حصلت محنة لشيخ الإسلام ابن تيمية بدمشق بسبب الفتوى الحموية، وقد ذكرت هذه المحنة في العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٢١٩ - ٢١٨). قال الشيخ علم الدين: وفي شهر ربيع الأول من سنة ثمان وتسعين وستمائة وقع بدمشق محنة للشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية.
وكان الشروع فيها في أول الشهر، وظهرت يوم الخامس منه واستمرت إلى آخر الشهر.
وملخصها: أنه كان كتب جوابا سئل عنه من حماة في الصفات، فذكر فيه مذهب السلف، ورجحه على مذهب المتكلمين، وكان قبل ذلك بقليل أنكر أمر المنجمين. واجتمع بسيف الدين جاغان في ذلك في حال نيابته بدمشق وقيامه، فقام نائب السلطنة، وامتثل أمره. وقبل قوله، والتمس منه كثرة الاجتماع به.
فحصل بذلك ضيق لجماعة، مع ما كان عندهم قبل ذلك من كراهية الشيخ وتألمهم لظهوره وذكره الحسن.
فانضاف شيء إلى أشياء. ولم يجدوا مساغًا إلى الكلام فيه لزهده، وعدم إقباله على الدنيا، وترك المزاحمة على المناصب، وكثرة علمه، وجودة أجوبته وفتاويه، وما يظهر فيها من غزارة العلم، وجودة الفهم. فعمدوا إلى الكلام في العقيدة. لكونهم يرجحون مذهب المتكلمين في الصفات والقرآن على مذهب السلف، ويعتقدونه الصواب. فأخذوا الجواب الذي كتبه، وعملوا عليه أوراقا في رده، ثم سعوا السعي الشديد إلى القضاة والفقهاء، واحدة واحدة. وأغروا خواطرهم، وحرفوا الكلام، وكذبوا الكذب الفاحش، وجعلوه يقول بالتجسيم -حاشاه من ذلك - وأنه قد أوعز ذلك المذهب إلى أصحابه. وأن العوام قد فسدت عقائدهم بذلك. ولم يقع من ذلك شيء والعياذ بالله.
[ ١ / ٨ ]
وسعوا في ذلك سعيا شديدًا، في أيام كثيرة المطر والوحل والبرد، وسعوا في ذلك سعيا شديدا.
فوافقهم جلال الدين الحنفي، قاضي الحنفية يومئذ، على ذلك. ومشي معهم إلى دار الحديث الأشرفية. وطلب حضوره، وأرسل إليه فلم يحضر.
وأرسل إليه في الجواب: إن العقائد ليس أمرها إليك، وإن السلطان إنما ولاك التحكم بين الناس، وإن إنكار المنكرات ليس مما يختص به القاضي.
فوصلت إليه هذه الرسالة فأغروا خاطره، وشوشوا قلبه، وقالوا لم يحضر. ورد عليه.
فأمر بالنداء على بطلان عقيدته في البلدة، فأجاب إلى ذلك. فنودي في بعض البلد ثم بادر سيف الدين جاغان، وأرسل طائفة. فضرب المنادي وجماعة ممن حوله، وأخرق بهم. فرجعوا مضروبين في غاية الإهانة.
ثم طلب سيف الدين جاغان من قام في ذلك وسعى فيه، فدارت الرسل والأعوان عليهم في البلدة، فاختفوا واحتمي مقدمهم ببدر الدين الأتابكي، ودخل عليه في داره. وسأله أن يجيره من ذلك؟ فترفق في أمره إلى أن سكن غضب سيف الدين جاغان. ثم إن الشيخ جلس يوم الجمعة على عادته ثالث عشر الشهر. وكان تفسيره في قوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) القلم: ٤] وذكر الحلم وما ينبغي استعماله. وكان ميعادًا جليلا. ثم إنه اجتمع بالقاضي إمام الدين الشافعي، وواعده لقراءة جزئه الذي أجاب فيه. وهو المعروف بالحموية.
فاجتمعوا يوم السبت رابع عشر الشهر، من بكرة النهار إلى نحو الثلث من ليلة الأحد، ميعادة طويلا مستمرة. وقرئت فيه جميع العقيدة، وبين مراده في مواضع أشكلت. ولم يحصل إنكار عليه من الحاكم، ولا ممن حضر المجلس، بحيث انفصل عنهم، والقاضي يقول: كل من تكلم في الشيخ يعزر. وانفصل عنهم عن طيبة.
وخرج الناس ينظرون ما يسمعون من طيب أخباره. فوصل إلى داره في ملأ كثير من الناس، وعندهم استبشار وسرور به، وهو في ذلك كله ثابت الجأش، قوى القلب، واثق بالنصر الإلهي لا يلتفت إلى نصر مخلوق، ولا يعول عليه.
وكان سعيهم في حقه أتم السعي، لم يبقوا ممكنا من الاجتماع بمن يرتجون منه أدنى نصر لهم، وتكلموا في حقه بأنواع الأذى، وبأمور يستحي الإنسان من الله
[ ١ / ٩ ]
سبحانه أن يحكيها، فضلا عن أن يختلقها، ويلفقها، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
والذين سعوا فيه معروفون عندنا وعند كل أحد، قد اشتهر عنهم هذا الفعل الفظيع. وكذلك من ساعدهم بقول، أو تشنيع، أو إغراء أو إرسال رسالة، أو إفتاء، أو شهادة، أو أذى لبعض أصحاب الشيخ ومن يلوذ به، أو شتم، أو غيبة، أو تشويش باطن، فإنه وقع من ذلك شيء كثير من جماعة كثيرة.
ورأى جماعة من الصالحين والأخيار في هذه الواقعة وعقيبها للشيخ مرائي حسنة جليلة، ولو ضبطت كانت مجلدة تامة. انتهى ما ذكره).
وذكر الإمام ابن كثير ﵀ في بدايته في أحداث سنة ثمان وتسعين وستمائة وبعد ذكره لمقتل الملك المنصور لاجين قال ص ٤ من الجزء الرابع عشر:
وكان قد وقع في أواخر دولة لاجين بعد خروج قبجق من البلد محنة للشيخ تقي الدين بن تيمية؛ قام عليه جماعة من الفقهاء، وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي جلال الدين الحنفي، فلم يحضر، فنودي في البلد في العقيدة التي كان قد سأله عنها أهل حماة المسماة (بالحموية)، فانتصر له الأمير سيف الدين جاغان، وأرسل يطلب الذين قاموا عنده، فاختفى كثير منهم، وضرب جماعة من نادي على العقيدة فسكت الباقون، فلما كان يوم الجمعة عمل الشيخ تقي الدين الميعاد بالجامع على عادته. وفسر في قوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم» [القلم: ٤] ثم اجتمع بالقاضي إمام الدين يوم السبت واجتمع عنده جماعة من الفضلاء وبحثوا في الحموية وناقشوه في أماكن فيها، فأجاب عنها بما أسكتهم بعد كلام كثير، ثم ذهب الشيخ تقي الدين، وقد تمهدت الأمور وسكنت الأحوال، وكان القاضي إمام الدين معتقده حسنا، ومقصده حسنا. اه.
[ ١ / ١٠ ]
﷽
(١) "ما قولكم في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، إلى غير ذلك من الآيات وأحاديث الصفات؛ كقوله ﷺ: «إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن» وقوله: «يضع الجبار قدمه في النار» إلى غير ذلك من الأحاديث [وما قالت العلماء، وابسُطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى؟] فأجاب: "
الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
السائل سأل سؤالًا وهو: "ما قول السادة العلماء أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ "، إلى غير ذلك من صفات، وسأل كذلك عن أحاديث الصفات، فالسؤال عن نصوص الصفات بما فيها الآيات والأحاديث.
ومعلومٌ أن الناس قد انقسموا في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام: