ثم انتقل المصنف إلى دليل الفطرة: فدليل الفطرة أمرٌ الله ﷾-جَبَلَ النفوس عليه، فما من قائلٍ يقول: يا الله، إلا ويجد في نفسه ضرورة تطلب جهة العلو، لا يلتفت يمنةً ولا يسرة، فأنت إن شئت انظر بعد أن تصلي في مساجد المسلمين كيف يرفع الناس أيديهم في الدعاء، ويتجهون إلى جهة العلو، ولا يلتفتون يمنةً ولا يسرة.
فقد قال إمام الأئمة محمد بن خزيمة ﵀: «باب ذكر البيان أن الله ﷿ في السماء، كما أخبرنا في مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ وعلى لسان نبيه ﵇، وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين علمائهم وجُهَّالِهِمْ وأَحْرَارِهِمْ وَمَمَالِيكِهِمْ ذُكْرَانِهِمْ وَإِنَاثِهِم بَالِغِيهِم وأَطْفَالِهِم، كل مَنْ دعا الله جل وعلا فإنه يرفع رأسَه إلى السماء ويمد يدَيْه إلى الله إلى أعلاهُ، لا إلى أسفل» (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأمَّا كونه عاليًا على مخلوقاته بائنًا منهم، فهذا أمرٌ معلومٌ بالفطرةِ الضروريةِ التي يشترك فيها جميع بني آدم.
وكُلُّ مَنْ كان بالله أعرفَ وله أَعْبَدَ ودُعَاؤُهُ له أكثرَ وقَلْبُهُ له أَذْكَرَ كان علمُه الضروريُّ بذلك أقوى وأكملَ، فالفطرة مُكَمَّلَةٌ بالفطرة المنزَّلة؛ فإن الفطرةَ تعلم الأمر مُجْمَلًا والشريعة تُفَصِّلُهُ وتُبَيِّنُهُ وتَشْهَدُ بما لا تَسْتَقِلُّ الفطرة به، فهذا هذا، والله أعلم» (^٢).
فالله تعالى فطر القلوب على إثبات علوه عز جل، ولذلك لما تكلم أبو المعالي الجويني في إنكار صفة العلو؛ وقال على المنبر: كان اللهُ ولا عَرْشَ، فقال له أبو
_________________
(١) «التوحيد» (١/ ٢٥٤).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٥).
[ ١ / ٩٦ ]
جعفر الهمداني: يا أستاذ دَعْنَا مِنْ ذكر العرش- يعني لأن ذلك إنما جاء في السَّمْعِ- أَخْبِرْنَا عن هذه الضرورة التي نَجِدُهَا في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قَطُّ (يا الله) إلا وَجَدَ مِنْ قَلْبِهِ ضَرُورَةً تَطْلُبُ العُلُوَّ، لا تلتفت يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه، وقال: حَيَّرَنِي الهمذانيُّ، حَيَّرَنِي الهمدانيُّ، ونزل (^١).
فالله ﷾ فطر هذه القلوب على إثبات علوه ﷿ فأنت في كل أحوالك إذا سألت الله اتَّجهت إلى جهة واحدة، وهي جهة العلو، فلا تلتفت يمنة ولا يسرة؛ لأن الله ﷾ فطر القلوب على معرفته، ومن ذلك جواب الجارية على النبي ﷺ لما سألها الجارية: «أين الله؟». فقالت: «في السَّماء». فقال ﷺ: «أَعْتِقها؛ فإنَّها مؤمنة» (^٢).
فإذًا هذا أمرٌ مغروسٌ في الفِطَرِ، الله تعالى فَطَرَ الناس على ذلك، وما من إنسانٍ صاحب فطرةٍ سليمة إلا وهذا الأمر في فطرته، وهذا يؤكده حديث الجارية، لما سألها النبي ﷺ: أين الله؟ قالت: في السماء، وهذا جاء في صحيح مسلم.
بل إن هذا أمرٌ مغروسٌ في فطر الأمم جميعًا، على اعتقاد بأن الله تعالى في السماء؛ ولذلك ما من إنسان يحزبه أمر إلا إذا أراد أن يدعو الله تعالى وأن يناجي الله ﷾-مد يديه إلى السماء، واتجه بقلبه إلى جهة السماء، يسأل الله ﷾، ويطلب الله ﷾.
فإذًا كما يقول المصنف: "كما فطر الله على ذلك جميع الأمم"، فجميع الأمم بلا استثناء مفطورةٌ على الإيمان بأن الله تعالى في السماء، وأنه عالٍ على خلقه، سواءٌ كانوا عَرَبًا أو عَجَمًا في الجاهلية أو الإسلام، "إلا مَنْ اجتالته الشياطين عن فطرته" (^٣) يعني: إنسان غُيِّرت فطرته، إذ لُقِّن أن الله في كل مكان، هذا إنسانٌ آخر، إنسانٌ تغيرت فطرته بمغيرٍ خارجي.
وكما قال النبي ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ» (^٤)؛ معنى ذلك أن الفطرة قد تتغير إذا لُقِّن هذا الإنسان أمرًا مخالفًا
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٤).
(٢) أخرجه مسلم (٥٣٧)، وقد تقدَّم قريبًا.
(٣) انظر المصدر السابق.
(٤) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الجَنَائِزِ، بَابُ إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ، هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِيِّ الإِسْلَامُ، برقم (١٣٥٩)، ومسلم كتاب الْقَدَرِ، بَابُ مَعْنَى كُلِّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَحُكْمِ مَوْتِ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ وَأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ (٢٦٥٨)، وأبو داود (٤٧١٤)، والترمذي (٢١٣٨)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٧١٨١).
[ ١ / ٩٧ ]
للفطرة، بأن لُقِّن وقيل له: إن الله في كل مكان، بعد ذلك أصبحت مثل هذه الأمور عقيدة في نفسه، ليست أمرًا فطريًا، ولكنه أمرٌ خارجٌ عن الفطرة، ومؤثرٌ ومغيرٌ خارجي عن الفطرة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "علو الخالق على المخلوق وأنه فوق العالم، أمر مستقر في فطر العباد، معلوم لهم بالضرورة، كما اتفق عليه جميع الأمم، إقرارًا بذلك، وتصديقًا من غير أن يتواطؤا على ذلك ويتشاعروا، وهم يخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون التصديق بذلك في فطرهم.
وكذلك هم عندما يضطرون إلى قصد الله وإرادته، مثل قصده عند الدعاء والمسألة، يضطرون إلى توجه قلوبهم إلى العلو، فكما أنهم مضطرون إلى أن يوجهوا قلوبهم إلى العلو إليه، لا يجدون في قلوبهم توجهًا إلى جهة أخرى، ولا استواء الجهات كلها عندها وخلو القلب عن قصد جهة من الجهات بل يجدون قلوبهم مضطرة إلى أن تقصد جهة علوهم دون غيرها من الجهات.
فهذا يتضمن بيان اضطرارهم إلى قصده في العلو وتوجههم عند دعائه إلى العلو، كما يتضمن فطرتهم على الإقرار بأنه في العلو والتصديق بذلك" (^١).
_________________
(١) انظر درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٥) بتصرف.
[ ١ / ٩٨ ]
(١٩) (ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو ألوفًا)