السنة مليئة بالأحاديث الدالة على علو الله-﷾-واستوائه على عرشه، وقد تكلم
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٣٨٢).
(٢) أخرجه البخاري في بدء خلق، باب ما جاء في قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. فتح الباري (٦/ ٢٨٧). وأخرجه مسلم في التوبة، باب في سعة رحمة الله أنها سبقت غضبه. (٨/ ٩٥).
(٣) رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣٦٤، ٦/ ١٤٠)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٧ - ٤٠) وقال بعد أن ساقه بعدة أسانيد: "هذه الأسانيد التي ذكرتها كلها صحيحة على شرط الشيخين"، والحديث أخرجه كذلك عبد الله بن الإمام أحمد في السنة (ص ٢٥٤ - ٢٥٧، ٢٦١). وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧، ح ١٨). والآجري في الشريعة (٣/ ١٣٥٤، ح ٩٢٣). والبيهقي في إثبات عذاب القبر (ص ٣٥). وابن قدامة في العلو (ص ٥٤ - ٥٥، برقم ٢٤). وقال أبو نعيم فيما نقله عنه شيخ الإسلام في شرح "حديث النزول (ص ٨٧): "هذا حديث متفق على عدالة ناقليه"، وعنه ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٣٦) "صحيح صححه جماعة من الحفاظ". وأورده الذهبي في العلو وعزاه للإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وقال: "هو على شرط البخاري ومسلم، ورواه أئمة عن ابن أبي ذئب" العلو (ص ٢٢). وقال البوصيري في الزوائد (٤/ ٢٥٠): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات". "
[ ١ / ٨٩ ]
المصنف على إثبات ذلك في خلال الكثير من الأحاديث، كأحاديث المعراج، وأحاديث صعود الملائكة ونزولها من عند الله، وعروج الروح إليه، واستواء الخالق على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، ورؤيته في الآخرة، فالسُّنَّةُ قد دلَّت على عُلُوِّ الله بدلالاتها الثلاث: (القولية، والفعلية، والتقريرية).
أولًا: أما السُّنَّة القولية فمنها:
١ حديث الخوارج: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً».
٢ حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض».
ثانيًا: وأما أدلة السُّنَّة الفِعلية فمنها:
١ - ما رواه مسلم من حديث جابر ﵁ في حديث حَجَّةِ الوَدَاعِ، وفيه: أن رسول الله ﷺ خَطَبَ النَّاسَ، فقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا …»، إلى أن قال جابر ﵁: «فقال بإصبعه السَّبَّابَة يَرْفَعُهَا إلى السَّماء وَيَنْكُتُهَا إلى الناس: اللهم اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ» (^١).
قال العَلَّامة ابن القَيِّم ﵀ مُعَلِّقًا على هذا الحديث: «ليشهد الجميعُ أن الرَّبَّ الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه» (^٢).
٢ - ما في الصَّحيحين في رفعه ﷺ يديه إلى السماء قائلًا: «اللهم اسقنا» (^٣). وهكذا رفعه يديه في الاستسقاء وغير ذلك.
ثالثًا: ومن أدلة السُّنَّة التقريريَّة وأشهرها:
ما رواه معاوية بن الحَكَم السُّلَمِي ﵁ قال: «كانت لي جاريةٌ تَرْعَى غَنَمًا قِبَلَ أُحُدٍ والجوَّانيَّة، فاطَّلَعْتُ ذات يومٍ فإذا بالذئب قد ذهب بشاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وأنا رجلٌ من بني آدم، آسَفُ كما يَأْسَفُونَ لكني صَكَكْتُهَا، فأتيتُ رسول الله ﷺ فعظَّم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: «ائتني بها»، فأتيتُه بها، فقال لها: «أين الله؟». قالت: في السماء، قال: «ومَن أنا؟». قالت: رسول الله، قال: «أَعْتِقها؛ فإنَّها مؤمنة».
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٢١٨).
(٢) «إعلام المُوقعين» (٢/ ٣١٦).
(٣) أخرجه البخاري (١٠١٣) ومسلم (٨٩٥).
[ ١ / ٩٠ ]
وقد تقدم ذكر موقف المعطلة عمومًا من نصوص السنة ورفضهم الاحتجاج بها بزعم أنها أخبار آحاد، وأخبار الآحاد لا يحتج بها في باب الاعتقاد، مع وصفهم لها بأنها أحاديث التشبيه كقول الغزالي: " وظواهر أحاديث التشبيه أكثرها غير صحيحة" (^١). وأحاديث التشبيه يقصد بها أحاديث الصفات، والحديث كلام المصطفى ﷺ-كيف يُنبز بهذا الوصف الذي ينفر السامع؟ ثم كيف تحكم عليها هكذا أنها غير صحيحة؟ ولا يتوهم السامع أن معنى أكثرها غير صحيحة أنها ضعيفة أو موضوعة، بل يقصدون بها أنها أخبار آحاد وعنده أن أخبار الآحاد لا صحة لها.
فشتان بين من يعظم السنة ويوقرها يحتج بها ويصدرها ويستدل بها، وبين من لا يقيم لها وزنًا أو اعتبارًا، بل ويتهكم بنصوصها وينفر منها بألقاب وأسماء تجعل السامع ينفر منها، بل ويقدم عليها زبالة الأفكار وأقوال من لم يعرف الله ﷿ حق المعرفة.
_________________
(١) انظر كتاب الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي صفحة (١١٦).
[ ١ / ٩١ ]
(١٦) "
• وقول عبد الله بن رواحة ﵁ الذي أنشده النبيَّ ﷺ وأقره عليه:
شهدتُ بأن وعدَ الله حق … وأنَّ النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طافٍ … وفوق العرش رب العالمينا (^١)
• وقول أمية بن أبي الصلت الثقفي (^٢) الذي أنشد للنبي ﷺ هو وغيره من شعره فاستحسنه، وقال: «آمن شعره وكفر قلبه»:
مجدوا الله فهو للمجد أهل … ربنا في السماء أمسى كبيرا
بالبنا الأعلى الذي سبق الناس … وسوى فوق السماء سريرا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) جاء في الاستيعاب (١/ ٢٩٦) بهامش الإصابة وقال: "روينا من وجوه صحاح. " عن عبد الله بن رواحة أنه مشى ليلة إلى أمة له فنالها، فرأته امرأته فلامته، فجحدها، فقالت: له إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن فإن الجنب لا يقرأ القرآن فقال: (شعر) شهدت بأن وعد الله حق … وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش رب العالمينا فقالت امرأته: صدق الله وكذبت عيني، وكانت لا تحفظ القرآن، فأخبر النبي ﷺ بذلك فضحك وقال: "غفر لك كذبك بتمجيدك ربك". وأسنده ابن عساكر في تاريخه (٩/ ١٠٩/ ب)، (جزء عبد الله بن جابر -عبد الله بن زيد). وأورده ابن قدامة في إثبات صفة العلو (ص ٩٩ برقم ٦٧)، وعزاه لابن عبد البر. وأورده الذهبي في العلو (ص ٤١، ٤٢)، وعزاه لابن عبد البر وقال: "قلت: روي من وجوه مرسلة منها يحيى بن أيوب المصري، حدثنا عمارة بن غزية عن قدامة بن محمد ابن إبراهيم الحاطبي فذكره، فهو منقطع"، وفي السير (١/ ٢٣٨). وأورده السبكي في طبقات الشافعية (١/ ٢٦٤، ٢٦٥)، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عمن حدثه عن عبد الله بن رواحة، وإسناده ضعيف لجهالة من حدثه ولإعضاله لأن عبد العزيز من أتباع التابعين. وقال النووي في المجموع (٢/ ١٦٣): (إسناد هذه القصة ضعيف ومنقطع) (ورواه الدارمي في الرد على الجهمية (٨٢) من طريق آخر، وفيه يحيى بن أيوب صدوق ربما أخطأ، وقدامة بن إبراهيم مقبول كما في التقريب يعني حيث يتابع وإلا فلين، وفيه انقطاع بين قدامة وابن رواحة). "
(٢) أمية بن عبد الله، أبي الصلت، بن ربيعة بن عوف الثقفي، شاعر جاهلي حكيم، من أهل الطائف، أدرك الإسلام ولم يسلم، مات سنة خمس من الهجرة. انظر: تهذيب ابن عساكر (٣/ ١١٨ - ١٣١). "
[ ١ / ٩٢ ]
شرجعًا (^١) ما يناله بصر العين … يرى دونه الملائكة صورا (^٢) " (^٣)