مقصود المصنف ﵀ أن هناك مئات أو ألوف النصوص التي تؤكد أن عقيدة السلف في هذه المسألة هي هذه، وأنت لو رجعت إلى قدماء الأشاعرة، كالبيهقي مثلًا وهو من قدماء الأشاعرة، والأشاعرة يجعلونه من أوائلهم، أو ارجع إلى ابن فورك، أو ارجع إلى الباقلاني، فهذه كتبهم موجودة وهم من قدماء الأشاعرة، ومع ذلك لم ينكروا العلو، بل أثبتوا صفة العلو.
فلو تجاهلنا علماء السلف، فعلى أقل الأمور أن يرجع الإنسان إلى كتب قدماء الأشاعرة، فإن كتب قدماء الأشاعرة لا تنكر صفة العلو بل تثبتها، وهذا كتاب التمهيد للباقلاني مثلًا، أو كتب البيهقي، مثل كتاب الأسماء والصفات مثلًا.
فكتب قدماء الأشاعرة تؤكد أن عقيدة القدماء منهم، هي إثبات صفة العلو؛ لأن الأشاعرة المتأخرين إنما تأثروا بهذا الفكر وحملوه من المعتزلة وليس عن قدمائهم؛ لأنه لم يكن عند القدماء من خلل إلا في إنكار ذلك النوع من الصفات، فالقدماء أخذوا عقيدتهم من الكلابية، والكلابية كان إنكارهم والخلل عندهم إنكارهم صفات الأفعال الاختيارية، لكن الجويني إمام الحرمين، ثم مَنْ جاء من بعده كالغزالي إلى الرازي إلى غيرهم، هؤلاء هم الذين أنكروا مثل هذه الصفات وهي مما أخذوه من المعتزلة.
وكذلك تأثر المعتزلة بهذا الفكر من الجهمية، فهذا الفكر لم يكن موجودًا عند واصل بن عطاء، ولكن تلاميذ المعتزلة هم الذين أخذوا فكر إنكار الصفات، أما واصل فكان خلله في مسائل محدودة، منها مرتكب الكبيرة، ومنها مسألة القدر، ولم يكن عند واصل بن عطاء ولا من في طبقته إنكارٌ للصفات، وإنما جاء هذا عند تلاميذ المعتزلة.
[ ١ / ٩٩ ]
وكما يقول شيخ الإسلام: "إذا كان الغلط في الأوائل شبرًا صار من بعده ذراعًا، ثم باعًا، ثم إلى ما شاء الله" (^١)، فالبعد عن الكتاب والسُنَّة لا شك أنه طريق هلاك.
فإذًا أقوال السلف موجودة، وإن شئت ارجع إلى شرح أصول اعتقاد أهل السُنَّة للالكائي، وإن شئت ارجع إلى كتاب الشريعة للآجري، وإن شئت ارجع إلى كتاب السُنَّة للإمام أحمد، والسُنَّة لعبد الله بن الإمام أحمد، وكتب السلف الحمد لله مطبوعة ومخدومة في هذا الزمان.
ولذلك مَنْ كان على عقيدة أهل السُنَّة عليه أن يعتني بجمع المأثور، وينظر في المأثور عن علماء السلف في صفات الله تعالى، وهو محفوظٌ وبأسانيده بفضل الله تعالى، فهو العلم كما قال الإمام الشافعي:
العلم ما كان فيه قال حدثنا وما سوى ذلك وسواس الشياطين
فينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يكون على بصيرةٍ وعلى بينة، وأراد أن يؤصِّل لنفسه، فعليه أن يعتني بالمأثور، فما جعل الكثير من طلبة العلم في حيرةٍ واضطراب، وفي شكٍ وارتياب إلا أنهم لم يجعلوا لعلمهم الذي يعتنون بجمعه أصلًا وأساسًا يعتمدون عليه، بل غاية الكثير منهم إذا استحسن كلامًا من فلان، قال به وحمله في فكره وفي رأسه، ثم يأتي آخر بكلامٍ يناقضه ويضادُّه فيحمله، فيكون في حيرةٍ واضطراب، وتستمر هذه الحيرة معه، لأنه لا يعلم مع مَنْ يعلم مع مَنْ يتلقى وممن يأخذ، فتجده اليوم على فكرٍ معين ثم غدًا على فكرٍ آخر، وكل هذا سببه السطحية التي هو عليها، وإذا أردت أن تؤسِّس علمًا واعتقادًا في نفسك فاجعله على هذه الثوابت.
فانظر إلى ما في كتاب الله تعالى واعرفه واحفظه، وانظر إلى ما في سنة المصطفى ﷺ-واعرفها واحفظها، وانظر فيما هو من المأثور من كلام السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم واعرفه واحفظه، ثم بعد ذلك يكون قد وسعك ما وسعهم ولك في ذلك غنية، فهم أئمة وأعلام هدى، والعلم يؤخذ منهم وعنهم وكما يقول بعض السلف: «من لم يسعه ما وسع الرسول ﷺ وما وسع الصحابة فلا وسع الله عليه» (^٢).
ولا شك أن كل واحدٍ يعرف لهؤلاء ما لهم من قدر، وما لهم من منزلة، سواء
_________________
(١) انظر كتاب بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية صفحة (٤٥١).
(٢) انظر كتاب سير أعلام النبلاء الجزء (١١) صفحة (٣١٣).
[ ١ / ١٠٠ ]
كانوا أصحاب محمدٍ ﷺ-فهم خير هذه الأمة، قومٌ اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه.
ولذلك ابن مسعود، وهو صحابي جليل يحث على هذا المنهج فيقول: " مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا، فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فإنَّ الْحَيَّ لَا تُؤمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ "، يقول هذا وهو في وقته.
وبعد ذلك يقول: " أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَانُوا أَفْضَلَ هَذِهِ الأُمَّةِ: أَبَرَّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، اخْتَارَهُمُ الله لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَلِإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوهُمْ عَلَى أَثَرِهِمْ، وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُم منْ أَخْلَاقِهِمْ وَسِيَرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ " (^١).
هذه كلمات قالها ابن مسعود ﵁-ومشهورٌ عن ابن مسعود ﵁-أنه من أشدِّ الصحابة محاربةً للبدع، فانظر إلى هذه الكلمات وتمعنها فهي تضع منهجا وترسم طريقا، "أولئك أصحاب محمد"، لماذا الإعراض عن هؤلاء؟ وعن كلامهم؟
أليسوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا؟
أليسوا أعمقها علمًا؟
أليسوا أقلَّها تكلفًا وبُعدًا عن البدع والأهواء؟
أليسوا قومًا اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﵌ وإقامة دينه؟ فلماذا نعرض عن كلامهم وعن المأثور عنهم اعتقادًا وعملًا؟
فينبغي للإنسان أن يسير على هذا النهج، ثم إذا وجدت كتابًا يسير على هذا النهج فافرح به، واسعَ لحفظه، ولا تكن ممن قال عنهم علي ﵁: "همج رعاع أتباع كل ناعق" (^٢)، فليس كل مَنْ تكلم أو تفوَّه بكلمة واستطاع أن يقنعك بها، ليس هو على الحق، وإلا سيتعدد الحق، ويضطرب الناس، ويضطرب الفكر. قال الإمام مالك إمام دار الهجرة ﵀ ورَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "أو كلما جاءنا رجل ألحن بحجته من الآخر أخذنا بقوله وتركنا ما نزل به جبريل عَلَى مُحَمَّد ﷺ".
ولكن عليك أن تعتمد هذا الأصل وهذه القاعدة، وتؤسِّس علمك عليها، فإنه
_________________
(١) انظر شرح السنة للبغوي برقم (١٠٥)، ومشكاة المصابيح (١٩٣)، قال الشيخ الالباني ضعيف.
(٢) انظر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر الجزء الثاني، صفحة (٩٨٤) برقم (١٨٧٧)، وقال وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ يُسْتَغْنَى عَنِ الْإِسْنَادِ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَهُمْ.
[ ١ / ١٠١ ]
والله إن سرت على هذا، بإذن الله تسلم وتنجو من كثيرٍ من الفتن وكثيرٍ من الأهواء التي يومًا ما ستنقشع وتنجلي، ثم بعد ذلك يظهر ما فيها من الفساد والانحراف.
فهذه وصية السلف يتناقلونها ويتواصون بها قديمًا وحديثًا، ونحن حملناها من مشايخنا، فأذكر أن الشيخ حماد الأنصاري ﵀-عندما كان يدرِّسنا كان يوصينا بمثل هذا، وكان يسرد علينا كتب السلف المأثورة حتى وإن كانت مخطوطات، ويرشدنا إلى مواضعها، ويعطينا من أخبارها.
فبحمد الله هذا كان حافظًا للإنسان وهو في طور التأسيس عندما يقتني ويقرأ، كان حافظًا بفضل الله تعالى لنا من أن نزيغ عن هذا المنهج، فهذه وصية أشعر والله أنني بنفسي استفدت منها من هذا الشيخ، وأحفظها له إلى هذا اليوم، أنه أوصانا بكتب المأثور، وأوصانا باقتنائها، وأوصانا بمدارستها ودراستها؛ لأن فيها العلم وفيها الخير.
فإن تركنا هذا العلم وهذا الخير، فلا شك أن بعد ذلك قد استبدلنا هذا العلم بالأهواء والبدع، وبأقوالٍ لا ندريٍ ألها أساسٌ وسلطان من الحق أو ليس لها أساسٌ من الحق؟، فلا يغيب عنك أن كلام السلف له قيمته، بل له قيمةٌ من أعظم ما تكون؛ لأنه يؤكد ويبين صحة هذا المنهج، وأن هذا المنهج ليس منهجًا شاذًّا أو منفردًا، أو قد انفرد به فلان من الناس.
بل هو كلام الأئمة السابقين الذين لا شك أن علمهم محفوظٌ وموروث، وبحمد الله طبع الكثير منه، وهو إلى يومنا هذا لا يزال تحت عناية الدارسين، فلا تتجاهل هذا العلم، ولا تتجاهل هذه النصوص، واعتنِ بها جمعًا وقراءة وعلمًا وتعلُّمًا وتعليمًا.
[ ١ / ١٠٢ ]
(٢٠) "ثم ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول ﷺ، ولا عن أحد من سلف الأمة لا من الصحابة والتابعين، ولا عن أئمة الدين الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك، لا نصًا ولا ظاهرًا".
بدأ المصنف ﵀ بعد أن انتهى من تأسيس أصول أهل السنة في هذه الباب، بالانتقال للخصم وإلى ما معه، وكأن لسان مقاله يقول: يا تُرى هذه بضاعتنا قال الله وقال الرسول، وقال السلف الصالح، فما بضاعة القوم؟ هل لهم فيما زعموا وفيما ادَّعوا دليل من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ؟
فليس عند القوم الذين خالفوا كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، دليل من كلام الله تعالى ولا من كلام رسوله ﷺ، ولا من كلام السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، أو من أئمة الدين المشهورين المعروفين كالأئمة الأربعة - رحمهم الله تعالى.
فهذا يوضح أن هؤلاء ليس لهم في هذا الميراث من نصيب، وليس لهم حظٌّ، بل ساحتهم خالية من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، لأنهم لا يرون لهذا قيمة، فلا تجد في باب الإلهيات ولا في باب النبوات؛ لأنهم يقسمون أبواب الاعتقاد إلى ثلاثة أبواب:
باب الإلهيات.
باب النبوات.
باب السمعيات.
فالإلهيات: أي إثبات وجود الله كما يقولون وهذا منتهى التوحيد عندهم.
والنبوات: أي الإيمان بنبوة النبي.
والسمعيات: أي ما يتعلق بالبعث والنشور واليوم الآخر.
ولن تجد في البابين الأُولَيَيْن، باب الإلهيات وباب النبوات، قال الله وقال الرسول، بخلاف ما قد تجد في باب السمعيات؛ وهم أسموها سمعيات لأنها -كما
[ ١ / ١٠٣ ]
يقولون-مصدرها الكتاب والسُنَّة، لكن في باب التوحيد وفي باب النبوات لن تجد قال الله وقال الرسول، إنما ستجد قال القدماء، قال الحكماء، قال العقلاء، ويعنون بذلك أهل المنطق والفلسفة.
ومما يؤكد ذلك أيضًا أنك لا تستطيع فهم عقيدة الأشاعرة حتى تدرس المنطق، فهو سُلَّمٌ لفهم عقيدتهم، مما يدل ويؤكد أن هؤلاء ليس لهم حظٌ في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌، ولا في المأثور عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضوان الله عليهم؛ لأن كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌ وكلام هؤلاء لا يحتاج إلى فلسفةٍ ومنطق.
ومَن ذا الذي يقول: إن القرآن يحتاج إلى علم المنطق لكي يُفهم؟، أو أن كلام الرسول ﷺ-يحتاج إلى المنطق والفلسفة لكي يُفهم؟، أو أن كلام السلف الصالح يحتاج إلى هذا لكي يفهم؟
فإذًا، هذا تنبيهٌ وإشارة من شيخ الإسلام أن هذه أصول أهل السُنَّة، وهذا معتقدهم، فإن شئت فاعتمد وقل بما قالوا، أما القوم فلا حظ لهم ولا نصيب في هذه الأصول.
[ ١ / ١٠٤ ]
(٢١) "ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا أنه ليس على العرش، ولا أنه [بذاته] في كل مكان، ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا أنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصبع، ونحوها؛ بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمع حضره رسول الله ﷺ جعل يقول: «ألا هل بلغت؟». فيقولون: نعم. فيرفع أصبعه إلى السماء وينكبها [إليهم] ويقول: «اللهم اشهد» غير مرة، وأمثال ذلك كثير.
فإن كان الحق فيما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله من هذه العبارات ونحوها دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصًا وإما ظاهرًا، فكيف يجوز على الله، ثم على رسوله ﷺ ثم على خير الأمة أنهم يتكلمون دائمًا بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق الذي يجب اعتقاده ولا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصًا ولا ظاهرًا، حتى يجيء أنباط الفرس والروم وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة، يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف، أو كل فاضل أن يعتقدها"
أي ليعطينا أي إنسان من هؤلاء أنه ورد عن الصحابة أو التابعين وتابعي التابعين أو عن الأئمة الأربعة أنهم قالوا إن الله في كل مكان.
بل إن الإمام أبو حنيفة يقول: "مَنْ أنكر إن الله ﷾-في السماء فقد كفر" (^١)، فحكم عليه بالكفر، وللشافعي ﵀-كلام في هؤلاء سنأتي إليه في نهاية هذه الفتوى بإذن الله تعالى.
فهذه أقوال المبتدعة تدور حول هذه العبارات، فمن منكرٍ لعلوِّ الله تعالى، ومن منكرٍ لاستوائه، ومن منكرٍ وقائلٍ بأن الله تعالى بذاته في كل مكان، ومن قائلٍ بأن الله
_________________
(١) انظر كتاب الفقه الأكبر صفحة (١٣٥).
[ ١ / ١٠٥ ]
لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، ولا متصلٌ ولا منفصل، ومن قائلٍ إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع، مع أن النبي ﷺ-في حجة الوداع كان يرفع إصبعه السبابة هكذا وينكبها إلى أصحابه كما قال ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ-لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمعٍ حضره الرسول ﷺ-جعل يقول: «اللَّهُمَّ قَدْ بَلَّغْتُ». قَالُوا: نَعَمْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُبُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ» (^١).
_________________
(١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ المَغَازِي، بَابُ حَجَّةِ الوَدَاعِ، برقم (٤٤٠٦)، ومسلم كِتَابُ الْقَسَامَةِ وَالْمُحَارِبِينَ وَالْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ، بَابُ تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ (١٦٧٩)، والإمام أحمد في المسند أَوَّلُ مُسْنَدِ الْبَصْرِيِّينَ (٢٠٣٨٦)، والدارمي (١٩٥٧).
[ ١ / ١٠٦ ]
(٢٢) "فلئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب، وهم مع ذلك أُحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بمقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصًا أو ظاهرًا، لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير، بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين. "
لو كان الحق فيما يزعم هؤلاء فالنصوص تقول شيئًا، وهم يقولون شيئًا آخر، فالحق واحد لا يتعدد، فإما أن يكون الحق في صف هذه النصوص، وإما أن يكون الحق في صف هؤلاء، فأنت اجمع واعقد مقارنة كما يرشدك شيخ الإسلام، اجمع النصوص واقرأها، ثم انظر في قول هؤلاء، هل تجد في قول هؤلاء ما يدل عليه النصُّ ويؤكده؟ أم أن قولهم على خلاف ما يقول النصُّ؟
فإذًا بعد ذلك، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فإما أن يكون الكتاب والسُنَّة وسلف الأمة على الخطأ وحاشا أن يكون الأمر كذلك، وإما أن يكون هؤلاء على الخطأ، وهذا الأمر من أوضح وأبين ما يكون، فإنهم على الخطأ البيِّن، إذا كان الأمر في مثل هذه المقارنة.
فإذًا كما يقول المصنف: كيف يُعقل أن الحق يكون على خلاف ما جاء في النصوص، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، هل نقول بعد ذلك إن للشريعة ظاهرًا وباطنًا؟، ونزعم كما زعم الباطنية من الرافضة والصوفية، أو أن للنصوص شريعة وحقيقة.
فلا شك أن هذا الشرع واحد، وأن ظاهره وباطنه سواء، ولا يقول مثل هذا الكلام إلا مَنْ انحرفت عقيدته من المتصوفة والباطنية، فهؤلاء الذين إذا جئت تخاطبهم فقالوا: اذهبوا عنا أنتم علماء الشريعة ونحن علماء الحقيقة، وأنتم علماء الظاهر ونحن علماء الباطن، فالشريعة ظاهرها وباطنها سواء والأمر واحد ولا يختلف، فيطرح المصنف مثل هذا الاستفهام وكيف يكون هذا الحق ثم لا يعتقدونه.
[ ١ / ١٠٧ ]
(٢٣) "فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ عَلَى مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ: إنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعِبَادِ لَا تَطْلُبُوا مَعْرِفَةَ اللَّهِ ﷿ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الصِّفَاتِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا لَا مِنْ الْكِتَابِ وَلَا مِنْ السُنَّة وَلَا مِنْ طَرِيقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ. وَلَكِنْ اُنْظُرُوا أَنْتُمْ فَمَا وَجَدْتُمُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ فَصِفُوهُ بِهِ -سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ -وَمَا لَمْ تَجِدُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ فِي عُقُولِكُمْ فَلَا تَصِفُوهُ بِهِ. ثُمَّ هُمْ هَهُنَا فَرِيقَانِ: أَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ: مَا لَمْ تُثْبِتْهُ عُقُولُكُمْ فَانْفُوهُ -وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ تَوَقَّفُوا فِيهِ -وَمَا نَفَاهُ قِيَاسُ عُقُولِكُمْ -الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ وَمُضْطَرِبُونَ اخْتِلَافًا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ -فَانْفُوهُ وَإِلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فَارْجِعُوا. فَإِنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي تَعَبَّدْتُكُمْ بِهِ؛ وَمَا كَانَ مَذْكُورًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِمَّا يُخَالِفُ قِيَاسَكُمْ هَذَا أَوْ يُثْبِتُ مَا لَمْ تُدْرِكْهُ عُقُولُكُمْ -عَلَى طَرِيقَةِ أَكْثَرِهِمْ -فَاعْلَمُوا أَنِّي أَمْتَحِنُكُمْ بِتَنْزِيلِهِ لَا لِتَأْخُذُوا الْهُدَى مِنْهُ؛ لَكِنْ لِتَجْتَهِدُوا فِي تَخْرِيجِهِ عَلَى شَوَاذِّ اللُّغَةِ وَوَحْشِيِّ الْأَلْفَاظِ وَغَرَائِبِ الْكَلَامِ. أَوْ أَنْ تَسْكُتُوا عَنْهُ مُفَوِّضِينَ عِلْمَهُ إلَى اللَّهِ مَعَ نَفْيِ دَلَالَتِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الصِّفَاتِ؛ هَذَا حَقِيقَةُ الْأَمْرِ عَلَى رَأْيِ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ.
(٢٤) وهذا الكلام قد رأيته صرَّح بمعناه طائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزومًا لا محيد عنه، ومضمونه أن كتاب الله لا يُهتدى به في معرفة الله، وأن الرسول ﷺ معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله، وأن الناس عند التنازع لا يردُّون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء كالبراهمة والفلاسفة وهم المشركون والمجوس، وبعض الصابئين. وإن كان هذا الرد لا يزيد الأمر إلا شدة، ولا يرتفع الخلاف به، إذ لكل فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا إليهم، وقد أُمروا أن يكفروا بهم، وما أشبه هؤلاء المتكلفين بقوله ﷾: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا • وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا • فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٢].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ١٠٨ ]
فإن هؤلاء إذا دعوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: إنا قصدنا الإحسان علمًا وعملًا بهذه الطريق التي سلكناها، والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية.
ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل إنما تقلدوا أكثرها عن طواغيت من طواغيت المشركين أو الصابئين، أو بعض ورثتهم الذين أُمروا أن يكفروا بهم، مثل فلان وفلان، أو عن من قال كقولهم لتشابه قلوبهم ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ..﴾ [البقرة: ٢١٣]
(٢٥) ولازم هذه المقالة: أن لا يكون الكتاب هدًى للناس، ولا بيانًا ولا شفاء [لما في الصدور] ولا نورًا، ولا مردًّا عند التنازع، لأنا نعلم بالاضطرار [أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون أن الحق الذي يجب اعتقاده لم يدل عليه [الكتاب والسنة] لا نصًا ولا ظاهرًا، وإنما غاية المتحذلق أن يستنتج هذا من قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. وبالاضطرار يعلم كل عاقل أن من دل الخلق على أن الله ليس على العرش، ولا فوق السماوات، ونحو ذلك بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ لقد أبعد النجعة وهو إما مُلْغِز، أو مُدَلس، لم يخاطبهم بلسان عربي مبين.
(٢٦) ولازم هذه المقالة أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيرًا لهم في أصل دينهم؛ لأن مَرَدَّهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم عمى وضلالًا.
يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول ﷺ يومًا من الدهر، ولا أحد من سلف الأمة هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، لكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم، أو اعتقدوا كذا وكذا؛ فإنه الحق، وما خالف ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، وانظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاعتقدوه، وما لا فتوقفوا فيه أو انفوه.
(٢٧) ثم الرسول ﷺ قد أخبر أن أمته ستفترق ثلاثًا وسبعين فرقة، فقد علم ما سيكون، ثم قال: «إني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله»
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ١٠٩ ]
ورُوي عنه ﷺ أنه قال في صفة الفرقة الناجية: «هو من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». فهلا قال من تمسك بظاهر القرآن في باب الاعتقاد فهو ضال؟ وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة، وإن كان قد نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين.
لا يزال المُصَنِّف رحمه الله تعالى يبين من خلال هذه العبارات ومن خلال ما يعقده من موازنة بين منهج أهل الحق ومناهج أهل الباطل، يبين حقيقة الأمر وحقيقة الخلاف في أصله، وكما تعلمون أن الخلاف هنا خلافٌ بين منهجين؛ إما منهج أهل الحق المبني على الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة، كما أسلف المُصَنِّف وبين وقدم، وإما المنهج العقلي الفلسفي المبني على منطق اليونان وفلاسفة الهند وأشكالهم وأمثالهم.
ففي بداية هذا الكلام قال المُصَنِّف: "فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ عَلَى مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ: إنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعِبَادِ لَا تَطْلُبُوا مَعْرِفَةَ اللَّهِ ﷿ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الصِّفَاتِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا لَا مِنْ الْكِتَابِ وَلَا مِنْ السُنَّة وَلَا مِنْ طَرِيقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ. وَلَكِنِ انْظُرُوا أَنْتُمْ فَمَا وَجَدْتُمُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ فَصِفُوهُ بِهِا"، فهنا يبين أن هؤلاء قد طرحوا منهج الحق ونَحَّوْهُ جانبًا وأقصوه وأبعدوه، وكما ذكرنا سالفًا أنك لا تجد عند هؤلاء استدلالًا بالنصوص في باب الإلهيات ولا في باب النبوات، وهذان البابان كما ذكرنا هما أصلا هذا الدين؛ لأن هذا الدين قام على أصلين هما: التوحيد والاتباع؛ أي لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وكما قال المصطفى ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وهذا جانب التوحيد، «وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ» (^١)، وهذا جانب الإيمان بالنبي ﷺ واتباع النبي ﷺ.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَابُ الِاقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، برقم (٧٢٨٤)، ومسلم كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ الْأَمْرِ بِقِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ (٢٢)، وأبو داود (٢٦٤٠)، والترمذي (٢٦٠٦)، وابن ماجه (٧١)، والنسائي (٣٠٩٠)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ (٧٦).
[ ١ / ١١٠ ]
فهؤلاء القوم في هذين الأصلين أقصوا منهج الحق وأبعدوا نصوص الكتاب والسنة، وأبعدوا كذلك منهج السلف الصالح، وبالتالي لن تجد في كتبهم قال الله تعالى وقال الرسول ﷺ، وإنما الذي ستجده: قال بعض الفضلاء، وقال بعض الحكماء، وقال بعض العقلاء.
وبالتالي يريد أن يشير المُصَنِّف في هذه العبارات، إلى أن هؤلاء اعتمدوا منهجًا وهو الاعتماد على العقل كما زعموا، وسبق أن أسلفنا أن هذا الأمر إنما هو أصل المنهج الفلسفي، وأن المنهج الفلسفي قام على أصلين:
الأصل الأول: أن العلم فقط في المحسوس المشاهد، فهذا الذي يسلِّمون به ويقولون به.
والأصل الثاني: أن الأصل في العلم هو الإنسان؛ أي عقل الإنسان، وأنه لا إيمان بغيبٍ ولا بوحي.
فعلى هذين الأصلين يقوم قطب الرحى عند أصحاب المناهج العقلية؛ أي أن الإيمان ينحصر في المحسوس المشاهد، وأن الأصل في العلم هو الإنسان، وبالتالي ينبني على هذا أنه لا عبرة ولا إيمان بالغيب، وينبني على هذا أنه لا اعتبار ولا قيمة للوحي، فكل أصلٍ من هذين الأصلين لديهم يهدم أصلًا من أصول الدين.
فإذا كان هناك - على حد زعمهم - لا غيب، فمعنى هذا أنه لا توحيد ولا إيمان بالله ﷿، ولذلك لن تجد عند هؤلاء في باب التوحيد إيمانًا بوجود الله تعالى إلا بقدر ما قد يكون الأمر في الخيال والذهن لا في الحقيقة والواقع.
فلو جئت إلى أشعريٍّ فقلت له: أين الله؟ فإما أن يقول لك: في كل مكان، أو أن يقول: لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، فلا يستطيع أن يثبت لله وجودًا حقيقًا يمكن للإنسان أن يقتنع به.
ثم في أصلهم الثاني هدمٌ للوحي، الذي هو الإيمان بالنبي ﷺ، فإذًا هم استبدلوا منهج الحق بمنهجٍ فلسفي عقلي يقول: إن المرجع في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل إلى عقل الإنسان، فما أجازه عقل هؤلاء، وما أجازه منطقهم فهو المعتمد وهو المقبول والمسَلَّم، وما عداه فهو دائرٌ بين حالين: إما أن يُنفي وإما أن يتوقف الإنسان فيه.
ويحكي المصنف قولهم: "وَلَكِنْ اُنْظُرُوا أَنْتُمْ فَمَا وَجَدْتُمُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ فَصِفُوهُ بِهِ - سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ"، فعندهم لا اعتبار
[ ١ / ١١١ ]
للوحي، فإنك إذا نظرت في عباراتهم ستجدها عبارات قد يكون بعضها ليس له أصلٌ في الكتاب ولا في السنة، كتسميته تعالى «واجب الوجود»، فمثلًا، ابن سينا عندما يتحدث عن وجود الله تعالى يقول: «واجب الوجود واحد في ذاته بسيط لا تَكَثُّرَ فيه بوجهٍ من الوجوه ولا قسمة له لا في الكم ولا في الكيف ولا في المعقول ولا في اللا معقول ولا في المتناهي ولا في اللا متناهي» (^١) إلى نحو هذه العبارات المنطقية الفلسفية التي لا تجد لها أصلًا في الكتاب ولا في السنة.
فتسميته «واجب الوجود» هذا أمرٌ لم يرد به نصٌ من الكتاب أو السنة، ولو جئت تسأل عن «واجب الوجود» في معاجم الفلسفة ستجد أن المراد به: الوجود الذهني الخيالى الذي ليس له حقيقة ولا واقع.
فإذًا هم على هذا بنوا أصل هذه المسألة على عقولهم وفلسفتهم ومنطقهم، ولم يبنوا أصل هذه المسألة على كتاب أو على سُنَّة، وإن شئت فانظر في كتبهم، لن تجد لهم دليلًا من الكتاب أو السُنَّة في هذه المسائل، بل إنهم لا يقبلون هذا.
ولذلك هم أسَّسوا ما يسمَّى «قانون التأويل»، وقانون التأويل يقول: «إذا تعارض العقل والنقل فأيهما يقدم؟» فقالوا بالترتيب المنطقي - قالوا: «إما أن يُجْمَعَ بين الأمرين» (^٢)، أي نأخذ بالعقل والنقل وهذا لا يمكن؛ لأن العقل مثلًا يقول: لا، والنقل يقول: نعم، فكيف تجمع بين لا ونعم في وقت واحد؟ هل هذا يمكن؟ فقالوا: «لا يمكن الجمع بين النقيضين أو الجمع بين الضدين» (^٣).
المقصود ب «النقيضين» أو ب «الضدين» أن أحدهما يقول: «لا» والثاني يقول: «نعم»، فلئن كان النص يقول للعلوِّ: «نعم»، أو للاستواء «نعم»، فإن عقولهم تقول: «لا»، فقالوا: «يستحيل الجمع بين الضدين ويستحيل ترك الأمرين» (^٤) أي أن نترك العقل والنقل.
وقالوا بعد ذلك: «إما أن يقدم العقل على النقل أو يقدم النقل على العقل» (^٥) فقالوا: «لو قدمنا النقل على العقل»، فعلى حد زعمهم، العقل هو الأصل والنقل فرع، فيقولون: «تقديم الفرع على الأصل فيه إبطالٌ للأصل والفرع».
_________________
(١) انظر كتاب العرش وما روى فيه صفحة (١٢٣).
(٢) انظر كتاب أساس التقديس لفخر الدين الرازي صفحة (٢٢٠).
(٣) انظر المصدر السابق.
(٤) انظر المصدر السابق.
(٥) انظر كتاء درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية الجزء الأول صفحة (٤).
[ ١ / ١١٢ ]
انظر ترتيبهم! قالوا: «لو قدمنا النقل على العقل فإن في ذلك إبطال للأصل والفرع» (^١) لأن النقل فرع والعقل أصل، فهم يجعلون العقل هو الأصل في إثبات وجود الله تعالى، ويجعلون العقل هو الأصل في إثبات نُبُوَّة النبي ﷺ، فبالتالي جعلوا من العقل أصلًا يعتمدون عليه ويرجعون إليه في هذين البابين.
فبعد هذا، على زعمهم الشرع جاء وَتَفَرَّعَ عن هذا الأصل - أي عن العقل - فإنه إذا أُثبتت نُبُوَّة النبي أثبت ما جاء به النبي، فبالتالي عندهم إثبات ما جاء به النبي متوقفٌ على إثبات نُبُوَّة النبي، افهم هذه المسألة، إثبات ما جاء به النبي - الذي هو الوحي - متوقفٌ على إثبات نُبُوَّة النبي، وإثبات نُبُوَّة النبي متوقف على العقل.
فالعقل عندهم هو الأصل، وتفرع عنه إثبات نُبُوَّة النبي، ثم تفرع عنه إثبات ما جاء به النبي الذي هو الوحي.
فعلى هذا الترتيب عندهم أنه مادام العقل هو الأصل وما جاء به النبي ﷺ هو الفرع، فلو أنك قدَّمت ما جاء به النبي ﷺ فإنك بذلك أبطلت الأصل.
«وإبطال الأصل بالفرع فيه إبطالٌ للأصل والفرع» (^٢)، هكذا يرتِّبون هذا الترتيب المنطقي الفلسفي، وهذا لا تنسى - كما ذكرنا - يعود على أنهم يقولون: «إن الأصل في العلم هو الإنسان» (^٣)، فعلى هذا الترتيب قالوا يستحيل أن يُقَدَّم النقل على العقل.
ما بقي عندهم إلا خيارٌ واحد: أن يقدم العقل على النقل، فهذا أساس ما يسمَّى عندهم بقانون التأويل، الذي من خلاله بعد ذلك طعنوا في النصوص ثبوتًا ودلالة، فحكموا بقطعية العقل، وأما النقل فهو ظنيّ على حد زعمهم، فبعد ذلك حكموا على الآحاد منها - أي من النصوص - بأنها لا تُقْبَلُ ولا تُعْتَمَدُ.
ولمناقشة أصل المتكلمين القاضي بتقديم العقل على النقل عند التعارض يقال:
هذا القانون مبني على ثلاث مقدمات:
١ - ثبوت التعارض بين العقل والنقل.
٢ - انحصار التقسيم في الأقسام الأربعة المذكورة.
٣ - بطلان الأقسام الثلاثة ليتعيَّن ثبوت القسم الرابع، أي تقديم العقل.
_________________
(١) انظر المصدر السابق.
(٢) انظر المصدر السابق.
(٣) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية الجزء السابع صفحة (١٣٠).
[ ١ / ١١٣ ]
وهذه المقدمات كلها متهافتة لا تقوم على أساس من الشرع، ولا من العقل السليم، وإثبات تهافتها من وجوه.
الوجه الأول: أن هذا التقسيم باطلٌ من أصله، والتقسيم الصحيح أن يقال: إذا تعارض دليلان سمعيَّان أو دليلان عقليان أو دليلان سمعي وعقلي، فلا يخلو الأمر إما أن يكونا قطعيين، وإما أن يكونا ظنِّيَّين، وإما أن يكون أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا، وعلى هذا الأساس يجري الحكم لأحدهما أو عليه، فيقال: أما القطعيان فلا يمكن تعارضهما؛ لأن الدليل القطعي هو الذي يستلزم مدلوله قطعًا، فلو تعارضا لزم الجمع بين النقيضين، وإن كان أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا تعيَّن تقديم القطعي سواء كان عقليًّا أو سمعيًّا، نظرًا لقطعيَّة دلالته لا بكونه عقليًّا أو سمعياًّ وإن كانا ظنِّيَّين صرنا إلى الترجيح،، ووجب تقديم الراجح سمعيًّا كان أو عقليًّا، وعلى هذا فقولهم: إذا تعارض العقل والنقل؛ فإما أن يريدوا القطعيَّين فلا نسلم إمكان التعارض بينهما، وإما أن يريدوا به الظنيين، فالتقديم للراجح، وإما أن يريدوا ما يكون أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا، فالقطعي هو المقدَّم، فإن قُدِّر أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لأنه قطعي لا لأنه عقلي، فعلم بهذا أن تقديم العقلي مطلقًا خطأ فادح، وأن جعل جهة الترجيح كونه عقليًّا خطأ، وأن جعل سبب التأخير والإطراح كون النقلي نقليًّا خطأ. وهذا الوجه يقضي على مقدمتهم الثانية والثالثة.
الوجه الثاني: قولهم: «العقل أصل النقل» ممنوع؛ فإنما هو ثابت في نفس الأمر ليس موقوفًا على علمنا به، فعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في نفس الأمر، فما أخبر به الصادق المصدوق هو ثابت في نفسه، سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه، وسواء صدقه الناس أو لم يصدقوه، كما أن الرسول ﷺ حق، وإن كذبه من كذبه، ووجود الرب تعالى وثبوت أسمائه وصفاته حق، وإن جهله من جهله أو جحده من جحده، وعلى هذا فليس القدح في العقل قدحًا في الحقائق الثابتة بالسمع. وهذا واضحٌ إن شاء الله.
الوجه الثالث: أن العقل الصريح السليم لا يعارض النقل الصحيح، إذا كان الدليل السمعي ثابتًا في نفسه، ظاهر الدلالة بنفسه على المراد، لم يكن ما عارضه من العقليات إلا خيالات فاسدة، وأوهامًا كاسدة، ومقدمات كاذبة، إذا تأملها العاقل حق التأمل وجدها مخالفةً لصريح المعقول، وهذا ثابتٌ في كل دليلٍ عقلي خالف دليلًا سمعيًّا صحيح الدلالة، وعليه إذا عارض هذا المسمى دليلًا عقليًّا السمع وجب إطراحه لفساده وبطلانه.
[ ١ / ١١٤ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «من أسباب ضلال كثير من الناس أنهم ظنوا أن ما يقوله هؤلاء المبتدعون هو الشرع المأخوذ عن الرسول ﷺ وليس الأمر كذلك بل كل ما عُلم بالعقل الصريح فلا يوجد عن الرسول ﷺ إلا ما يوافقه ويصدقه» إه.
وقال ابن القيِّم ﵀: «إن ما عُلم بصريح العقل الذي لا يختلف فيه العقلاء لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة، ولا يأتي بخلافه، ومن تأمل ذلك فيما تنازع العقلاء فيه من المسائل الكبار وجد ما خالف النصوص الصحيحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها» إه.
وقد يقال: إن المعارضة ثابتة بين العقل وبين ما يفهم بظاهر اللفظ، وليست ثابتة بين العقل وبين ما أخبر به الرسول ﷺ.
والجواب: أن هذا الكلام يغير صورة المسألة، فتصير هكذا: إذا تعارض الدليل العقلي وما ليس بدليل صحيح وجب تقديم العقلي، وهذا كلام لا فائدة فيه، ولا حاصل له، وكل عاقلٍ يعلم أن الدليل لا يترك لما ليس بدليل، وقد قدمنا في التمهيد أن كلام المبلغ الأمين يستحيل أن يكون ظاهرًا في غير المراد ويتركه من غير بيان، فإن أمانة التبليغ تنافي ذلك.
الوجه الرابع: أنه لو قدر وقوع تعارض الشرع والعقل لوجب تقديم الشرع لا العقل وذلك لأمور:
١ - أن العقل قد صدَّق الشرع ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره، ومعلومٌ أن الشرع لم يصدِّق العقل في كل ما أقرَّه أو أخبر به.
٢ - أن العقل دلَّ على صدق رسول الله ﷺ فيما أخبر، وعلى وجوب طاعته فيما أمر.
٣ - أن العقل يغلط كما يغلط الحس، بل أكثر، فإذا كان حكم الحس من أقوى الأحكام ويعتريه الغلط؛ فما ظنُّك بالعقل؟
٤ - أن العقل له حدود يقف عندها ولا يستطيع أن يتجاوزها، خصوصًا فيما يتعلَّق بالله وصفاته وما أخبر به من أمور الغيب، وأما الشرع فلا يقارن بالعقل في هذا المجال، بل ولا في غيره، قال ابن القيّم:» إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النَّقل، لأن الجمع يبن المدلولين، جمع بين النقيضين، وإبطالهما معًا إبطال للنقيضين، وتقديم العقل ممتنع، لأن العقل قد دلّ على صحّة السّمع ووجوب قبول ما أخبر الرسول فلو أبطلنا النّقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، وإذا بطلت دلالته لم
[ ١ / ١١٥ ]
يصح أن يكون معارضًا للنقل، لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة الدَّليل «.
الوجه الخامس: أن العقل مع الوحي كما العامِّي مع المفتي، بل ودون ذلك بمراتب كثيرة، فإن المقلد يمكن أن يصير عالمًا، ولا يمكن للمفتي أن يصير نبيّا ورسولًا يوحى إليه.
فلو دلَّ مقلد مقلدًا آخر على مفتٍ عالم فأفتاه، ثم اختلف المفتي والدّال فإن الواجب المحتم على المستفتي قبول قول المفتي دون المقلِّد الذي دلَّ عليه وعرَّفه به، فلو قال له الدالّ: الصواب معي دون المفتي؛ لأني أنا الأصل في علمك بأنه مفتٍ، فإذا قدَّمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفتٍ، فيلزم القدح في فرعه، لقال له المستفتي: أنت لمّا شهدت بأنه مفتٍ، شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك وموافقتي لك في هذا العالم المعين - وهو كونه مفتيًا - لا يستلزم موافقتك في كل مسألة، لأن إصابتك الحق، في إدراك أنه مفتٍ لا يستلزم إصابتك الحق في كل شيء، بل يجب عليك تقليده كما يجب عليّ بشهادتك أنت، هذا مع العلم بأن المفتي يجوز عليه الخطأ، والعقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله ولا يجوز عليه الخطأ.
وهذا من أحسن الأمثلة المضروبة للنقل مع العقل، ويقضي على أصلهم الذي يقرر أن العقل أصل، والشرع فرع فيجب تقديم العقل.
الوجه السادس: أن تقديم العقل على الشرع يتضمَّن القدح في العقل والشرع لأن العقل قد شهد للوحي بأنه أعلم منه، وأن نسبة علومه ومعارفه إلى الوحي أقل من خردلة إذا قورنت بجبل، فلو قدم حكم العقل عليه لكان ذلك قدحًا في شهادة العقل، وإذا بطلت شهادته بطل قبول قوله، قال العلامة ابن الوزير اليماني: «فإن قيل: تقديم العقل على السمع أولى عند التعارض، لأن السمع علم بالعقل فهو أصل، ولو بطل العقل بطل السمع والعقل معًا، وهذه من قواعد المتكلمين، قلنا: قد اعترضهم في ذلك المحققون بأن العلوم يستحيل تعارضها في العقل والسمع فتعارضها تقدير محال، فإنه لو بطل السمع أيضًا بعد أن دلَّ العقل على صحته لبطلا أيضًا معًا، لأن العقل قد كان حكم بصحة السمع وأنه لا يبطل، فحين بطل السمع علمنا ببطلانه بطلان الأحكام العقلية» (^١).
_________________
(١) "إيثار الحق" ص ١١٧ إلى ١١٩ وأشار إلى أن ممن ذكر ذلك ابن تيمية وابن دقيق العيد والزركشي.
[ ١ / ١١٦ ]
الوجه السابع: أن الحكم للعقل بالتقديم المطلق ممتنع متناقض، لأن كون الشيء معلومًا بالعقل أو غير معلوم بالعقل ليس صفة لازمة لشيء من الأشياء، بل هو من الأمور النسبية، فإن زيدًا قد يعلم بعقله ما لا يعلمه عمرو، كما أن الإنسان قد يعقل شيئًا ما في وقت، ويجهله في وقت آخر، فأكثر العقلاء - مثلًا - يعلمون أن كون العالم عالمًا بلا علم وحيًّا بلا حياة، ومريدًا بلا إرادة، وسميعًا بصيرًا بلا سمع ولا بصر، محال بضرورة العقل، بينما يقول بعض المتكلمين: إن ذلك هو الواجب في حق الله تعالى مستدلين على ذلك بالعقل، وبهذا تعلم أن الرد إلى العقول عند النزاع لا يزيد المختلفين إلا اختلافًا واضطرابًا، وشكًّا وارتيابًا وعلى هذا لا يمكن الحكم بين الناس في موارد النِّزاع والاختلاف إلا بكتاب منزل من السماء يرجع الجميع إلى حكمه، وإلا فكل واحد من أرباب المعقولات يقول:
عقلي بالثقة به أولى من عقل من ينازعني.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فلو قيل بتقديم العقل على الشرع وليست العقول شيئًا واحدًا بيِّنًا بنفسه، ولا عليه دليل معلوم للناس، بل فيها هذا الاختلاف والاضطراب، لوجب أن يحال الناس على شيء لا سبيل إلى ثبوته ومعرفته، ولا اتفاق للناس عليه، وأما الشرع فهو في نفسه قول صادق، وهذه صفة لازمة لا تختلف باختلاف أحوال الناس، والعلم بذلك ممكن ورد الناس إليه ممكن، ولهذا جاء التنزيل برد الناس عند التنازع إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا﴾ [سور النساء: ٥٩]، فأمر الله تعالى المؤمنين عند التنازع بالرد إلى الله والرسول، وهذا يوجب تقديم السمع وهذا هو الواجب، إذ لو ردوا إلى غير ذلك من عقول الرجال وآرائهم ومقاييسهم وبراهينهم لم يزدهم هذا الرد إلا اختلافًا واضطرابًا وشكًّا وارتيابًا» اه.
وممّا يوكِّد عدم انضباط نتائج العقول خاصة في البحوث المتعلقة بأسماء الله تعالى وصفاته ذلك التعارض العجيب الذي نجده عند أهل المدرسة الواحدة من مدارس الكلام، انظر إلى قول الرازي - وهو ينتقض الغزالي _: «من الأصحاب من قال: السميع البصير أكمل ممن ليس بسميع، والواحد منا سميع بصير، فلو لم يكن الله تعالى كذلك لكان الواحد منا أكمل من الله تعالى، وهو محال، وهذا ضعيف، لأن لقائل أن يقول: الماشي أكمل ممن لا يمشي، والحسن الوجه أكمل من القبيح، والواحد منا موصوف به، فلو لم يكن الله تعالى موصوفًا به لزم أن يكون
[ ١ / ١١٧ ]
الواحد أكمل من الله تعالى» (١) اه.
وبهذا يتبيّن خطورة الاعتماد على العقل المجرد في إثبات الصفات، حيث يفتح بابًا للإلزامات واسعًا. بينما الواقف مع النص لا يمكن إلزامه بشيء من ذلك ولله الحمد والمنَّة.
الوجه الثامن: إن منهج تقديم العقل على الوحي مخالف لمنهج سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم في كل زمانٍ ومكان، بل هو مخالف لمناهج جميع الفرق الإسلامية إلا فرقة المتكلمين، ومنهجٌ هذا سبيله أولى بالسقوط والبطلان، يقول شيخ الإسلام: «فأما معارضة القرآن بمعقولٍ أو قياس فهذا لم يكن يستحله أحدٌ من السلف، وإنما ابتدع ذلك لما ظهرت الجهمية والمعتزلة، ونحوهم ممن بنوا أصول دينهم على ما سموه معقولًا، وردُّوا القرآن إليه، وقالوا: إذا تعارض العقل والشرع إما أن يفوض أو يتأول فهؤلاء من أعظم المجادلين في آيات الله بغير سلطانٍ أتاهم». ويقول ابن القيِّم: «وأنت إذا تأملت أصول الفرق الإسلامية كلها وجدَّتها متفقة على تقديم الوحي على العقل، ولم يؤسِّسوا مقالاتهم على ما أسَّسها عليه هؤلاء - يعني المتكلمين - من تقديم آرائهم وعقولهم على نصوص الوحي، فإن هذا أساس طريقة أعداء الرسل فهم متفقون على هذا الأصل».
ويقول ابن أبي العز: «ولا شكَّ أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من أهل البدع معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب ولا عن سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون أن عقلهم دلَّهم عليه». ولا ريب أن عقيدة لم يأخذها صاحبها لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من فهم أئمة الصحابة والتابعين لا ريب أنها عقيدة إبليسيَّة مستقاة من منهج إبليسيٍّ، ليست بأفضل من عقيدة أبي جهل وأضرابه كما قال الحافظ الذهبي: «وإذا رأيت المتكلم المبتدع يقول دعنا من الكتاب وأحاديث الآحاد وهات العقل فاعلم أنه أبو جهل» (^١).
الوجه التاسع: إن من نتائج هذا القانون أن لا يُستفاد من الرسول شيئًا؛ لأن اعتقاد بطلان ظاهر خبر من أخبار الرسول ﷺ بلا قرينة واضحة شرعية يوجب أن لا يوثق بشيءٍ من أخباره، «ولهذا آل الأمر بمن سلك هذه الطريق إلى أنهم لا
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٧٢
[ ١ / ١١٨ ]
يستفيدون من الرسول شيئًا من الأمور الخبرية المتعلقة بصفات الله وأفعاله، بل وباليوم الآخر عند بعضهم لاعتقادهم أن هذه الأخبار على ثلاثة أقسام: نوع يجب رده وتكذيبه، ونوع يجب تأويله وإخراجه عن حقيقته، ونوع يقر (^١)».
وعلى هذا يكون لازم قولهم بوجوب رجوع كل عاقل إلى ما يراه عقله صحيحًا أن لا تكون هناك طاعة لله ولرسوله بل للعقول، فتكون وظيفة الرسل والكتب ضربًا من العبث.
الوجه العاشر: أنه لا إيمان إلا بالتسليم للوحي: قال تعالى: ﴿فلا وربِّك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلِّموا تسليمًا﴾ [النساء/ ٦٥] فأقسم ﷾ أنه لا إيمان إلا بتحكيم رسوله في جميع ما شجر بيننا، وتتسع صدورنا بحكمة ولا يبقى فيها حرج، ونسلِّم لحكمه تسليمًا مطلقًا، فلا نعارضه برأيٍ ولا عقلٍ ولا هوىً ولا غيره، وقال تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيءٍ فحكمه إلى الله﴾ [الشورى/ ١٠]، قال ابن القيِّم: «وهذا نصٌّ صريح في أن حكم جميع ما تنازعنا فيه مردودٌ إلى الله وحده، وهو الحاكم فيه على لسان رسوله ﷺ، فلو قُدِّم حكم العقل على حكمه لم يكن هو الحاكم بوحيه وكتابه».
وعلى هذا يلزم العقلانيِّين الذين يرون تقديم العقل على النقل أن يسلِّموا بالقوانين الوضعيَّة التي وضعها البشر بعقولهم، وهي لا ريب تعارض الشريعة الإسلامية في الغالب فإن فعلوا ذلك لحقوا بالعلمانيِّين الفسقة، وإلا تناقضوا أقبح التناقض وخالفوا قوانينهم، معترفين بفعلهم ببطلانه وتهافته.
الوجه الحادي عشر: إن كلَّ نصٍّ خالف العقل الصريح فهو مكذوب، فلم يجئ في القرآن ولا في السنة حرف واحد يخالف العقل الصريح، ويمكن التمثيل للنصوص المخالفة للعقل الصريح بحديث: «إن الله لما أراد أن يخلق نفسه خلق خيلًا فأجراها فعرقت فخلق نفسه من ذلك العرق وهذا حديث موضوع باطل سندًا ومتنًا والمتهم بوضعه محمد بن شجاع الثلجي، قال ابن الجوزي: «هذا حديث لا يشك في وضعه، وما وضع هذا مسلم، وإنه لمن أركِّ الموضوعات وأبردها، إذ هو مستحيل لأن الخالق لا يخلق نفسه» ثم قال: «فكل حديث رأيته يخالف المعقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع» (^٢) إه.
وإذا كان الأمر كذلك فليس هناك مجال للقول بتقديم العقل عند تعارضه مع
_________________
(١) (محصل أفكار المتقدمين) ص ١٢٤.
(٢) الموضوعات (١/ ١٠٥).
[ ١ / ١١٩ ]
النصوص؛ إذ لا يتعارض مع النصوص الثابتة الصريحة، فالتعارض نتيجة خللٍ إما في العقل أو في الرواية.
الوجه الثاني عشر: أن أصحاب هذا المنهج العقلاني هم أبعد الناس عن معرفة الحق في التوحيد والصفات والقدر، وأكثر الناس شكًّا وحيرةً واضطرابًا، قال ابن القيِّم: «وحدثني شيخ الإسلام قال: حكى لي بعض الأذكياء وكان قد قرأ على أفضل أهل زمانه في الكلام والفلسفة، وهو ابن واصل الحموي أنه قال له الشيخ: أضطجع على فراشي، وأضع الملحفة على وجهي وأقابل بين أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجَّح عندي شيء، ولهذا ذهب طائفة من أهل الكلام إلى القول بتكافؤ الأدلة، ومعناه: أنها قد تكافأت وتعارضت فلم يعرف الحق من الباطل، وصدقوا وكذبوا» اه.
يعني صدقوا في قولهم: أنهم لم يعرفوا الحق، وكذبوا في قولهم بتكافؤ الأدلة، ويؤكد هذا اعترافات كبار المتكلمين، وتوبة بعضهم وتحسرهم من الأعمار التي ضاعت في طلب الكلام، ومن ذلك: قول الغزالي: «فأما الكلام المحرر على رسم المتكلمين، فإنه يشعر نفوس المستمعين بأن فيه صنعة جدلٍ يعجز عنه العامي، لا لكونه حقًّا في نفسه، وربما يكون ذلك سببًا لرسوخ العناد في قلبه، ولذلك لا ترى مجلس مناظرة للمتكلمين، ولا للفقهاء ينكشف عن واحد انتقل من الاعتزال - أو من بدعة - إلى غيره ومن مذهب الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة ولا على العكس … بل الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جدًّا مشرف على الزوال بكل شبهة» (١) إه.
هذا اعتراف صريح من أحد فحول الكلام بأن المنهج العقلي لا يؤدي إلى معرفة الله المعرفة الحقّة، رغم أن الغزالي اعترف بأن بضاعته في الحديث مزجاة أي قليلة (^١)
قال شيخ الإسلام: «فإن تلك العقيدة الفطرية التي للعجائز خير من هذه الأباطيل التي هي من شعب الكفر والنفاق، وهم يجعلونها من باب التحقيق والتدقيق» (^٢).
«ومات الغزالي وهو مشتغل بالبخاري ومسلم، والمنطق الذي كان يقول فيه ما يقول ما حصل له مقصوده، ولا أزال عنه ما كان فيه من الشك والحيرة».
_________________
(١) انظر "قانون التأويل" للغزالي ص ٢٤٦.
(٢) «الرد على المنطقيين» ص ٣٢٧.
[ ١ / ١٢٠ ]
فعلى المسلم الناصح لنفسه أن يبتعد عن الكلام والخوض في كل ما لا يعود عليه بالنفع في آخرته وأن يجتهد في تصحيح عقيدته بأن لا يأخذها إلا من الكتاب العزيز والسنة المطهرة على فهم السلف الصالح، وأن يسلك منهجهم في العبادة والسلوك، في كل صغيرة وكبيرة من تصرفاته، وأي مخالفة لهذا الخط المستقيم فإن مصير صاحبها إلى الندم، والشاهد ما ذكرنا، والله تعالى المستعان. اه
الوجه الثالث عشر: إن الذين ركبوا عقولهم فزعموا أن العقل يجب تقديمه على النقل عند التعارض حتى في باب الأسماء والصفات إنما أتوا من جهلهم وعدم تفريقهم بين ما يحيله العقل وما لا يدركه، لأن للعقل مجاله الذي إذا اشتغل في إطاره أفاد وأنتج الخير لصاحبه، ومتى وقع الخروج به عند ذلك الإطار أخفق وكان وبالًا على صاحبه، قال العلامة ابن خلدون: «واتبعْ ما أمرك الشارع به في اعتقادك وعملك، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بما ينفعك، لأنه من طور فوق إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك، وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، وأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد، والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال، ومثال ذلك رجلٌ رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن للعقل حد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود (^١)».
الوجه الرابع عشر: قال تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرًا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام …﴾ [الفرقان/ ٥٩] وقال تعالى: ﴿ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجلٍ مسمى﴾ [الروم/ ٨] وقال تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم أن خلق السموات والأرض …﴾ [التوبة/ ٣٦].
في هذه الآيات وأمثالها بيان واضح لا خفاء فيه أن هذا الكون - بسماواته وأراضيه وكل ما فيه من أجرام سماوية أو أرضية - مخلوق خلقه الله تعالى في الوقت الذي شاءه أن يخلقه فيه، وقال تعالى: ﴿لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه﴾
_________________
(١) انظر «الصواعق» ٤٥٩.
[ ١ / ١٢١ ]
[القصص/ ٨٨] وفي هذه الآية إخبار من الله تعالى بأن هذا الكون بكل ما فيه آيل إلى الزوال، أي أن للكون بداية ونهاية، وأن الله الذي خلقه هو الذي ينهيه بمشيئته وقدرته ﷾.
وإذا نظرنا من جانب آخر ألفينا جماهير الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين يقولون بقدم العالم، وأنه لم يزل موجودًا مع الله تعالى، مستدلين بمقدمات عقلية وضعوها وقرروها، فقالوا: لا يتصور أن يصدر حادث من قديم بغير واسطة أصلًا. ويقولون كذلك بأبدية العالم، قال الغزالي: «فإن العالم عندهم كما أنه أزلي لا بداية لوجوده، فهو أبدي لا نهاية لآخره، ولا يتصور فساده، ولا فناؤه، بل لم يزل كذلك، ولا يزال أيضًا كذلك.
فهنا ندعو أصحاب القانون العقلي للتأمل والإجابة فنقول لهم: هذه نصوص القرآن الكريم، وهذه مقررات عقول هؤلاء والفحول الكبار من العقلانيين الذين لا يشك في سعة عقولهم إلا المخبول متعارضة متناقضة غاية التناقض، فما موقفكم منها، فإن طبقتم قانونكم القاضي بتقديم العقل على النقل انكشف أمركم ولحقتم بهؤلاء الدهريين، وخرجتم من دائرة الإسلام، وإن قدمتم النقل على العقل رجعتم عن قانونكم واعترفتم بفشله وتهافته، وإن قلتم إن عقولكم تخالف عقول هؤلاء الفلاسفة وتتفق هنا مع ما تقرر في السمع، كان كذلك اعترافًا منكم بعدم انضباط العقول كما قررناه في الوجه السابع، وليس لكم وراء هذه الخيارات الثلاثة إلا السكوت الذي يلجأ إليه كل عاجز جاهل مفحم: ﴿فقطع دابر القوم الذي ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾ [الأنعام/ ٤٥].
وكما أسلفنا، ليس المقياس في الثبوت أو عدم الثبوت الذي هو ميزان المحدثين، وإلا لو كان الأمر كذلك فعلى الرأس والعين، لو كان الخبر ضعيفًا غير صحيح فلا شك أنه مع ذلك لا يثبت ولا يمكن أن نعتمد إلا ما ثبت عن النبي ﷺ وثبتت صحته.
لكن المقياس عندهم ليس هذا، فكما ذكرنا لو ورد هذا الخبر من أخبار الآحاد في البخاري ومسلم فإنه لا حجة فيه في باب الاعتقاد عندهم، فليس الميزان ميزان أهل الحديث، ولكن الميزان أن كل خبر آحاد هو عند هؤلاء باطل مردود ولا يمكن أن تقوم به حجة.
وهذا ما يقوله الغزالي في المستصفى، فهو يقول هذا، يقول: «وظواهر أحاديث التشبيه لا يعتد بها»، فأحاديث التشبيه، أي أحاديث الصفات، كلام المصطفى ﷺ
[ ١ / ١٢٢ ]
الذي لا ينطق عن الهوي ينبذ ويوصف بهذا الوصف القبيح؛ «أحاديث التشبيه»، حتى ينفر السامع من كلام النبي ﷺ حتى وإن جاء في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم مثلًا، وهذا أمر لاشك أنه متفق على ثبوته ومتفق على قبوله عند أهل السُنَّة كافة.
إذًا لتفهم أن هؤلاء بنوا أصل دينهم على العقل، وبالتالي لو قلت لأشعري مثلًا: لماذا تثبت السمع والبصر وتنفي العلوَّ والنزول والاستواء؟ مع أن هذا جاء به نص وهذا جاء به نصٌّ، فلو كان مستند الأشعري في الإثبات إلى قال الله تعالى وقال الرسول ﷺ، فإن هذا كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ.
لكن لو جئت إلى تعليلاته ستجد أنه يقول: إن هذه الصفات السبع ثبتت بالعقل، وبالتالي أنا أعتمدها، وما عداها لم يثبت فهذا لا يمكن اعتمادها ولا يمكن قبولها.
ولذلك إذا قرأت لشيخ الإسلام في التدمرية، فإنه يناقش هؤلاء بمثل هذا فيقول: «القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فإن قلتم إن لله سمعًا وبصرًا فإن لله يدًا وإن لله علوًّا وإن لله استواءً» (^١)، لكن يريد شيخ الإسلام هنا أن ينبه ويبين أن هؤلاء تركوا هذا المنهج من أصله ومن أساسه، واعتمدوا على عقولهم إثباتًا ونفيًا.
فإذًا هم يصفون الله تعالى بما أجازته عقولهم وما أثبتته عقولهم بغض النظر عن وروده في الكتاب والسنة.
"وَمَا لَمْ تَجِدُوهُ مُسْتَحِقًّا لَهُ فِي عُقُولِكُمْ فَلَا تَصِفُوهُ بِهِ"، فبالتالي هم ينفون الصفات الثابتة في الكتاب والسنة، ولو جئت تسألهم لماذا؟ لقالوا: إن العقل لا يجيز ذلك.
ثم هم ها هنا فريقان، أكثرهم يقولون: "ما لم تثبته عقولكم فانفوه"، أي الذي لا تثبته العقول يُنفي ولا يثبت، ومنهم من يقول: "بل توقفوا فيه"، وهذا يدور على طريقين عند المعَطِّلة: طريق التفويض وطريق التأويل.
فطريق التأويل: هو طريق النفي.
وطريق التفويض: وهو طريق التوقف.
فتارة تراهم ينفون الاستواء ويؤلون معناه بالاستيلاء، وتارة يتوقفون عن تأويل
_________________
(١) انظر كتاب التدميرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع صفحة (٣١).
[ ١ / ١٢٣ ]
المعنى مع اتفاقهم في كلا الحالين على نفي وجود صفة الاستواء لله على الحقيقة، وكما يقول قائلهم
وكل نص أوهم التشبيها أَوِّلْهُ أو فَوِّضْه ورم تنزيها
«وكل نص أوهم التشبيها» (^١) أي كل نصٍ لا تشهد له عقولكم وعلى حد زعمهم يطلقون عليه عبارة «أوهم التشبيها»، فأنتم بين خيارين؛ «أَوِّلْهُ» أي غيِّر وبدِّل معناه، يقولوا: «استوى» بمعنى: استولى، ويقولون: «اليد» بمعنى: النعمة والقدرة … وهكذا.
أو «فَوِّضْه» أي توقف في تحديد المعنى المراد، والنتيجة بعد ذلك فإنك تقصد بذلك تنزيه الله ﷾ عن هذا إثبات هذه الصفة له.
فإذًا هم بين مسلكين في هذا، إما مسلك التأويل وإما مسلك التفويض،
"وَمَا نَفَاهُ قِيَاسُ عُقُولِكُمْ -الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ وَمُضْطَرِبُونَ اخْتِلَافًا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ -فَانْفُوهُ وَإِلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فَارْجِعُوا. فَإِنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي تَعَبَّدْتُكُمْ بِهِ".
أي ارجعوا عند التنازع لعقولكم، ولاشك أن هذا هدمٌ للأصل الثاني من أصلي هذا الدين وهو الاتباع، من الرجوع إلى الوحي الذي جاء به النبي ﷺ وهو الكتاب والسنة.
فحقيقة مذهب القوم، نبذ الكتاب والسنة والإعراض عن كلام الله تعالى ورسوله ﷺ، فضلًا عن كلام السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، والرجوع بالمسألة إلى شُبَهٍ وأوهام عقلية لا أصل لها ولا أساس لها في الدين، فلذلك يقول: "فإنه الحق الذي تعبدتكم به"، يعني كأن هؤلاء شرعوا دينًا جديدًا.
ولذلك هذه المسألة من أهم مسائل الاعتقاد، وتبين عمق وحقيقة الخلاف بين أهل السُنَّة وبين غيرهم، ولا بظن ظان أن الخلاف بين أهل السُنَّة وبين هؤلاء خلافٌ سطحي أو خلافٌ فرعي، لا، إنما هو في أصليّ الدين، ولذلك تجد برهان هذا الخلاف واضحًا في مسألة التوحيد ومسألة الاتباع.
ولذلك خذ هذا مقياسًا لنفسك ومقياسًا على الآخرين، إذا أردت أن تقيِّم نفسك وتقيِّم الآخرين، فانظر إلى موقفك من أصليّ الدين؛ من التوحيد ومن الاتباع، فعلى هذا احكم على نفسك واحكم على غيرك.
_________________
(١) انظر كتاب جوهرة التوحيد البيت رقم (٤٠).
[ ١ / ١٢٤ ]
فالبعض قد ينظر نظرة أخرى في هذا الصراع القائم بين المناهج، والذي تظهر فيه اختلافات كثيرة، فيبدأ بعقد مقارنة في الحسنات والسيئات، ويتناسى أن يعقد مقارنة في أصليّ الدين، فالمقارنة ينبغي أن تخرج من هنا؛ من التوحيد والاتباع، فما موقف كل فريقٍ من التوحيد والاتباع؟ وانظر بعد ذلك أثر ذلك في ظهور الشرك وظهور البدعة.
فالبعض قد يقول: هذا منهجٌ يدعو إلى وحدة المسلمين، ووحدة المسلمين مطلب وهدف، فلماذا يُحارَب؟ أو لماذا يردُّ على هذا المنهج؟ ولماذا لا نتفق على هذه المسألة؟ وبعد ذلك ننظر في المسائل الأخرى، فيقال له: قف، هناك ما هو أهم من وحدة الأشخاص ووحدة الناس، فالأهم أن تخرج الناس من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد والإيمان، وأن تلزم الناس باتباع الدين واتباع الوحي.
مع أن هذا لا يمنع أن يكون لكل أحد حسناته وسيئاته كما قال ابن تيمية ﵀: "ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب، ويحب من وجه ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم". (^١)
فلئن كان هؤلاء صادقين، فإن النبي ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ» (^٢)، وإلا فإن أهل مكة جاءوا للنبي ﷺ وعرضوا عليه اجتماع الكلمة، ولو كان الأمر اجتماع الكلمة، لعقد النبي ﷺ صلحًا مع كفار قريش، وأصبح الأمر والغاية والمقصد هو توحيد الكلمة واجتماعها.
فما قيمة اجتماع الكلمة إذا كان هناك تلاعبٌ بأصليّ الدين وإهمالٌ للتوحيد وإهمال للاتباع والسنة، فافهم حقيقة الأمر.
أُعيد وأقول: إذا أردت أن تقيِّم نفسك وأن تقيِّم مواقف الآخرين، فانظر إليهم وانظر إلى نفسك في أصليّ الدين. هل أنت مؤمن بالله تعالى؟ عارف بالله تعالى؟ عابدٌ لله ﷾؟ متَّبعٌ لشرع الله تعالى؟ فأنت لا شك على الخير في هذا، وإن كان هؤلاء يسيرون على هذا النهج وعلى هذا الطريق؟ فلا شك أنهم على الخير والهدى، ولذلك سيؤكد المُصَنِّف هذا من خلال ذكر الافتراق بعد أسطر.
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٤/ ٥٤٣
(٢) تقدم تخريجه، انظر صفحة رقم (. . . .).
[ ١ / ١٢٥ ]
ومن شبه أهل الكلام أنهم لو قيل لهم: لماذا تركتم كلام النبي ﷺ وتركتم الوحيَ وأخذتم بضدهما فهذه النصوص جاءت بإثبات هذا وأنتم تنفونه، لزعموا وادَّعوا وقالوا: إن النبي ﷺ ترك مثل هذه القضايا امتحانًا لعقول الناس.
فمنهج الكلام يقوم على الطعن في هذين الأصلين؛ ألا وهما التوحيد والاتباع، ولذلك ترى الخلل واضحًا عندهم في مثل هذه المسائل، ولذلك لا ترى مجتمعًا من مجتمعات أهل الكلام إلا وقد ضعف فيه التوحيد والاتباع، وتجد بدلًا من ذلك الشرك والبدع، حتى أصبحت السُنَّة بدعة والبدعة سنة، ولو جاءهم شخص بسنة لرفضوه ولحاربوه.
وليس هذا أمر مبني على الجهل وحده، بل هو عقيدة مترسخة في نفوسهم، ولو كان الجهل وحده لكان الأمر يكتفي فيه أن تُتلَى عليهم الآيات والنصوص ويسمعون كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ فيعودوا إلى رشدهم، ولكن الأمر أخطر من ذلك بكثير، ولا يقتصر على الجهل وحده.
فهؤلاء يقفون من الوحي موقفا تختلف درجته بحسب درجة ذلك المنهج الفلسفي أو الكلامي، فعند الفلاسفة بنوعيهم؛ أهل الفلسفة البحتة أو الفلسفة الباطنية يقولون: «إن الرسول ليس إلا مجرد شخصٍ عبقري استطاع أن يخيِّل للناس ويوهم الناس بأن هناك وجودًا لله حقيقة وأن هناك جنَّةً حقيقة وأن هناك نارًا حقيقة وأن هناك شرعًا حقيقة، وكل هذا لا أصل له ولا وجود له ولا حقيقة»، فبالتالي ينظرون إلى الرسول بشخصه المصْلِح.
فمثلًا: قد يكتب البعض «عظماء العالم»، ويجعل في كتابه مائة عظيم، ويجعل محمدًا ﷺ في أول القائمة، فالبعض يفرح بهذا فيقول: جعل النبي ﷺ في رأس القائمة.
لكن افهم واعلم أن النبي الذي تنظر إليه ليس النبي الذي ينظر إليه هذا، النظرة غير النظرة، فهو ينظر إلى شخص النبي ﷺ بأنه عبقري وذكي، استطاع أن يوهم الناس بمثل هذه الأمور، فعند أهل الفلسفة أن هذا نابع من كونه وهم وخيال وكذب لأجل المصلحة.
لكن أهل الكلام دون ذلك؛ يقولون: «نعم هذا الأمر على خلاف الحقيقة، ولكن النبي ﷺ ترك الحقيقة امتحانًا لعقول الناس»، بهذا يبرِّرون.
فهذا قول المُصَنِّف: "فَاعْلَمُوا أَنِّي أَمْتَحِنُكُمْ بِتَنْزِيلِهِ لَا لِتَأْخُذُوا الْهُدَى مِنْهُ؛ لَكِنْ
[ ١ / ١٢٦ ]
لِتَجْتَهِدُوا فِي تَخْرِيجِهِ"، فهم يقولون: نعم إن النبي ﷺ أخبر بخلاف الحقيقة، وأن الأمر ليس على ظاهره، فلا علو ولا استواء، ولا نزول ولا يد، بل إن بعضهم يبالغ حيث يقول: «لا عرش ولا كرسي» (^١).
فبعضهم إذا جاء يفسر «العرش» قال: «العرش أي: الملك» (^٢)، وينكر حتى وجود ذي العرش على الحقيقة.
فعندهم أن هذه النصوص على خلاف ظاهرها، وإذا سألتهم لماذا والنبي قال كذا وكذا؟ قالوا: «النبي ﷺ أخبر بهذه الأمور وتركها لاجتهاد العقول»، وهذا الزعم يفتح بابًا من الشر، فقد يأتي من يقول: ليس هناك صلاة على الحقيقة، ويأتي آخر ويقول: ليس هناك صيام على الحقيقة، وليس هناك حج على الحقيقة، وليس هناك جهاد على الحقيقة … ويمشي الأمر على هذا المنوال.
فهم بالتالي أسَّسوا أصولًا باطلة، وأصدروا أحكامًا على الكتاب والسنة باطلة، وبعد ذلك خلت لهم الساحة، ولذلك إذا جاءهم شخص يدعو إلى الكتاب والسنة اجتهدوا في عدائه ومحاربته؛ لعلمهم أن ما في الكتاب والسنة يشهد بخلاف ما يقولون ويزعمون، ولذلك تجد حتى إن مناهجهم تحارِب الكتاب والسنة بطريق غير مباشر، فيحاربون المأثور ويسعون إلى تجهيل الناس بمصطلح الحديث، وإذا درسوا كتب السُنَّة مثلا درسوها للتبرك والبركة لا للعلم والاستفادة، وقصروا الكتاب والسنة على ما يتعلق بالأحكام والعبادات والمعاملات، وأخرجوا الكتاب والسنة من أبواب العقائد.
ولذلك لو سألتهم: لماذا أنتم في باب الأحكام وباب العبادات وأبواب المعاملات تأخذون بالكتاب والسنة وتوردون الدليل، وتتركون هذا في أبواب العقائد؟ ولماذا أنتم مثلًا شافعية أو مالكية، ولماذا لستم في العقيدة على قول الشافعي أو مالك؟
ولماذا لا تحتجون بكلام الشافعي أو بكلام الإمام مالك في بعض الاعتقادات، فكل هذا يؤكد هذه الحقيقة التي يجب على الإنسان أن يعرفها إذا كان جاهلا بها، وإذا لم يقتنع بما يقوله شيخ الإسلام، فما عليه إلا أن يرجع إلى كتاب من كتب هؤلاء، من أمهات كتبهم في الاعتقاد، وينظر وستجد ما يقول، لن تجد إلا: «قال
_________________
(١) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الثاني صفحة (٣٣٦).
(٢) انظر كتاب تاج العروس الجزء (١٧) صفحة (٢٥٣).
[ ١ / ١٢٧ ]
بعض الفضلاء»، «قال بعض الحكماء»، «قال بعض العقلاء» (^١)، وهذا ما أشار إليه المُصَنِّف بقوله: «قال فُلَانٌ وقال فُلَانٌ».
فإذًا هم بعد نبذهم للنصوص سلكوا أحد مسلكين إما التأويل وإما التفويض، والتأويل هو الذي أشار إليه المُصَنِّف بقوله:
"لَكِنْ لِتَجْتَهِدُوا فِي تَخْرِيجِهِ عَلَى شَوَاذِّ اللُّغَةِ وَوَحْشِيِّ الْأَلْفَاظِ وَغَرَائِبِ الْكَلَامِ". وهذا منهج التأويل "أَوْ أَنْ تَسْكُتُوا عَنْهُ مُفَوِّضِينَ عِلْمَهُ إلَى اللَّهِ" أي منهج التفويض؛ لأن مسالك التعطيل في أصلها مسلكان:
١ مسلك الوهم والتخييل وهذا عند الفلاسفة،
٢ مسلك التبديل، وهذا عند أهل الكلام.
ومسلك التبديل نوعان:
إما مسلك التأويل أي: التحريف.
أو مسلك التفويض.
فالفلاسفة من بداية الأمر قالوا: هذه الأمور تبقى على أساس أنها وهم وخيال، فالمتفلسف ليس بحاجة إلى أن يبدِّل وليس بحاجة إلى أن يأوِّل، إنما بعبارة واحدة يقول: «هذه الأمور تبقى في حد الوهم وفي حيز الوهم والخيال ولا وجود لها في الحقيقة» (^٢)، فهذا مسلك الوهم والتخييل، وهو مسلك الفلاسفة، لأنهم يقولون: «إن النُبُوَّة أمر مكتسب» (^٣) أي صناعة كأي صناعة، فالإنسان يمهر مثلًا في النجارة، أو يمهر في الحدادة، فكذلك لا مانع أنه يمهر في النبوة، ويكتسب هذه الأمور بعقله وخبرته، فهذا قول الفلاسفة.
أما مسلك التبديل فهذا مسلك أهل الكلام، وهم في ذلك فريقان إما أهل تحريف وتأويل أو مسلك تفويض وتجهيل، والمصنف في هذه الفتوى يركز على عقيدة هؤلاء وعلى قولهم.
والمصنف ﵀ يتكلم هنا عن مسلك التبديل الذي ينقسم إلى قسمين:
_________________
(١) انظر كتاب أساس التقديس لفخر الدين الرازي صفحة (١٦).
(٢) انظر كتاب معارج القدس في مدراج معرفة النفس للغزالي صفحة (١٢٣)، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية الجزء الخامس صفحة (١٢٨).
(٣) انظر كتاب معارج القدس في مدراج معرفة النفس للغزالي صفحة (١٣٠)، والرد على المنطقيين لابن تيمية صفحة (٢٧٧).
[ ١ / ١٢٨ ]
إما التحريف والتأويل: وهو كما ضربنا له مثالًا بقولهم: «استوى أي: استولى».
أو مسلك التجهيل: وهو دعوى التوقف في معنى النصوص، فيقولون: «الله أعلم بمراده» (^١).
فهذه حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين، فحقيقة رأيهم يدور بين التأويل وبين التفويض، أي بين التحريف أو التجهيل، فالتفويض في حقيقته هو دعوى الجهل والتوقف في معاني النصوص، وأن هذه النصوص لا يعلم معناها، وهذا أمرٌ لو طبق في الواقع فلا يمكن أن يطبق، فهل يعقل أنه لا يمكن التفريق بين «استوى» و«نزل»؟ هل نقرأ قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فلا نفهم المراد من هذه الآية وتقرأ مثلًا قول النبي ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (^٢) فلا نفهم مراده.
هل يعقل أن يتكلم الله ﷿ أو يتكلم رسوله ﷺ بكلام لا يعرف ولا يعلم معناه؟ فهل عندما نقرأ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، هل يعني هذا أننا ما تفهم معنى هذا الكلام؟
فما من إنسان يعرف لغة العرب وإلا ويعرف معنى «اليد» وما جاءت به من معاني في لغة العرب وأن سياق الكلام هو الذي يحدد المعنى المراد منها، وإن كانت كيفية هذه اليد الله أعلم بها، وكذلك نعلم معنى الوجه، ونعلم معنى العين، ونعلم ونفرق بين هذه الألفاظ؛ لأن كل لفظ له في لغة العرب معنى.
_________________
(١) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية الجزء الأول صفحة (٢٠١).
(٢) انظر صحيح البخاري كتاب التهجد، بَابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، برقم (١١٤٥)، ومسلم كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالْإِجَابَةِ فِيهِ (٧٥٨)، وأبو داود (١٣١٥)، والترمذي (٤٤٦)، وابن ماجه (١٣٦٦)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٧٥٠٩)، والدارمي (١٥١٩).
[ ١ / ١٢٩ ]
(٢٨) "وَهَذَا الْكَلَامُ قَدْ رَأَيْته صَرَّحَ بِمَعْنَاهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَهُوَ لَازِمٌ لِجَمَاعَتِهِمْ لُزُومًا لَا مَحِيدَ عَنْهُ وَمَضْمُونُهُ: أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ لَا يَهْتَدِي بِهِ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَأَنَّ الرَّسُولَ مَعْزُولٌ عَنْ التَّعْلِيمِ وَالْإِخْبَارِ بِصِفَاتِ مَنْ أَرْسَلَهُ"
قول المصنف: "وَهَذَا الْكَلَامُ قَدْ رَأَيْتُه صَرَّحَ بِمَعْنَاهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ" أي يقولون هذا الكلام صراحة، "وَهُوَ لَازِمٌ لِجَمَاعَتِهِمْ لُزُومًا لَا مَحِيدَ عَنْهُ"، فمنهج القوم لا يخرج عن هذا المنهج وهذا الطريق، فكلهم سائرون عليه، فما أجازته عقولهم قالوا به، فالعقول أجازت سبع صفات إذًا سبع صفات، ما عداها بين خيارين: إما التحريف الذي يسمونه التأويل، أو التجهيل الذي يسمونه التفويض، ومضمونه أن كتاب الله تعالى لا يبتدأ به في معرفة الله، فمضمون كلامهم نبذ الكتاب والسنة، "وأن الرسول ﷺ معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله"، وإلا لماذا يحيدون عن كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ؟ إلا أن هذا هو مضمون كلامهم، وإلا لما فعلوا ما فعلوا من البعد عن الكتاب والسنة، بل ومحاربة من يدعو للكتاب والسنة.
[ ١ / ١٣٠ ]
(٢٩) "وَأَنَّ النَّاسَ عِنْدَ التَّنَازُعِ لَا يَرُدُّونَ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ؛ بَلْ إلَى مِثْلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَإِلَى مِثْلِ مَا يَتَحَاكَمُ إلَيْهِ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْأَنْبِيَاءِ كالبراهمة وَالْفَلَاسِفَةِ -وَهُمْ الْمُشْرِكُونَ-وَالْمَجُوسُ وَبَعْضُ الصَّابِئِينَ. وَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّدُّ لَا يَزِيدُ الْأَمْرَ إلَّا شِدَّةً وَلَا يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ بِهِ؛ إذْ لِكُلِّ فَرِيقٍ طَوَاغِيتُ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلَيْهِمْ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِمْ. وَمَا أَشْبَهَ حَالُ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّفِينَ بِقَوْلِهِ ﷾: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا • وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا • فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦١: ٦٣]. "
لو قلت لواحدٍ منهم: تعال للكتاب والسنة لصدَّ وأعرض، ولو قيل لهم: لماذا لا تتحاكمون في هذه المسائل للكتاب والسنة وكلام سلف الأمة؟ وكل هذا ثابتٌ مدون، لوجدت منهم صدودًا وإعراضًا ورغبة في التمسك بهذه المناهج العقيمة الفاسدة التي إنما أُخذت - كما سيذكر شيخ الإسلام - من كلام الفلاسفة وأشباههم.
[ ١ / ١٣١ ]
(٣٠) "فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إذَا دُعُوا إلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَإِلَى الرَّسُولِ -وَالدُّعَاءُ إلَيْهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ هُوَ الدُّعَاءُ إلَى سُنَّتِهِ-أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّا قَصَدْنَا الْإِحْسَانَ عِلْمًا وَعَمَلًا بِهَذِهِ الطَّرِيقِ الَّتِي سَلَكْنَاهَا وَالتَّوْفِيقَ بَيْنَ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ. "
قول المصنف: "فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إذَا دُعُوا إلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَإِلَى الرَّسُولِ -وَالدُّعَاءُ إلَيْهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ هُوَ الدُّعَاءُ إلَى سُنَّتِهِ"، أي أن هؤلاء المخالفون إذا عرض عليهم الرجوع إلى الكتاب والسنة وقيل لهم: تعالوا للكتاب والسنة واتركوا ما تسمونه بالمعقولات، وعليكم أن تحاجُّونا بقال الله وقال الرسول، وترجعوا الأمر إلى كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌، لن تجد منهم قبولًا ولن تجد منهم إلا الصدود والإعراض.
قال المصنف: "أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّا قَصَدْنَا الْإِحْسَانَ عِلْمًا وَعَمَلًا بِهَذِهِ الطَّرِيقِ الَّتِي سَلَكْنَاهَا وَالتَّوْفِيقَ بَيْنَ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ" فتحت دعوى التوفيق بين المعقول والمنقول، حكموا ببطلان المنقول وقدَّسوا المعقول حتى جعلوه في أعلى الدرجات، قطعًا، فجعلوه قطعي الثبوت وقطعي الدلالة.
فهذا هو ردهم، وأنهم أرادوا الإحسان وأنهم أرادوا التوفيق بين المنقول والمعقول، وبعد ذلك يوردون الشُبَه أو الأعذار من هذا القبيل، فقد يقول قائلهم: الكافر كيف يقبل قال الله وقال الرسول، وكيف تطلبون منا أن نقيم توحيدًا على الكتاب والسنة ونترك ونتجاهل العقل؟ ومن أمثال هذا الكلام.
فيقال لهم: لو سلم لك هذا الكلام جدلًا، فأنت الآن أولًا لماذا لا تخاطب المسلم بقال الله وقال الرسول؟ فأطفال المسلمين وأبناء المسلمين الذين بين أيديكم لماذا لا تنشؤوهم على منهج الكتاب والسنة؟ ثم لكل حادثٍ حديث، إن كان الكلام مع من لا يؤمن بالله واليوم الآخر فهذا أمر آخر، وإن كان بحمد الله في الكتاب
[ ١ / ١٣٢ ]
والسنة خطابٌ لمن هو كافر ولمن هو مشرك ولمن هو زنديق، كل هؤلاء جاء في القرآن ما تقوم به الحجة عليهم جميعًا.
فالقرآن خطاب للمؤمن ولغير المؤمن، وبيانٌ لحال أهل الإيمان وبيان لحال أهل الكفر جميعًا على تنوع كفرهم، فهذه بعض أعذارهم في مثل ما ذهبوا إليه من منهج وطريقة،
[ ١ / ١٣٣ ]
(٣١) "ثُمَّ عَامَّةُ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا دَلَائِلَ: إنَّمَا تَقَلَّدُوا أَكْثَرَهَا عَنْ طَاغُوتٍ مِنْ طَوَاغِيتِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ الصَّابِئِينَ أَوْ بَعْضِ وَرَثَتِهِمْ الَّذِينَ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِمْ مِثْلُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ أَوْ عَمَّنْ قَالَ كَقَوْلِهِمْ؛ لِتَشَابُهِ قُلُوبِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ..﴾ [البقرة: ٢١٣] "
أي أن عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل، إنما تقلدوا أكثرها عن طواغيت المشركين والصابئين، أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا بهم مثل فلان وفلان.
ولذلك لن تجد في كلامهم إلا قال الفضلاء، قال الحكماء، قال العقلاء، من هم الفضلاء ومن هم الحكماء ومن هم العقلاء؟ أمثال أرسطو وأفلاطون وإرسطاليس وفيثاغورس، وغيرهم فهؤلاء عندهم هم الفضلاء والعقلاء والحكماء، فلان وفلان من الفلاسفة الذين جعلوهم هم أهل الحكمة.
«أَوْ عَمَّنْ قَالَ كَقَوْلِهِمْ لِتَشَابُهِ قُلُوبِهِمْ، أي الذين ساروا على نهجهم كالفارابي وابن سينا وغيرهم، هؤلاء يأخذون عنهم مثل هذه القواعد والمسالك الفلسفية.
"قال الله تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" [النساء: ٦٥]، فإذًا الإيمان بحق أن يكون التحاكم إلى الوحي، وأن يكون هناك تسليم بهذا.
ولذلك ينبغي على الإنسان أن يضع هذه المسألة نصب عينيه، وأن لا تغيب عنه، فإذا رأى هذا الاختلاف القائم، فلا يكن عنده نوع حيرة أو اضطراب أو عدم فهم للمسألة في عمومها فيحتار ويضطرب، فلا مجال للحيرة أو للاضطراب؛ فهو إما أن يسلك هذا المنهج أو يسلك ذاك المنهج، فإما أن يكون في صف الكتاب
[ ١ / ١٣٤ ]
والسنة أو يكون في الصف المقابل، فبالتالي لا مجال إلى أن يحتار أو أن يضطرب في هذا الباب وهو يجد الصراع بين الحق والباطل، صراعًا واضحًا جليًا.
فليس للقوم مستمسك بأية من كلام الله، أو بحديثٍ من كلام النبي ﷺ تشهد بما يزعمون وبما يقولون، ولئن كان البعض يجد البيئة التي يعيش فيها بيئة تعتقد مثل هذا وتسير على هذا، ولئن كان البعض قد تربَّى على أفراد أو على مشايخ أو على أساتذة درسوا مثل هذا، فلا تحمله العصبية ولا تحمله كثرة الباطل أو كثرة الشر على أن تنتصر للباطل، لأنه بهذا يجابه ويعاند ويُشاقّ حكم الله تعالى، فمن كان من أهل الإيمان فالله ﷾ جعل للإيمان علامة وهي أن ترجع في حال الاختلاف إلى ميزان القسط العدل وهو الكتاب والسنة، فتزن الأمور بهذا ولا تزنها بالهوى ولا بالعصبية. قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، أي لا ينبغي أن يكون في صدره ضيق أو حرج من هذا الأمر الذي جاءت به النصوص، وإنما يجب عليه أن يرجع ويعود ويسلِّم ويستسلم للحق إن كان من أهل الإيمان، فتلك علامة الإيمان في قلب العبد المؤمن، وإلا فإن في إيمانه خلل أو فيه ما فيه من الزيغ والفساد.
[ ١ / ١٣٥ ]
(٣٢) "وَلَازِمُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: أَنْ لَا يَكُونَ الْكِتَابُ هُدًى لِلنَّاسِ وَلَا بَيَانًا وَلَا شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ وَلَا نُورًا وَلَا مَرَدًّا عِنْدَ التَّنَازُعِ لِأَنَّا نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّفُونَ: إنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ: لَمْ يَدُلْ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا. "
عاد المصنف إلى قولهم، فقال: "وَلَازِمُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: أَنْ لَا يَكُونَ الْكِتَابُ هُدًى لِلنَّاسِ وَلَا بَيَانًا وَلَا شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ"، ألم يقل ﷾: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة: ٢]؟ ألم يقل ﷾: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) [الإسراء: ٩]؟ فبالتالي لماذا ينظر في هذه المسائل؟
فلا زال المُصَنِّف يؤكد على هذه القضية، ولا ينبغي أن يسأم الإنسان من سماعها أو تكرارها؛ لأنها هي منشأ الخلاف، وإن كُرِّرت أو تردَّدت على أسماعه كثيرًا، ولا ينبغي أن تغيب لحظة عنه عند دراسة هذه المسائل.
لأنه أحيانًا قد تأتي شُبَهٌ يلقيها هؤلاء، فهذه الشُبَهُ كما قيل، «الشبهة» في أصلها هي اشتباه الحق بالباطل، فالإنسان عند شبهة معينة قد يقع لديه اضطراب وعدم وضوح وعدم معرفة للرد على هذه الشبهة، فلابد هنا أن يلجأ إلى الأصل وهو أن يعود إلى أن الخلاف إنما هو في أصل هذا الدين وليس في مسألة فرعية، وهو في أصلٍ كبير ألا وهو تقديم الكتاب والسنة أو تقديم العقل؟
فقد يلقون من الشُبه ما يلقون، فمثلًا يقول بعضهم: «إن لو أثبتنا الاستواء للزم من ذلك من التحيز» (^١)، ولزم أن الله سبحانه محصور في مكان أو غير ذلك من هذه العبارات، فهذه شبه قد لا يعرف البعض جوابها، فلا يعني هذا أنك تسقط من أول وهلة أو تضطرب قدماك في هذه الأمور وتبدأ تشك في الحق.
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية الجزء الخامس صفحة (٢٨٥).
[ ١ / ١٣٦ ]
فدائمًا أهل الباطل يسلطون شبههم، حتى الملاحدة لهم شبه، وحتى أهل الشرك لهم شبه، كل فريق له شبهه.
فلابد هنا من تمسكٍ بالأصل، ولا بأس بعد ذلك أن يعرف الإنسان جواب بعض الشبه، وكيفية الرد عليها، لكن عليه أن لا يغيب عن ذهنه أن للمسألة أصلًا وهو إما منهج الحق وإما منهج الباطل.
بعد ذلك تشويه الحقائق وقلب الحقائق، هذا أمرٌ هو من عادة أهل الباطل، فمن عادتهم كما ذكر الله سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]، فلابد من محاولة لطمس الحق، يسعون في هذا جاهدين، لكن ينبغي أن يكون للحق رجال، ينافحون عنه ويذودون عنه ويردُّون على أهل الباطل باطلهم.
وهذا ما ذكره الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكَّكت فيه من متشابه القرآن، فأورد شبههم وردَّ عليها، وذكر في مقدمته أنه لابد أن يكون لأهل الحق من يذوذون عنه، وينفون عنه تحريف المبطلين.
[ ١ / ١٣٧ ]
(٣٣) "لأنا نعلم بالاضطرار [أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون أن الحق الذي يجب اعتقاده لم يدل عليه [الكتاب والسنة] لا نصًا ولا ظاهرًا، وإنما غاية المتحذلق أن يستنتج هذا من قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. "
أي وإنما غاية المتحذلق من هؤلاء أن يستنتج هذا من قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤].
دائمًا تجد مثل هذه الآيات يوردها هؤلاء من باب التلبيس على الناس، يُلبِّسون على الناس، في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، و﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].
فإذا جاءوا إلى إنكار صفة قالوا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وأن إثبات «الاستواء» يلزم منه التشبيه، وبالتالي الله تعالى ليس كمثله شيء، فلا يثبت له الاستواء، فيأتي بهذه الكلمة وهي كلمة حق أريد بها باطل، كم من كلمة حقٍ أريد بها باطل؟
وهنا تسأل: لماذا لا يقول هذا عند إثباته للسمع أو للبصر، فلماذا لا يقول: ليس كمثله شيءٍ فإذًا لا يثبت له سمعًا؛ لأن للمخلوق سمعًا، أو لأن للمخلوق بصرًا، أو لأن للمخلوق كلامًا، ونحو هذا.
فإذًا مثل هذه - كما يقول شيخ الإسلام - "غَايَةُ الْمُتَحَذْلِقِ أَنْ يَسْتَنْتِجَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ "، وهؤلاء يوردون هذا الكلام ليس اعتمادًا؛ لأنهم دائمًا يتحرزون من اعتماد النص أصلًا في هذا الباب؛ لأنهم لا يقبلون في هذين البابين - كما ذكرنا - قال الله تعالى وقال الرسول ﵌، ولكن من باب إيراد الشُبَه التي يدخلونها على الناس.
[ ١ / ١٣٨ ]
(٣٤) "وَبِالِاضْطِرَارِ يَعْلَمُ كُلُّ عَاقِلٍ أَنَّ مَنْ دَلَّ الْخَلْقَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ وَلَا فَوْقَ السَّمَوَاتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ لَقَدْ أَبْعَدَ النَّجْعَةَ وَهُوَ إمَّا مُلْغِزٌ وَإِمَّا مُدَلِّسٌ لَمْ يُخَاطِبْهُمْ بِلِسَانِ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ. "
قول المصنف: «وَبِالِاضْطِرَارِ يَعْلَمُ كُلُّ عَاقِلٍ أَنَّ مَنْ دَلَّ الْخَلْقَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ وَلَا فَوْقَ السَّمَوَاتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ لَقَدْ أَبْعَدَ النَّجْعَةَ»، والمقصود ب «النَّجْعَةَ» يعني المكان الذي يطلب فيه الكلأ، فيقال: «فلان أبعد النَّجْعَةَ»، أي أبعد المكان الذي يطلب فيه الكلأ والعشب.
فمن يستدل بهذه النصوص على نفي الاستواء، كيف يكون هذا دليلًا له؟ كأن يأتي بقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ فيستدل به على نفي الاستواء؟، ويا ترى لماذا لا يستدل به على نفي السمع والبصر، أو العلم أو الحياة؟، وهو إما مُلْغِز من باب اللغز والإلغاز (ألغز الشَّخصُ في الكلام: أخفى مراده منه، جعل ظاهره خلاف باطنه، لم يُبَيِّنْ مرادَه، لم يُظْهر معناه) أو مدلِّس ولم يخاطبهم بلسان عربي ماذا؟ مبين، فلا يمكن أن يستدل بمثل هذه النصوص على نفي هذه الصفات، فليس فيها دليل على مثل هذا.
[ ١ / ١٣٩ ]
(٣٥) "وَلَازِمُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: أَنْ يَكُونَ تَرْكُ النَّاسِ بِلَا رِسَالَةٍ: خَيْرًا لَهُمْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ. لِأَنَّ مَرَدَّهُمْ قَبْلَ الرِّسَالَةِ وَبَعْدَهَا وَاحِدٌ؛ وَإِنَّمَا الرِّسَالَةُ زَادَتْهُمْ عَمًى وَضَلَالَةً. "
أي أن لازم مقالة التعطيل ومقالة أهل الكلام، أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيرًا لهم في أصل دينهم؛ لأن مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد وهو العقل، مادام وجود الوحي وعدمه سواء عندهم، فإذًا لا قيمة ولا وزن للرسالة، مادام الأمر لا يمكن اعتماد النص فيه، فإذًا ما الداعي إلى النبوة والوحي والرسالة؟
فهل القرآن نزل فقط لتزيين الأصوات في المسابقات، والقراءة على الأموات كما يفعل بعض هؤلاء؟ أو أنه نزل ليحكم بين الناس، وليعلِّم الناس ويهديهم ويبين لهم ويشفي صدورهم، فإذًا هذا من لازم هذه المقالة.
والسؤال الذي يطرح نقسه لهؤلاء؛ أن يقال لهم: إذا كنتم ترون أن الأصل في هذا الباب هو المعقول، إذًا ما الداعي وما الحاجة إلى الرسالة والنُبُوَّة مع أن هذه الرسالة والنُبُوَّة جاءت بضد ما تقولون؟ فيبقى أن عدمها خيرٌ من وجودها، وهذا أمر لو اعتقده إنسان لكفر.
[ ١ / ١٤٠ ]
(٣٦) "يَا سُبْحَانَ اللَّهِ كَيْفَ لَمْ يَقُلْ الرَّسُولُ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ: هَذِهِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ لَا تَعْتَقِدُوا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ. وَلَكِنْ اعْتَقِدُوا الَّذِي تَقْتَضِيهِ مَقَايِيسُكُمْ أَوْ اعْتَقِدُوا كَذَا وَكَذَا. فَإِنَّهُ الْحَقُّ وَمَا خَالَفَ ظَاهِرَهُ فَلَا تَعْتَقِدُوا ظَاهِرَهُ أَوِ انْظُرُوا فِيهَا فَمَا وَافَقَ قِيَاسَ عُقُولِكُمْ فَاقْبَلُوهُ وَمَا لَا فَتَوَقَّفُوا فِيهِ أَوِ انْفُوهُ؟ "
مراد المصنف أنه يقال للمخالفين: هل بالله ورد عن الرسول ﷺ شيءٌ من قولكم هذا؟ كقولكم: استوى: بمعنى استولى، أو اليد: بمعنى النعمة والقدرة، أو هل حرَّف أو فوَّض أحدٌ من سلف هذه الأمة.
فإذًا «لَمْ يَقُلْ الرَّسُولُ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ: هَذِهِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ لَا تَعْتَقِدُوا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ. وَلَكِنِ اعْتَقِدُوا الَّذِي تَقْتَضِيهِ مَقَايِيسُكُمْ أَوِ اعْتَقِدُوا كَذَا وَكَذَا. فَإِنَّهُ الْحَقُّ وَمَا خَالَفَ ظَاهِرَهُ فَلَا تَعْتَقِدُوا ظَاهِرَهُ أَوِ انْظُرُوا فِيهَا فَمَا وَافَقَ قِيَاسَ عُقُولِكُمْ فَاقْبَلُوهُ وَمَا لَا، فَتَوَقَّفُوا فِيهِ أَوْ انْفُوهُ؟» ما ورد هذا عن النبي ﷺ ولم يقله، وهذا يؤكد فساد دعواهم وفساد زعمهم.
[ ١ / ١٤١ ]
(٣٧) "ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ أُمَّتَهُ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فَقَدْ عَلِمَ مَا سَيَكُونُ. ثُمَّ قَالَ: «إنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ» (^١). وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ «هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» (^٢). "
أي أن الرسول ﷺ أخبر كما ورد في الأحاديث الثابتة عنه بافتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة وأرشدهم كما ثبت في النص إلى التمسك بالكتاب والسنة، ولم يحلهم إلى عقولهم، وإنما أحالهم إلى كتاب الله تعالى وسنته.
وروي عنه ﷺ أنه قال في وصف الفرقة الناجية: «هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» (^٣)، فانظروا على ماذا كان النبي ﷺ؟ وعلى ماذا كان أصحاب النبي ﷺ؟ وذلك كما يقول بعض السلف: «من لم يسعه ما وسع الرسول ﷺ وما وسع الصحابة فلا وسع الله عليه» (^٤).
_________________
(١) انظر مسند الإمام أحمد مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ برقم (١١٥٦١)، قال الشيخ الالباني في السلسلة الصحيحة الجزء الرابع صفحة (٣٥٧): إسناده حسن في الشواهد.
(٢) انظر سنن الترمذي برقم (٢٦٤١) وقال عقبه: هَذَا حَدِيثٌ مُفَسَّرٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، قال الشيخ الالباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي الجزء السادس، صفحة (١٤١): حسن.
(٣) تقدم تخريجه انظر الصفحة رقم (٤).
(٤) انظر كتاب سير أعلام النبلاء الجزء (١١) صفحة (٣١٣).
[ ١ / ١٤٢ ]
(٣٨) "فَهَلَّا قَالَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ أَوْ بِمَفْهُومِ الْقُرْآنِ أَوْ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ فِي بَابِ الِاعْتِقَادَاتِ: فَهُوَ ضَالٌّ؟ وَإِنَّمَا الْهُدَى رُجُوعُكُمْ إلَى مَقَايِيسِ عُقُولِكُمْ وَمَا يُحْدِثُهُ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْكُمْ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ -فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ -وَإِنْ كَانَ قَدْ نَبَغَ أَصْلُهَا فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ. "
تعد مقالة التعطيل من أكثر المقالات خطورة نظرًا لأبعادها الخطيرة التي تشكلها على الإسلام وأهله:
فالبعد الأول: الذي يدلل على خطورة هذه المقالة كونها تمس أعظم جوانب هذا الدين وأكبر مسائله ألا وهو الإيمان بالله ﷿ الذي هو أول أركان الإيمان وأعظم مبانيه.
فأصحاب هذه المقالة الأوائل سعوا في صد الناس عن هذا الدين من طريق الوقوف على بابه الذي يدخل منه، ذلك لأن من عرف الله عرف ما سواه، ومن جهل ربه فهو لما سواه أجهل. فأرادوا بتعطيلهم لأسماء الله وصفاته قطع الطريق من أوله.
فبدعة هؤلاء كانت في أعظم مسائل الإيمان ألا وهي الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته، بل أعظم مسائل الدين وهذا ما لم يسبقهم إليه أحد من أهل المقالات إلا القدرية فقد روى عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن أبي المعتمر سليمان بن طرخان التيمي (^١) قال: (ليس قوم أشد نقضًا للإسلام من الجهمية والقدرية، وأما الجهمية فقد بارزوا الله تعالى؛ وأما القدرية فقد قالوا في الله ﷿ (^٢)
ودخل رأس من رؤوس الزنادقة يقال له «شمعلة» على المهدي فقال: دلني على
_________________
(١) شيخ الاسلام أبو المعتمر سليمان بن طرخان القيسي البصري مولاهم، لم يكن تيميا بل نزل فيهم، ثقة عابد، مات سنة ١٤٣ هـ (التقريب ١/ ٣٢٦).
(٢) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ١/ ١٠٤، ١٠٥ رقم (٨).
[ ١ / ١٤٣ ]
أصحابك. فقال: أصحابي أكثر من ذلك. فقال: دلني عليهم. فقال: صنفان ممن ينتحل القبلة: الجهمية والقدرية، الجهمي إذا غلا قال ليس ثم شيء وأشار إلى السماء. والقدري إذا غلا قال: هما اثنان، خالق خير وخالق شر فضرب عنقه وصلبه. (^١)
وقال عبد الله بن المبارك: (ليس تعبد الجهمية شيئًا) (^٢) وقد مضى عصر الصحابة (^٣) وعقيدة الإيمان بأسماء الله وصفاته محفوظة مصونة. إلى أن ابتدع الجعد مقالته في أواخر عصر التابعين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام، أعني أن الله ليس على العرش حقيقة، وأن معنى استوى استولى ونحو ذلك هو الجعد بن درهم) (^٤)
وأما البعد الثاني: في خطورة هذه المقالة فهو كونها أول مقالة تعارض الوحي بالعقل، فلم تكن المقالات السابقة لهذه المقالة تطعن في الدين من هذا الجانب، فالخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة عند ظهورهم لم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم للنصوص والاستبداد بما ظهر لهم منها دون من قبلهم، فكانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على قولهم، ولا يدعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص، فأصحاب مقالة التعطيل هم الذين فتحوا هذا الباب العظيم من أبواب الشر إذ طعنوا في نصوص الوحي وقدموا شبههم العقلية عليها. (^٥)
وأما البعد الثالث: لهذه المقالة فهو ما أفرزته هذه المقالة من الفرق والآراء المنحرفة، فقد تولد عن هذه المقالة أنماط مختلفة وطروحات غريبة عن جوهر الإسلام وصفائه.
وضربت هذه المقالة أطنابها في الفكر الإسلامي، ولا يتصور مدى الضرر الذي الحقته بحياة المسلمين وعقيدتهم.
_________________
(١) كتاب خلق أفعال العباد ص ١١، توضيح المقاصد وتصحيح القواعد ١/ ٤٨.
(٢) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ١/ ١٠٩ رقم (١٧).
(٣) كان آخر الصحابة موتًا الطفيل عامر بن واثلة الليثي ﵁، وصحح الذهبي أنه مات سنة عشر ومائة. انظر تدريب الراوي ٢/ ٢٢٨، ٢٢٩.
(٤) -الفتوى الحموية ص ٤٧.
(٥) -انظر درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٤٤.
[ ١ / ١٤٤ ]
فالتيار الفلسفي والكلامي بتفرعاته ومدارسه وطوائفه إنما هو نتاج هذه المقالة الخبيثة التي تولى كبر إظهارها شيخ المعطلة النفاة الجعد بن درهم، وتبعه في ذلك تلميذه الجهم بن صفوان ثم توالت طوائف الباطل تذكى نار هذه المقالة وتنفث من خلالها سمومها إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه. "
هذا يبين ويؤكد فساد الأصول التي بنى عليها المعطلة اعتقادهم في هذا الباب وفي غيره. فكل هذا تأكيد لما ذكرناه أولًا من أن الصراع قائم بين منهجين؛ منهج يعتمد الوحيَ ومنهج يعتمد العقل على حد زعمهم، وإن كان الأمر كما يقول شيخ الإسلام في كتابه العظيم «درء تعارض العقل والنقل» أنه ليس هناك تعارض بين العقل والنقل، وبالله كيف للعقل أن يتدخل في أمرٍ هو غيب؟
فلو قيل لأحد من وراء هذا الجدار؟ أو ماذا يحدث خلف هذا الجدار؟ ما استطاع أن يجيب، لأنه شيءٌ غيبه الله ﷿ عنه، والله يقول: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، فنفى الإحاطة - إحاطة علم الإنسان بالله تعالى، وقال عن محدودية علم الإنسان: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقال هذا في مقامٍ هو عند ذكر الروح، فليس إلى ذلك من سبيل.
فأنى للإنسان أن يخوض في هذه المسائل بعقله فيحدد ما يستحقه الله وما لا يستحقه الله تعالى، ويحاد ويعارض الوحيَ الذي أخبر فيه الله تعالى عن أسمائه وصفاته وأفعاله، فيقول: «استوى» وأنت تقول: لا؟ ويقول «نزل» وتقول أنت: لا؟ فكيف لعاقل أن يقبل مثل هذا الرد ومثل هذا الإعراض عن كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ؟
وهذا حقيقة الصراع، وبعد هذا يبدأ من هنا يتربى الإنسان وينشأ، فإما أن يربي ويُنشأ على هذه المناهج وعلى قواعدها وعلى منطقها، وبالتالي هنا هؤلاء يجعلون دراسة المنطق أمرًا لابد منه وأمرًا حتميًا لمن يدرس باب الاعتقاد، وإما أن تجعل الأصل هو الكتاب والسنة وتُنَشَّأ وتُربى على مثل هذا، فأنت بين هذين الطريقين.
والسؤال الذي يوجه لكل من سيتولى تعليم جيل من الأمة، على أي المذهبين تسلك؟ وعلى أي الطريقين تسير؟ هل يا ترى ستجعلهم على منهج الوحي يتربون وينشؤون ويتعلمون ويدينون لله تعالى بما أخبر وبما أمر ﷾؟ أم أنك ستحيد عن هذا وتختار تلك المناهج الباطلة الفاسدة وتربيهم على مثل ذلك؟ وبالتالي النتيجة
[ ١ / ١٤٥ ]
الحتمية لهذا: الإعراض عن كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ والإعراض عن كلام السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم.
وبالتالي لاشك أن الله تعالى سيسألك عما عملت، ومن دعا إلى هدى فله من الأجر مثل أجور من عمل به إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وقال ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا» أي من أحيا سُنَّة حسنة فله أجرها «وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ في الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً» أي من أحيا سُنَّة سيئة من مثل هذه السنن سنن الضلال فلاشك أن «كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شيء» (^١).
فإما أن تُحْيِيَ السُنَّة وتحارب البدعة وإما أن تكون على النقيض من ذلك، ولا يُوهِنُ من عزمك إذا عرفت الحق! كثرة الباطل أو صولة الباطل، فكن مع الحق ولا تبالي، فهنا شيخ الإسلام أسس وعقد مثل هذه المقدمة ليقرر في النفوس أن الصراع ليس فقط في فهم بعض النصوص كما قد يتخيل البعض، وإنما الصراع بين منهج يرفض النصوص رفضًا تامًا ويشكك فيها وبين منهج يعتمد النصوص.
وذكرنا سابقًا أن أهل البدع نوعان: بدعٌ قد يكون لبعض أهلها متمسك في الكتاب والسنة، بمعنى أن لهم أدلة وإن كان ما يستدلون به يعني لا يشهد بما يقولون من وجه آخر، فمثلًا لو جئت إلى أهل الوعيد وهم الخوارج مثلًا تجد أن لهم متمسكًا في النصوص، فيستدلون بأحاديث ونصوص الوعيد، وإن كانوا قد يتجاهلون نصوص الوعد، وقد تجد كذلك للمرجئة متمسك في النصوص؛ لأنهم أخذوا بنصوص الوعد وإن كانوا قد تركوا نصوص الوعيد.
فتجد أن الخلاف في هذه المسائل قد يكون مبني على أدلة في النصوص، لكن الخلاف في مسائل الأسماء والصفات من نوع البدع التي ليس لأهلها متمسك في النصوص، بل إنهم هم بأنفسهم لا يعتمدون النص أصلًا في عقيدتهم.
فإذًا هذا لا يغيب عن ذهنك، وافهمه في صراع المناهج وفي اختلاف الأمة؛ هذا الصراع القائم والحاصل قديمًا وحديثًا مرجعه إلى هذا الأمر، والله تعالى من
_________________
(١) انظر صحيح مسلم كِتَاب الزَّكَاةِ، بَابُ الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، أَوْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ وَأَنَّهَا حِجَابٌ مِنَ النَّارِ، برقم (١٠١٧)، والترمذي (٢٦٧٥)، وابن ماجه (٢٠٣)، والنسائي (٢٥٥٤)، والإمام أحمد في المسند أَوَّلُ مُسْنَدِ الْكُوفِيِّينَ (١٩١٥٦)، والدارمي (٥٢٩).
[ ١ / ١٤٦ ]
حين إنزال آدم بين له هذا، فقال: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨، ٣٩]، وقال: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤].
هذا حقيقة صراع المناهج، حقيقته إما فريقٌ يعتمد الوحيَ أصلًا ودينًا له، أو فريق يحيد عن الوحي أصلًا ودينًا، ولا تكون في حيرة واضطراب في أمرك، وصدق النبي ﷺ لما بيَّن فقال: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي؛ كِتَابَ الله، ﷿» (^١)، وقال في وصف الفرقة الناجية: «مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه انظر صفحة رقم (٤).
(٢) تقدم تخريجه انظر صفحة رقم (٤).
[ ١ / ١٤٧ ]
(٣٩) "ثُمَّ أَصْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ - مَقَالَةِ التَّعْطِيلِ لِلصِّفَاتِ - إنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ عَنْ تَلَامِذَةِ الْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ وَضُلَّالِ الصَّابِئِينَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ حُفِظَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِي الْإِسْلَامِ - أَعْنِي أَنَّ اللَّهَ ﷾ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ حَقِيقَةً وَأَنَّ مَعْنَى اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى وَنَحْوَ ذَلِكَ - هُوَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ وَأَخَذَهَا عَنْهُ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ؛ وَأَظْهَرَهَا فَنُسِبَتْ مُقَالَةُ الْجَهْمِيَّة إلَيْهِ. وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْجَعْدَ أَخَذَ مَقَالَتَهُ عَنْ أَبَانَ بْنِ سَمْعَانَ وَأَخَذَهَا أَبَانُ عَنْ طَالُوتَ بْنِ أُخْتِ لَبِيَدِ بْنِ الْأَعْصَمِ وَأَخَذَهَا طَالُوتُ مِنْ لَبِيَدِ بْنِ الْأَعْصَمِ: الْيَهُودِيِّ السَّاحِرِ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ.
(٤٠) وَكَانَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ هَذَا -فِيمَا قِيلَ- مِنْ أَهْلِ حَرَّانَ وَكَانَ فِيهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ الصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ - بَقَايَا أَهْلِ دِينِ نمرود والكنعانيين الَّذِينَ صَنَّفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي سِحْرِهِمْ - ونمرود هُوَ مَلِكُ الصَّابِئَةِ الْكَلْدَانِيِّينَ الْمُشْرِكِينَ كَمَا أَنَّ كِسْرَى مَلِكُ الْفُرْسِ وَالْمَجُوسِ وَفِرْعَوْنَ مَلِكُ مِصْرَ وَالنَّجَاشِيَّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ وَبَطْلَيْمُوسَ مَلِكُ الْيُونَانِ وَقَيْصَرَ مَلِكُ الرُّومِ. فَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ لَا اسْمَ عَلَمٍ. "
المُصَنِّف ﵀ أراد أن يتحدث عن عدد من المسائل هي: