الفريق الأول: نفاة الاستواء
سبق أن ذكرنا أن المعطلة من الفلاسفة، والجهمية، والأشاعرة، والماتريدية، على الرغم من أن لكل واحد منهم منهجًا مستقلًا في مسألة الصفات يتفقون جميعًا على إنكار الصفات الاختيارية بما فيها صفة الاستواء، ويذهبون إلى تأويل الآيات القرآنية الواردة في إثباتها إلى ما أدت إليه عقولهم من المعاني الفاسدة التي يزعمون أن في ذلك تنزيهًا لله عن مشابهة المخلوقين.
وإن سبب ذلك التأويل الباطل هو اعتقاد هؤلاء المعطلة أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها النصوص، وذلك بسبب الشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الفلاسفة، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر-وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى-بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى، وهي التي يسميها هؤلاء المعطلة طريقة السلف، وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف، وهي التي يسمونها طريقة الخلف.
وبهذا يتبين لنا أن هذا الباطل الذي ذهب إليه هؤلاء المعطلة إنما هو مركب من فساد العقل والكفر بالسمع، وذلك لأنهم إنما اعتمدوا في نفي تلك الصفات على شبه عقلية ظنوها بينات وهي في الحقيقة شبهات.
وبناء على المسلك الثاني الذي سلكه هؤلاء المعطلة من تأويل تلك النصوص، فقد تعددت أقوالهم واختلفت في المعنى الذي يجب أن يؤول إليه لفظ الاستواء الوارد في الآيات إلى عدة أقوال منها:
القول الأول:
من هؤلاء المعطلة من يؤول معنى الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ على الاستيلاء والقهر والغلبة.
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ٣٥٩).
[ ١ / ٥٢٦ ]
وهذا القول يذهب إليه كثير من الجهمية (^١)، والمعتزلة (^٢)، والحرورية (^٣)، وكثير من متأخري الأشاعرة (^٤)، كسيف الدين الآمدي (^٥)، والغزالي (^٦)، والبغدادي (^٧)، وغيرهم.
وقد استدل هؤلاء المعطلة على صحة زعمهم هذا بأن تأويل الاستواء بالاستيلاء أمر مشهور في لغة العرب من ذلك:
قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق … من غير سيف ولا دم مهراق
وقال الآخر:
هما استويا بفضلهما جميعًا … على عرش الملوك بغير زور
وقال الآخر:
فلما علونا واستوينا عليهم … تركناهم صرعى لنسر كاسر
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر -رحمه الله تعالى-أن بعضهم قد احتج بما رواه عبد الله بن داود الواسطي عن إبراهيم بن عبد الصمد عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قال: "استولى على جميع بريته فلا يخلو منه مكان" (^٨).
ومن هؤلاء المعطلة من يبقي كلمة العرش الواردة في الآية على معناها الحقيقي الثابت، ويقول إنما خصص العرش بالذكر من بين جميع المخلوقات لكونه أعظم المخلوقات وأرفعها وأوسطها فخصص بالذكر تنبيهًا على ما دونه.
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى (٥/ ٩٦)، ومختصر الصواعق (٢/ ١٤٤).
(٢) متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار (١/ ٧٣، ٣٥١).
(٣) انظر مجموع الفتاوى (٥/ ٦٦)، ومختصر الصواعق (٢/ ١٤٤).
(٤) انظر تحفة المريد على شرح جوهرة التوحيد (ص ٥٤).
(٥) انظر غاية المرام (ص ١٤١).
(٦) انظر الاقتصاد في الاعتقاد (ص ١٠٤).
(٧) شرح الأصول الخمسة (ص ٢٢٦).
(٨) التمهيد (٧/ ١٣٢). وقد أجاب ابن عبد البر على استدلالهم هذا بقوله: «إن هذا الحديث منكر على ابن عباس ﵄، ونقلته مجهولون وضعفاء، فأما عبد الله بن داود الواسطي وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث لو عقلوا وأنصفوا» ا. هـ.
[ ١ / ٥٢٧ ]
ومنهم من يؤول العرش الوارد في الآية بمعنى الملك (^١)، ويزعم أن معنى الآية استولى واستعلى على الملك، ويقول أصحاب هذا القول إن الله قد عبر بالعرش كناية على الملك، لأنه يخاطب الناس على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم، واستقر في قلوبهم، ذلك أن العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، فجعل العرش كناية عن نفس الملك. ويستدل هؤلاء بأن هذا الأمر مشهور في اللغة، وكذلك بقوله تعالى في سورة يونس ﴿ثُم اسْتَوَى عَلَى العَرْش يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾، فقالوا: إن قوله يدبر الأمر جرى مجرى التفسير لقوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾ (^٢).
الرد عليهم:
لقد أجمع السلف على أن هذا التأويل الذي ذهب إليه هؤلاء الجهمية، والمعتزلة، والخوارج، ومتأخرو الأشاعرة، هو تأويل باطل ترده نصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة، وهو قول لا أصل له في لغة العرب، بل هو تفسير لكلام الله بالرأي المجرد، لم يذهب إليه صاحب ولا تابع، ولا قاله إمام من أئمة المسلمين، ولا أحد من أهل التفسير الذين يحكون قول السلف.
ولبيان فساد هذا القول على وجه التفصيل نقول:
أولًا: أنه من المعلوم أن لفظ الاستواء قد ورد في القرآن الكريم في سبعة مواضع، وهذه المواضع جميعها قد اطرد فيها لفظ الاستواء دون الاستيلاء، وكذلك الأمر بالنسبة لما ورد في السنة، فلو كان معناه استولى-كما يزعم هؤلاء-لكان استعماله في أكثر موارده كذلك، فإذا جاء في موضع أو موضعين بلفظ استوى حمل على معنى استولى لأنه المألوف المعهود.
أما أن يُؤتى إلى لفظ قد اطرد استعماله في جميع موارده على معنى واحد فيدعى صرفه في الجميع إلى معنى لم يعهد استعماله فيه، فهذا أمر في غاية الفساد ولم يقصده ويفعله من قصد البيان، هذا لو لم يكن في السياق ما يأبى حمله على غير معناه الذي اطرد استعماله فيه، فكيف وفي السياق ما يأبى ذلك (^٣).
ثانيًا: ومما يرد هذا التأويل الباطل أن كلمة استوى قد جاءت بعد "ثم" التي
_________________
(١) انظر شرح الأصول الخمسة (ص ٢٢٦)، تفسير الرازي (١٤/ ١٥)، وأصول الدين للبغدادي (ص ١١٢).
(٢) تفسير الرازي (١٤/ ١١٥).
(٣) انظر مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٢٨ - ١٢٩).
[ ١ / ٥٢٨ ]
حقها الترتيب والمهلة، فلو كان المعنى القدرة على العرش والاستيلاء عليه لم يتأخر ذلك إلى ما بعد خلق السموات والأرض، فإن العرش كان موجودًا قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام كما ثبت في صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء" (^١).
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾.
وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: "كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض" (^٢).
فالآيات والحديثان يدلان دلالة واضحة على أن العرش كان موجودًا قبل خلق السموات والأرض فكيف يجوز أن يكون غير قادر ولا مستولٍ على العرش إلى أن خلق السموات والأرض (^٣).
ثالثًا: أن الاستيلاء سواء كان بمعنى القدرة أو القهر أو نحو ذلك عام في المخلوقات كالربوبية، والعرش وإن كان أعظم المخلوقات ونسبة الربوبية إليه لا تنفي نسبتها إلى غيره كما في قوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، فلو كان استوى بمعنى استولى كما هو عام في المخلوقات كلها لجاز مع إضافته للعرش أن يقال: استوى على السماء وعلى الهواء وعلى البحار والأرض، وعليها ودونها ونحوها إذ هو مستو على العرش. فلما اتفق المسلمون على أن يقال: استوى على العرش، ولا يقال استوى على هذه الأشياء مع أنه يقال: استولى على العرش والأشياء، علم أن معنى استوى خاص بالعرش وليس عاما كعموم الأشياء (^٤).
رابعًا: أنه إذا فسر الاستواء بالغلبة والقهر عاد معنى الآيات كلها إلى أن الله تعالى أعلم عباده بأنه خلق السموات والأرض ثم غلب على العرش بعد ذلك وقهره وحكم عليه! أفلا يستحي من الله من في قلبه أدنى وقار لله ولكلامه أن ينسب ذلك
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر (٨/ ٥١).
(٢) سيأتي تخريجه في قسم التحقيق فقرة (١٢٠).
(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٥).
(٤) المصدر السابق (٥/ ١٤٤).
[ ١ / ٥٢٩ ]
إليه وأنه أراد بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: أي اعلموا يا عبادي أني بعد فراغي من خلق السموات والأرض غلبت عرشي وقهرته واستوليت عليه (^١).
خامسًا: إن ما يستند إليه هؤلاء المعطلة في زعمهم هذا من قولهم إن تفسير استوى باستولى أمر مشهور في اللغة، هو قول باطل مردود لأنه لم يثبت عند أحد من أهل اللغة أن لفظة استوى يصح استعمالها بمعنى استولى بل إن هذا القول منكر عند اللغويين.
فهذا ابن الأعرابي أحد علماء اللغة أتاه رجل فقال له: ما معنى قول الله ﷿ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟ فقال: "هو كما أخبر ﷿"، فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا معناه، إنما معناه استولى، قال: "اسكت ما أنت وهذا، لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضادًا فإذا غلب أحدهما قيل استولى، أما سمعت النابغة:
إلا لمثلك أو من أنت سابقة … سبق الجواد إذا استولى على الأمد (^٢)
"وقد سئل الخليل بن أحمد: هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى؟
فقال: (هذا ما لا تعرفه العرب ولا هو جائز في لغتها).
والخليل إمام في اللغة على ما عرف من حاله، فحينئذ حمله على ما لا نعرف في اللغة هو قول باطل" (^٣).
وكذلك فإنه قد روي عن جماعة من أهل اللغة قالوا: لا يجوز استوى بمعنى استولى إلا في حق من كان عاجزًا ثم ظهر، والله سبحانه لا يعجزه شيء والعرش لا يغالبه في حال، فامتنع أن يكون بمعنى استولى.
وقد روي عن أبي العباس ثعلب أنه قال: "استوى: أقبل عليه وإن لم يكن معوجًا، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [البقرة ٢٩]، و﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾: علا، واستوى الوجه: اتصل، واستوى القمر: امتلأ، واستوى زيد وعمرو: تشابها واستوى فعلاهما وإن لم تتشابه شخوصهما، هذا الذي نعرفه من كلام العرب" (^٤).
فبما تقدم من أقوال علماء اللغة يتضح لنا فساد زعم هؤلاء المعطلة وكذب ادعائهم بأن هذا القول مشهور في اللغة.
_________________
(١) مختصر الصواعق (٢/ ١٤٠ - ١٤١).
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٢/ ٣٩٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٤، ١٤٩)
(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠).
[ ١ / ٥٣٠ ]
وأما ما استدل به هؤلاء من أبيات، كقول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق … من غير سيف ولا دم مهراق
وقول آخر:
هما استويا بفضلهما جميعًا … على عرش الملوك بغير زور
فهذان البيتان لم يثبت نقل صحيح على أنهما شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروهما.
قال ابن فارس: "هذان البيتان لا يعرف قائلهما" (^١).
فهما على هذا بيتان مصنوعان، ومعلوم أنه لو احتج بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى صحته، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده وقد طعن فيه أئمة اللغة.
قال أبو عمر بن عبد البر: "وأما ادعائهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغالبه أحد ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله ﷿ أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطبتها، مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عبيدة في قوله تعالى ﴿اسْتَوَى﴾ قال: وتقول العرب استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى: أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد" (^٢).
وأما ما استدل به المعطلة من قول ابن عباس ﵄ فقد بين ابن عبد البر أنه مكذوب على ابن عباس ورواته مجهولون وضعفاء كما تقدم ذكره.
القول الثاني:
أن معنى استوى: أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ [فصلت ١١]، أي عمد إلى خلق السماء.
_________________
(١) زاد المسير لابن الجوزي.
(٢) التمهيد (٧/ ١٣١).
[ ١ / ٥٣١ ]
وهذا هو قول بعض الجهمية (^١)، وإليه ذهب الفراء، والأشعري، وابن الضرير، واختاره الثعلبي (^٢).
الرد عليهم:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الوجه من أضعف الوجوه، فإنه قد أخبر أن العرش على الماء قبل خلق السموات والأرض.
وكذلك ثبت في صحيح البخاري عن عمران عن النبي ﷺ أنه قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء … " فإذا كان العرش مخلوقًا قبل خلق السموات والأرض، فكيف يكون استواؤه عمده إلى خلقه له؟!
هذا لو كان يعرف في اللغة أن استوى على كذا، بمعنى أنه عمد إلى فعله، فكيف إذا كان لا يعرف قط في اللغة لا حقيقة ولا مجازًا ولا في نظم ولا في نثر.
ومن قال استوى بمعنى عمد ذكره في قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ لأنه عدى بحرف الغاية، كما يقال: عمدت إلى كذا وقصدت إلى كذا، ولا يقال عمدت على كذا ولا قصدت عليه، مع أن ما ذكر في تلك الآية لا يعرف في اللغة أيضًا ولا هو قول أحد من مفسري السلف بل المفسرون من السلف بخلاف ذلك" (^٣).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "إن قولهم هذا يتضمن أن يكون خلقه بعد خلق السموات والأرض، وهذا بخلاف إجماع الأمة، وخلاف ما دل عليه القرآن والسنة، وإن ادعى بعض الجهمية المتأخرين أنه خلق بعد خلق السموات والأرض وادعى الإجماع على ذلك، وليس العجيب من جهله، بل من إقدامه على حكاية الإجماع على ما لم يقله مسلم" (^٤).
القول الثالث:
أن استوى بمعنى علا في هذه الآية، ولكن ليس المراد علو المسافة والمكان، وإنما المراد علو المكانة والقهر، وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من الأشاعرة منهم أبو بكر بن فورك (^٥)، وهم بهذا القول جعلوا الاستواء صفة ذات وليست صفة فعل.
_________________
(١) مختصر الصواعق (٢/ ١٢٦).
(٢) انظر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (٢/ ٨ - ٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٢٠ - ٥٢١).
(٤) مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٤٣).
(٥) كتاب مشكل الحديث لابن فورك (ص ١٩٣)، والأسماء والصفات للبيهقي (ص ٥١٨).
[ ١ / ٥٣٢ ]
الرد عليهم:
أن الآيات والأحاديث قد أثبتت استواء الله على العرش حقيقة، ولو كان معنى الاستواء ههنا المراد به علو المكانة فإن الله لم يزل متعاليًا على الأشياء قبل خلق العرش، فلما أضاف الاستواء على العرش فيجب على ذلك أن يكون لهذا التخصيص فائدة (^١).
القول الرابع:
وهو قول من يثبت الاستواء على أنه صفة للعرش وليس صفة لله تعالى.
وأصحاب هذا القول يقولون: إن الاستواء فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قربًا فيصير مستويًا عليه من غير أن يقوم به-أي بالله-فعل اختياري.
وهذا القول هو ما يقول به ابن كلاب، والأشعري (^٢)، وأئمة أصحابه المتقدمين كالباقلاني وغيره، وهو أيضًا قول القلانسي، ومن وافق هؤلاء من أتباع الأئمة وغيرهم من أصحاب الإمام أحمد كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني وابن عقيل في كثير من أقواله (^٣).
والسبب الذي جعل هؤلاء القوم يمنعون جعل الاستواء صفة لله تعالى هو قولهم بنفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته ﷾ ولذلك يجعلون أفعاله اللازمة لذاته -كالنزول والاستواء-كأفعاله المتعدية-كالخلق والإحسان-، وقولهم في نفي الأفعال الاختيارية راجع إلى قولهم في صفات الله.
وهم يقولون: "إن الله هو الموصوف بالصفات، لكن ليست الصفات أعراضًا، إذ هي قديمة أزلية" (^٤).
وحجتهم في منع قيام الحوادث بذات الله تعالى أنهم يقولون: "إن كل ما صح قيامه بالباري تعالى فإما أن يكون صفة كمال أو لا يكون فإن كان صفة كمال استحال أن يكون حادثًا، وإلا كانت ذاته قبل اتصافه بتلك الصفة خالية من صفة
_________________
(١) المعتمد في أصول الدين للقاضي أبي بعلى (ص ٥٤).
(٢) هذا القول لأبي الحسن الأشعري قاله عندما كان على قول ابن كلاب من نفي الأفعال الاختيارية عن الله تعالى.
(٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٨٦، ٤٣٧، ٤٦٦)، (١٦/ ٣٩٣). الأسماء والصفات (٥١٧). اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٦٤، ٦٥).
(٤) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦).
[ ١ / ٥٣٣ ]
الكمال، والخالي من الكمال الذي هو ممكن الاتصاف به ناقص، والنقص على الله محال بإجماع الأمة.
وإن لم يكن صفة كمال استحال اتصاف الباري بها لأن إجماع الأمة على أن صفات الباري بأسرها صفات كمال، فإثبات صفة لا من صفات الكمال خرق للإجماع وهو أمر غير جائز" (^١).
الرد عليهم:
لقد اعتمد أصحاب هذا القول في منعهم كون الاستواء صفة لله تعالى على حجة منع قيام الحوادث بذاته تعالى، وهي حجة واهية وقد رد عليها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "إن المقدمة التي اعتمد عليها هؤلاء وهي قولهم: إن الخالي من الكمال الذي يمكن الاتصاف به ناقص. فيقال لهم: معلوم أن الحوادث المتعاقبة لا يمكن الاتصاف بها في الأزل، كما لا يمكن وجودها في الأزل، وعلى هذا فالخلو عنه في الأزل لا يكون خلوًا عما يمكن الاتصاف به في الأزل.
ثم إنه لم يثبت امتناع ما ذكر من النقص بدليل عقلي ولا بنص من كتاب ولا سنة، بل بما ادعوه من إجماع، وإذًا فمعلوم أن المنازعين في اتصافه بذلك هم من أهل الإجماع فكيف يحتج بالإجماع في مسألة النزاع.
وقولهم بإجماع الأمة على أن صفاته صفات كمال، فإن قصد بذلك صفاته اللازمة لم يكن في هذا حجة لهم، وإن قصد بذلك ما يحدث بمشيئته وقدرته لم يكن هذا إجماعًا فإن أهل الكلام يقولون إن صفة الفعل ليست صفة كمال ولا نقص والله موصوف بها بعد أن لم يكن موصوفًا.
ثم إن هذا الإجماع الذي ادعوه حجة عليهم فإنا إذا عرضنا على العقول موجودين: أحدهما يمكنه أن يتكلم ويفعل بمشيئته كلامًا وفعلًا، والآخر لا يمكنه ذلك، بل لا يكون كلامه إلا غير مقدور ولا مراد أو يكون بائنًا عنه، لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل من الثاني.
وكذلك إذا عرضنا على العقول موجودين من المخلوقين أو مطلقًا أحدهما يقدر على الذهاب والمجيء والتصرف بنفسه والآخر لا يمكنه ذلك لكانت العقول تقصي بأن الأول أكمل، فنفس ما به يعلم أن اتصافه بالحياة والقدرة صفات كمال، به يعلم أن اتصافه بالأفعال والأقوال الاختيارية التي تقوم به والتي يفعل بها المفعولات
_________________
(١) انظر كتاب ابن تيمية السلفي (ص ١٣٠).
[ ١ / ٥٣٤ ]
المباينة له صفات كمال" (^١).
وكذلك مما يرد به على هذا القول ما قاله ابن القيم: "إنه لو كان الاستواء عائدًا على العرش لكانت القراءة برفع العرش، ولم تكن بخفضه، فلما كانت بخفض العرش دل على أن الاستواء عائد إلى الله تعالى" (^٢).
الفريق الثاني: القول بالتفويض
ويذهب أصحاب هذا القول إلى إثبات لفظ الاستواء فقط مع التوقف في المعنى المراد، فهم يقولون: إن الاستواء ثابت في القرآن حيث إنه قد ورد في سبع آيات، وكذلك قد وردت به الأخبار الصحيحة وقبوله من جهة التوقف واجب، والبحث عنه وطلب الكيفية غير جائز وهو استواء لا نعلمه (^٣).
وقد ذهب إلى هذا القول البيهقي في كتابه الاعتقاد (^٤) وهو أحد قولي الرازي (^٥).
وهؤلاء في الحقيقة ينفون صفة الاستواء ولكن يتوقفون في المعنى الذي على زعمهم يجب تأويل اللفظ إليه.
وقد زعم كثير من الأشاعرة أن القول بالتفويض هو قول السلف (^٦).
ويستدلون على نسبة هذا القول إلى السلف بعبارات نقلت عن السلف ظنوا أنها ترمي إلى القول بالتفويض كقول الأوزاعي: "كنا والتابعون متوافرون نقول أن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته جل وعلا".
وقول ربيعة بن عبد الرحمن، والإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب".
والقول بالتفويض هو مقصود هؤلاء القوم في قولهم: (إن طريقة السلف أسلم)، حيث إنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨].
_________________
(١) الموافقة بين صريح العقل وصحيح النقل (٢/ ٧٣ - ١٧٥)، ط: دار الكتب.
(٢) انظر اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٦٤ - ٦٥).
(٣) الاعتقاد للبيهقي (ص ١١٥).
(٤) المصدر السابق.
(٥) تلخيص المحصل (ص ١١٤).
(٦) الاعتقاد للبيهقي (ص ١١٧)، الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٦)، مناهل العرفان (٢/ ١٨٣ - ١٨٣)، تحفة المريد (ص ٩١ - ٩٢)، شرح الخريدة البهية (ص ٧٥)، الأسماء والصفات (ص ٥١٧).
[ ١ / ٥٣٥ ]
الرد عليهم:
معلوم أن نسبة هذا القول إلى السلف إنما هي محض كذب وافتراء، ومن نسب هذا القول إلى السلف فإنما هو جاهل بطريقة السلف الذين لم يقولوا بهذا القول، ولم يرد عن واحد منهم أنه فوض معنى الاستواء، بل أن الوارد عنهم جميعًا أنهم يفسرون الاستواء بالمعنى المراد وهو العلو والارتفاع على العرش ويؤمنون بأن الله مستو على العرش حقيقة.
قال شيخ الإسلام: "وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعًا مثل أن الله فوق العرش فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما قصدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك" (^١).
وقال في موضع آخر: "وقد فسر الإمام أحمد النصوص التي نسميها متشابهات فبين معانيها آية آية، وحديثًا حديثًا ولم يتوقف فيها هو والأئمة قبله مما يدل على أن التوقف عن بيان معاني آيات الصفات وصرف الألفاظ عن ظواهرها لم يكن مذهبًا لأهل السنة وهم أعرف بمذهب السلف، وإنما مذهب السلف إجراء معاني آيات الصفات على ظاهرها بإثبات الصفات له حقيقة، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعاني لا تحرف ولا يلحد فيها" (^٢).
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية" (^٣).
وأما بالنسبة إلى ما استدل به أصحاب هذا القول على أن القول بالتفويض هو مذهب السلف وذكرهم لقول الإمام مالك: (الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة)، فليس المراد ههنا تفويض معنى الاستواء ولا نفي حقيقة الصفة، ولو كان المراد الإيمان بمجرد اللفظ من غير فهم على ما يليق بالله لما قال: (الكيف مجهول)، لأنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى (^٤).
_________________
(١) الفتوى الحموية (ص ٦٤).
(٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤١٤).
(٣) مختصر الصواعق (١/ ١٥).
(٤) الفتوى الحموية (ص ٢٥).
[ ١ / ٥٣٦ ]
والاستواء على هذا المعنى لا يكون معلوما بل هو مجهول بمنزلة حروف المعجم، لكن الأمر على عكس ذلك، فنفى علم الكيفية؛ لأنه أثبت الصفة وأراد بقوله الاستواء معلوم معناه في اللغة التي نزل بها القرآن فعلى هذا يكون معلومًا في القرآن.
ومعلوم أن ادعاء هؤلاء أن مذهب السلف إنما هو القول بالتفويض سببه اعتقاد هؤلاء أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر-كان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى-فبقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف. وهذا التردد هو الذي وقع فيه من قال بالتفويض من هؤلاء كالبيهقي والرازي، فهم لم يلتزموا بهذا القول مطلقًا بل غالبًا ما يخالفونه كما فعل الرازي في تأسيسه حيث جنح إلى التأويل وترك القول بالتفويض.
الفريق الثالث: قول المشبهة.
والمقصود بهم الهشامية (^١) من الروافض، والكرامية (^٢)، وغيرهم.
وهؤلاء يثبتون استواء الله وارتفاعه فوق عرشه، إلا أنهم تعمقوا في الكلام على كيفية ذلك الاستواء.
فالهشامية مثلًا يقولون: إن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل منه شيء في العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه (^٣).
وأما الكرامية فقد تعددت أقوالهم في كيفية استوائه:
فمنهم من يقول: إنه على بعض أجزاء العرش.
ومنهم من يقول: إن العرش مكان له وإن العرش امتلأ به.
ومنهم من يقول: إنه لو خلق بإزاء العرش عروشًا موازية لعرشه لصارت العروش كلها مكانًا له لأنه أكبر منها كلها.
_________________
(١) هم أصحاب هشام بن عبد الحكم الرافضي من الإمامية، وتنسب إليه وإلى هشام بن سالم الجواليقي أحيانا، من الإمامية المشبهة. انظر المقالات (١/ ٣١ - ٣٤)، الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).
(٢) هم أصحاب محمد بن كرام وهم طوائف يبلغ عددهم اثنتي عشرة فرقة وأصولها ستة هي: العابدية، والنونية، والزرينية، والإسحاقية، والواحدية، وأقربهم الهيصمية. انظر الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).
(٣) الملل والنحل (٢/ ٢٢).
[ ١ / ٥٣٧ ]
ومنهم من يقول: إن بينه وبين العرش من البعد والمسافة ما لو قدر مشغولا بالجواهر لاتصلت به (^١).
وقول هؤلاء المشبهة إنما هو نتيجة لازمة لأقوالهم في صفات الله وكلامهم في ذاته.
فالهشامية يقولون: "إن الله جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار، ولكن لا يشبه شيئًا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء".
ونقل عنهم أنهم قالوا إنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وإن له مكانًا مخصوصًا ووجهة مخصوصة وإنه يتحرك وحركته فعله، وليست من مكان إلى مكان وهو متناه بالذات غير متناه بالقدرة، وإنه مماس لعرشه ولا يفضل منه شيء من العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه" (^٢).
وأما الكرامية فيقول ابن كرام: "إن معبوده مستقر على العرش استقرارًا وإنه بجهة فوقَ ذاتًا وإنه أُحدي الذات أُحدي الجوهر وإنه مماس للعرش من الصفحة العليا".
ولهم في معنى العظم خلاف فقال بعضهم: "إنه مع وحدته على جميع أجزاء العرش والعرش تحته وهو فوقه كله على الوجه الذي هو فوق جزء منه".
وقال بعضهم: "أنه يلاقى مع وحدته من جهة واحدة أكثر من واحد، وهو يلاقى جميع أجزاء العرش وهو العلي العظيم".
وقالت المهاجرية منهم: إنه لا يزيد على عرشه في جهة المماسة ولا يفضل منه شيء على العرش، وهذا يقتضي أن يكون عرضه كعرض العرش.
وصار المتأخرون منهم إلى أنه تعالى بجهة فوق وأنه محاذ للعرش" (^٣).
الرد عليهم:
هذا القول للمشبهة يتضمن حقًا وباطلًا.
فالحق فيه هو: اعترافهم بعلو الله واستوائه على عرشه وأنه بائن من خلقه والخلق بائنون عنه.
وأما الباطل فهو: كلامهم في ذات الله والتعرض لكيفية استوائه، وهو كلام باطل وفاسد ليس لهم به دليل من القرآن أو السنة، بل هو قول على الله بغير علم فالله ﷾
_________________
(١) الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).
(٢) المصدر السابق (٢/ ٢٢).
(٣) انظر كتاب التجسيم عند المسلمين (ص ٢٠٥).
[ ١ / ٥٣٨ ]
لم يطلعنا على كيفية ذاته فأنّى لنا أن نعلم كيفية صفاته، وأمر الكيفية هو مما استأثر الله بعلمه قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ [البقرة ٢٥٥].
ومما يدلنا على فساد هذا القول وعدم وجود دليل لأصحابه على ما يقولون هو اختلاف آرائهم وأقوالهم عند الحديث عن ذات الله وكيفية استواءه. فمن خلال عرض أقوالهم يتضح اختلافهم وتناقضهم، وما ذاك إلا لأنّهم يفترون على الله الكذب قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢].
والسؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى هؤلاء المشبهة في هذا المقام هو: أين الدليل من الكتاب أو السنة على ما تزعمون؟
والجواب معروف وهو أنه لا دليل لهم على ذلك لا من القرآن ولا من السنة.
ومما ينبغي معرفته أن الكلام على كيفية ذات الله أو كيفية استوائه أو غيرها من الصفات هو أمر غير جائز عند السلف ويحرم الخوض فيه بل يبدعون السائل عن ذلك، ولذلك بدع الإمام مالك السائل الذي سأله عن كيفية استواء الباري ﷿، حيث قال له: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، وما أراك إلا رجل سوء، وأمر بإخراجه)، وما قاله الإمام مالك هو الذي جاءت به النصوص وهو الذي سار عليه السلف جميعًا.
[ ١ / ٥٣٩ ]
(١٠٠) وروى-أيضًا-عن ابن المديني لما سُئل: ما قول أهل الجماعة؟ قال: «يُؤمنون بالرؤية والكلام، وأن الله فوق السماوات على العرش استوى؛ فسئل عن قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال: اقرأ ما قبلها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (^١)» (^٢).
وهذا-أيضًا-قول ابن المديني؛ الإمام الحُجَّة، أمير المؤمنين في الحديث؛ أبو الحسن، علي بن عبد الله، شيخ الإمام البخاري الذي قال عنه: «ما استصغرتُ نفسي عند أحد إلا عند عليِّ بن المديني» (^٣).
يقول-﵀-لما سُئل: ما قول أهل الجماعة-أي: ما قول أهل السنة والجماعة؟ فقال: «يُؤمنون بالرؤية والكلام، أي: يُثبتون رؤية الله ﷿ وكلامَه، وأن الله فوق السماوات- وهذا هو الشاهد- على العرش.
فسئل عن قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾!
وهذه الآية في سورة المجادلة يحتج بها دائمًا مَنْ ينكرون صفة العلو لله تعالى، ويحتج بها-كذلك-مَنْ يقول بالحلول: أن الله حالٌّ ومُختلط بخلقه. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
فأجاب الإمام ابن المديني ﵀ إجابة مفحمة حيث قال للسائل: اقرأ ما قبل هذه، أي: أول الآية؛ فأولها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾». والمراد: أن الله تعالى قد افتتح الآية بالعلم واختتمها كذلك بالعلم، فقال: ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾؛ فدلَّ على أن المراد بالمعية هنا ليست مَعية الذات قطعًا، وإنما معية العلم.
وبنفس هذا الاحتجاج قد احتج الإمام أحمد فقال: «﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ
_________________
(١) أي: أن هذه المعية: هي معية العلم والإحاطة والاطلاع.
(٢) ذكر هذا الأثر الذهبي في كتابه «العلو» (ص ١٢٩).
(٣) انظر: «سير أعلام النبلاء» للذهبي (٩/ ١٠٧).
[ ١ / ٥٤٠ ]
هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعني: الله بعلمه، ﴿وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ﴾ يعني: الله بعلمه ﴿سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ يعني: بعلمه فيهم؛ ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾؛ يفتح الخبر بعلمه، ويختم الخبر بعلمه» (^١).
وقال الإمام ابن بطة ﵀: «واحتج الجهمي بقول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾. فقالوا: إنَّ الله معنا وفينا. واحتجوا بقوله: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]، وقد فَسَّر العلماء هذه الآية: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا﴾ إنما عني بذلك: علمه، ألا ترى أنه قال في أول الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ فرجعت الهاء والواو من هو على علمه لا على ذاته. ثم قال في آخر الآية: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فعاد الوصف على العلم، وبين أنه إنما أراد بذلك العلم، وأنه عليم بأمورهم كلها» (^٢).
وقد ذكر الإمام ابن كثير ﵀: أن غير واحد حكى الإجماع على أن المراد بهذه الآية: مَعِيَّة علم الله تعالى (^٣).
_________________
(١) «الرد على الجهمية والزنادقة» (ص ١٥٤).
(٢) «الإبانة» (٣/ ١٤٤، ١٤٥).
(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٨/ ٦٧).
[ ١ / ٥٤١ ]
(١٠١) وروى-أيضًا-عن أبي عيسى الترمذي، قال: «هو على العرش كما وصف في كتابه، وعِلْمُه وقدرته وسلطانه في كلِّ مكان» (^١).
علم الله تعالى محيط بجميع خلقه؛ لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، ومعيته نوعان: معية عامة لسائر الخلق. ومعية خاصة، وهي مَعية النصر والتأييد لعباده المخلصين؛ كما في قول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، وكقوله ﷿: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقوله جل وعلا: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦].
_________________
(١) انظر: «سنن الترمذي» (٥/ ٤٠٤)، كتاب (تفسير القرآن)، باب (ومن سورة الحديد)، وذكره ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٢٤٢، ٢٤٣)، وذكر جزء منه الذهبي في العلو (ص ١٤٦، ١٤٧). وعَلَّق المباركفوري في كتابه «تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي» (٤/ ١٩٤) على هذا الأثر، فقال: «وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان-أي: يستوي فيه العلويات والسفليات وما بينها، وهو على العرش كما وصف في كتابه، قال الطيبي: الكاف في (كما) منصوب على المصدر، أي: هو مستو على العرش استواء مثل ما وصف نفسه به في كتابه، وهو مستأثر بعلمه باستوائه عليه».
[ ١ / ٥٤٢ ]
(١٠٢) وروى عن أبي زُرْعَة الرَّازي أنه سئل عن تفسير قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فقال: «تفسيره كما تقرأ، هو على العرش، وعلمه في كل مكان، مَنْ قال غير هذا فعليه لعنة الله» (^١).
فالإمام أبو زرعة الرازي ﵀ لما سئل عن تفسير هذه الآية: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. قال: «تفسيره كما تقرأ»، أي: كما يَظهر منها واضحًا؛ فمعنى «استوى» يعرفه العرب بأنه: علا وارتفع، فالله-جل علا-على الخلق بذاته، ولكن علمه شامل لكل المخلوقات وفي كل مكان.
_________________
(١) ذكره الذهبي في «العلو» (ص ١٣٧)، وذكره ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٢٣٤).
[ ١ / ٥٤٣ ]
الإيمان بما وصف الله به نفسه في القرآن والأحاديث:
(١٠٣) وروى أبو القاسم اللالكائي-صاحب أبي حامد الإسفرائيني-في «أصول السُّنَّة» بإسناده عن محمد بن الحَسَن-صاحب أبي حنيفة-قال: «اتفق الفقهاءُ كلُّهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الربِّ ﷿؛ من غير تفسير ولا وَصف ولا تشبيه؛ فمن فَسَّر اليوم شيئًا من ذلك فقد خرج عمَّا كان عليه النبيُّ ﷺ وفَارَقَ الجماعةَ، فإنهم لم يَصِفُوا ولم يُفَسِّروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسُّنَّة ثم سكتوا، فمن قال بقول جَهْمٍ فقد فارق الجماعة؛ فإنه قد وصفه بصفة لا شيء». اه (^١).
(١٠٤) محمد بن الحَسَن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء، وقد حكى على هذا الإجماع، وأخبر أنَّ الجهمية تَصفه بالأمور السلبية غالبًا، أو دائمًا (^٢).
(١٠٥) وقوله: «مِنْ غير تفسير»؛ أراد به: تفسير الجهمية المُعَطِّلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الإثبات».
ذكر الذهبي أن إبراهيم الحربي قال: قلت للإمام أحمد: «مِنْ أين لك هذه المسائل الدقاق؟ فقال: «مِنْ كُتُب مُحَمَّد بن الحَسَن» (^٣).
_________________
(١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣، برقم: ٧٤٠). وأورده الحافظ عبد الغني في عقيدته (ص ١٠٩ - ١١٠، برقم: ٢١٧). وأخرجه ابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ١١٧، برقم: ٩٨). وأورده ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٤/ ٤ - ٥)، وحكم بثبوته، و(٥/ ٥٠)، وضمن مجموعة الرسائل الكبرى (١/ ٤٤٦ - ٤٤٧). وأورده الذهبي في العرش ٢/ ٢٤٩ العلو (ص ١١٣)، وفي الأربعين في صفات رب العالمين (ص ٨٢ - ٨٣، برقم: ٨٣). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢٢٢). وأورده ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤٠٧). والسيوطي في الإتقان (٣/ ١٣).
(٢) قال الإمام الذهبي في كتاب العرش ٢/ ٢٥٠ " روى هذا الإجماع عن محمد بن الحسن، أبو القاسم اللالكائي، وأبو محمد بن قدامة في كتابيهما".
(٣) «سير أعلام النبلاء» (٩/ ١٣٦).
[ ١ / ٥٤٤ ]
فهذا الإمام محمد بن الحَسَن الذي أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء قد حكى الإجماع على أن الفقهاءَ كلَّهم اتفقوا على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الربِّ ﷿؛ من غير تفسير …»، وأخبر أنَّ الجهمية تَصفه بالأمور السلبية غالبًا، أو دائمًا».
وقوله: «من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه» أي: من غير تفسير الجهمية ومن غير تأويل المعطلة؛ الذين يقولون: ﴿استوى﴾ بمعنى: استولى، و﴿خلقت بيدي﴾، أي: بقدرتي .. ونحو ذلك.
وقد بَيَّن الإمام محمد بن الحسن هنا: أن السلف قد أثبتوا هذه الصفات من خلال أدلة الكتاب والسنة من غير أن يتعرضوا لها بشيء من تفسيرات الجهمية التي تصف الله تعالى بالأمور السلبية غالبًا أو دائمًا.
[ ١ / ٥٤٥ ]
(١٠٦) وروى البيهقيُّ وغيرُه بأسانيد صحيحة عن أبي عُبيد؛ القاسم بن سلام (^١) قال: «هذه الأحاديث التي يقول فيها: «ضحك ربُّنا مِنْ قُنُوط عِباده وقُرْب غِيَره (^٢)» (^٣)، «وإنَّ جهنمَ لا تَمتلئ حتى يضع ربُّك قَدَمَه فيها» (^٤)، «والكرسي مَوْضِعُ القَدَمين» (^٥)، وهذه الأحاديث في (الرؤية) هي عندنا حقٌّ حَمَلَها الثقات بعضهم عن بعض، غير أنَّا إذا سُئلنا عن تفسيرها لا نُفَسِّرُها، وما أدركنا أحدًا يُفَسِّرها». اهـ (^٦).
«أبو عبيد» أحدُ الأئمة الأربعة الذين هم: الشَّافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عُبيد. وله من المعرفة بالفقه واللغة والتأويل ما هو أشهر من أن يُوصف، وقد كان في الزمان الذي ظهرت فيه الفتن والأهواء، وقد أخبر أنه ما أدرك أحدًا من العلماء يُفَسِّرها. أي: تفسير الجهمية.
قوله «والكرسي مَوْضِعُ القَدَمين» جاء ذكر الكرسي في موضع واحد في القرآن الكريم وهو قوله تعالى: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا
_________________
(١) أبو عبيد القاسم بن سلاّم -بالتشديد-، الإمام المشهور، ثقة، فاضل، مصنف، علامة، مات (٢٢٤). تاريخ بغداد (١٢/ ٤٠٣ - ٤١٦)، تقريب التهذيب (٢٧٨).
(٢) أي: وقرب تغيُّر حالهم من الجدب والقحط إلى حدوث الخصب بنزول المطر.
(٣) رواه ابن ماجه (١٨١)، وابن أبي عاصم في «السنة» (١/ ٢٤٤) برقم (٥٤٤)، والطبراني في «الكبير» (١٩/ ٢٠٧، ٢٠٨) من حديث أبي رزين ﵁، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٣١)، ثم صححه في «الصحيحة» (٢٨١٠).
(٤) رواه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) رواه ابن أبي شيبة في «العرش» (ص ٧٩)، والدارمي في «النقض على المريسي» (١/ ٣٩٩، ٤٠٠)، وعبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٠١)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ١٩٦)، وذكره الذهبي في «العلو» (ص ٧٦)، وقال: «رواته ثقات»، وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص ٤٥): «صحيح موقوف».
[ ١ / ٥٤٦ ]
فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥].
وهذه الآية هي أفضل الآي، وقد سميت بآية الكرسي، وقد تضمنت العديد من المعاني، قال ابن القيم في شرحها: "ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع الصفات، وذكر معها قيوميته المقتضية لدوامه وبقائه وانتفاء الآفات جميعها عنه، ومنها النوم والسنة والعجز وغيرها، ثم ذكر كمال ملكه، ثم عقبه بذكر وحدانيته في ملكه وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ثم ذكر سعة علمه وإحاطته، ثم عقبه بأنه لا سبيل للخلق إلى علم شيء من الأشياء إلا بعد مشيئته لهم أن يعلموه، ثم ذكر سعة كرسيه منبهًا على سعته سبحانه وعظمته وعلوه، وذلك توطئة بين يدي علوه وعظمته، ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراث ولا مشقة ولا تعب" (^١).
_________________
(١) انظر مختصر الصواعق (١/ ٢٨٨).
[ ١ / ٥٤٧ ]
(١٠٧) وروى اللالكائي والبيهقي عن عبد الله بن المبارك أن رجلًا (^١) قال له: يا أبا عبد الرحمن، إني أَكره الصفة-عنى صفة الرب-فقال له عبد الله بن المبارك: «أنا أشد الناس كراهة لذلك، ولكن إذا نطق الكتاب بشيء قلنا به، وإذا جاءت الآثارُ بشيء جَسَرْنا عليه» (^٢)، ونحو هذا.
أراد ابن المبارك: أنَّا نكره أن نبتدئ بوصف الله من ذات أنفسنا حتى يجيء به الكتاب والآثار.
هذا منهج أهل السنة والجماعة الذي يقوم على الاتباع والاقتداء وينهى عن الابتداع والابتداء كما قال ابن مسعود ﵁: "إنا نتبع ولا نبتدع، ونقتدي ولا نبتدئ" (^٣).
ويشهد لهذا أيضًا ما وذكره ابن كثير عن وهب بن منبه فقال: (وذكر أن الجعد بن درهم كان يتردد إلى وهب بن منبه ٢، وأنه كلما راح إلى وهب يغتسل ويقول: أجمع للعقل، وكان يسأل وهبًا عن صفات الله ﷿؛ فقال له وهب يومًا: ويلك يا جعد أقصر المسألة عن ذلك، إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدًا ما قلنا ذلك، وأن له عينًا ما قلنا ذلك، وأن له نفسًا ما قلنا ذلك وأن له سمعًا ما قلنا ذلك، وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك (^٤) ".
_________________
(١) الرجل هو: أفلح بن محمد، كما هو مصرح به عند اللالكائي والبيهقي والذهبي في «العلو».
(٢) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٢/ ٤٣١)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٦٣)، وذكره الذهبي في «العلو» (ص ١١٠، ١١١).
(٣) انظر: اللالكائي في شرح الاعتقاد ١/ ٦٨.
(٤) البداية ٩/ ٣٥٠
[ ١ / ٥٤٨ ]
(١٠٨) «وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيدَ صِحَاحٍ عن ابن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربَّنا؟ قال: «بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية: أنَّه ههنا في الأرض» (^١)، وهكذا قال الإمام أحمد وغيره» (^٢).
قد ذكر الإمام ابن القيم-﵀-أنَّ هذا الأثر ثابت عن ابن المبارك فقال: «روى الدارمي والحاكم والبيهقي وغيرهم بأصحِّ إسناد إلى عليِّ بن الحسن بن شقيق قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: نَعرف رَبَّنا بأنه فوق سبع سماوات، على العرش استوى، بائن من خلقه. ولا نقول كما قالت الجهمية، وفي لفظ آخر قلتُ: كيف نَعرف ربَّنا؟ قال: في السَّماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما قالت الجهمية» (^٣).
قوله: «بائن من خلقه» لفظة (بائن) يراد بها إثبات العلو حقيقة، والرد على زعم من قال إن الله في كل مكان بذاته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود -هنا-أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما تُوقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة، والألفاظ التي بينت معانيها، فإن ما كان مأثورًا حصلت به الألفة، وما كان معروفًا حصلت به المعرفة" (^٤).
_________________
(١) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ١١١، ١٧٥، ٣٠٧)، والدارمي في «النقض على المريسي» (ص ٢٣، ٢٤)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ١٦٩)، والذهبي في «العلو» (ص ١١٠).
(٢) انظر: «الرد على الجهمية» لأحمد بن حنبل (ص ١٣٥)، و«إثبات صفة العلو» لابن قدامة (ص ١٦٧)، و«العلو» للذهبي (ص ١٣٠)، و«اجتماع الجيوش الإسلامية» (٢/ ١٣٤).
(٣) انظر: «اجتماع الجيوش الإسلامية» (٢/ ١٣٤، ١٣٥).
(٤) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧١).
[ ١ / ٥٤٩ ]
وقال أيضًا: "فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل.
ويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية، فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.
ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه.
ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقًا وباطلًا نسبوه إلى البدعة، وقالوا إنما قابل البدعة ببدعة ورد باطلًا بباطل" (^١).
فيستفاد من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن الألفاظ على أربعة أقسام:
القسم الأول: الألفاظ المأثورة، وهي التي وردت بها النصوص.
القسم الثاني: الألفاظ المعروفة، وهي التي بُيِّنَت معانيها.
القسم الثالث: الألفاظ المبتدعة، التي تدل على معنى باطل.
القسم الرابع: الألفاظ المبتدعة، التي تحتمل الحق والباطل.
فلفظ (بائن) هي من القسم الثاني.
ومثل هذه الألفاظ كما إنما تستعمل في باب الإخبار ولا تستعمل في باب الأسماء والصفات.
والمصنف ﵀ يسرد هذه الآثار؛ ليبين أن مذهب متأخري الأشاعرة الذين نفوا صفة العلو هو مذهب متقدمي الجهمية الذي أنكره علماء السلف، وأن ما ذكره الأئمة المتقدمون منهم من اللوازم الباطلة التي تلزم على مذهب الجهمية هي نفسها التي تلزم على مذهب متأخري الأشاعرة في نفي صفات الله تعالى؛ علمًا بأن الأشاعرة يَزعمون أنهم ضد الجهمية والمعتزلة، وينكرون عليهم أشد النكير، وقد وقعوا في شيء مما وقعوا فيه.
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥٤).
[ ١ / ٥٥٠ ]
(١٠٩) وروى بإسناد صحيحٍ عن سليمان بن حرب-الإمام-: سمعت حَمَّاد بن زيد-وذكر هؤلاء الجهمية-فقال: «إنَّما يُحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء» (^١).
حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري الأزرق، ثقة ثبت فقيه، مات سنة (١٧٩ هـ). (^٢)
قال الذهبي بعد ما ذكر قول حماد: "هذا إسناد كالشمس وضوحا، والأسطوانة ثبوتًا عن سيد أهل البصرة وعالمهم" (^٣)
وهنا بين يبين حماد بن زيد ﵀ أن لازم مذهب الجهمية ومنتهى قولهم: أنه ليس في السماء شيء، أي: ليس ثَّم إله.
يقول ابن القيم ﵀: «قال شيخ الإسلام: وهذا الذي كانت الجهمية يُحاولونه قد صَرَّح به المتأخرون منهم، وكان ظهور السُّنَّة وكثرة الأئمة في عصر أولئك يَحول بينهم وبين التصريح به، فلما بَعُد العهدُ وخَفيت السُّنَّةُ وانْقَرَضت الأئمة صَرَّحت الجهمية النُّفاة بما كان سلفهم يحاولونه ولا يتمكنون من إظهاره» (^٤).
_________________
(١) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ١١٧، ١١٨)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (ص ٣١). وأخرجه الذهبي في العلو (ص ٩٨) وقال: "هذا إسناد كالشمس وضوحا، والأسطوانة ثبوتًا عن سيد أهل البصرة وعالمهم". وكذلك أخرجه في كتاب العرش ٢/ ٢١٨ وفي السير (٦/ ٢٤).
(٢) التقريب (ص ٢٦٨ (.
(٣) العلو (ص ٩٨).
(٤) انظر: «اجتماع الجيوش الإسلامية» (٢/ ١٣٦).
[ ١ / ٥٥١ ]
(١١٠) وروى ابن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية»، عن سعيد بن عامر الضبعي-إمام أهل البصرة علمًا ودينًا، من شيوخ أحمد-أنَّه ذكر عنده الجهمية، فقال: «هم شرُّ قولًا من اليهود والنصارى، وقد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش. وقالوا هم: ليس عليه شيء» (^١).
لما ذُكِر عند سعيد بن عامر الضبعي-إمام أهل البصرة علمًا ودينًا، ومن شيوخ أحمد-قولُ الجهمية في نفي العلو عن الله ونفي الصفات عن الله-قال: «هم شرُّ قولًا من اليهود والنصارى»؛ أي: قد اجتمع اليهود والنصارى مع المسلمين على أنَّ الله على العرش، وقالت الجهمية: ليس عليه شيء. لذلك كان قولهم شرُّ قولًا من اليهود والنصارى.
_________________
(١) ذكر هذا الأثر الذهبي في «العلو» (ص ١١٧) من رواية ابن أبي حاتم، وفي «الأربعين في صفات رب العالمين» (ص ٨٢)، وذكره البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص ٣١). وأورده ابن تيمية في الفتاوى (٥/ ٥٢). ودرء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٦١). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢١٥)، وعزاه لابن أبي حاتم، وأورده أيضًا في الصواعق كما في مختصر الصواعق (٢/ ٢١٣ - ٢١٤).
[ ١ / ٥٥٢ ]
(١١١) وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة-إمام الأئمة-: «مَنْ لم يقر: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه-وَجَبَ أن يُستتاب، فإن تاب وإلَّا ضُربت عنقه، ثم أُلقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة، ولا أهل الذِّمَّة»، ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح (^١).
قال الذهبي "توفي ابن خزيمة سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة؛ ذكره أبو إسحاق فقال: حكى عنه أبو بكر النقاش، أنه قال: "ما قلدت أحدًا منذ بلغت ست عشرة سنة". أخذ الفقه عن المزني، وقال فيه المزني: "هو أعلم بالحديث مني" (^٢).
قلت: ولا أعلم في وقته مثله في معرفته بالفقه والحديث، وربما في وقته أفقه منه من غير علم بالحديث، أو بالعكس، أما من جمع بينهما في زمانه مثله فلا أعلم، فرضي الله عنه وعن جميع أئمة المسلمين" (^٣).
والأثر رواه الحاكم في «معرفة علوم الحديث» عن ابن خزيمة، وهذا يدل على شناعة هذا القول، فحكم الإمام ابن خزيمة على مَنْ لم يقل: «إنَّ الله فوق سماواته على عرشه بائن مِنْ خلقه» بأن يُستتاب، فإن تاب وإلَّا ضُربت عنقه، ثم أُلقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة، ولا أهل الذِّمَّة؛ لأن أهل الذمة في الأصل لا ينكرون علو الله على عرشه فوق خلقه.
_________________
(١) رواه الحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص ٧٤)، والصابوني في «عقيدة السلف» (ص ٢٠، ٢١)، وابن قدامة في «العلو» (ص ١٨٥)، وذكره الذهبي في «العلو» (ص ١٥٢)، من رواية الحاكم. وأورده ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٦٤) وقال: "وهذا معرف عنه، رواه الحاكم في تاريخ نيسابور وأبو عثمان النيسابوري في رسالته المشهورة"، وفي نقض تأسيس الجهمية (٢/ ٥٢٨)، وفي الفتوى الحموية (ص ٣٥) وصححه. وأورده ابن القيم في الصواعق. انظر مختصر الصواعق (٢/ ٢١٢)، وعزاه للحاكم في علوم الحديث والتاريخ. وأورده الذهبي في العلو (ص ١٥٢). وفي كتاب العرش ٢/ ٣٥٥.
(٢) انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١٠٥ - ١٠٦.
(٣) العرش للذهبي ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦.
[ ١ / ٥٥٣ ]
وهذا الحكم بالردة ليس على التعيين، وكذلك لا يحكم بذلك آحاد الناس على الأشخاص المُعينين، وكذلك إقامة حد الردة-وغيره من الحدود-مما يختص بها ولي أمر المسلمين بعد رفع الأمر للقضاء والاستتابة وغير ذلك من الأمور المرعية؛ فينبغي مراعاة ذلك حتى لا تصير الأمور إلى الفوضى ويَحكم على الناس مَنْ لا علم عنده، ومن غير تحقق من شروط التكفير وانتفاء موانعه.
[ ١ / ٥٥٤ ]
(١١٢) وقد روى عبد الله بن أحمد، عن عَبَّاد بن العوام الواسطي-إمام أهل واسط، من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد-قال: «كَلَّمت بِشْرًا المَرِيسي وأصحاب بِشْرٍ، فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء» (^١).
قول عَبَّاد بن العوام الواسطي (١٨٥ هـ) هذا يُبين أن لازم قول هؤلاء المعطلة-ومنهم بشر بن غياث المَرِيسي، وهو من أئمة الجهمية، وممن ينفي الصفات عن الله ﷿ الذي رَدَّ عليه الإمامُ الدَّارمي في كتابه القيم «نقض الإمام أبي سعيد؛ عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله-﷿-من التوحيد».
يذكر عَبَّاد بن العوام الواسطي: أنه ناظر بِشْرًا المَرِيسي وأصحابَه؛ فرأى آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء.
_________________
(١) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ١٢٦، ١٢٧)، وذكره الذهبي في «العلو» (ص ١١٢)، وزاد في آخره: «أرى ألَّا يناكحوا ولا يوارثوا».
[ ١ / ٥٥٥ ]
(١١٣) وعن عبد الرحمن بن مهدي-الإمام المشهور-أنَّه قال: «ليس في أصحاب الأهواء شرٌّ من أصحاب جَهْمٍ، يَدورون على أن يقولوا: ليس في السماء شيء، أرى-والله-أن لا يُناكحوا، ولا يُورثوا» (^١).
عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، مات سنة (١٩٨ هـ) وهو ابن ثلاث وستين سنة (^٢)؛ الذي قال فيه ابن المديني ٢: لو حلفت بين الركن والمقام، لحلفت أني ما رأيت أعلم منه (^٣)
تقدم الحديث عن الجهمية وأصولهم ومعتقداتهم وأفكارهم بما يغني عن تكرار الكلام في ذلك فليرجع إليه.
_________________
(١) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ١٢٠، ١٢١)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (١/ ٣٢٠)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (ص ٣٤، ٣٥) بألفاظ أخرى متقاربة.
(٢) التقريب (ص ٦٠١)
(٣) العرش للذهبي ٢/ ٢٥٣
[ ١ / ٥٥٦ ]
(١١٤) وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية» عن عبد الرحمن بن مهدي قال: «أصحاب جَهْمٍ يُريدون أن يقولوا: إن الله لم يُكَلِّم موسى، ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيء، وإن الله ليس على العرش، أرى أن يُستتابوا؛ فإن تابوا وإلا قُتِلوا» (^١).
وهذا-أيضًا-لبيان شناعة قول هؤلاء الجهمية ومَن دار في فلكهم؛ فإن الإمام عبد الرحمن بن مهدي-﵀-كفَّر من قال بهذا؛ فالذي لا تجوز مناكحته ولا توارثه هم الكفار.
والسبب في شناعة هدا القول: كون أنَّ الله غيب، بل هو أعظم الغيب ﷾؛ فمقصود الجهمية: إنكار وإبطال حقيقة وجوده، فإذا تحقق لهم هذا لم يَبق لأيٍّ من الغيبيات الأخرى أي حقيقة أو وجود.
وسبب تسَلُّط الجهمية ومَن وافقهم على هذه الصفة: هو الأصل الفلسفي الذي تقوم عليه الفلسفة: أن العلوم محصورة في المحسوس المشاهد. وبالتالي لا يؤمنون بأي أمر غيبي، ويبقى حديثهم عن وجود الله أنَّه أمر مُتخيل في الذهن لا وجود له في الحقيقة. وخلاصة ما يقوله هؤلاء: إذا ذُكر عُلو الله أن يقولوا: لا داخل العالم
_________________
(١) أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (ص ١٧). وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١٢١، برقم ٤٨) بلفظ مقارب. وابن بطة في الإبانة (تتمة الرد على الجهمية) (٢/ ٩٤ - ٩٥، برقم ٣٢٧) بنحوه، وأيضا (برقم ٢٥٥). وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٧ - ٨). والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٥٤٦، ٦٠٨). وأورده ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٦١ - ٢٦٢) وصحح إسناده، وأورده أيضا في الفتوى الحموية (ص ٨٤). وذكره الذهبي في «العلو» (ص ١١٨)، وقال: «نقله غير واحد بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن مهدي»، وفي كتاب العرش ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤، وأورده في الأربعين في صفات رب العالمين (ص ٤١، برقم ١١). وأورده في سير أعلام النبلاء (٩/ ١٩٩ - ٢٠٠). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (٢١٤ - ٢١٥) "
[ ١ / ٥٥٧ ]
ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، أو يقولوا: إنه في كل مكان؛ وحاصل القولين واحد، وهو إنكار وجوده حقيقة، ومن هذا المنطلق كان قولهم شر الأقوال، كما قال عبد الرحمن بن مهدي ﵀ وغيره من أئمة السلف.
[ ١ / ٥٥٨ ]
(١١٥) وعن الأصمعي قال: «قدمت امرأة جهم فنزلت الدبَّاغين (^١)، فقال رجل عندها: الله على عرشه. فقالت: محدود على محدود! وقال الأصمعي: كافرة بهذه المقالة» (^٢).
مما ذكر في أخبار امرأة جهم ما جاء في بعض المصادر أن جهما كانت له زوجة تدعو إلى القول بخلق القرآن، اسمها زهرة، كما ترك ولدًا نهج نهجه وكان من الدعاة إلى خلق القرآن، وهو محمد بن الجهم بن صفوان.
قال أبو إسماعيل الهروي: إن جهما كان يدعو إليه (يعني القول بخلق القرآن) الرجال، وامرأته زهرة تدعو إليه النساء، حتى استهويا خلقا من خلق الله كثيرًا» (^٣).
وعن مكي بن إبراهيم أنه قال: «دخلت امرأة جهم على امرأتي أم إبراهيم -وكانت امرأة ديدانية تبدو أسنانها-فقالت: يا أم إبراهيم! إن زوجك هذا الذي يحدث عن العرش، العرش، من نجره؟ فقالت لها: نجره الذي نجر أسنانك هذه!! (^٤).
فقول امرأة جهم: محدود على محدود، إنكار منها لاستواء الله على عرشه، وتريد أن تثير شبهة أنه يلزم من إثبات الاستواء أن يكون الله محدودًا على العرش المحدود.
فقال الأصمعي: هي كافرة بهذه المقالة؛ التي لازمها إنكار صفة العلو.
وقولها: «محدود على محدود»: فالحد من الألفاظ المجملة التي لم تَرد في
_________________
(١) نِسبة إلى دباغة الجلود، ولعله مكان عُرف بهم.
(٢) أورده ابن تيمية في الفتاوى (٥/ ٥٣). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢٢٥) وعزاه لابن أبي حاتم. وذكره الذهبي في «العلو» (ص ١١٨)، وفي «الأربعين» (ص ٨١)، وقد أنكر الأصمعي على هذه المرأة بسبب نفيها للاستواء؛ فكأنها تقول: إن من قال: إن الله على العرش فقد وصفه بأنه محدود.
(٣) ذم الكلام وأهله (٥/ ١٢٠).
(٤) الرد على الجهمية لابن بطة (٣/ ١٨٩).
[ ١ / ٥٥٩ ]
الكتاب ولا في السُّنَّة؛ لا بنفي ولا بإثبات؛ ولهذا رُوي عن بعض الأئمة إثبات ذلك، ورُوي عن بعضهم نفي ذلك؛ فروي عن الإمام أحمد إثبات الحد، وروي عنه نفي الحد، كذلك مِمَّنْ رُوي عنه إثبات الحَدِّ الدَّارميُّ وابنُ المبارك.
قال الإمام الذهبي (^١) في: «مسألة الحد (^٢):
«الحد في اللغة: الحاجز بين الشيئين، الذي يُمَيِّزُ بينهما؛ لئلا يَختلط أحدهما بالآخر، أو لئلا يَتَعَدَّى أحدهما على الآخر، وهو مأخوذ من حَدَّ الشيء عن غيره يَحُدُّهُ حَدًّا؛ إذا مَيَّزه» (^٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الحدُّ: ما يَتميز به الشيء عن غيره من صفته وقدره» (^٤).
سبق أن أسلفنا أن إطلاق السلف للحَدِّ ليس من باب الصفات، وإنما هو من باب الإخبار، ولهم فيه استعمالان:
الاستعمال الأول: في حال الإثبات.
ومن الآثار الواردة في ذلك ما رواه الخلال بسنده، عن محمد بن إبراهيم القيسي، قال: «قلت لأحمد بن حنبل: يُحكى عن ابن المبارك-وقيل له: كيف نَعرف ربنا؟ قال: في السماء السابعة على عرشه بِحَدٍّ. فقال أحمد: هكذا هو عندنا» (^٥).
_________________
(١) كتاب «العرش» (١/ ٢٥١ - ٢٦٠)
(٢) الأقوال في هذه المسألة على النحو التالي: القول الأول: قول مَنْ يقول: هو فوق العرش، ولا يُوصف بالتناهي ولا بعدمه؛ إذ لا يقبل واحدًا منهم، فعندهم أن الله فوق العرش، ولا يُوصف بأن له قدرًا. وهذا يقوله بعض أهل الكلام والفقه والحديث والتصوف من الكلابية والكرامية والأشعرية ومَن وافقهم من أتباع الأئمة من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم. القول الثاني: قول مَنْ يقول: هو غير مُتناه؛ إمَّا من جانب وإما من جميع الجوانب، وهذا يقوله-أيضًا-طوائف من أهل الكلام والفقهاء وغيرهم، وحكاه الأشعري في «المقالات» عن الطوائف. القول الثالث: قول السلف والأئمة وأهل الحديث والكلام والفقه والتصوف الذين يقولون: له حد لا يَعلمه غيره. انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٦/ ٣٠٠، ٣٠١).
(٣) انظر: «الصحاح» للجوهري (٢/ ٤٦٢)، و«لسان العرب» (٣/ ١٤٠).
(٤) «نقض تأسيس الجهمية» (١/ ٤٤٣).
(٥) أخرجه القاضي أبو يعلى في «إبطال التأويلات» (ق ١٥١/ ب)، وفي «الروايتين والوجهين» (ص ٤٩)، وابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة» (١/ ٢٦٧)، وأورده ابن تيمية في «نقض تأسيس الجهمية» (١/ ٤٢٨).
[ ١ / ٥٦٠ ]
وعن حرب بن إسماعيل قال: «قلت لإسحاق-يعني ابن راهويه-: هو على العرش بِحَدٍّ؟ قال: نعم، بحد». وذكر عن ابن المبارك قال: «هو على عرشه بائن من خلقه بِحَدٍّ» (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إنَّ كثيرًا من أئمة السنة والحديث (^٢) أو أكثرهم يقولون: إنَّه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه بحد» (^٣).
الاستعمال الثاني: في حال النفي.
قال حنبل: «قلت لأبي عبد الله: ما معنى قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾، و﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾؟ قال: علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد ولا صفة» (^٤).
وفي رسالة الإصطخري قال الإمام أحمد: «والله ﷿ على عرشه ليس له حد، والله أعلم بحده» (^٥).
توضيح المسألة:
أما الاستعمال الأول: فهو استعماله في حال الإثبات.
_________________
(١) «نقض تأسيس الجهمية» (٢/ ٣٤).
(٢) كعثمان بن سعيد الدارمي، وعبد الله بن المبارك، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل، والخلال، وحرب الكرماني، وإسحاق بن راهويه، وابن بطة، وأبي إسماعيل الأنصاري الهروي، وأبي القاسم ابن منده، وقَوَّام السنة الأصبهاني، وإسماعيل بن الفضل التيمي، والقاضي أبي يعلى، وأبي الحسن بن الزاغوني، والحافظ أبي العلاء الهمداني، وغير هؤلاء. انظر: «الرد على بشر المريسي» (ص ٢٣، ٢٤)، و«الرد على الجهمية» للدارمي (ص ٥)، و«التمهيد» لابن عبد البر (٧/ ١٤٢)، و«إثبات الحد لله تعالى» لمحمود بن أبي القاسم الدشتي (ق ٣ - ٦)، و«درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (٢/ ٣٣، ٣٤، ٥٦ - ٦٠)، و«نقض تأسيس الجهمية» (١/ ٣٩٧، ٤٢٦ - ٤٣٣) و(٢/ ١٦٠ - ١٨٠).
(٣) «نقض تأسيس الجهمية» (١/ ٣٩٧).
(٤) أخرجه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٣/ ٤٠٢)، برقم (٦٧٥)، وأورده ابن قدامة في «إثبات صفة العلو» (ص ١١٦)، برقم (٩٥)، وأورده الذهبي في «العلو» (ص ١٣٠)، وفي «الأربعين في صفات رب العالمين» (ص ٦٥)، برقم (٥٠)، وأورده ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٩٦)، وأورده ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٢٠٠)، وعزاه للالكائي. وانظر في مسألة الحد: «نقض تأسيس الجهمية» (٢/ ١٦٢).
(٥) «طبقات الحنابلة» (١/ ٢٩).
[ ١ / ٥٦١ ]
فقد استعمل في مسألة إثبات علو الله على خلقه وتميزه وانفصاله عنهم وعدم اختلاطه بهم أو حلوله فيهم؛ فلما زعم الجهمية أن الخالق في كل مكان، وأنه غير مباين لخلقه ولا متميز عنهم، قال بعض أئمة السلف: إن الله سبحانه عالٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وذكروا الحَدَّ؛ لأن الجهمية زعموا أنه ليس له حد. وما لا حَدَّ له لا يُباين المخلوقات ولا يكون فوق العالم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولما كان الجهمية يقولون ما مضمونه: إن الخالق لا يتميز عن الخلق؛ فيجحدون صفاته التي تَمَيَّز بها، ويجحدون قَدْرَهُ؛ حتى يقول المعتزلة إذا عرفوا أنه حي، عالم، قدير: قد عرفنا حقيقته وماهيته، ويقولون: إنه لا يُباين غيره. بل إما أن يصفوه بصفة المعدوم؛ فيقولوا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا كذا ولا كذا. أو يجعلوه حالاًّ في المخلوقات أو وجوده وجود المخلوقات.
فبين ابن المبارك أن الرب ﷾ على عرشه مباين لخلقه منفصل عنه، وذكر الحد؛ لأن الجهمية كانوا يقولون: ليس له حد، وما لا حد له لا يباين المخلوقات، ولا يكون فوق العالم؛ لأن ذلك مستلزم للحد» (^١).
وبناءً على ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية فقد أثبت السلف الحد؛ لِما في إثبات هذا اللفظ من ردٍّ على الجهمية فيما زعموا، ولما في معنى (الحد) من إثبات مباينة الله لخلقه، وعلوه عليهم، واستوائه على عرشه.
وإن كان السلف يقولون: إنه حَدٌّ لا يعلمه إلا الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن نقل الآثار الواردة عن السلف في إثبات الحد: «فهذا وأمثاله مما نقل عن الأئمة، كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبينوا أن ما أثبتوه له من الحد لا يعلمه غيره، كما قال مالك وربيعة وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول؛ فبَيَّن أن كيفية استوائه مجهولة للعباد، فلم يَنفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر، ولكن نفوا عِلْمَ الخلق به، وكذلك مثل هذا في كلام عبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون وغير واحد من السلف، والأئمة يَنفون علم الخلق بقدره وكيفيته» (^٢).
الاستعمال الثاني: استعماله في حال النفي.
وذلك في مسألة نفي الإحاطة بالله علمًا وإدراكًا، فلا منازعة بين أهل السنة بأن الله
_________________
(١) «نقض تأسيس الجهمية» (١/ ٤٤٢، ٤٤٣).
(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٢/ ٣٥).
[ ١ / ٥٦٢ ]
تعالى غير مدرك الإحاطة والخلق عاجزون عن الإحاطة به، فهم لا يستطيعون أن يحدوا الخالق جل وعلا، أو يُقَدِّرُوه، أو يبلغوا صفته؛ فمن نفى الحد على هذا المعنى فهو مُصيب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «المحفوظ عن السلف والأئمة: إثبات حد لله في نفسه، وقد بينوا مع ذلك أن العباد لا يَحدونه ولا يدركونه، ولهذا لم يتناف كلامهم في ذلك كما يظنه بعض الناس، فإنهم نفوا أن يَحُد أحدٌ الله» (^١).
وقال أيضًا: «وقوله: بلا حد ولا صفة» نَفَى به إحاطة علم الخلق به، وأن يحدوه أو يصفوه على ما هو عليه، إلا بما أخبر عن نفسه؛ ليبين أن عقول الخلق لا تُحيط بصفاته، كما قال الشافعي في خطبة «الرسالة»: «الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يَصفه به خلقه» (^٢).
ولهذا قال أحمد: «لا تُدركه الأبصار بحد ولا غاية»؛ فنفى أن يُدرك له حد أو غاية» (^٣).
وهذا المحفوظ عن السلف والأئمة من إثبات حد لله في نفسه قد بينوا مع ذلك أن العباد لا يَحدونه ولا يدركونه؛ ولهذا لم يتناف كلامهم في ذلك كما يظنه بعض الناس، فإنهم نفوا أن يحد أحد الله، كما ذكره حنبل عنه في كتاب «السنة والمحنة». وقد رواه الخلال في «كتاب السنة»: أخبرني عبد الله بن حنبل، حدثني حنبل بن إسحاق، قال: قال عمي: «نحن نؤمن بالله ﷿ على عرشه كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يَبلغها واصف أو يحده أحد؛ فصفات الله ﷿ منه وله، وهو كما وصف نفسه، لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية، وهو يدرك الأبصار، وهو عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، ولا يدركه وصف واصف، وهو كما وصف نفسه، وليس من الله شيء محدود، ولا يبلغ علمه وقدرته أحد، غلب الأشياء كلها بعلمه وقدرته وسلطانه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وكان الله قبل أن يكون شيء، والله الأول، وهو الآخر، ولا يبلغ أحدٌ حَدَّ صفاته؛ فالتسليم لأمر الله والرضا بقضائه، نسأل الله التوفيق والسداد؛ إنه على كل شيء قدير.
وذلك أن لفظ (الحد) عند كل من تكلم به يراد به شيئان:
يُراد به: حقيقة الشيء في نفسه. ويراد به: الوجود العيني، أو الوجود الذهني؛
_________________
(١) «نقض تأسيس الجهمية» (٢/ ١٦٢).
(٢) «الرسالة» للشافعي (ص ٨).
(٣) «درء تعارض العقل والنقل» (٢/ ٣٣).
[ ١ / ٥٦٣ ]
فأخبر أبو عبد الله أنه على العرش بلا حد يَحده أحد أو صفة يبلغها واصف، وأتبع ذلك بقوله: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ بحد ولا غاية، وهذا التفسير الصحيح للإدراك: أي: لا تحيط الأبصار بحده ولا غايته؛ ثم قال: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾؛ وهو عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب؛ ليتبين أنه عالم بنفسه وبكل شيء.
وقال الخلال: «وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم، قال: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى «أن الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا»، و«أن الله يضع قدمه»، وما أشبه هذه الأحاديث! فقال أبو عبد الله: نؤمن بها، ونصدق بها ولا كيف، ولا معنى، ولا نَرُدُّ منها شيئًا، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كانت بأسانيد صِحاح، ولا نَرد على الله قوله، ولا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه ولا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء.
قال: وقال حنبل في موضع آخر قال: ليس كمثله شيء في ذاته، كما وصف به نفسه، فقد أجمل-﵎-بالصفة لنفسه؛ فحد لنفسه صفة، ليس يشبهه شيء؛ فيعبد الله بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف نفسه؛ قال تعالى ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾.
قال: وقال حنبل في موضع آخر: قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه وله، ولا يتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه، ولا يتعدى ذلك، ولا تبلغه صفة الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخُلُوه بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه، هذا كله يدل على أن الله يُرى في الآخرة، والتحديد في هذا بدعة، والتسليم لله بأمره بغير صفة ولا حد إلا ما وصف به نفسه، سميع بصير، لم يزل متكلمًا، عالمًا غفورًا، عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، فهذه صفات وصف بها نفسه لا تُدفع ولا تُرد، وهو على العرش بلا حد، كما قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْش﴾ كيف شاء، المشيئة إليه ﷿، والاستطاعة له ﴿لَيْسَ كَمِثلِهِ شَيء﴾، وهو خالق كل شيء، وهو كما وصف نفسه، سميع بصير بلا حد ولا تقدير، قول إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾؛ فثبت أن الله سميع بصير صفاته منه، لا تعدى القرآن والحديث والخبر، يضحك الله ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ وتثبيت القرآن، ولا يصفه الواصفون، ولا يحده أحد؛ تعالى الله عما يقول الجهمية والمشبهة» (^١).
_________________
(١) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٢/ ٣٠ - ٣٢).
[ ١ / ٥٦٤ ]
قال ابن القيم: «أراد أحمد بنفي الصفة نفي الكيفية والتشبيه، وبنفي الحد حدًّا يُدركه العباد ويَحُدُّونه» (^١).
فتبين مِنْ هذا: أنَّ مَنْ أطلق الحدَّ على الله ﷿ وأراد بالحد: ما يَتميز به الشيء عن غيره. فهذا المعنى صحيح، والعلماء الذين أطلقوا على الله الحد أرادوا الرد على الجهمية الذين قالوا: إنَّ الله مُختلط ممتزج بعباده. فقالوا: لا، الله له حَدٌّ يَتميز به عن خلقه، مُنفصل مباين عن الخلق، غير مُختلط بهم، كما تزعم الجهمية.
أمَّا من أراد بالحدِّ: أن الله ﷿ يُحيط به شيء من مخلوقاته؛ فلا شك أن نفي الحد بهذا المعنى هو الصَّحيح؛ ولهذا الإمام أحمد نفى الحد بهذا المعنى، وأثبت الحد بالمعنى الآخر، وهو: أن الله متميز عن خلقه، مباين لخلقه، منفصل عن الخلق، عال عليهم ﷾.
ولهذا قال أبو سعيد الدارمي عن بشر المريسي: «وادعى المعارض-أيضًا-أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية. وهذا هو الأصل الذي بَنى عليه جهم جميع ضلالاته، واشتق منها أغلوطاته، وهي كلمة لم يَبلغنا أنه سبق جهمًا إليها أحدٌ من العالمين.
فقال له قائل ممن يحاوره: قد علمتُ مرادك بها-أيُّها الأعجمي-وتعني: أن الله لا شيء؛ لأن الخلق كلهم علموا أنه ليس شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حَدٌّ وغاية وصفة، وأن لا شيء ليس له حد ولا غاية ولا صفة، فالشيء أبدًا موصوف لا محالة، ولا شيء يُوصف بلا حد ولا غاية. وقولك: لا حد له يعني: أنه لا شيء.
قال أبو سعيد: والله-تعالى-له حد لا يَعلمه أحد غيره، ولا يجوز لأحد أن يتوهم لِحَدِّه غاية في نفسه، ولكن يُؤمن بالحدِّ ويَكِل عِلم ذلك إلى الله، ولمكانه-أيضًا-حد، وهو على عرشه فوق سماواته، فهذان حَدَّان اثنان.
وسئل ابن المبارك: بِمَ نَعرف ربَّنا؟ قال: «بأنه على العرش، بائن من خلقه. قيل: بِحَدٍّ؟ قال: بِحَدٍّ» (^٢).
فعلم الإمام الدارمي مراده أي: لمَّا نفى عن الله الحد، أراد أن الله ممتزج بالخلق؛ فأنكر عليه نفي الحد بهذا المعنى.
فالمعنى الباطل في الحد: هو أن هناك شيئًا من الخلق يُحيط بالله ﷿؛ وعلى هذا المعنى فلا شك أنه ليس لله حد، أي: ليس لله شيء يُحيط به من الخلق.
_________________
(١) انظر: «مختصر الصواعق» (٢/ ٢١٣).
(٢) انظر: «الرد على بشر المريسي» (ص ٧٦).
[ ١ / ٥٦٥ ]
(١١٦) وعن عاصم بن علي بن عاصم-شيخ أحمد والبخاري وطبقتهما-قال: «ناظرتُ جهميًّا؛ فتبَيَّنَ من كلامه أنه لا يؤمن أن في السماء ربًّا» (^١).
قال الذهبي: "عاصم بن علي، إمام، حافظ، ثقة، حدث عن شعبة، وابن أبي ذئب، والليث، ونحوهم، توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين.
وروى الخطيب في ترجمته قال: "وجه المعتصم من يحزر مجلسه، في رحبة النخل، في جامع الرصافة، وكان عاصم يجلس على سطح الرحبة، ويجلس الناس في الرحبة وما يليها، فعظم الجمع مرة جدًا، حتى قال أربع عشرة مرة حدثنا الليث بن سعد، والناس لا يسمعون لكثرتهم، وكان هارون المستملي يركب نخلة يستملي عليها فحزروا المجلس، فكان عشرين ومائة ألف" (^٢).
وقال يحيى بن معين فيه: عاصم بن علي، سيد المسلمين" (^٣).
_________________
(١) ذكره الذهبي في «العلو» (ص ١٢٣)، وكتاب العرش ٢/، ٢٩٣، وأورده ابن تيمية في مجموع الرسائل الكبرى (١/ ٤٤٩) وانظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٦/ ٢٦١)، وابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٢١٨).
(٢) تاريخ بغداد ١٢/ ٢٤٨
(٣) كتاب العرش ٢/، ٢٩٣
[ ١ / ٥٦٦ ]
(١١٧) وروى الإمام أحمد: ثنا سُرَيْج بن النعمان، قال: سمعتُ عبدَ الله بن نافع الصائغ، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: «اللهُ في السِّماء، وعلمه في كلِّ مَكان، لا يَخلو من علمه مكان (^١)» (^٢).
(١١٨) وقال الشافعي: «خلافة أبي بكر ﵁ حقٌّ قَضاها الله في سمائه، وجمع عليه قلوب عباده» (^٣).
هذه الآثار صحيحة عن الإمام مالك وعن الإمام الشافعي رحمهما الله، فلماذا لا يتبعها بعض مَنْ يأخذون بمذهبهم؛ ممن ينفون صفة العلو، ونقول لهم: هذا إمامكم وإمامنا الإمام مالك يصرح بكلام لا يَقبل التأويل أن الله في السماء، وعلمه في كل
_________________
(١) في «السنة» لعبد الله بن أحمد: «لا يخلو منه شيء». أورده الذهبي في العلو (ص ١٢٢). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢١٧ - ٢١٨). "
(٢) رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ١٠٦، ١٠٧)، ورواه أبو داود في «مسائل الإمام أحمد» (ص ٦٣)، وابن منده في كتاب «التوحيد» (٣/ ٣٠٧)، والآجري في الشريعة (٣/ ١٠٧٦ - ١٠٧٧، برقم ٦٥٢ - ٦٥٣). وابن بطة في الإبانة (-تتمة الرد على الجهمية-)، (٣/ ١٥٣، ح ١١٠). وابن مندة في التوحيد (٣/ ٣٠٧، برقم ٨٩٣). واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٠١). وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٣٨). والقاضي عياض في ترتيب المدارك (٢/ ٤٣). وأورده ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٥٣)، وفي درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٦٢)، وقال: "كل هذه الأسانيد صحيحة". وأورده الذهبي في العلو (ص ١٠٣)، وفي كتاب العرش ٢/ ٢٢٨ وقال: "هذا حديث ثابت عن مالك ﵀، أخرجه عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب "الرد على الجهمية" عن أبيه، عن سريج بن النعمان، عن عبد الله بن نافع تلميذ مالك وخصيصه. "، وفي سير أعلام النبلاء (٨/ ١٠١)، وأورده في الأربعين في صفات رب العالمين (ص ٥٩، برقم ٣٩) و(ص ٦٣، برقم ٤٥). وأورده ابن القيم كما في مختصر الصواعق (٢/ ٢١٣) وقال: "ذكره الطلمنكي وابن عبد البر وعبد الله بن أحمد وغيرهم". وصححه الألباني في مختصر العلو (ص ١٤٠). "
(٣) ذكره ابن قدامة في «إثبات صفة العلو» (ص ١٨١)، وابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ١٦٥)، وحكم على هذا الأثر بالصحة.
[ ١ / ٥٦٧ ]
مكان، لا يخلو من علمه مكان، وكذلك الإمام الشافعي وغيره من الأئمة.
وأبو بكر الصديق ﵁ هو القائل لما مات النبي ﷺ: "من كان يعبد محمدًا فإنه قد مات، ومن كان يعبد الذي في السماء فإنه حي لا يموت".
أخرجه هكذا الدارمي (^١) بإسناد صحيح (^٢)، والبخاري في تاريخه من حديث نافع (^٣)، عن ابن عمر.
_________________
(١) عثمان بن سعيد بن خالد، أبو سعيد، التميمي السجستاني، الدارمي نسبة إلى بني دارم، إمام علامة حافظ، مات سنة (٢٨٠ هـ) وقد جاوز الثمانين. طبقات الحنابلة (١/ ٢٢١)، السير (١٣/ ٣١٩).
(٢) أخرجه الدارمي في الرد على المريسي (ص: ٤٦٣ - ضمن عقائد السلف). وأخرجه ابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ١٠١ - ١٠٢، برقم: ٧٠). وأورده الذهبي في العلو (ص: ٦٢) وعزاه لابن قدامة في العلو، وأورده أيضًا في الأربعين (ص ٥٦ - ٥٧، برقم: ٣٣). وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص: ١١٩) وعزاه للبخاري في تاريخه. وأصله في صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت (ح ١٢٤٢، ص ٢٤٤)، ط: دار السلام، وفيه "ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت".
(٣) نافع، أبو عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور، من الثالثة، مات سنة (١١٧ هـ) أو بعد ذلك، من رجال الجماعة. التقريب (ص ٩٩٦).
[ ١ / ٥٦٨ ]
(١١٩) وفي الصَّحيح عن أنس بن مالك، قال: «كانت زينبُ تَفتخر على أزواج النبي ﷺ تقول: «زَوَّجَكُنَّ أهاليكُن وزَوَّجَني الله مِنْ فوق سبع سماوات» (^١)، وهذا مثل قول الشافعي.
ولهذا شاهد من قول عمر بن الخطاب ﵁ أيضًا أنه مر بعجوز فاستوقفته فوقف يحدثها فقال له رجل: "يا أمير المؤمنين حبست الناس على هذه العجوز" فقال: "ويلك أتدري ما هي؟، هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة (^٢) التي أنزل الله فيها ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ اَلتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (^٣) ".
أخرجه عثمان الدارمي في "الرد على المريسي" (^٤).
وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: "إن العبد ليهمُّ بالأمر من التجارة والإمارة،
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤٢٠) من حديث أنس ﵁. ومعنى الحديث: أن الله هو الذي زَوَّجها رسول الله ﷺ؛ حيث قال: ﴿فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها﴾ [الأحزاب: ٣٧].
(٢) خولة بنت مالك بن ثعلبة بن أسرم الأنصارية الخزرجية، صحابية مشهورة، هي التي ظاهر منها زوجها فنزلت فيها سورة ﴿قَدْ سَمِعَ﴾، ويقال لها خويلة، وزوجها هو أوس بن الصامت. الإصابة (٤/ ٢٨٢).
(٣) الآية ١ من سورة المجادلة.
(٤) أخرجه البخاري في التاريخ (٧/ ٢٤٥). وأخرجه عمر بن شبه في أخبار المدينة (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥، ٧٧٣ - ٧٧٤). وأخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (ص ٢٧٤ - ضمن عقائد السلف). وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٢٢، رقم ٨٨٦). وأورده ابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ٢٩١ بهامش الإصابة). وأخرجه ابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ١٠٢ - ١٠٣، برقم ٧٢). وأورده الذهبي في العلو (ص ٦٣) وقال: "هذا إسناد صالح فيه انقطاع، أبو زيد لم يلق عمر". وأورده ابن كثير في التفسير (٨/ ٦٠ - ٦١) وعزاه لابن أبي حاتم وقال: "هذا منقطع بين أبي زيد وعمر، وقد روي من غير هذا الوجه". وأوردهما ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٢٠ - ١٢١). وله طريق آخر عن قتادة.
[ ١ / ٥٦٩ ]
حتى إذا تيسر له، نظر الله إليه من فوق سبع سموات، فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإنه إن يسرته له أدخله النار".
رواه أبو القاسم اللالكائي الشافعي، وغيره بإسناد صحيح عن خيثمة (^١) عنه (^٢).
وعن أنس بن مالك قال: "قال أبو بكر لعمر بعد وفاة رسول الله ﷺ انطلق بنا إلى أم أيمن (^٣) نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها بكت، فقلنا ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله، فقالت: صدقتما ولكن أبكي أن الوحي انقطع عنا من السماء، فهيجتهما على البكاء".
رواه مسلم (^٤).
_________________
(١) خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي الكوفي، ثقة، وكان يرسل، من الثالثة، مات دون المائة بعد سنة ثمانين، من رجال الجماعة. التقريب (ص ٣٠٤).
(٢) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (-ضمن عقائد السلف-ص ٢٧٤ - ٢٧٥). وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٦٦٨، ح ١٢١٩). وأورده الذهبي في العلو (ص ٦٤) وعزاه للالكائي وقال: "أخرجه اللالكائي بإسناد قوي، رواه الثوري عن الأعمش عن خيثمة". وأورده ابن القيم كما في مختصر الصواعق وقال: (إسناده صحيح)، (٢/ ٢١٠)، وأورده أيضا في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٢٢ - و٢٥٤).
(٣) أم أيمن مولاة النبي ﷺ وحاضنته واسمها بركة بنت ثعلبة وهي أم أسامة بن زيد بن حارثة. الإصابة (٤/ ٤١٥ - ٤١٦).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أم أيمن ﵂ (٧/ ١٤٤، ١٤٥). وأخرجه ابن ماجة في سننه، أبواب ما جاء في الجنائز (٦٥)، باب ذكر وفاته ودفنه ﷺ (١/ ٣٠٠، ح ١٦٣٦).
[ ١ / ٥٧٠ ]
(١٢٠) وقصة أبي يوسف-صاحب أبي حنيفة-مشهورة في استتابة بشر المَرِيسي حتى هرب منه؛ لما أنكر الصفات وأظهر قولَ جَهْمٍ. قد ذكرها ابنُ أبي حاتم وغيرُه (^١).
فأبو يوسف استتاب بشرًا المَرِيسي؛ لمَّا تبين له أنه ينفي عن الله ﷿ صفة العلو؛ قال الإمام الذهبي عن بشر المريسي: «قد أُخذ المريسي في دولة الرشيد وأُهين من أجل مقالته. روى أبو داود عن أحمد بن حنبل أنه سمع ابن مهدي أيام صُنِع بِبِشْر ما صُنِع؛ يقول: مَنْ زعم أنَّ الله لم يكلم موسى يُستتاب فإن تاب، وإلا ضُربت عنقه.
وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله-وذكر المريسي-فقال: كان أبوه يهوديًّا؛ أي شيء تراه يكون؟!
وقال أبو عبد الله: كان بِشر يحضر مجلس أبي يوسف فيَصيح ويَستغيث؛ فقال له أبو يوسف مَرَّة: لا تَنتهي أو تُفسد خشبة (^٢).
ثم قال أبو عبد الله: ما كان صاحب حُجج، بل صاحب خُطَب.
وقال أبو بكر الأثرم: سُئل أحمد عن الصلاة خلف بِشر المَرِيسي؛ فقال: لا تُصَلِّ خلفَه.
وقال قتيبة: بِشر المريسي كافر.
وقلت-أي: الذهبي-: وقع كلامُه إلى عثمان بن سعيد الدارمي الحافظ؛ فصنف مجلدًا في الردِّ عليه.
ومات: في آخر سنة ثماني عشرة، ومائتين وقد قارب الثمانين؛ فهو بِشْر الشَّرِّ،
_________________
(١) والقصة ذكرها الذهبي في «العلو» (ص ١١٢)، من رواية ابن أبي حاتم، وانظر: «مختصر العلو» (ص ١٥٤، ١٥٥).
(٢) ذكره الذهبي في «ميزان الاعتدال» (١/ ٣٢٣)، وزاد: «يَعني: وتُصلب». ووقع في «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (٧/ ٦٣): «حتى تصعد خشبة».
[ ١ / ٥٧١ ]
وبِشر الحافي بشر الخير، كما أن أحمد بن حنبل هو أحمد السُّنَّة، وأحمد بن أبي دؤاد أحمد البدعة.
ومن كفر ببدعة-وإن جَلَّت-ليس هو مثل الكافر الأصلي ولا اليهودي والمجوسي؛ أبى الله أن يَجعل مَنْ آمن بالله ورسوله واليوم الآخر وصام وصَلَّى وحَجَّ وزكى وإن ارتكب العظائم وضَلَّ وابتدع، كمن عاند الرسول وعبدَ الوثن ونبذ الشرائع وكفر، ولكن نَبرأ إلى الله من البدع، وأهلها» (^١).
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (٨/ ٣٣٦، ٣٣٧).
[ ١ / ٥٧٢ ]
(١٢١) وقال أبو عبد الله؛ محمد بن عبد الله بن أبي زَمَنِين-الإمام المشهور من أئمة المالكية-في كتابه الذي صَنَّفه في «أصول السُّنَّة»، قال فيه: «باب: الإيمان بالعرش».
ثبوت العرش أمر يقر به أهل السنة حيث وردت بثبوته الأدلة الصحيحة ومن الأدلة على إثبات العرش من الكتاب والسنة.
الأدلة القرآنية على إثبات العرش
لقد جاء ذكر عرش الرحمن في القرآن الكريم في واحد وعشرين موضعًا:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف ٥٤]
٢ - وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة ١٢٩].
٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس ٣].
٤ - وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود ٧].
٥ - وقال تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد ٢].
٦ - وقال تعالى: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء ٤٢].
٧ - وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥].
٨ - وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ﴾ [الأنبياء ٢٢].
[ ١ / ٥٧٣ ]
٩ - وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦].
١٠ - وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون ١١٦].
١١ - وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٩].
١٢ - وقال تعالى: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٦]
١٣ - وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة ٤].
١٤ - وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر ٧٥].
١٥ - وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر ٧].
١٦ - وقال تعالى ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر ١٦].
١٧ - وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف ٨٢].
١٨ - وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤].
١٩ - وقال تعالى ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة ١٧].
٢٠ - وقال تعالى ﴿ذو قُوةٍ عِنْدَ ذِي العرشِ مَكِين﴾ [التكوير ٢٠].
٢١ - وقال تعالى ﴿ذُو العرشِ المجِيد﴾ [البروج ١٥].
ومن الأدلة من السنة على إثبات العرش
١ - فقد جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ جالس، جاء يهودي فقال:
[ ١ / ٥٧٤ ]
يا أبا القاسم ضرب وجهي رجل من أصحابك، فقال: من؟ قال: رجل من الأنصار، قال: ادعوه، فقال: أضربته؟ فقال: سمعته بالسوق يحلف والذي اصطفى موسى على البشر، قلت: أي خبيث على محمد ﷺ، فأخذتني غضبة فضربت وجهه، فقال النبي ﷺ: "لا تخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان صعق أم حوسب بصعقته الأولى" (^١).
والشاهد لنا من هذا الحديث قوله: "فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش"، حيث إن للعرش قوائم، ولم يرد في الشرع تحديد عدد لها، وهذا الحديث هو من أقوى الأدلة على أن العرش ليس المراد به الملك أو الفلك التاسع.
٢ - وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء" (^٢).
وفي الحديث دلالة واضحة على أن العرش كان مخلوقًا على الماء قبل خلق السموات.
٣ - وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يقول عن الكرب: "لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم" (^٣).
٤ - وعن ابن عباس عن جويرية أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: "ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ "، قالت: نعم، قال النبي ﷺ: "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن، سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته" (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥/ ٧٠ مع الفتح) كتاب الخصومات باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي. ومسلم في صحيحه (٤/ ١٠١ - ١٠٢) كتاب الفضائل.
(٢) أخرجه مسلم في القدر (٨/ ٥١).
(٣) أخرجه البخاري في التوحيد، باب وكان عرشه على الماء، واللفظ له. فتح الباري (١٣/ ٤٠٥). مسلم في الذكر والدعاء (٨/ ٨٥).
(٤) أخرجه مسلم في الذكر (٨/ ٨٣) واللفظ له. وأخرجه أبو داود في تخريج أبواب الوتر، باب التسبيح بالحصى (٢/ ١٧١). وأخرجه الترمذي في الدعوات، وقال: (حديث حسن صحيح). (٥/ ٥٥٦).
[ ١ / ٥٧٥ ]
قال ابن تيمية: "فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان" (^١).
٥ - وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" (^٢).
٦ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها، قالوا: يا رسول الله أفلا ننبئ الناس بذلك؟ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة" (^٣).
٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله" (^٤).
٨ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: "أتدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئتي فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ " (^٥).
٩ - وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي" (^٦).
١٠ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المتحابون في الله يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله" (^٧).
_________________
(١) الرسالة العرشية (ص ٨).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري في التوحيد، باب وكان عرشه على الماء. انظر: فتح الباري (١٣/ ٤٠٤).
(٤) أخرجه مسلم في البر والصلة (٨/ ٧).
(٥) أخرجه البخاري في المغازي، باب صفة الشمس والقمر. فتح الباري (٦/ ٢٩٧).
(٦) أخرجه البخاري في بدء خلق، باب ما جاء في قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. فتح الباري (٦/ ٢٨٧). وأخرجه مسلم في التوبة، باب في سعة رحمة الله أنها سبقت غضبه. (٨/ ٩٥).
(٧) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٢٢٩، ٢٣٦، ٢٣٧). وابن حبان (٢٥١٠). والحاكم (٤/ ١٦٩ - ١٧٠). وابن المبارك في الزهد (ص ٧١٥) من طريقين صحيحين عنه.
[ ١ / ٥٧٦ ]
قال: «ومن قول أهل السنة: إن الله ﷿ خلق العرش، واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء، كما أخبر عن نفسه في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٤]؛ فسبحان من بَعُدَ وقَرُبَ بعلمه، فَسَمِعَ النَّجوى.
أشار هنا إلى خلق العرش وذكر بعض صفات العرش وخصائصه
فأما خلق العرش وهيئته فإن أول صفة تذكر لعرش البارئ ﷾ كونه مخلوقًا من مخلوقات الله تعالى، ذلك لأن كل ما على الوجود هو مخلوق خلقه الله تعالى وأوجده، قال الله تعالى ﴿ذَلكُمُ الله رَبُّكم لا إِلهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيء﴾ [الأنعام ١٠٢]، فكل شيء في هذا الكون مخلوق والعرش من ضمن هذا الكون فهو مخلوق أيضًا.
وسلف الأمة وأئمتها يقولون: إن القرآن والسنة قد دلا على أن العرش مخلوق من مخلوقات الله تعالى خلقه وأوجده، قال تعالى ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة ١٢٩]، فالعرش موصوف بأنه مربوب وكل مربوب مخلوق، فالعرش مخلوق من مخلوقات الله.
وقد دلت الآيات والأحاديث على أن خلق العرش متقدم على خلق السموات والأرض، قال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ [هود ٧]، فالآية تدل على أن العرش كان موجودًا على الماء قبل خلق السموات والأرض ويؤيد تفسير الآية بهذا المعنى حديث عمران بن حصين ﵁ الذي جاء فيه أن النبي ﷺ قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض" (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى ﴿وَهُوَ اَلّذِي يَبْدَأُ اَلخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾. انظر: فتح الباري (٦/ ٢٨٦، رقم ٣١٩٠).
[ ١ / ٥٧٧ ]
وأما مسألة خلق العرش فقد جاء ذكرها في حديث أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: "كان في عما ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء" (^١).
هذه الأدلة التي استدل بها السلف على إثبات خلق العرش، فيها أبلغ الرد على من زعم من الفلاسفة أن العرش هو الخالق الصانع، أو أنه لم يزل مع الله تعالى.
ولقد خالف السلف في قولهم هذا بعض أهل الكلام الذين زعموا أن السموات والأرض كانتا مخلوقتين قبل العرش، وهم بزعمهم هذا الذي لا دليل لهم عليه إنما يحاولون به إخراج الاستواء عن حقيقته في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤]، ليكون معنى الاستواء في الآية على زعمهم بمعنى القدرة على العرش والاستيلاء عليه، ذلك لأنهم لو سلموا أن العرش مخلوق قبل السموات والأرض لقيل لهم إنكم تزعمون أن (استوى) بمعنى استولى، فلماذا تأخر الاستيلاء إلى ما بعد خلق السموات مع أنه كان موجودًا قبل ذلك، فهم فرارًا من هذا الأمر ادعوا أن العرش مخلوق بعد السموات والأرض.
وقد رد ابن القيم ﵀ على زعمهم هذا بقوله: "إن هذا لم يقله أحد من أهل العلم أصلًا، وهو مناقض لما دل عليه القرآن والسنة وإجماع المسلمين أظهر مناقضة، فإنه تعالى أخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وعرشه حينئذ على الماء، وهذه واو الحال، أي خلقها في هذه الحال، فدل على سبق العرش والماء للسموات والأراضين وفي الصحيح عنه ﷺ: "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء" (^٢)، (^٣).
وكذلك فيما ذكرناه من أدلة على سبق خلق العرش للسموات والأرض فيه رد على زعم هؤلاء ومدى مخالفة قولهم للكتاب والسنة.
وبعد أن علمنا أسبقية خلق العرش على خلق السموات والأرض وإجماع سلف الأمة على ذلك، نود أن نتطرق في هذا البحث أيضًا إلى ترتيب خلق العرش مع غيره من المخلوقات من حيث الأولوية في الخلق.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال:
القول الأول:
إن القلم أول المخلوقات، وأنه أسبق في الخلق من العرش، وهذا
_________________
(١) سيأتي تخريجه في التحقيق برقم (١٥).
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٦١.
(٣) مختصر الصواعق (٢/ ١٣١).
[ ١ / ٥٧٨ ]
القول هو اختيار ابن جرير الطبري (^١) وابن الجوزي (^٢) وهو ما يفهم في الظاهر من قول من صنف في الأوائل كابن أبي عروبة الحراني، وأبو القاسم الطبراني (^٣).
والدليل على هذا القول حديث عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: رب ماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة … " الحديث (^٤).
قال ابن جرير عند تخريج هذا القول: "وقول رسول الله ﷺ الذي رويناه عنه أولى قول في ذلك بالصواب لأنه كان أعلم قائل في ذلك قولًا بحقيقته وصحته من غير استثناء منه شيئًا من الأشياء أنه تقدم خلق الله إياه خلق القلم، بل عم بقوله ﷺ: "إن أول شيء خلقه الله القلم"، كل شيء وأن القلم مخلوق قبله من غير استثنائه من ذلك عرشًا ولا ماء ولا شيئًا غير ذلك" (^٥).
القول الثاني:
إن الماء أول المخلوقات، وإنه مخلوق قبل العرش.
وهذا القول ذكره ابن جرير ونقله عنه ابن كثير (^٦)، وذكره أيضًا ابن حجر (^٧)، واستدل له بما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعًا "إن الماء خلق قبل العرش".
وقال ابن حجر: "وروى السدي في تفسيره بأسانيد متعددة "أن الله لم يخلق شيئًا مما خلق قبل الماء" ".
القول الثالث:
أن أول شيء خلقه الله ﷿ من خلقه النور والظلمة.
وهذا القول ذكره ابن جرير وعزاه إلى ابن إسحاق (^٨).
القول الرابع:
أن العرش هو أول المخلوقات.
وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (^٩)، وابن القيم (^١٠)، وابن كثير (^١١)،
_________________
(١) تاريخ الطبري (١/ ٣٦).
(٢) البداية والنهاية (١/ ٨).
(٣) توضيح المقاصد وتصحيح القواعد.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٣١٧). وأبو داود في سننه (٥/ ٧٦، رقم ٤٧٠٠). الترمذي في سننه (٥/ ٤٢٤، رقم ٣٣١٩).
(٥) تاريخ الطبري (١/ ٣٥، ٣٦).
(٦) البداية والنهاية (١/ ٩).
(٧) فتح الباري (٦/ ٢٨٩).
(٨) تاريخ الطبري (١/ ٣٣).
(٩) مجموع الفتاوى (١٨/ ٢١٣).
(١٠) اجتماع الجيوش الإسلامية (٢٥٣ - ٢٥٤). وانظر مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٣٢٣).
(١١) البداية والنهاية (١/ ٩).
[ ١ / ٥٧٩ ]
وشارح العقيدة الطحاوية (^١)، ونسبه ابن كثير وابن حجر-نقلًا عن أبي العلاء الهمداني-إلى الجمهور، ومال إليه ابن حجر أيضًا (^٢).
واستدلوا على قولهم هذا بما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا قال: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء" (^٣).
ففي هذا الحديث تصريح بأن التقدير وقع بعد خلق العرش وحديث عبادة صريح بأن التقدير وقع عند أول خلق القلم، فدل ذلك على أن العرش سابق على القلم.
ومما يؤيد هذا القول أيضًا حديث عمران بن حصين: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض" (^٤).
فالحديث يدل على أن العرش كان موجودًا قبل كتابة المقادير.
وهذا هو الراجح من الأقوال.
وأما القول الثاني (أن الماء أول المخلوقات) واستدلال ابن حجر بحديث أبي رزين (أن الماء خلق قبل العرش) فغير صحيح، لأنه لم يرد في حديث أبي رزين هذا اللفظ، وإنما ورد فيه (ثم خلق عرشه على الماء) وليس في هذا ما يدل على أولية الماء.
وأما ما رواه السدي فهو أيضًا لا يصلح للاحتجاج لكونه أثرًا ولم يثبت عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك
وأما القول الثالث: وهو قول ابن إسحاق فهو أيضًا غير صحيح، ولعله أخذه من الإسرائيليات كما أخذ غيره من الأمور، وقد قال ابن جرير في هذا القول: "وأما ابن إسحاق فإنه لم يسند قوله الذي قاله في ذلك إلى أحد، وذلك من الأمور التي لا يدرك علمها إلا بخبر من الله ﷿ أو من خبر رسول الله ﷺ" (^٥).
أما القول الأول فقد أجاب الجمهور على استدلالهم بحديث عبادة ابن الصامت بقولهم لا يخلو قوله "أول ما خلق الله القلم … الخ" من أن يكون جملة أو جملتين، فإن كان جملة-وهو الصحيح-كان معناه أنه عند أول خلقه قال له
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٩٥).
(٢) فتح الباري (٦/ ٢٨٩).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) تاريخ الطبري (١/ ٣٣).
[ ١ / ٥٨٠ ]
(اكتب) كما في اللفظ، (أول ما خلق الله القلم قال له اكتب) بنصب (أول) و(القلم) فعلى هذا تكون الأولية راجعة إلى الكتابة لا إلى الخلق.
وإن كانت جملتين وهو مروي برفع (أول) و(القلم) فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم، فيتفق بهذا الحديثان، إذ حديث عبد الله بن عمرو صريح في أن العرش سابق على التقدير، والتقدير مقارن لخلق القلم (^١).
أما هيئة العرش: فقد دلت الأحاديث على أنه مقبب الشكل وأنه على هذا العالم المكون من السموات والأرض وما فيهما كهيئة القبة وهذا ما يدل عليه حديث الأعرابي الذي جاء فيه أن النبي ﷺ قال: "إن عرشه على سمواته وأراضيه هكذا" وأشار بأصابعه مثل القبة.
ويؤيد وصف هيئة العرش بهذه الصفة ما جاء في الحديث الآخر "إذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلاها وفوقه عرش الرحمن". فالحديث يبين أن الفردوس أوسط الجنة وأعلاها كما جاء في الحديث الآخر: "مائة درجة وما بين كل درجة ودرجة كما بين السموات والأرض".
فكون العرش سقفًا للفردوس الذي هو أوسط الجنة وأعلاها يدل على أنه مقبب لأن هذه الصفة لا تكون إلا في المستدير.
والعرش له قوائم كما جاء في الحديث الصحيح "لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش" الحديث.
وفي إثبات كون العرش مقببًا وأن له قوائم تحمله، رد على من زعم من الفلاسفة أن العرش فلك من الأفلاك أو أنه الفلك التاسع، وقد تقدم الرد على زعم هؤلاء.
وكذلك فيه رد على من زعم أن العرش بمعنى الملك لأنه لا يعقل أن يكون ماسكًا بقائمة من قوائم الملك.
وقد ذكر ابن كثير والذهبي أن العرش من ياقوتة حمراء (^٢) وقد استدلوا لهذا القول بما رواه إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت سعدًا الطائي يقول: "العرش ياقوتة حمراء" (^٣).
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٩٥ - ٢٩٦). اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢٥٣ - ٢٥٤).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٧٤). العلو للذهبي (ص ٥٧)
(٣) أخرجه: ابن أبي شيبة في كتاب العرش (ص ٤١٣ - ٤١٤، ح ٤٧).
[ ١ / ٥٨١ ]
وأما مكان العرش
فإن الآيات والأحاديث التي جاء فيها ذكر عرش الرحمن ﵎ لتدل دلالة واضحة على أن لعرش الرحمن مكانًا قبل وجود السموات والأرض وبعد خلقهما، فأما مكانه قبل خلق السموات والأرض فالآيات والأحاديث تبين لنا أن مكانه على الماء، فالله سبحانه يقول في كتابه الكريم ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾. [هود: ٧]
قال الطبري في تفسير هذه الآية: "وقوله ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ يقول وكان عرشه على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض وما فيهن، وعن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ قبل أن يخلق شيئًا" (^١).
وأما الأدلة من السنة على ذلك فكثيرة منها حديث عمران بن حصين الذي جاء فيه: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض".
وكذلك ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء".
وكذلك حديث أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: "كان في عما ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء".
فكل من الآية والأحاديث تدل دلالة قاطعة على أن مكان العرش منذ خلقه على الماء، وليس مراد بالماء هنا ماء البحر لأن ماء البحر إنما وجد بعد خلق السموات والأرض، وإنما الماء المذكور هنا ماء آخر تحت العرش على ما شاء الله تعالى (^٢).
وقد سئل حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ عن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ على أي شيء كان الماء؟ قال: "كان على متن الريح" (^٣).
_________________
(١) تفسير الطبري (١٢/ ٤).
(٢) فتح الباري (١٣/ ٤١١).
(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٤٩). والدارمي في الرد على بشر المريسي (ص ٤٤٥). وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٥٨). والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٤١). والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٣٧، رقم ٨٠٢). كلهم بإسنادهم عن سفيان عن الأعمش بنحوه. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. وإسناده جيد موقوف.
[ ١ / ٥٨٢ ]
وعن سليمان التيمي أنه قال: "ولو سئلت أين الله؟ لقلت: في السماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل السماء؟ لقلت: على الماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل الماء؟ لقلت: لا أعلم، قال أبو عبد الله: وذلك لقوله تعالى ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ [البقرة ٢٥٥] " (^١).
هذا مكان العرش قبل خلق هذا الكون الذي هو عبارة عن السموات والأرض، أما مكانه بعد خلق السموات والأرض فالحديث عنه من جانبين:
الجانب الأول: مكانه بالنسبة إلى الله تعالى مع غيره من المخلوقات.
والجانب الثاني: مكانه بالنسبة إلى السموات والأرض بعد خلقهما.
أما مكان العرش بالنسبة إلى الله تعالى مع غيره من المخلوقات فهو أقربها إليه سبحانه، وذلك لأن الله سبحانه قد أخبر أنه مستو على عرشه في أكثر في موضع في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ففي إثبات الاستواء على العرش دليل على قربه إليه لأنه سبحانه مستو على أعلى مخلوقاته وأقربها إليه، وهذه ميزة امتاز بها العرش على ما سواه.
ومما يؤيد كون العرش أقرب المخلوقات إلى الله ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال" (^٢).
فالحديث يدل على أن حملة العرش هم أول من يتلقى أمر الله، ثم يبلغونه للذين يلونهم من أهل السموات، فكونهم أقرب الخلق إلى الله دليل على أن العرش أقرب منهم إليه سبحانه لأنهم إنما يحملونه.
أما مكان العرش بالنسبة للسموات والأرض بعد خلقهما، وهل مازال على الماء؟
_________________
(١) خلق أفعال العباد (١٢٧).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان، (١٤/ ٢٢٥). والترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب سورة سبأ، (٥/ ٣٦٢ رقم ٢٣٢٤). والإمام أحمد في مسنده (١/ ٢١٨). والدارمي في الرد على الجهمية (ص ٧٨). وابن منده في التوحيد (ق ١٦/ ب). والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٥١٢ - ٥١٣، رقم ٤٣٦). والطحاوي في المشكل (٣/ ١١٣). وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٤٣). كلهم بإسنادهم عن الزهري عن علي بن الحسين به، وبألفاظ متقاربة. وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح).
[ ١ / ٥٨٣ ]
فالجواب ما يلي: إن العرش ما يزال على الماء المذكور في الآية والأحاديث بدليل ما جاء في أحاديث الأوعال، لقوله ﷺ: "ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك كله ثمانية أملاك أوعال ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش".
فالحديث يُشير كما أسلفنا إلى وجود ذلك الماء الذي تحت العرش، وإلى أنه ما زال موجودًا إلى ما بعد خلق السموات والأرض.
أما مكان العرش بالنسبة إلى السموات والأرض فهو أعلى منها وفوقها، وهو كالقبة عليها كما جاء في الحديث: "إن عرشه على سمواته وأراضيه هكذا" وأشار بأصابعه مثل القبة.
وكذلك ما جاء في حديث العباس بن عبد المطلب الذي يسمى بحديث الأوعال، فكلا الحديثين يدلان على أن العرش فوق السموات والأرض وأعلى منهما وهو كالسقف عليهما، بل هو سقف للجنة كما في حديث: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن" (^١).
فمكان العرش فوق السموات والأرض وفوق الجنة وهو أعلى المخلوقات وأرفعها، وجميع المخلوقات دونه في العلو والارتفاع. والله أعلم.
وأما خصائص العرش فقد خص الخالق ﷾ عرشه الكريم بخصائص عديدة ميزته على كثير من المخلوقات الأخرى، وذلك لما للعرش من المكانة الرفيعة عند البارئ ﷿، وقد ذكر عرش الرحمن في واحد وعشرين موضعًا من القرآن الكريم، ومجيء ذكر العرش بهذا العدد يدل على ما له من مكانة ومنزلة عالية عند الخالق ﷾.
فالله ﷾ قد مدح نفسه في أكثر من موضع من كتابه الكريم بأنه صاحب العرش العظيم والكريم والمجيد، قال تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾، وقال تعالى ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾.
فالله سبحانه يصف لنا في هذه الآيات وغيرها العرش بأنه عظيم، وكريم،
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٥٨٤ ]
ومجيد، فهو عظيم لكونه أكبر المخلوقات وأعظمها وأعلاها، وذلك لما خص الله به هذا العرش من الاستواء عليه، ومجيد وكريم لما له من منزلة تميز بها عما سواه من المخلوقات، فهو إنما اتصف بهذه الصفات لجلالته وعظيم قدره. كما أن في قوله تعالى ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ إخبار منه تعالى عن عظمته وكبريائه وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع خلقه، ومما يدل أيضًا على عظمة هذا العرش اقترانه باسم (الرحمن) كثيرًا في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾.
ففي هذا الاقتران بين اسم الرحمن والعرش حكمة وهي إخباره ﷿ بأنه قد استوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات، ذلك لأن العرش محيط بالمخلوقات وقد وسعها، والرحمة بالخلق واسعة لهم (^١)، كما قال تعالى ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٥٦].
وسنذكر في هذا المبحث بعض الخصائص التي اختص بها العرش وكرم بها، والتي جعلته يوصف بهذا الوصف في القرآن الكريم ويجعل له تلك المنزلة الرفيعة.