ثانيًا: يتميزون باعتقادهم بأن هذا الدين- بحمدِ الله تعالى- واضحٌ.
ومن وضوحه أن كلام الله ﷿ معلومُ المعنى، فيحفظُون لهذا الكتاب حرمته لفظًا، ويحفظونُ له حرمته معنى، ويعتقدون أنه ليس في كتابِ الله ﷿ ما لا يُعلَمُ معناه فهو معلوم من جهة المعنى، وإن كان بعضُ حقائقِ تلك الأمور المغيَّبة أو كيفياتُها أمرٌ قد استأثر به الله تعالى في علمِ الغيب عنده، فيوقنُون أن الهدى في كلامِ الله ﷿، وأن النورَ في كلامِ الله ﷿ وسنَّةِ نبيه ﷺ.
فأهل السنة هم أهل الفهم الرشيد عن الله وعن رسوله، ولذلك تأتي أقوالهم على الاستقامة والسداد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله بعد كلام عن اختلاف المبتدعة: "وإذا تأمل اللبيب الفاضل هذه الأمور، تبيَّن له أن مذهب السلف والأئمة في غاية الاستقامة والسداد، والصحة والاطراد، وأنه مقتضى المعقول الصريح والمنقول الصحيح، وأن من خالفه كان خارجًا عن موجب العقل والسمع، مخالفًا للفطرة" (^١)
قال ابن تيمية: "فَلِهَذَا لَمْ يَجْتَمِعْ قَطُّ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْحَقُّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ قَطُّ، وَكُلُّ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَهُوَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَكُلُّ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ خَارِجِيٍّ وَرَافِضِيٍّ وَمُعْتَزِلِيٍّ وَجَهْمِيٍّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، فَإِنَّمَا يُخَالِفُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَلْ مَنْ خَالَفَ مَذَاهِبَهُمْ فِي الشَّرَائِعِ الْعَمَلِيَّةِ كَانَ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، وَكُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ يُوَافِقُهُمْ فِيمَا خَالَفَ فِيهِ الْآخَرَ، فَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ مَعَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْمِلَلِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ; فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ فِي الْإِسْلَامِ كَأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي الْمِلَلِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ" (^٢)