وننتقل إلى مسألة مهمة-وهي تكفير المعين-التي أثار سوء الفهم لها كثيرًا من الجدال، بل واستحلال الدماء.
فنظرًا لاختلاف الناس في مُسمى الإيمان ترتب عليه اختلافهم في مسمَّى الكفر، ونتج عن ذلك-أيضًا-اختلافهم في تكفير المعين.
فالناس في هذه المسألة ثلاثة أصناف:
- صنف لا يُكَفِّرون أحدًا من أهل القبلة.
- وصنف يُكَفِّرون كل مبتدع، بل يكفرون حتى أصحاب الكبائر.
- وأهل السُّنَّة والجماعة الذين هم وسط بين الصنفين السابقين.
ونحن في زمنٍ قد كثر فيه اللغط والغلط حول هذه المسألة، وعدم فهمها على مذهب السلف، ولذلك نتج عن ذلك خروج جماعات التكفير، ونسمع منهم وممن اغترُّوا بهم الشيء العظيم الذي بسببه كفَّروا الناس وخرجوا عليهم؛ حتى استحلوا دماءهم، وغير ذلك من أمور بسبب الخطأ في فهم هذه المسألة.
[ ١ / ٤٩٤ ]
ولذلك ينبغي على طالب العلم أن يتصوَّر هذه المسألة، وأن يعرفها ويفهمها فهمًا صحيحًا سليمًا حتى لا يُخطئ فيها؛ فيقع فيما وقع فيه أولئك من خطأٍ وزَلَل.
فلا بُدَّ أن نعلم أولًا: أنه لا يلزم من كون الفعل كفرًا أكبر-مثلًا-أن يكون فاعله كافرًا إلا باجتماع الشروط وانتفاء الموانع عند أهل السُّنَّة، والشروط أربعة والموانع-كذلك-أربعة.
فلا بُدَّ للحكم بكفر معين أن نعلم أنه لا بُدَّ من اجتماع هذه الشروط الأربعة، وانتفاء ما يُقابلها، وهي:
الشرط الأول: العقل.
الشرط الثاني: البلوغ.
فلا بُدَّ أن يكون هذا القائل-أو هذا الفاعل، أو هذا المعتقد-عاقلًا بالغًا، بمعنى: أن الإنسان لو كان دون سِنِّ البلوغ أو كان مَجنونًا، فإنه بَذلك يَسقط عنه التكليف، ويكون هذا مانعًا من تكفيره ولو أَتَى بِمُكَفِّر؛ فالشرط: العقل والبلوغ، ويقابله الجنون والصِّغر.
فعن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «رُفِع القَلمُ عن ثلاثةٍ: عن النَّائمِ حتَّى يستيقظَ، وعن الصَّبي حتَّى يحتلِمَ، وعن المجنونِ حتَّى يَعقِلَ» (^١).
فمثلًا لو أن صبيًّا دون سِنِّ البلوغ عبث بأوراق المصحف وأهانه، فإنه لا يَكفر بذلك، وكذلك المجنون؛ لأنهما غير مُكَلَّفَيْن.
الشرط الثالث: العِلم، ومقابله: الجهل؛ ومن الدليل عليه: قصة الرجل الذي أوصى بَنِيه بإحراقه، فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «كان رجلٌ يُسرف على نفسه، فلما حَضَرَه الموتُ قال لِبَنيه: إذا أنا مُتُّ فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذَرُّوني في الريح، فوالله لَإِن قَدر عليَّ ربي ليُعَذِّبَنِّي عذابًا ما عَذَّبه أحدًا، فلما مات فُعِل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيكِ منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتُك، فَغَفَرَ له» (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فهذا الرجلُ ظَنَّ أن الله لا يَقدر عليه إذا تفرَّق
_________________
(١) رواه الترمذي (١٤٢٣)، والنسائي في «الكبرى» (٧٣٤٦)، وأحمد (٩٥٦)، وصحح إسناده أحمد شاكر في «تحقيق المسند» (٢/ ١٩٧)، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (١٤٢٣).
(٢) رواه البخاري (٣٤٨١) ومسلم (٢٧٥٦).
[ ١ / ٤٩٥ ]
هذا التفرُّق؛ فظَنَّ أنه لا يُعيده إذا صار كذلك، وكل واحد: مِنْ إنكاره لقدرة الله، وإنكاره مَعاد الأبدان وإن تَفَرَّقَتْ؛ كُفْر، لكنه كان مع إيمانه بالله، وإيمانه بأمره، وخشيته منه جاهلًا بذلك، ضالًّا في هذا الظَّنِّ مُخطئًا، فَغَفَر اللهُ له ذلك. والحديث صريحٌ في أنَّ الرجل طَمِع أن لا يُعيده إذا فعل ذلك، وأدنى هذا أن يكون شاكًّا في المعاد وذلك كفر؛ إذا قامت حُجَّة النبوة على مُنكره حُكم بكفره» (^١).
الشرط الرابع: قَصْد الفعل أو القول أو الاعتقاد المُكَفِّر؛ فمَن قصد الفعل المكفِّر-وإن لم يَعلم أنه كُفْر-وعلم بأنه منهي عنه، فقد توافر فيه شرط القصد، ثم إذا ظهر أنه جاهل يُعَلَّم، فإن أصرَّ كَفَرَ بهذا.
والإكراه منافي للقصد، فإذا أُكره على الكفر؛ فنَطق بالكفر أو فعل مُكَفِّرًا-وكان قلبه مُطمئنًا بالإيمان-لم يُحكم بكفره؛ قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦].
والقَصْد مقابله: الخطأ؛ فالخطأ مانع من موانع التكفير؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال جل وعلا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وعند مسلم: «أنَّ الله ﷿ قال: «قَدْ فَعَلْتُ» (^٢)، وقال ﷺ: «إنَّ اللهَ وَضَعَ عن أُمَّتي الخطأَ والنِّسيان وما اسْتُكرهوا عليه» (^٣).
فالواجب الحذر من إطلاق الكفر على إنسان معين أو طائفة معينة حتى يُعلم تحقق شروط التكفير في حقها وانتفاء موانعه.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٠٩، ٤١٠).
(٢) رواه مسلم (١٢٦) من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) رواه ابن ماجه (٢٠٤٣) من حديث أبي ذر الغفاري، ورواه ابن حبان في «صحيحه» (٧٢١٩)، والدارقطني في «سننه» (٤٣٥١) من حديث ابن عباس ﵄، وصححه الألباني في «المشكاة» (٦٢٩٣).
[ ١ / ٤٩٦ ]
(٩٧) قال «أبو حنيفة»: الفقه الأكبر في الدين خير من الفقه في العلم، ولأن يفقه الرجل كيف يعبد ربه خير من أن يجمع العلم الكثير. اه.
قال أبو مُطيع: «قلت: أخبرني عن أفضل الفقه؟ قال: تَعَلُّم الرجل الإيمان، والشرائع، والسُّنَن، والحدود، واختلاف الأئمة، وذَكر مسائل الإيمان، ثم ذكر مسائل القَدَر، والرد على القدرية بكلام حَسَنٍ ليس هذا موضعه.
ثم قال: قلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ فيَتبعه على ذلك أناس، فيخرج على الجماعة: هل تَرى ذلك؟ قال: لا. قلت: وَلِمَ؟ وقد أمر الله ورسوله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو فريضة واجبة؟ قال: كذلك، ولكن ما يُفسدون أكثر مما يُصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام.
قال: وذكر الكلام في قتال الخوارج والبُغاة، إلى أن قال: قال أبو حنيفة عَمَّن قال: لا أعرف رَبِّي في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماوات.
قلت: فإن قال: إنَّه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري؛ العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عِليين، وأنه يُدعى مِنْ أعلى لا من أسفل.
وفي لفظ: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف رَبِّي في السماء أم في الأرض؟ قال: قد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماوات، قال: فإنه يقول: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ولكن لا يدري؛ العرش في الأرض أو في السماء! قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر» (^١).
ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كَفَّر الواقف الذي يقول: لا أعرف ربِّي في السماء أم في الأرض! فكيف يكون الجاحد النَّافي الذي يقول: ليس في السماء أو ليس في الأرض ولا في السماء؟ واحتج على كفره بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، قال: وعرشه فوق سبع سماوات.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) «الفقه الأكبر»، رواية أبي مطيع البلخي (ص ٤٠، ٤٤، ٤٩ - ٥٠).
[ ١ / ٤٩٧ ]
وبَيَّنَ بهذا أن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ يُبين أن الله فوق السماوات فوق العرش، وأن الاستواء على العرش دلَّ على أن الله نفسه فوق العرش، ثم أردف ذلك بتكفير من قال: إنه على العرش استوى ولكن توقف في كون العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: لأنَّه أنكر أنه في السماء؛ لأن الله في أعلى عليين، وأنه يُدعَى من أعلى لا من أسفل، وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء.
واحتج على ذلك بأن الله تعالى في أعلى عِلِّيين، وأنه يُدعى من أعلى لا من أسفل، وكل من هاتين الحُجَّتين فِطرية عقلية؛ فإن القلوب مَفطورة على الإقرار بأنَّ الله في العلو، وعلى أنه يُدعى مِنْ أعلى لا من أسفل، وقد جاء اللفظ الآخر صريحًا عنه بذلك، فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر.
وروى هذا اللفظ عنه بالإسناد شيخُ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهَرَوي بإسناده في كتاب «الفاروق» (^١).
قال المصنف ﵀: قال أبو حنيفة: «الفقه الأكبر في الدين خيرٌ من الفقه في العلم، ولأن يَفقه الرجل كيف يعبد ربَّه خير من أن يَجمع العلم الكثير».
لا شَكَّ أن الإنسان إذ تفقه في أصول دينه، وفي معرفة كيفية عبادة ربه ﷿ فإنه سيعبده على يَقين وعلى بصيرة من أمره، وهذا خير من أن يجمع مسائل الفروع ويكون جاهلا بمسائل الأصول.
قال المصنف ﵀: «قال أبو مُطيع: «قلت: أخبرني عن أفضل الفقه؟ قال: تَعَلُّم الرجل الإيمان، والشرائع، والسُّنَن، والحدود، واختلاف الأئمة، وذَكر مسائل الإيمان، ثم ذكر مسائل القَدَر، والرد على القدرية بكلام حَسَنٍ ليس هذا موضعه.
ثم قال: قلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ فيَتبعه على ذلك أناس، فيخرج على الجماعة: هل تَرى ذلك؟ قال: لا. قلت: وَلِمَ؟ وقد أمر الله ورسوله
_________________
(١) وذكر-كذلك-ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ١٣٩)، وابن أبي العز الحنفي في «شرح الطحاوية» (٢/ ٣٨٦): أنَّ هذا الأثر رواه أبو إسماعيل الهروي بسنده في كتاب «الفاروق» عن أبي مطيع البلخي. والكتاب ما زال مفقودًا.
[ ١ / ٤٩٨ ]
بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو فريضة واجبة؟ قال: كذلك، ولكن ما يُفسدون أكثر مما يُصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام».
فهنا سأل أبو مُطيع الإمام أبا حنيفة ﵀ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن طائفة من الناس، يُلِمِّح إلى كل من الخوارج والمعتزلة، الذين يَرَوْن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون ضوابط شرعية، مما أدى إلى لازم ذلك من الخروج على جماعة المسلمين بالسيف والقتال.
ولا شَكَّ أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة من فرائض الإسلام، وشريعة من شرائعه، لكن لا بد أن تؤدى بالوسائل الشرعية، فيجب على المسلم أن يأمر بالمعروف وأن ينهي عن المنكر، لكن لا يخرج على جماعة المسلمين بحجة أنه يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر؛ لأنه إذا خرج عليهم بالسلاح كان إفساده أكثر من إصلاحه؛ ويترتب على خروجه من المنكر أعظم مما هم موجود وقائم.
وهناك شواهد عبر التاريخ مما صنع الخوارج والمعتزلة الذين خرجوا بالقوة على جماعة المسلمين بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فأفسدوا أكثر مما أصلحوا، والقاعدة الأصولية العامة تقول: إن درء المفاسد مُقَدَّم على جلب المصالح؛ فإذا كان هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سيجلب مَفسدة، أو سيترتب عليه مفسدة أعظم من المفسدة القائمة؛ فتركه أَوْلَى، وكذلك لا يُزال المنكر بمُنكر أشد منه؛
قال الإمامُ ابن القيم ﵀: «فإنكار المنكر أربع درجات:
الأولى: أن يَزول ويخلفه ضده.
الثانية: أن يَقِلَّ وإن لم يَزل بجُملته.
الثالثة: أن يَخلفه ما هو مثله.
الرابعة: أن يَخلفه ما هو شَرٌّ منه.
فالدرجتان الأُولَيَان مَشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة.
فإذا رأيت أهلَ الفجور والفسوق يَلعبون بالشِّطْرَنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحبُّ إلى الله ورسوله؛ كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك.
وإذا رأيت الفُسَّاق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مُكاء وتصدية، فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلَّا كان تركهم على ذلك خيرًا من أن تُفَرِّغَهم
[ ١ / ٤٩٩ ]
لما هو أعظم من ذلك، فكان ما هم فيه شاغلًا لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلًا بكتب المُجون ونحوها وخِفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسِّحْر؛ فَدَعْهُ وكتبه الأولى، وهذا بابٌ واسعٌ.
وسمعت شيخَ الإسلام ابن تيمية-قَدَّس الله روحه ونور ضريحه-يقول: مَررت أنا وبعض أصحابي في زمن التَّتار بقومٍ منهم يشربون الخمر؛ فأنكر عليهم مَنْ كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلتُ له: إنَّما حَرَّم الله الخمر؛ لأنَّها تَصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يَصدهم الخمر عن قتل النفوس وسَبْي الذرية وأخذ الأموال؛ فَدَعْهُم» (^١).
قال المصنف ﵀: «قال-أي: أبو مطيع-وذكر-أي: أبو حنيفة-الكلام في قتال الخوارج والبُغاة، إلى أن قال: قال أبو حنيفة عَمَّن قال: لا أعرف رَبِّي في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماوات.
قلت: فإن قال: إنَّه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري؛ العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عِليين، وأنه يُدعى مِنْ أعلى لا من أسفل. وفي لفظ: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف رَبِّي في السماء أم في الأرض؟ قال: قد كفر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سماوات، قال: فإنه يقول: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ولكن لا يدري؛ العرش في الأرض أو في السماء! قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر».
لا زال المؤلف يذكر كلام الإمام أبي حنيفة، كما رواه أبو مطيع البلخي ﵀، ففي هذا الكلام نرى أن الإمام أبا حنيفة كَفَّر مَنْ أنكر صفة العلو لله ﷿، والكلام في هذا صريح لا يحتمل التأويل، بل إنه ﵀ كَفَّر مَنْ تَوَقَّف في هذه المسألة، فقال: لا أدري اللهُ في السماء أم في الأرض!
لكن ينبغي التنبه هنا إلى أن كلام الأئمة في تكفير مَنْ خالف في بعض هذه المسائل هو من باب التكفير المُطلق، وليس من باب تكفير المُعَيَّن.
فالتكفير المطلق مثل الوعيد المطلق، مثل أن يتوعد الله ﷿ بالنار مَنْ يأكلون أموال اليتامى ظلمًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، فلا يجوز أن نحكم على من
_________________
(١) «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (٣/ ١٢، ١٣).
[ ١ / ٥٠٠ ]
نعلم أنه أكل أموال اليتامى بأنه في النار، وكذلك توعد الله آكل الربا بالنار، وتوعد القاتل المتعمد بالنار؛ فلا يجوز أن نَحكم على مسلم بعينه بأنه من أهل النار وإن فعل ما توعد الله من فعل هذا الفعل بالنار بإطلاق.
وكان الأئمة يُكَفِّرون ببعض المقالات، ومع ذلك لا يحكمون بكفر من يقول بها؛ فالإمام أحمد اشتهر عنه أنه قال: «مَنْ قال: إن القرآن مخلوق فقد كفر»، ومع ذلك كان يصلي خلف مَنْ يقول: القرآن مخلوق. لأنه-كما قلنا-لا بد من الحكم على معين بالكفر مِنْ تحقق شروط وانتفاء موانع.
فكلام الإمام أبي حنيفة هنا لا يعني أن كل من أنكر صفة العلو نقول له: أنت كافر خارج من الملة. لا، فكلام الأئمة يُؤخذ على عمومه، ولا يحكم به على شخص معين إلا بعد قيام الحجة وانتفاء الموانع وزوال ما عنده من شُبهة.
وكذلك ينبغي أن نَبُثَّ مثل هذه الآثار عن الإمام أبي حنيفة؛ لأن بعض أتباع مذهبه يتعصبون له، ويُشنعون على المخالفين له، وينكرون صحة نسبة هذه النصوص إليه، وبعضهم يؤولها، مع أنَّها نصوص ثابتة عنه ﵀، وهي صريحة في إثبات صفة العلو والإنكار الشديد على مَنْ أنكرها، فكلامه ﵀ لا يحتمل التأويل؛ لأنه كَفَّر حتى المتوقف الذي يقول: لا أدري؛ العرش في السماء أم في الأرض؟ فقال: «هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عِليين، وأنه يُدعى مِنْ أعلى لا من أسفل».
وقد ذكر هنا ﵀ حُجَّتين فطرية عقلية؛ وهما: أن القلوب مَفطورة على الإقرار بأن الله في العُلو، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل. وهذا يُقر به كل أحد.
أما الأقوال في صفة العلو فهي على النحو الآتي: