن الماجشون ناصحًا من سأله: «ولا تتكلفنَّ لما وُصف لك من ذلك قدرًا»، يعني: لا تَخُض في الكيفية كما وَقَع المُشَبِّه فيها.
«وما أنكَرَتْه نفسُك ولم تجد ذِكره في كتاب ربِّك ولا في الحديث عن نَبِيِّك مِنْ ذِكر صفة ربِّك؛ فلا تَتكلفَنَّ علمَه بعقلك»؛ لأنَّ هذا الباب ليس فيه رأي وليس فيه اجتهاد، بل فيه نصٌّ فقط، فإن جاء النصُّ أخذتَ بِهِ، وإلَّا فاسكت ولا تَخض فيما لا عِلْمَ لك بك؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيرها: «نهى الله تعالى عن القول بلا علم، بل بالظن الذي هو التوهم والخيال؛ كما قال تعالى: ﴿اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات: ١٢]، وفي الحديث: «إيَّاكم والظَّنَّ؛ فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث» (^١)» (^٢).
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإنَّ مَسائل الدِّقِّ (^٣) في الأصول لا يَكاد يتفق عليها طائفة؛ إذ لو كان كذلك لَمَا تنازع في بعضها السلف من الصحابة والتابعين، وقد يُنكر الشيء في حال دون حال، وعلى شخص دون شخص. وأصل هذا ما قد ذكرتُه في غير هذا الموضع: أن المسائل الخبرية قد يكون بمنزلة المسائل العملية؛ وإن سُمِّيَت تلك (مسائل أصول) وهذه (مسائل فروع)، فإن هذه تسمية مُحْدَثَة قَسَّمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين، وهو على المتكلمين والأصوليين أغلب؛ لا سِيَّما إذا تكلموا في مسائل التصويب والتخطئة.
وأمَّا جمهور الفقهاء المحققين والصوفية فعندهم أنَّ الأعمال أهم وآكد من مسائل الأقوال المتنازع فيها؛ فإن الفقهاء كلامهم إنما هو فيها، وكثيرًا ما يكرهون الكلام في كلِّ مسألة ليس فيها عمل، كما يقوله مالك وغيره من أهل المدينة، بل الحقُّ أنَّ الجليل من كل واحد من الصنفين (مسائل أصول) والدقيق؛ (مسائل فروع).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠٦٦) ومسلم (٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) «تفسير ابن كثير» (٥/ ٧٥)، بتصرف يسير.
(٣) أي: المسائل الدقيقة.
[ ١ / ٤٧٧ ]
فالعلمُ بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة؛ كالعلم بأن الله على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله، ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة؛ ولهذا مَنْ جَحَد تلك الأحكام العملية المُجمع عليها كفر، كما أنَّ مَنْ جحد هذه كفر. وقد يكون الإقرار بالأحكام العملية أوجب من الإقرار بالقضايا القولية؛ بل هذا هو الغالب فإن القضايا القولية يكفي فيها الإقرار بالجمل؛ وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبَعْث بعد الموت والإيمان بالقَدَر؛ خيره وشره.
وأما الأعمال الواجبة: فلا بد من معرفتها على التفصيل؛ لأن العمل بها لا يمكن إلا بعد معرفتها مُفَصَّلَة؛ ولهذا تُقر الأمة مَنْ يفصلها على الإطلاق وهم الفقهاء؛ وإن كان قد يُنكر على مَنْ يتكلم في تفصيل الجمل القولية؛ للحاجة الداعية إلى تفصيل الأعمال الواجبة، وعدم الحاجة إلى تفصيل الجمل التي وجب الإيمان بها مجملة» (^١).
فهذه نصيحة غالية من الإمام ابن الماجشون للسائل: وهي أن ما جاء به النصُّ فآمن به وسَلِّم له، وما لم يَرِد فيه نصٌّ فأمسك عنه ولا تَخُض فيه، ولا تَصِفه بلسانك؛ ولا تتجاوزْ الحَدَّ الذي حُدُّ لك، لأنَّ عندنا هنا في هذا الباب ثلاثةَ أُمُورٍ:
- أمورٌ أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ؛ فنُثبت ما أثبته الله لنفسه، وما أثبتها له رسولُه ﷺ.
- أمورٌ نفاها الله عن نفسه ونفاها عنه رسوله ﷺ؛ فنَنفي ما نفاه الله عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ.
- وأمورٌ لم يَرِد فيها عن الله تعالى ولا عن رسوله ﷺ نفيٌ ولا إثبات؛ فنتوقف فيها ونسكت عنها، ولا نخوض فيها.
لأن «تكلفك معرفة ما لم يَصف من نفسه كإنكارك ما وصف منها»، يعني: يستوي هذا وذاك، فهذا محظور وهذا محظور؛ فتعطيل الصفات الثابتة محظور، وكذلك التقول على الله بغير علمٍ محظور؛ لذلك قال: «فكما أَعْظَمْتَ ما جَحد الجاحدون مما وصف من نفسه، فكذلك أَعْظِمْ تَكَلُّفَ ما وصف الواصفون مما لم يَصِف منها!».
أي: إذا كنت تستعظم ما فعله المُعَطِّلة مِنْ جحد الصفات، فكذلك استعظم التَّقَوُّلَ على الله بغير علم؛ لإن هذا من طرق إغواء الشيطان للخلق؛ فقد قال الله عنه: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩].
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٥٦، ٥٧).
[ ١ / ٤٧٨ ]
فإذًا من القول على الله-﷿-بغير علم: أن تَصِفَه بما لم يَصف به نفسه.
وهل هناك أَسْلَمُ من هذا المنهج في التعامل مع صفات الله ﷻ؟!
منهجٌ يقف مع النصِّ ولا يتجاوزه، فكلُّ ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ يُثبته، وكل ما نفاه الله عن نفسه وما نفاه عنه رسوله ﷺ يَنفيه، وما لم يأت فيه نصٌّ بإثبات أو نفي-يَتوقف فيه، ويَنهى عن الخوض فيه إثباتًا أو نفيًّا.
ثم انتقل الإمام ابن المَاجِشُون إلى الرد على مَنْ جحد رؤية الله تعالى في الآخرة، وبَيَّن أنَّ الشيطان لم يَزل يُملي له حتى جَحَد قولَ الرَّبِّ ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، فقال: لا يراه أحدٌ يوم القيامة … إلى أن قال: «وإنَّما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحُجَّة الضَّالة المضلة؛ لأنه قد عرف إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مُؤمنين، وكان له جاحدًا».
ولذلك نقول للذين يتبجحون ويزعمون أنهم يَرون الله ﷾ في الدنيا-: أين أنتم من هذا الحديث الذي هو في «صحيح مسلم»، وفيه يقول النبيُّ ﷺ لأصحابه وهم خير هذه الأمة وأفضلها وأشرفها-: «تَعَلَّمُوا؛ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ» (^١).
فباب رؤية الله-﷾-لا سبيل إليه في هذه الحياة الدنيا، ولم يتحقق حتى لكليم الله ﷿ موسى ﵇؛ قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣].
وهذا من عقيدة أهل السنة؛ ولذا ينبغي أن نذكِّرهم بمثل هذه الأحاديث، وعلينا أن نُعَلِّمَ عوامَّ الناس أمثالَ هذه الأحاديث حتى لا تَروج أكاذيب الصوفية ودعاواهم عليهم.
فهم يزعمون أنهم يرون الله ﷾، وأن الحجاب يُكشف لهم، وهذا زعم باطل، قالوه لكي يروِّجوا أقاويلهم على العوام.
ولذلك يزعم هؤلاء: أن أهل السنة يأخذون علمهم بواسطة، وأما هم-أي: المتصوفة-فيأخذون علمهم عن الله بدون واسطة!
فإنهم لم يَبْقَ أمامهم بعد ذلك إلا أن يَدَّعوا النبوة، ولولا الخوف من أن تَطير رءوسهم لفعلوها، ولتبجحوا بذلك.
فينبغي الحذر من ذلك، ويجب تذكير عامة الناس بهذه الأحاديث التي تَرُدُّ على هذه الدعاوى.
_________________
(١) انظر صحيح مسلم كتاب الْفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ، بَابُ ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ، برقم (٢٩٣٠)، والترمذي (٢٢٣٥).
[ ١ / ٤٧٩ ]
وهذه قضية خطيرة ينبغي للإنسان أن يتنبه لها؛ لأن الصوفية إنما تُروج أفكارها من طريق واحد إذا أُغلق سُدَّ عليهم الباب، وهو تقديس الأشخاص، فيجعلون لأنفسهم هالة ومهابة بدعاوى يزعمونها حتى يَعظم في نفوس الناس قَدْرُهم، فإذا عَظَّمُوهم وقَدَّسوهم عند ذلك يَقبلون منهم ما يقولون.
فإذا قُطِع هذا الطريق على الصوفي، وعرف الناسُ قَدْرَه، استطاعوا أن يتبينوا حقيقة باطله.
وكذلك المعطِّلة وأهل الفلسفة إنما تَروج أفكارهم بسبب غرسهم فكرة تقديس العقل وتقديمه.
فعلى طالب العلم أن يهدم صنم تقديس الأشخاص عند الصوفية، حتى تزول هذه المنزلة لهم، وبعدها سيُمَيِّز الناس أقوالهم ويتبيونها ولن يقبلوها مُسَلَّمَةً.
وهؤلاء الصوفية قد استعبدوا الناس، وسلبوا أموالهم وعقولهم، ومن قبل ذلك سلبوا دينهم، ومَن يَعِش قريبًا منهم-أو يقرأ عنهم-يرى مثل هذه الأوضاع، ويُوقن بخطرهم، ويتبين له ما هم عليه من دَجَل وباطل، ونشر للشرك والخرافة والبدعة، وتبديل لدين الله ﷿ وإحداث فيه؛ فنسأل الله ﷿ أن يُقَيِّض من طلبة العلم مَنْ يَكسر شوكة هؤلاء، وكذلك يُزيل ما عندهم من باطل قد رَوَّجوه على ضعفاء البَصيرة والعِلم.
ثم نعى ابن الماجشون ﵀ حال الأمة في زمانه فقال: «فقد-والله-عَزَّ المسلمون» يعني: قَلَّ الَّذين هم على المُعتقد الصحيح؛ «الَّذين يَعرفون المعروف وبمعرفتهم يُعْرف، ويُنكرون المنكر وبإنكارهم يُنكر؛ يَسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه، وما بَلغهم مثله عن نَبِيِّه».
وإذا كان يقول هذا عن زمانه؛ فماذا نقول عن زماننا؛ فإلى الله المشتكى!
ثم قال: «فما مَرِضَ مِنْ ذكر هذا وتَسميته قلبُ مُسلم، ولا تَكَلَّفَ صِفة قدره ولا تَسمية غيره من الربِّ مُؤمنٌ، وما ذكر عن الرسول ﷺ أنه سَمَّاه من صفة ربه، فهو بمنزلة ما سمى وما وصف الرب من نفسه». فلا شَكَّ أن قلب المؤمن الحيِّ المُستسلم لله ﷿؛ لا يَستشكل ما أثبته الله لنفسه ولا ما أثبته له رسوله ﷺ، ولا يَستريب فيه، ولا يستثقل وصف الله به، بخلاف هؤلاء الذين مَرضت قلوبهم من ذلك؛ فحملهم على تعطيل صفات الله ﷿.
وكذلك لا يتكلف المؤمن أن يصف الله ﷿ بصفة لم يَصف بها- ﷾ نفسَه، ولم يصفه بها رسولُه ﷺ.
[ ١ / ٤٨٠ ]
وقوله: «وما ذُكر عن رسول الله ﷺ أنَّه سَمَّاه من صفة ربه، فهو بمنزلة ما سَمَّى وما وصف الربُّ تعالى من نفسه»، أي: ما جاء في السُنَّةِ الصَّحيحةِ مِثْلُ ما جاء في القرآن؛ لا نُفَرِّق بين القرآن والسنة في الإيمان والاستدلال؛ فالقرآن وحيٌ مَتْلُوٌّ، والسُّنَّة وحيٌ غيرُ مَتْلُوٍّ، ونحن متعبدون بالقرآن والسُّنَّة، مُؤمنون بهما ومصدقون بما جاء فيهما؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
فهذه نصوصٌ واضحة لو أنَّ الإنسان نظر لها نظرة سليمة لاهتدى إلى الاعتقاد الصحيح بيقين وطمأنينة، ولكن كما قال الشاعر:
وكمْ من عَائِبٍ قوْلًا صَحيحًا … وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقيمِ
فالسبب في هذا: الأفهام السقيمة؛ لأن النصوص واضحة وثابتة.
فالخلل هنا إمَّا أن يكون في النصوص، وإمَّا أن يكون في عقول هؤلاء!
وحاشا أن يكون في النصوص خللٌ؛ إذ النصوص ثابتة؛ ففي القرآن-مثلًا-أخبر الله عن استوائه على عرشه، وفي السُّنَّة مثلًا: أخبر النبي ﷺ عن نزول الله تعالى إلى السماء الدُّنيا في الثلث الأخير من الليل كلَّ ليلة (^١). وهكذا في سائر صفاته-جل وعلا-نجدها نصوصًا ثابتة صريحة صحيحة في الكتاب والسُنَّة، وقد امتلأت بها كتب الاعتقاد.
لكن الخلل في أفهامٍ تنظر إلى هذه النصوص بنظرةٍ غير صحيحة وغير سليمة؛ إذ يَرُومون-تنزيه الله-بزعمهم-عن مُشابهة خلقه؛ فيقعون في تعطيلها.
ثم قال ابن الماجشون ﵀: «والرَّاسخون في العلم-الواقفون حيث انتهى علمُهم، الواصفون لربِّهم بما وصف من نفسه، التاركون لما ترك من ذكرها-لا يُنكرون صفة ما سَمَّى منها جحدًا، ولا يتكلَّفون وصفه بما لم يُسَمِّ تعمُّقًا».
فأهل السُّنَّة والجماعة أصحاب المنهج الصحيح: يُثبتون ما أثبته الله لنفسه ولا يَجحدونه، وكذلك ما أَثبتوه لا يَخوضون في كيفيَّتِه؛ «لأنَّ الحقَّ تَرْكُ ما تَرَكَ، وتَسمية ما سَمَّى».
فإذًا نسألُ اللهَ بما سأل به الإمام ابن الماجشون أن يَهب لنا-﷾-حُكْمًا، وأن يُلحقنا بالصَّالحين.
فهذا كلام أحد أئمة أهل السُّنَّة مِنْ قبل ابنِ تيمية بِقُرُونٍ، حتى لا يَقول قائل: هذا
_________________
(١) كما في الحديث الذي رواه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يَنزل ربُّنا-﵎-كُلَّ ليلة إلى السَّماء الدنيا حين يَبقى ثُلُث الليل الآخر يقول: مَنْ يَدعوني فأستجيبَ له؟ مَنْ يَسألني فأُعطيَه؟ مَنْ يَستغفرني فأغفرَ له؟».
[ ١ / ٤٨١ ]
قولُ ابن تيمية! وهذه عقيدة ابن تيمية! أو هذه عقيدة الوَهَّابية! أو غير ذلك من الألفاظ والألقاب التي يُطلقها هؤلاء زُورًا وبهتانًا.
ثم قال المصنفُ ﵀: «هذا كله كلام ابن الماجشون الإمام فَتَدَبَّرْه، وانظر كيف أثبت الصفات ونفى علم الكيفية مُوافقةً لغيره من الأئمة، وكيف أنكر على مَنْ نفى الصفات بأنه يَلزمهم من إثباتها كذا وكذا، كما تقوله الجهمية: إنَّه يَلزم أن يكون جِسْمًا أو عَرَضًا فيكون مُحْدَثًا».
فهذا إمامٌ من أئمة السلف الصالح؛ انظر كيف يتكلم في هذه المسائل، هل عطَّل منها شيئًا؟! هل دعا إلى التَّعطيل؟! هل دعا إلى التَّشبيه؟! أو دعى إلى تفويض المعنى؟!
أَلَم يَدْعُ إلى إثبات ما أثبته الله-﷿-لنفسه، وما أثبته له رسولُه ﷺ، وفي الوقت نفسه نهى عن الزيادة على ذلك وعن النقصان عنه، وعن التكَلُّف بإحداث صفةٍ لم تَرِد في الكتاب ولا في السُّنَّة الصحيحة. فهذه وصيته
فالجهمية، فإذا قلنا: إن لله-﷾-صفات. قالوا: يَلزم من ذلك أن يكون جسمًا، أو أن يكون عَرَضًا، ويلزم منه أن يكون ذا أجزاء، ويلزم منه أن يكون مُرَكَّبًا!
وهذه لوازم المخلوق فيُقولون: إننا لو أثبتنا هذه الصفات للخالق، فيكون مشابهًا للمخلوق، وبالتالي عَطَّلُوها.
وهي شُبهة ميِّتة وضعيفة لا تَروج-والله-إلا على إنسانٍ جاهل ما عنده أثارة من علم ولا له أدنى بَصيرة.
فإن لله تعالى فيما وُصِف ما يَخُصُّه، وللمخلوق فيما يَتَّصف به ما يخصُّه، فلا تُعْطَى خصائص الخالق للمخلوق، ولا تُعطى خصائص المخلوق للخالق ﷾؛ فكما نقول: لله حياةٌ تخصُّه وعلمٌ يخصُّه، فلنقل: له استواءٌ يخصُّه ونزولٌ يخصُّه.
فنؤمن بما أخبر الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، فهل هناك أوضح وأَسْلَم مِنْ هذا المنهج؟!
وهذا الذي يتفق مع النصوص؛ فلا تُنْكَر، ولا تُعَطَّل، ولا يُزاد فيها ولا يُنقص منها. وتلك عقيدة السلف الواضحة الجَلِيَّة؛ نسأل اللهَ أن يَختم لنا بها، وأَلَّا يَتوفانا إلَّا عليها.
[ ١ / ٤٨٢ ]
(٩٦) "وفي كتاب [الفقه الأكبر] المشهور عند أصحاب أبي حنيفة الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر فقال: لا تكفرنَّ أحدًا بذنب، ولا تنف أحدًا به من الإيمان، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولا تتبرأ من أحدٍ من أصحاب رسول الله ﷺ-ولا توالي أحدًا دون أحد، وأنت تردَّ أمر عثمانٍ وعليٍّ إلى الله ﷿".
قال الإمامُ أبو حنيفة-﵀-في كتاب «الفقه الأكبر»: «ولا تُكَفِّرَنَّ أحدًا بذنبٍ»، والمقصود هنا: تكفير مُرتكب الكبيرة، وكما هو معلوم؛ فإن الخوارج قالوا: إنَّ مرتكب الكبيرة يُعَدُّ خارجًا من الإيمان؛ فكفروا مرتكب الكبيرة. وهكذا فعلتِ المعتزلةُ؛ على اختلافٍ بينهم في حكم مُرتكب الكبيرة في الدنيا؛ فإن المعتزلة قالوا: إنَّه في منزلة بين منزلتين، واتفقوا مع الخوارج في الحُكم عليه في الآخرة بأنه مُخَلَّدٌ في النار.
ومسألة التَّكفير مسألةٌ عظيمة وخطيرة، وقد حصل فيها زَلَلٌ في القديم وفي الحديث، ونحن في هذا العصر نلمس شيئًا من هذا الزَّلل بسبب أنَّ كثيرًا من الناس لا يَفهم هذه المسألة على ما هي عليه، وعلى الوجه الحقِّ الذي هي فيه.
ولذلك، فإنَّ بعضَ طلبة العلم المُبتدئين-للأسف الشديد-لا يَفهمون هذه المسألة فهمًا صحيحًا، ولا يَرجعون فيها إلى مُعتقد أهل السُّنَّة والجماعة، ولذلك لا بد أن نتوقف وقفة عند هذه المسألة؛ (مسألة التكفير)، أو ما يُسَمَّى: (الكفر المُطلق والكفر المُعَيَّن).
ولا بد أن يَعلم طالبُ العِلم أن عند أهل السُّنَّة والجماعة في هذا الباب أمرين:
- الأمر الأول: أن يعلم ما هي المسائل التي تُوجب الكفر؟ وما هو الكفر؟ وهذا ما يُسمى ب (الكفر المُطْلَق)، أي: متى يكون حكم القول أو الفعل أو الاعتقاد كفر، وهذا أمرٌ مهم.
[ ١ / ٤٨٣ ]
- الأمر الثاني: متى يكون القائل أو الفاعل أو المعتقد لهذا الأمر كافرًا؟ وهذا ما يُسمى بمسألة: (تكفير المُعَيَّن).
فلا بُدَّ لطالب العلم أن يفهم هذين الأمرين: ما هو الكفر؟ ومتى يكون الإنسان كافرًا؟
فالإيمان ضده الكفر، والإيمان-كما هو معلوم-شُعَبٌ، وشعب الإيمان نُسَمِّيها: الطاعات، فالإيمان أصلٌ وله شُعَبٌ؛ فأصل الإيمان في القلب، والقلب عليه واجبان؛ هما:
واجب العلم والمعرفة، وهذا الذي يُسَمِّيه أهل السُّنَّة: التصديق.
وواجب الانقياد والطاعة، وهذا الذي يُسَمُّونه: العمل؛ لذلك يُعَبِّرون عن الإيمان؛ بقولهم: الإيمان قول وعمل؛ فالمقصود بذلك: قول القلب: الذي هو التصديق، الذي هو العِلم والمعرفة. وعمل القلب: الذي هو الانقياد والطاعة.
والإنسان لا يَصير مؤمنًا إلا بهذين الأمرين:
الأمر الأول: أن يكون على علمٍ ومعرفة.
الأمر الثاني: وعلى انقيادٍ وطاعة؛
فلو اختل التصديق لا يبقى الإيمان، وكذا الأمر إذا اختل الانقياد؛ لأنَّ التصديق وحده لا يَكفي؛ فإبليس-عليه لعنة الله-كان يَعلم مَنْ يخاطب؟ وعلى من اعترضَ؟ ويهود المدينة كانوا يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم؛ وقد قال الله عنهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠]، لكن لم ينفعهم هذا العِلم ولم تنفعهم تلك المعرفة، كما لم ينفع إبليس علمه بمن يخاطب وعلى مَنْ اعترض، وكذلك فرعون وقومه لم ينفعهم علمُهم بأن الآيات التي جاءتهم هي حقٌّ من عند الله؛ قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٣، ١٤]؛ لأن هؤلاء جميعًا لم يضيفوا إلى العلم الإذعان والانقياد والقبول لما علموا صدقه.
وقد سُئل سفيان بن عيينة ﵀ عن الإرجاء؛ فقال: «يقولون: الإيمان قول. ونحن نقول: الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لِمَنْ شهد أن لا إله إلا الله مُصِرًّا بقلبه على ترك الفرائض، وسَمُّوا تركَ الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المَحارم، وليس بسواءٍ؛ لأن ركوبَ المحارم من غير استحلال مَعصية، وترك الفرائض متعمدًا
[ ١ / ٤٨٤ ]
من غير جهل ولا عُذر هو كفر، وبيان ذلك في أمر آدم صلوات الله عليه وإبليس وعلماء اليهود؛ أمَّا آدم فنهاه الله ﷿ عن أكلِ الشَّجرة وحَرَّمها عليه؛ فأكل منها متعمدًا؛ ليكون مَلَكًا أو يكون من الخالدين؛ فسُمِّي عاصيًا مِنْ غير كفر، وأمَّا إبليسُ- لعنه الله- فإنَّه فُرض عليه سجدةٌ واحدةٌ؛ فجَحَدها مُتعمدًا فَسُمِّي كافرًا. وأمَّا علماء اليهود فَعَرَفوا نعتَ النبي ﷺ، وأنه نبيٌّ رسولٌ، كما يعرفون أبناءهم، وأَقَرُّوا به باللسان ولم يَتَّبعوا شريعة؛ فَسَمَّاهم الله ﷿ كُفَّارًا؛ فركوب المحارم مِثلُ ذَنْب آدم ﵇ وغيرِه من الأنبياء، وأمَّا تركُ الفرائض جُحودًا فهو كفرٌ؛ مِثل كفر إبليس لعنه الله، وتَركهم على معرفة من غير جُحود فهو كفر؛ مِثل كفر علماء اليهود، والله أعلم» (^١).
وقال الأوزاعي ﵀: «لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يَستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية مُوافقة للسنة. وكان مَنْ مضى مِنْ سلفنا لا يُفَرِّقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنَّما الإيمان اسم يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل؛ فمَن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق بعمله؛ فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها. ومَن قال بلسانه ولم يَعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله؛ لم يُقبل منه وكان في الآخرة من الخاسرين» (^٢).
ونقله عنه المصنفُ في «مجموع الفتاوى»، وعَلَّق عليه بقوله: «وهذا معروفٌ عن غير واحد من السَّلَف والخلف: أنَّهم يجعلون العمل مصدقًا للقول» (^٣).
فإذًا القلب عليه واجبان:
الواجب الأول: واجب التصديق، أو ما نُسَمِّيه: واجب العلم والمعرفة،
الواجب الثاني: واجب الانقياد والطاعة، فإذا اختلَّ أحد الأمرين زال الإيمان؛ فهذا أصل الإيمان.
وأمَّا أصل الكفر فهو التكذيب والجحود؛ لأن التكذيب يقابل التصديق، والجحود يقابل الانقياد.
_________________
(١) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٤٧)، وأورده ابن رجب في «فتح الباري» (١/ ٢٥)، وفي «جامع العلوم والحكم» (ص ٤٤).
(٢) رواه ابن بطة في «الإبانة الكبرى» (٢/ ٨٠٧).
(٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٢٩٦).
[ ١ / ٤٨٥ ]
فلا يصير العبد مؤمنًا إلا بإيمان وانقياد؛ لذلك من عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة: أن الإيمان قولٌ وعمل، فإذا زال أحدُ الأمرين زال الإيمان، والإيمان كما-تقَدَّم-شُعَبٌ، وهذه الشعب نُسَمِّيها: طاعات.
ومِن شعب الإيمان ما لو زَالَ زَالَ الإيمانُ، ومِن شُعب الإيمان ما لو زال لم يَزل الإيمان، وشُعَب الإيمان متفاوتة في الرُّتبة؛ فهناك الأفضل وهناك الأدنى؛ كما قال النبيُّ ﷺ: «الإيمانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ-أَوْ بِضْعٌ وسِتُّون-شُعبة؛ فأفضلُها: قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شُعبة من الإيمانِ» (^١)، فلو زالت لا إله إلا الله فلا يبقى إيمان، لكن لو زالت إماطة الأذى عن الطريق لم يَزل الإيمان.
ولذلك في المقابل: الكُفْرُ-أيضًا-شُعُبٌ؛ ونسميها: معاصي؛ فالكفر معصية، والشرك معصية، والنفاق معصية، كما أنَّ الصلاة إيمان، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله ﷺ: «الطَّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» (^٢).
فمعنى الإيمان هنا في الآية والحديث: الصلاة، ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾: أي: صلاتكم؛ لأنها نزلت بعد تحويل القبلة إلى المسجد الحرام؛ عندما سأل الصحابةُ عن شأنِ صلاتهم السابقة إلى بيتِ المقدس، وكذلك معنى الحديث: «الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ»، أي: الوضوء نصف الصلاة.
فتُسمى شُعَب الإيمان-التي هي الطاعات-إيمانًا، كما تسمى شُعَب الكفر-التي هي المعاصي-كفرًا؛ لذلك جاء في هذه الأحاديث: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (^٣)، «اثْنَتَان في النَّاسِ هُمَا بهم كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ» (^٤)، «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ»،
_________________
(١) رواه مسلم في كِتَاب (الإِيمَانِ)، بَاب (شُعَبِ الإِيمَانِ)، برقم (٣٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه مسلم في كِتَابِ (الطَّهَارَةِ)، بَاب (فَضْلِ الْوُضُوءِ)، برقم (٢٢٣)، من حديث أبي مالك الأشعري ﵁.
(٣) رواه البخاري في كِتَاب (الإِيمَانِ)، بَاب (خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ)، برقم (٤٨)، ومسلم في كتَاب (الإِيمَان)، بَاب (بَيَان قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (٦٤)، والترمذي (١٩٨٣)، وابن ماجه (٦٩)، والنسائي (٤١٠٨)، والإمام أحمد في «المسند»؛ (مُسْنَد الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ) (٣٦٤٧).
(٤) انظر صحيح مسلم كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى الطَّعْنِ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ، برقم (٦٧)، والترمذي (١٠٠١)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (١٠٤٣٤).
[ ١ / ٤٨٦ ]
«مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ» (^١)، وهكذا.
فإذًا شُعَبُ الكفر نُسَمِّيها معاصي، ولذلك مِنْ شعب الكفر ما لو وُجد زال الإيمان، ومِن شعب الكفر ما لو وُجد لم يَزل الإيمان، وعلى هذا يُفهم أنَّ الكفر كفران: كفرٌ يُخرج من المِلَّة، وكفرٌ لا يُخرج من الملة، فإذا كان تلك المعصية تُوجب الخلل في التصديق أو في الانقياد، فعند ذلك تُسَمَّى كفرًا أكبر.
لذلك مِنْ أصح ما يكون في تعريف الكفر، أن نقول: هو الجحود، فإمَّا جحود الوحدانية، أو جحود النبوة، أو جحود الشريعة، فإذا اختلَّ هذان الأصلان، أي: أصل التصديق وأصل الانقياد، فهذا الذي يُسَمَّى الكفر، لكن إذا لم يختل هذان الأصلان فعند ذلك لا يَقع الكفر المخرج من الملة.
لذلك نقول في تعريف الكفر الأصغر: هو كل معصيةٍ أَطلق عليها الشارعُ اسمَ الكفر، مع بقاء اسم الإيمان على صاحبها؛ كقتال المسلم الذي جاء في حديث النبي ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (^٢).
فالقتل-وقد أُطلق عليه اسم الكفر-لا يُوجب الخروج عن الإيمان؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، فإذًا لم تَزل أخوةُ الإيمان باقيةً لهم.
فعند أهل السنة-كما قلنا-: شُعَبُ الإيمان تتفاوت، ولذلك فإن الوقوع في بعض المعاصي واختلال بعض الطاعات قد لا يُوجب الخروج من الإيمان.
ولِكَيْ تَفْقَهَ مسألة الكفر جيدًا عليك أن تتصور مواقف الفِرَق المختلفة من الإيمان:
فالخوراج والمعتزلة يقولون: إن الإيمان قول واعتقاد وعمل، ولكن يرون أن الإيمان شيءٌ واحد؛ إذا زال بعضه زال كله.
وفي المقابل المرجئة يقولون: الإيمان هو المعرفة، وما دام العلم موجودًا فإن ذلك لا يُوجب زوال الكفر ولو وقع الإنسان فيما يخالف ذلك من العمل، وهو قول الجهمية وقول الأشاعرة.
_________________
(١) انظر سنن أبي داود برقم (٣٩٠٤)، والترمذي (١٣٥)، وابن ماجه (٦٣٩)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (١٠١٦٧)، والدارمي (١١٧٦)، قال الشيخ الالباني في المشكاة الجزء الأول صفحة (١٧٣): صحيح.
(٢) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٤٨٧ ]
ولذلك عرَّفَ الأشاعرة الكفر فقالوا: «الكفر هو التكذيب»؛ فحصروا الكفر في التكذيب، كما حصروا الإيمان في التصديق؛ فمقابل التصديق: التكذيب. وهذا هو قول الأشاعرة.
ولذلك الناس مختلفون في مسألة الكفر؛ فهناك مَنْ يقول: لا نُكَفِّر أحدًا من أهل القبلة. وهناك مَنْ يكفِّر بأدنى بدعة. وأمَّا أهل السُّنَّة فيقولون: إن الأمر يختلف باختلاف البدع؛ فمن البدع ما هي مُضَلِّلة، ومنها ما هي مُكَفِّرة.
فمثلًا لو أنَّ إنسانًا أقامَ مَوْلِدًا؛ فلا نقول: إنه يكفر بهذا. ولكن لو أن إنسانًا فعل أمرًا يناقض أصل الإيمان؛ فإننا نقول: إن هذا القول-أو هذا الفعل-كُفْرٌ، كما نقول مثلًا: إن نفي الصفات وتعطيلها كفرٌ.
فينبغي لطالب العلم أن يتصور ما الإيمان؟ وما الكفر؟ ثم بعد ذلك يَعرف لماذا ينقسم الكفر إلى قسمين: كفر أكبر مخرج من الملة. وكفر أصغر لا يُخرج من الملة، وهو الذي نُسَمِّيه كفرًا دون كفر، أو كفرًا لا يُخرج من الملة.
فهذه مسألة واسعة، وينبغي على طالب العلم أن يعرف ما الكفر؟ وما أقسامه؟ وما الشرك؟ وما أقسامه؟ وكذلك ما النفاق؟ وما أقسامه؟ وكذلك ما الردة؟ وما أقسامها؟
فهذه المسائل ينبغي لطالب العلم أن يتصورها تصورًا واضحًا، حتى يعرف ما هو الإيمان؟
لأن الناس لما اختلفوا في مسألة الإيمان تَفَرَّع عن هذا الاختلاف اختلافٌ في مسألة الكفر.
فذلك الذي قال بِكُفْر مُرتكب الكبيرة، إنما وقع في هذا الزَّلل؛ لكونه يرى أن الإيمان شيءٌ واحدٌ إذا ذهب بعضُه ذهب كله.
وكثير من الناس لا يستطيع أن يتصور ما النفاق؟ وأنه نوعان.
فأصل النفاق: اختلاف الظاهر عن الباطن، ولذلك تارةً يكون أكبر، وتارةً يكون أصغر.
فيكون أصغر إذا اختلف السر والعلانية في الواجبات، ولذلك جاء في الحديث: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ»، وفي رواية: «وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (^١).
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري، كِتَابُ الإِيمَانِ، بَابُ عَلَامَةِ المُنَافِقِ، برقم (٣٣)، ومسلم كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ بَيَانِ خِصَالِ الْمُنَافِقِ (٥٩)، والترمذي (٢٦٣١)، والنسائي (٥٠٢١)، والإمام أحمد في المسند، مُسْنَد المُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٨٦٨٥).
[ ١ / ٤٨٨ ]
فمثلًا: لو أن إنسانًا أعطى موعدًا لآخر وهو ينوي في قرارة نفسه أنه لن يحضر في ذلك الموعد. فهذا نسميه نفاقًا أصغر؛ لأن السرَّ خالف العلانية في الواجبات، وليس في أصل الاعتقاد.
أما إذا اختلف السرُّ والعلانية في أصل الاعتقاد فهذا نسميه: كفرًا أكبر، ومعناه: أن الإنسان يُظهر الإسلام ويُبطن الكفر.
وهكذا؛ فالشرك شركان: شركٌ أكبر، وشركٌ أصغر.
والشرك الأصغر لا يكون إلا في نوعٍ واحد من أنواع التوحيد، وهو توحيد العبادة؛ فتوحيد العبادة فقط هو الذي فيه أكبر وأصغر.
أمَّا الشرك في توحيد الربوبية وفي توحيد الأسماء والصفات. هذان ما فيهما أكبر وأصغر، فينبغي كذلك أن يتصور ما هو الشرك الأكبر؟ وما هو الشرك الأصغر؟
فعلى طالب العلم أن يعلم أن كلام أهل العلم في الشرك الأصغر إنما يقصدون به: الشرك في العبادات وتوحيد الألوهية، ويقولون في تعريفه: كل وسيلةٍ تؤدي إلى الشرك الأكبر ولم تبلغ رُتبة العبادة؛ لأنها متى ما بلغت رتبة العبادة فإن ذلك يَنقلها إلى الشرك الأكبر في توحيد العبادة.
أمَّا الشرك في توحيد الربوبية وفي توحيد الأسماء والصفات، فليس فيهما أكبر وأصغر، إذ كله أكبر.
لذلك يقول الإمامُ ابنُ القَيِّم ﵀: «الشِّرك شِركان: شرك يتعلق بذات المَعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله.
وشِرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه-سبحانه-لا شريكَ له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
والشِّرك الأول نوعان:
أحدهما: شرك التَّعطيل: وهو أقبحُ أنواع الشرك؛ كشرك فرعون إذ قال: ﴿وما رب العالمين﴾ [الشعراء: ٢٣].
وقال-تعالى-مُخبرًا عنه أنه قال لهامان: ﴿وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]،
[ ١ / ٤٨٩ ]
فالشرك والتعطيل متلازمان: فكل مُشرك مُعَطِّل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل يكون المشركُ مقرًّا بالخالق-سبحانه-وصفاته، ولكنه مُعطل حق التوحيد.
وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها: هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه.
القسم الثاني: تعطيل الصانع-سبحانه-عن كماله المقدس؛ بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله.
القسم الثالث: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.
ومِن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثَمَّ خالق ومخلوق ولا هاهنا شيئان، بل الحق المُنَزَّه هو عين الخلق المشبه. ومنه شرك الملاحدة القائلين بقِدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدومًا أصلًا، بل لم يَزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مُستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها، ويسمونها بالعقول والنفوس. ومن هذا شرك مَنْ عَطَّل أسماء الرب-تعالى-وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يُثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه؛ إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.
النوع الثاني: شِرك مَنْ جعل معه إلهًا آخر، ولم يُعَطِّل أسماءه وصفاته وربوبيته؛ كشرك النَّصارى الذين جعلوه ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهًا، وأمه إلهًا.
ومِن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشَّرِّ إلى الظلمة.
ومِن هذا شرك القدرية القائلين بأنَّ الحيوان هو الذي يَخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته، ولهذا كانوا من أشباه المجوس.
ومِن هذا شرك الذي حاجَّ إبراهيم في ربِّه؛ ﴿إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت﴾ [البقرة: ٢٥٨].
فهذا جعل نفسه ندًّا لله؛ يُحيي ويميت بزعمه، كما يُحيي الله ويميت، فألزمه إبراهيم أن طَرْدَ قولِك: أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي بها الله منها، وليس هذا انتقالًا، كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزامًا على طرد الدليل إن كان حقًّا.
ومِن هذا شرك كثير ممن يُشرك بالكواكب العُلويات، ويجعلها أربابًا مُدبرة لأمر
[ ١ / ٤٩٠ ]
هذا العالم، كما هو مذهب مُشركي الصابئة وغيرهم.
ومِن هذا شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم.
ومِن هؤلاء مَنْ يزعم أنَّ معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم مَنْ يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خَصَّه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به، ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يُقربه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقاني يقربه إلى مَنْ هو فوقه، حتى تُقربه تلك الآلهة إلى الله ﷾، فتارة تكثر الوسائط وتارة تقل.
وأمَّا الشرك في العبادة فهو أسهل من هذا الشرك، وأخف أمرًا، فإنه يُصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره، ولا ربَّ سواه، ولكن لا يخص الله في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظِّ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله مِنْ عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحَظِّه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب، وهذا حال أكثر الناس، وهو الشرك الذي قال فيه النبي ﷺ فيما رواه ابن حبان في «صحيحه»: «الشِّركُ في هذه الأمة أَخفى مِنْ دَبِيب النمل». قالوا: كيف ننجو منه يا رسول الله؟ قال: قل: «اللهم إني أعوذ بك أن أشركُ بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» (^١).
فالرياء كله شرك؛ قال تعالى: ﴿قل إنَّما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
أي: كما أنَّه إله واحد، ولا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده، فكما تفَرَّد بالإلهية يجب أن يُفرد بالعبودية؛ فالعمل الصالح هو الخالي من الرِّياء المقيد بالسُّنَّة.
وكان من دعاء عمر بن الخطاب ﵁: «اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا».
وهذا الشرك في العبادة يُبطل ثواب العمل، وقد يُعاقب عليه إذا كان العمل واجبًا، فإنه يُنَزِّله منزلة مَنْ لم يعمله، فيُعاقب على ترك الأمر، فإن الله-سبحانه-إنما أمر بعبادته عبادة خالصة؛ قال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين
_________________
(١) رواه البخاري في «الأدب المفرد» (٧١٦)، وأبو يعلى في «مسنده» (١/ ٦٠)، وصححه الألباني في «صحيح الأدب المفرد» (٢٦٦).
[ ١ / ٤٩١ ]
حنفاء﴾ [البينة: ٥].
فمن لم يُخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور به، فلا يصح ولا يُقبل منه، ويقول الله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمَن عمل عملًا أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريءٌ» (^١).
وهذا الشركُ ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر، والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفور؛ فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم: أن يحب مخلوقًا كما يحب الله، فهذا من الشرك الذي لا يَغفره الله، وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعهم الجحيم: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨].
ومعلوم أنهم ما سَوُّوهم به-سبحانه-في الخلق والرِّزق والإماتة والإحياء والمُلك والقدرة، وإنما سوُّوهم به في الحبِّ والتأله والخضوع لهم والتذلل، وهذا غاية الجهل والظلم؛ فكيف يُسَوَّى الترابُ بربِّ الأرباب، وكيف يُسَوَّى العبيد بمالك الرِّقاب، وكيف يسوى الفقير بالذات الضعيف بالذات العاجز بالذات المحتاج بالذات، الذي ليس له مِنْ ذاته إلا العدم؛ بالغني بالذات، القادر بالذات، الذي غِناه وقدرته وملكه وجُوده وإحسانه وعِلمه ورحمته وكماله المطلق التام مِنْ لوازم ذاته؟!
فأيُّ ظلم أقبح مِنْ هذا؟ وأيُّ حكم أشد جَوْرًا منه؟ حيث عَدَل مَنْ لا عِدْلَ له بخلقه، كما قال تعالى: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور * ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ [الأنعام: ١].
فعدل المشركُ مَنْ خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، بِمَنْ لا يَملك لنفسه ولا لغيره مِثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض؛ فيَا لَكَ مِنْ عَدْل تَضَمَّن أكبرَ الظُّلْم وأقبحَه» (^٢).
وخلاصة القول: فالشرك في أصل تقسيمه ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: شرك يتعلق بذات المعبود، أي: ما يتعلق بأفعاله وأسمائه وصفاته.
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ ابنُ ماجه (٤٢٠٢) ومسلم (٢٩٨٥) من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظ مسلم: «قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ مَنْ عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُه وشِرْكَه».
(٢) «الجواب الكافي» (ص ١٢٩ - ١٣٣).
[ ١ / ٤٩٢ ]
القسم الثاني: شرك يتعلق بعبادته ﷾.
ثم الشرك الذي يتعلق بذات الخالق-﷾-نوعان:
النوع الأول: شرك تعطيل.
النوع الثاني: شرك تمثيل.
ففي توحيد الربوبية شركان، وفي توحيد الأسماء والصفات-كذلك-شركان.
فلذلك ضدُّ التوحيد: الشرك، والشرك-كما قلنا-: شركٌ في الربوبية وشرك في الأسماء والصفات وشرك في الألوهية.
أما الذي في الربوبية وفي الأسماء والصفات، فهو ينقسم إلى قسمين: شرك في التمثيل، وشرك في التعطيل.
فالربوبية-مثلًا-الشرك فيها شركان:
الأول: شرك تعطيل:
وتعريفه هو:
١ - أن يَجحد الخالق ﷾ وهو أن ينكر جميع أفعال الخالق، وهذا الذي نسمِّيه: الملحد.
٢ - أو أن يُعَطِّل أفعاله إمَّا تعطيلًا كليًّا، وإمَّا تعطيلًا جزئيًّا، فهناك مَنْ يعطِّل بعض أفعال الخالق؛ كالذي يُنكر قدرة الله تعالى في فِعل العبد، فقدرة الله فِعْلٌ من أفعاله، فإذا أنكره يكون بذلك معطِّلًا لهذا الفعل من أفعاله؛ لذلك فالتعطيل إمَّا أن يكون تعطيلًا كليًّا، وإمَّا أن يكون تعطيلًا جزئيًا.
الثاني: شرك التمثيل.
وتعريفه هو:
أن يَصرف فعلًا من أفعال الله تعالى لغير الله، مع جعل هذا الفعل لله تعالى؛ كالذي يعتقد أن الله يرزق وصاحب القبر يرزق، أو أن لله قدرة وأنَّ للكواكب قدرة؛ فهذا نسميه شِركًا في الربوبية.
فمثلًا الذين يعتقدون أن للنجوم وللكواكب تأثيرًا في مجريات الأحداث بالكون، فإن هؤلاء أشركوا شركَ تمثيلٍ في الربوبية؛ لأنهم جعلوا مع الله مُماثلًا في هذا الفعل؛ فاعتقدوا أن الله يؤثر في الكون وأن الكواكب تؤثر كذلك.
وكالذي يقع فيه بعضُ عُبَّادِ القبور الذين يعتقدون أن صاحب القبر يستطيع أن ينفع وأن يَضر بنفسه، وأنه يرزق بنفسه، وأنه يأتي بالولد بنفسه، وهكذا، فهذا نسميه
[ ١ / ٤٩٣ ]
شركَ التمثيل.
والشاهد: أنَّ هذا بابٌ واسعٌ، وهو ما نُسَمِّيه: الكفر المطلق، وعلى طالب العلم أن يتصور المسائل التي تُوجب الكفر؛ لأن التكفير حقٌّ لله ولرسوله ﷺ، فلذلك لا يمكن أن نحكم على المسائل بأنها كفرٌ أكبر أو كفرٌ أصغر، إلا بعد أن نعرف النصوص التي وردت في هذا، ونُفَرِّق بين ما هو أكبر وبين ما هو أصغر، وبين ما ينافي أصل الإيمان وبين ما ينافي كمال الإيمان، حتى لا نَقع في الخَلَل الذي وقع فيه المُرجئة والذي وقع فيه الخوارج والمعتزلة، وتفرع عنه حكمهم على مرتكب الكبيرة.
والأصل في هذا كله: أن يَعرف الإنسان ما هو معتقد السلف في الإيمان.
وأردنا بهذا أن نُلقي بعض الضوء على هذه المسألة التي ينبغي على طالب العلم أن يفهمها فهمًا صحيحًا سليمًا، حتى يستطيع أن يُفَرِّق بين الحق والباطل في هذا الباب؛ فلا يميل إلى رأي المرجئة ولا يميل إلى رأي الخوارج والمعتزلة، بل يكون وسطًا، كما كان عليه أهل السُّنَّة والجماعة.
ولن يكون كذلك حتى يعلم مُعتقد أهل السُّنَّة والجماعة، ويعلم ما هو الإيمان؟ وما هو الكفر؟ وما هي أقسامه؟ وما هي شُعَبُه؟