التعطيل لغة: مأخوذ من "العطل": الذي هو الخلو والفراغ والترك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ (^١) أي أهملها أهلها وتركوا وردها (^٢).
والتعطيل في جانب الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وهو المتمثل فيمن ينكر وجود خالق لهذا الكون، وهو قول الدهرية الملاحدة.
القسم الثاني: تعطيل عبادته ﷿، أي ما يجب له ﷿ على عباده من حقيقة التوحيد وإفراده بالعبادة، وهو المتمثل في أهل الشرك الذين صرفوا شيئا من العبادة لغير الله ﷿.
القسم الثالث: تعطيل الله سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله (^٣).
وهذا القسم الثالث هو الذي نقصده هنا.
فالمراد بالتعطيل في باب الأسماء والصفات هو: نفي الأسماء والصفات أو بعضها وسلبها عن الله.
أو نقول: هو نفي الصفات الإلهية، وإنكار قيامها بذات الله تعالى (^٤).
وقد وقع في التحريف والتعطيل طوائف، يجمعهم أهل العلم تحت مسمى "المعطلة".
وينقسم المعطلة إلى قسمين رئيسيين هما:
القسم الأول: الفلاسفة.
وهم صنفان:
الصنف الأول: أهل الفلسفة البحتة.
الصنف الثاني: أهل الفلسفة الباطنية، وهي نوعان:
أ-رافضية. ب-صوفية.
_________________
(١) الآية ٤٥ من سورة الحج
(٢) شرح الواسطية ص ٢٠
(٣) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص ١٥٣
(٤) شرح الواسطية ص ٢٠
[ ١ / ٣١٧ ]
والقسم الثاني من المعطلة هم: أهل الكلام.
وهم خمسة أصناف:
ا-الجهمية.
٢ - المعتزلة.
٣ - الكلابية.
٤ - الأشاعرة.
٥ - الماتريدية.
والتعطيل - كما ذكرنا - أعمُّ من التحريف، فمثلًا يأتي صاحب الفلسفة فيقول: هذه النصوص مجرد وهم وخيال ولا حقيقة لها، فيعطلها دون الحاجة إلى تحريفها، وبهذا يكون قد عَطَّل دون أن يحرِّف، أو مثلًا كما يفعلون في التفويض؛ لأن التفويض كذلك صورة من صور التعطيل؛ لأنه في الحقيقة إنكار للصفة دون تحديد لمعنى آخر لهذه الصفة.
فيأتي إلى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فيقول: الله أعلم بمراده، ولذلك يقول قائلهم:
وكل لفظ أوهم التشبيها … أَوِّلْهُ أو فَوِّضْه ورم تنزيها
فهم في النتيجة سواء، إن أوَّلت وإن فوَّضت، فالنتيجة واحدة وهي ماذا؟ تنزيه الله جل وعلا عن أن يوصف بهذه الصفات.
فعلى هذا يكون التعطيل أعمُّ من التحريف، والتحريف إنما هو صورة من صور التعطيل، لأن مسالك التعطيل كما سيأتي تنقسم إلى مسلكين:
المسلك الأول: مسلك التبديل.
المسلك الثاني: مسلك التجهيل.
ومسلك التبديل:
ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مسلك التخييل.
القسم الثاني: مسلك التحريف والتأويل.
ومسلك التجهيل كذلك ينقسم إلى قسمين وكل هذا إن شاء الله سيأتي في حينه، لكن أن يفهم هنا أن التعطيل أَعَمُّ من التحريف، فكل محرِّفٍ معطِّل، ولكن ليس كل معطلٍ محرف.
[ ١ / ٣١٨ ]
فمثلًا قد تقرأ لأحد من الأشاعرة أنه يأتي إلى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فيقول الله أعلم بمراده، فهنا لا يظن أنه نجا من التعطيل، إنما هو توقف بمسألة التحريف التي هي مسألة التأويل عنده، فهو إن كان قد ترك مسلك التحريف لكنه لجأ إلى مسلك التعطيل الذي نسميه التجهيل، وهذه المسالك ستأتي في حينها.
فإذًا «من غير تحريف ولا تعطيل»، أي من غير أن نبدل أو نغير في ألفاظ النصوص أو في معانيها، ومن غير أن ننكر شيئًا من أسماء الله وصفاته.
فهذا ردٌ على المعَطِّلَة، لأن المعَطِّلَة منهم من حرَّف، وكلهم متفقون في النتيجة وهي التعطيل، أي إنكار تلك الصفات أو بعضها.
فقوله هنا: «مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ» هذا ردٌ على المعَطِّلَة، والتعطيل أعمُّ من التحريف، فكل محرِّف معطل، ولكن ليس بالضرورة أن يكون المعطِّل محرِّفًا.
وهؤلاء المعَطِّلَة وضعوا هنا اصطلاحات أرادوا بها أن يمرِّروا هذا الباطل على النصوص، وهو ما يسمَّى «بالمجاز والتأويل»، فأحدثوا اصطلاحًا هو «التأويل»، وأحدثوا اصطلاحًا هو «المجاز» وفي هذين الأمرين أرادوا أن يلبِّسوا على الناس في هذه النصوص بغية تحريفها وتبديلها من حيث معانيها.
وأما قول المصنف: «ومن غير تكييف ولا تمثيل».
هذه العبارة فيها تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة المشبهة.
"فالتكييف" هو: جعل الشيء على حقيقة معينة من غير أن يقيدها بمماثل (^١).
مثال ذلك: قول الهشامية عن الله: "طوله كعرضه " (^٢).
أو قولهم: " طوله طول سبعة أشبار بشبر نفسه".
وعلى هذا التعريف يكون هناك فرق بين التكييف والتمثيل.
فالتكييف: ليس فيه تقيد بمماثل.
وأما التمثيل فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين.
ولعل الصواب أن التكييف أعم من التمثيل.
فكل تمثيل تكييف، لأن من مثل صفات الخالق بصفات المخلوقين فقد كيف تلك الصفة أي جعل لها حقيقة معينة مشاهدة.
_________________
(١) القواعد المثلى ص ٢٧
(٢) مقالات الإسلاميين ص ٣١
[ ١ / ٣١٩ ]
وليس كل تكييف تمثيلًا، لأن من التكييف ما ليس فيه تمثيل بصفات المخلوقين، كقولهم: طوله كعرضه.
ومعنى قول أهل السنة: "من غير تكييف" أي من غير كيف يعقله البشر، وليس المراد من قولهم: "من غير تكييف" أنهم ينفون الكيف مطلقًا، فإن كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون علمهم بالكيف، إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه (^١).
فمن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفاته ﷿، لأنه تعالى أخبرنا عن الصفات ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تعمقنا في أمر الكيفية قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به.
وقد أخذ العلماء من قول الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" قاعدة ساروا عليها في هذا الباب.
"ولا تمثيل":
المثيل لغة: هو الند والنظير.
والتمثيل: هو الاعتقاد في صفات الخالق، أنها مثل صفات المخلوقين.
وهو قول الممثل: له يد كيدي وسمع كسمعي، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
والتمثيل والتشبيه هنا بمعنى واحد، وإن كان هناك فرق بينهما في أصل اللغة (^٢).
فالمماثلة: هي مساواة الشيء لغيره من كل وجه.
والمشابهة: هي مساواة الشيء لغيره في أكثر الوجوه.
ولكن التعبير هنا بنفي "التمثيل" أولى لموافقة لفظ القرآن.
في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ (^٤).
وقد وقع في التمثيل والتكييف "المشبهة" الذين بالغوا في إثبات الصفات إلى درجة تشبيه الخالق بالمخلوق.
التمثيل نزعة يهودية الأصل، "فإن اليهود كثيرا ما يعدلون الخالق بالمخلوق ويمثلونه به حتى يصفوا الله بالعجز والفقر والبخل ونحو ذلك من النقائص التي يجب تنزيهه عنها، وهي من صفات خلقه" (^٥)
_________________
(١) شرح العقيدة الواسطية ص ٢١
(٢) القواعد المثلى ص ٢٧
(٣) الآية ١١ من سورة الشورى
(٤) الآية ٧٤ من سورة النحل
(٥) مجموع الفتاوي ١٠/ ٥٥.
[ ١ / ٣٢٠ ]
فقد حكي الله عنهم ذلك في كتابه، كقوله -تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقوله ردًا على وصفه سبحانه بالتعب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
وأول ظهوره في هذه الأمة على يد الرافضة الغلاة. قال البغدادي ﵀: "وأول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة" (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أول من قال: إن الله جسم هشام بن الحكم الرافضي (^٢) " (^٣).
ولعل سبب ظهور مقالة التمثيل راجع إلى أمرين:
الأمر الأول: مضاهاة أهل الكتاب -وخاصة اليهود-في مقالاتهم؛ حيث إن الإسرائيليات طافحة بتمثيل البارئ سبحانه بالمخلوقين، كما أن اليهود والنصارى ضاهوا الرومان والإغريق والهنود وغيرهم في عقائدهم. قال -تعالى-: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) التوبة: ٣٠.
فاليهود وقعوا في تمثيل الخالق بالمخلوق، والنصارى وقعوا في تمثيل المخلوق بالخالق. وكذلك جرى في هذه الأمة -كما سيأتي عند ذكر فرق الممثلة - قال ﷺ: «لتبعن سنن الذين من قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب تبعتموهم، قلنا: با رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!» (^٤).
الأمر الثاني: مقابلة التعطيل بضده، فقد ظهر مذهب التعطيل فقوبل بالتمثيل، وإلى هذا المعني بشير الذهبي ﵀-بقوله: (وظهر بخراسان: الجهم بن صفوان، ودعا إلى تعطيل الرب ﷿ وخلق القرآن، وظهر بخراسان في قبالته مقاتل بن
_________________
(١) الفرق بين الفرق ٣٢٥.
(٢) هشام بن الحكم الكوفي الرافضي، المشبه المعثر، وله نظر وجدل وتواليف كثيرة قال في مختلف الحديث: كان من الغلاة ويقول بالجبر الشديد، وذكر عنه ابن حزم أنه يزعم أن ربه طوله سبعة أشبار بشبر نفسه، ويزعم أن علم الله محدث. مات بعد نكبة البرامكة بمديدة مستترًا وقيل عاش إلى خلافة المأمون. لسان الميزان ٦/ ١٩٤
(٣) الفتاوي ٣/ ١٨٦.
(٤) رواه البخاري: كتاب الاعتصام ٨/ ١٥١، ورواه مسلم، كتاب العلم ٦.
[ ١ / ٣٢١ ]
سليمان المفسر، وبالغ في إثبات الصفات حتى جسم) (^١).
قال ابن رجب الحنبلي": وأما ما أحدث بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علوما وظنوا أن من لم يكن عالمًا بها فهو جاهل أو ضال فكلها بدعة وهي من محدثات الأمور المنهي عنها. فمن ذلك ما أحدثته المعتزلة من الكلام في القدر وضرب الأمثال للَّه. " (^٢)
إلى أن قال ﵀: "وينقسم هؤلاء إلى قسمين:
أحدهما: من نفى كثيرًا مما ورد به الكتاب والسنة من ذلك لاستلزامه عنده للتشبيه بالمخلوقين كقول المعتزلة لو رؤي لكان جسما لأنه لا يرى إلا في جهة: وقولهم لو كان له كلام يسمع لكان جسما ووافقهم من نفى الاستواء فنفوه لهذه الشبهة: وهذا طريق المعتزلة والجهمية وقد اتفق السلف على تبديعهم وتضليلهم وقد سلك سبيلهم في بعض الأمور كثير ممن انتسب إلى السنة والحديث من المتأخرين.
والثاني: من رام إثبات ذلك بأدلة العقول التي لم يرد بها الأثر ورد على أولئك مقالتهم كما هي طريقة مقاتل بن سليمان ومن تابعه كنوح بن أبي مريم وتابعهم طائفة من المحدثين قديمًا وحديثًا. وهو أيضًا مسلك الكرامية فمنهم من أثبت لإثبات هذه الصفات الجسم إما لفظا وإما معنى. ومنهم من أثبت للَّه صفات لم يأت بها الكتاب والسنة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة.
وقد أنكر السلف على مقاتل قوله في رده على جهم بأدلة العقل وبالغوا في الطعن عليه (^٣). "
قال ابن رجب الحنبلي: "الصواب في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه فما سكت من سكت من كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلا ولا عجزًا ولكن سكتوا عن علم وخشية للَّه. وما تكلم من تكلم وتوسع من توسع بعدهم لاختصاصه بعلم دونهم ولكن حبًا للكلام وقلة ورع كما قال الحسن وسمع قوما يتجادلون هؤلاء قوم ملوا العبادة وخف عليهم القول وقل ورعهم فتكلموا. " (^٤)
_________________
(١) تذكرة الحفاظ ١٥٩، ١٦٠.
(٢) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٢
(٣) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٣
(٤) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٤
[ ١ / ٣٢٢ ]
مقصود المخالفين بمعنى التشبيه:
التشبيه في اصطلاح المتكلمين وغيرهم هو التمثيل، والمتشابهان هما المتماثلان، وهما ما سد أحدهما مسد صاحبه وقام مقامه وناب منابه (^١).
ومقصود المتكلمين بنفي التشبيه:
أن يراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات، فلا يقال له قدرة، ولا علم، ولا حياة، لأن العبد موصوف بهذه الصفات، ولازم هذا القول أنه لا يقال له حي، عليم، قدير، لأن العبد يسمى بهذه الأسماء وكذلك كلامه وسمعه وبصره وإرادته وغير ذلك (^٢).
وأصل الخطأ والغلط توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتًا في هذا المعين وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقًا كليًا، بل لا يوجد إلا معينًا مختصًا، وهذه الأسماء إذا سمي الله بها كان مسماها معينًا مختصًا به.
فإذا سمي بها العبد كان مسماها مختصًا به، فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشاركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق.
وبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى فزادوا فيه على الحق فضلوا. وأن المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا. وإن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه (^٣).
أقسام التمثيل:
قال ابن القيم: "حقيقة الشرك هو:
١ التشبه بالخالق.
٢ التشبيه للمخلوق به.
هذا هو التشبيه في الحقيقة" (^٤).
وإذا كان التشبيه هو حقيقة الشرك كما ذكر ابن القيم، فإنه يمكن توضيح صوره بناءً على أقسام التوحيد الثلاثة المعروفة وذلك على النحو التالي:
_________________
(١) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٧٦).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٩٩).
(٣) شرح الطحاوية (ص ١٠٤) بتصرف.
(٤) الجواب الكافي (١٥٩).
[ ١ / ٣٢٣ ]
أولًا: التمثيل في جانب الربوبية
وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومثاله:
١ شرك القدرية القائلين بأن العبد هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته.
٢ شرك غلاة عباد القبور الذين يعتقدون في أصحاب القبور أنهم يتصرفون وينفعون ويضرون من دون الله.
ولا شك أن من خصائص الرب التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل به وحده. فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل ما لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، -فضلًا عن غيره-شبيهًا لمن له الأمر كله، فأزمة الأمور كلها بيده، ومرجعها إليه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
فمن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات (^١).
القسم الثاني: التشبه بالخالق، ومن أمثلته:
١ من تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم (^٢).
ففي الصحيح عنه ﵁ قال: "يقول الله ﷿: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته".
ثانيًا: التمثيل في جانب الألوهية.
وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومن أمثلة ذلك:
السجود لغير الله، والذبح لغير الله، والتوبة لغير الله، والحلف بغير الله.
فمن خصائص الإلهية، العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما:
١ غاية الحب
٢ مع غاية الذل
هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين.
_________________
(١) الجواب الكافي (ص ١٥٩ - ١٦٠).
(٢) المصدر السابق (ص ١٦١).
[ ١ / ٣٢٤ ]
فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه في خالص حقه.
فإذا عرف هذا، فمن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به.
ومنها التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به.
ومنها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به.
ومنها الحلف باسمه تعظيمًا وإجلالًا له، فمن حلف بغيره فقد شبهه به (^١).
القسم الثاني: التشبه به، ومثاله:
من دعا الناس إلى تعليق القلب به خوفًا، ورجاءً، وتوكلًا، والتجاءً، واستعانةً (^٢)، كما يفعله بعض مشايخ طرق الصوفية مع مريديهم.
أقسام التمثيل في باب الأسماء والصفات:
ينقسم التمثيل في باب الأسماء والصفات إلى قسمين:
القسم الأول: تمثيل المخلوق بالخالق.
وهذا ما زعمه النصارى في شأن عيسى ﵇ إذ أعطوه خصائص الخالق ﷿ وجعلوه إلهًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والنصارى يصفون المخلوق بصفات الخالق التي يختص بها، ويشبهون المخلوق بالخالق، حيث قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، وإن الله ثالث ثلاثة، وقالوا المسيح ابن الله" (^٣).
ومن هذا القسم كذلك السبيئة (^٤) من غلاة الروافض: الذين شبهوا عليًا ﵁ بالله، وجعلوه إلهًا، وقالوا: أنت الله حتى حرقهم، فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له. فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو. قال: من أنا؟ قالوا: أنت الله الذي لا إله إلا هو.
فقال: ويحكم هذا كفر، فارجعوا عنه، وإلا ضربت أعناقكم، فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك، فأخرهم ثلاثة أيام -لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام-فلما لم
_________________
(١) انظر الجواب الكافي (ص ١٦٠ - ١٦١).
(٢) المصدر السابق (ص ١٦١).
(٣) منهاج السنة (٥/ ١٦٩).
(٤) السبيئة: نسبة إلى عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي أظهر الإسلام، وكاد للمسلمين كيدًا عظيمًا، وهو الذي قال لعلي: أنت الله. انظر: الفرق بين الفرق (ص ٢٣٣)، والملل والنحل (١/ ١٧٤).
[ ١ / ٣٢٥ ]
يرجعوا، أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كندة، وقذفهم في تلك النار، وروي عنه أنه قال:
لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا … أججت ناري ودعوت قنبرًا" (^١)
القسم الثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق
وهذا ما زعمه اليهود قاتلهم الله إذ وصفوا الخالق ببعض صفات المخلوقين، كما ذكر الله ذلك عنهم في كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقال تعالى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فاليهود تصف الرب بصفات النقص التي يتصف بها المخلوق، كما قالوا: إنه بخيل، وإنه فقير، وإنه لما خلق السموات والأرض تعب" (^٢).
وإنّه رمد وعادته الملائكة وإنّه بكى على طوفان نوح ﵇ (^٣).
ويدخل في هذا القسم المشبهة الذين جعلوا ما ورد من صفات الله جل وعلا مماثلًا ومشابهًا لصفات المخلوقين كقولهم له يد كيدي، وسمع كسمعي، وبصر كبصري.
فرق المشبهة ومقالاتهم:
وأما قدماؤهم فهم:
١ البيانية: من غالية الشيعة وهم أتباع بيان بن سمعان التيمي الذي كان يقول: إن الله على صورة الإنسان وإنه يهلك كله إلا وجهه، وادعى بيان أنه يدعو الزُهَرَة فتجيبه، وأنه يفعل ذلك بالاسم الأعظم، فقتله خالد ابن عبد الله القسري (^٤).
٢ المغيرية: وهم أصحاب المغيرة بن سعيد، ويزعمون أنه كان يقول إنه نبي وإنه اسم الله الأكبر وإن معبودهم رجل من نور على رأسه تاج، وله من الأعضاء والخلق مثل ما للرجل، وله جوف وقلب تنبع منه الحكمة، وإن حروف (أبي جاد) على عدد أعضائه، قالوا: والألف موضع قدمه لاعوجاجها، وذكر الهاء فقال: لو رأيتم موضعها منه لرأيتم أمرًا عظيما، يعرِّض لهم بالعورة وبأنه قد رآه، لعنه الله وأخزاه (^٥).
_________________
(١) منهاج السنة (١/ ٣٠٧).
(٢) منهاج السنة (٥/ ١٦٨).
(٣) منهاج السنة (٢/ ٦٢٧).
(٤) مقالات الإسلاميين (ص ٥)، منهاج السنة (٢/ ٥٠٢).
(٥) مقالات الإسلاميين (ص ٧)، منهاج السنة (٢/ ٥٠٣ - ٥٠٤).
[ ١ / ٣٢٦ ]
٣ الهشامية: ويسمون بالهشامية نسبة إلى هشام بن الحكم الرافضي، وأحيانًا تنسب إلى هشام بن سالم الجواليقي، وكلاهما من الإمامية المشبهة، والجدير بالذكر أن الرافضة الإمامية كان ينتشر فيهم التشبيه وهذا في أوائلهم (^١).
٤ الجواربية: أتباع داود الجواربي الذي وصف معبوده بأن له جميع أعضاء الإنسان إلا الفرج واللحية (^٢).
وقال: "أعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عما وراء ذلك" (^٣). تعالى الله عما يقوله علوًا كبيرًا.
وقال الأشعري في المقالات: "وقال داود الجواربي: إن الله جسم، وأن له جُثةٌ وأنه على صورة الإنسان له لحم ودم وشعر وعظم، له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين، وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره" (^٤).
وحكي عن داود الجواربي أنه كان يقول: إنه أجوف من فِيهِ إلى صدره، مُصْمَتٌ ما سوى ذلك (^٥).
قال أبو الحسن الأشعري في كتاب "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين": "اختلف الروافض وأصحاب الإمامة في التجسيم وهم ست فرق:
فالفرقة الأولى: (الهشامية)، أصحاب هشام بن الحكم الرافضي.
يزعمون أن معبودهم جسم، وله نهاية وحَدٌّ، طويل، عريض، عميق، طوله مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه، لا يُوفي بعضه على بعض، وزعموا أنه نور ساطع، له قدر من الأقدار، في مكان دون مكان، كالسبيكة الصافية، يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها، ذو لون وطعم، ورائحة، ومجسَّة، لونه هو طعمه، وطعمه هو رائحته" وذكر كلامًا طويلًا.
وذكر عن هشام أنه قال في ربه في عام واحد خمسة أقاويل، زعم مرة أنه كالبلورة، وزعم مرة أنه كالسبيكة، وزعم مرة أنه غير صورة، وزعم مرة أنه بشبر نفسه سبعة أشبار ثم رجع عن ذلك وقال: هو جسم لا كالأجسام.
_________________
(١) شرح الأصفهانية (ص ٦٥).
(٢) الفرق بين الفرق (ص ٢٢٨)، مقالات الإسلاميين (١/ ١٨٣)، ودرء تعارض العقل والنقل (٤/ ١٤٥).
(٣) الملل والنحل للشهرستاني (١/ ١٠٥).
(٤) المقالات (١/ ٢٠٩).
(٥) منهاج السنة (٢/ ٦١٨).
[ ١ / ٣٢٧ ]
الفرقة الثانية: من الرافضة يزعمون أن ربهم ليس بصورة ولا كالأجسام، وإنما يذهبون في قولهم: إنه جسم، إلى أنه موجود، ولا يثبتون الباري ذا أجزاء مؤتلفة وأبعاض متلاصقة ويزعمون أن الله على العرش مستو بلا مماسة ولا كيف.
الفرقة الثالثة: من الرافضة، يزعمون أن ربهم على صورة الإنسان، ويمنعون أن يكون جسمًا.
الفرقة الرابعة: من الرافضة (الهشامية) أصحاب هشام بن سالم الجواليقي، يزعمون أن ربهم على صورة الإنسان وينكرون أن يكون لحمًا ودمًا. ويقولون: هو نور ساطع يتلألأ بياضًا، وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان، له يد، ورجل، وأنف، وأذن، وعين، وفم، وأنه يسمع بغير ما يبصر به وكذلك سائر حواسه متغايرة عنده.
وحكى أبو عيسى الوراق أن هشام بن سالم كان يزعم أن لربه وَفْرَة (^١) سوداء وأن ذلك نور أسود.
الفرقة الخامسة: يزعمون أن لرب العالمين ضياءً خالصًا، ونورًا بحتًا، وهو كالمصباح الذي من حيث جئته يلقاك بأمر واحد، وليس بذي صورة ولا أعضاء، ولا اختلاف في الأجزاء. وأنكروا أن يكون على صورة الإنسان أو على صورة شيء من الحيوان.
الفرقة السادسة: من الرافضة يزعمون أن ربهم ليس بجسم ولا بصورة ولا يشبه الأشياء ولا يتحرك ولا يسكن ولا يماس. وقالوا في التوحيد بقول المعتزلة والخوارج، وهؤلاء قوم من متأخريهم، فأما أوائلهم فإنهم كانوا يقولون ما حكينا عنهم من التشبيه.
قال شيخ الإسلام: "وأما متأخريهم من عهد بني بويه ونحوهم من أوائل المائة الرابعة ونحو ذلك فإنهم صار فيهم من يوافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم" (^٢).
وقال أيضًا: "وكتب الشيعة مملوءة بالاعتماد في ذلك -يعنى مسائل الصفات والقدر-على طرق المعتزلة وهذا كان في أواخر المائة الثالثة، وكثر في المائة الرابعة لما صنف لهم المفيد وأتباعه كالموسوي والطوسي.
_________________
(١) الوفرة، الشعر المجتمع على الرأس، أو ما سال على الأذنين، أو ما جاوز شحمة الأذن. القاموس المحيط.
(٢) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٥٤).
[ ١ / ٣٢٨ ]
وأما قدماء الشيعة فالغالب عليهم ضد هذا القول، كما هو قول الهشامية وأمثالهما.
فالرافضة الإمامية وكذلك الزيدية على عقيدة المعتزلة في مسائل الصفات إلى يومنا هذا.
غلاة المتصوفة
من نُسب إلى التشبيه: