كانت هذه الفرقة منتشرة في خراسان وفارس والعراق وبلاد ما وراء النهر قبل دخول (زردشت) لهذه البلاد، ثم انتشرت المجوسية في تلك البلاد، وبقي القليل منهم شرقي بلخ (^٤).
_________________
(١) لسان العرب لابن منظور (١٣/ ٢٢٠).
(٢) James G.Lochtefeld، The Illustrated Encyclopedia of Hinduism (The Rosen Publishing Group، ٢٠٠٢)، vol.II، p. ٦٣٩
(٣) أبو الريحان البيروني، تحقيق ما للهند من مقولة، بيروت: عالم الكتب، ٢٠١١ م، ص:
(٤) تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، للبيروني (ص ١٥).
[ ١ / ٢٢٣ ]
يقول ابن النديم، في كتابه "الفهرست": إن أكثر سكان ما وراء نهر الفرات كانوا يتبعون هذا المذهب، قبل الإسلام.
ويعرفهم البيروني في كتاب "الهند" بأنهم أصحاب البد، أي البوذيون، حيث كانت الديانة السائدة من حدود بلاد الشام في الموصل مرورًا بالعراق إلى دولة فارس حتى خراسان، وذلك قبل ظهور دعوة "زرادشت" إلى المجوسية التي انتشرت في تلك المنطقة وتراجعت السمنية إلى الشرق، حتى انتشار الإسلام في تلك البلاد في آسيا الصغرى، إلا أن البعض يرى أن السمنيّة مذهبٌ، سبق البوذية وكان مقدمة لها.
ويرى الباحث عبد الله نومسوك في كتابه البوذية أنها كانت منتشرة في فترة زمنية من التاريخ فيقول: " انتشرت البوذية في فارس وخراسان وما جاورها قبل الفتح الإسلامي: فقد ثبت بالأدلة التاريخية أن الدعوة البوذية كانت نشطة في زمن قبل الإسلام في شرق البلاد الفارسية، وفي خراسان، وغيرها من بلاد آسيا الوسطى وقد أشار إلى ذلك ابن النديم (^١)، وكذلك البيروني، الذي تنبه إلى أن الفرقة المعروفة بالسمنية وهي البوذية كانت مزدهرة في خراسان، وفارس، والعراق، والموصل، إلى حدود الشام (^٢).
وما زالت البوذية مزدهرة في هذه المناطق حتى في صدر الإسلام، بدليل ما ذكره «هيون سانغ، الرحالة الصيني المعروف في مذكراته أنه عندما دخل «بلخ» إحدى مدن خراسان (^٣) وجد الأديرة البوذية منتشرة فيها، وأنه عاش فترة طويلة مع الرهبان البوذيين في بلخ وغيرها من مدن خراسان، ونشر معهم تعاليم البوذية (^٤). (^٥)
عقائدها: ذكر من عقائدهم:
١ - قولهم بقدم العالم، كالدهرية.
_________________
(١) الفهرست (٤٨٤).
(٢) انظر: كتاب البيروني في تحقيق ما للهند (١٥).
(٣) كان إقليم خراسان أيام الخلافة الإسلامية ينقسم إلى أربعة أرباع، نسب كل ربع إلى إحدى المدن الأربعة الكبرى التي كانت في أوقات مختلفة عواصم للإقليم بصورة منفردة أو مجتمعة، وهذه المدن هي نيسابور، ومرو، وهراة، وبلخ. انظر: «بلدان الخلافة الشرقية: (٢١، ٤٢٤، ٤٦٢) وما بعدها.
(٤) Buddhism in Middle Asia P. ٥٦، ٥٧» وقد كانت رحلته كانت في فترة (٦٢٩ - ٦٤٥ م) وهي فترة صدر الإسلام، لأن الرسول ﷺ عاش في فترة (٥٧٠. ٦٣٢ م).
(٥) البوذية لعبد الله نومسوك ص ٣٩٦ - ٣٩٧
[ ١ / ٢٢٤ ]
٢ - وزادوا عليهم القول بتكافؤ الأدلة وإبطال النظر والاستدلال (^١).
٣ - وزعموا أنه لا معلوم إلا من جهة الحواس الخمس، وأنه لا موجود إلا ما وقعت عليه الحواس (^٢). فهم يؤمنون بما تدركه الحواس الخمس فحسب، ولا يؤمنون بالغيبيات مهما كانت، والحواس بالنسبة إليهم تعطي الحقائق التي يمكن إدراكها ومعرفتها،
٤ - وأنكروا وقوع العلم من الأخبار المتواترة (^٣).
٥ - كما أنكروا الأعراض (^٤).
٦ - وأنكر أكثرهم المعاد والبعث بعد الموت،
٧ - ومنهم جماعة تؤمن بتناسخ الأرواح (^٥)، وأخرى تنكر ذلك. فقال فريق منهم بتناسخ الأرواح في الصور المختلفة فأجازوا أن ينقل روح الإنسان إلى كلب، وروح الكلب إلى إنسان. ويقولون إن الأرض لا تزال تهوي سفلًا بمن عليها. (^٦)
٨ - وكان فريق منهم يعبد الصنم (بوذا) (^٧)، وكتابهم المقدس (جورامين) (^٨). ولا تلتزم هذه الفرقة بطقوس تعبّد محددة، ولا يوجد لديها نصوص تستند إليها،
٩ - ولا يدفنون موتاهم، بل يطرحون جثثهم في الماء الجاري، لظنهم أن البوذا أمرهم بذلك (^٩). ولقد شبههم بعض علماء السنة بالمجوس (^١٠).
_________________
(١) ومعنى ذلك: أنه لا يمكن عندهم نصر مذهب على مذهب، ولا تغليب مقالة على مقالة، بل دلائل كل مقالة مكافئة لدلائل سائر المقالات. انظر: الفصل الابن حزم (٥/ ٢٥٣)
(٢) الحور العين للحميري (ص ١٣٩).
(٣) انظر: أصول الدين، للبغدادي (ص ٣١٩ - ٣٢٠).
(٤) الحور العين للحميري (ص ١٣٩).
(٥) الكارما، في اللغة السنسكريتية تعني العمل، والهندوس يرون أن جميع أعمال البشر خيرًا كانت أو شرًا لابد من أن يجازي عليها بالثواب أو بالعقاب، ويكون الجزاء في هذه الحياة. أما التناسخ فهو القول بأن الروح بعد مفارقتها الجسد ترجع إلى العالم الأرضي، حيث تتقمص جسدا آخر لتثاب في الأرض أو تعاقب حسب ما قدمت من عمل في دورتها السابقة.
(٦) انظر: كتاب التوحيد للماتريدي (ص ١٥٢).
(٧) تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، للبيروني (ص ٩٣)
(٨) نفس المصدر (ص ١٢٢).
(٩) نفس المصدر (ص ٤٧٩).
(١٠) انظر ما نقله شيخ الإسلام عن الإمام محمد بن سلام البيكندي في التسعينية (١/ ٢٤٠). ولعل وجه الشبه بالمجوس أنهم ينكرون البعث والمعاد، والله أعلم.
[ ١ / ٢٢٥ ]
١٠ - وذكر أن لأتباع مذهب السمنية "نبي" اسمه بوداسف، ولكنه ليس محصورًا بشخص محدد، وإنما هو اسم مشتق من "بوديساتوا"، أي "الكائن المستنير" كما يصفه البوذيون، وهو الذي يتمتع بدرجة عالية من "الرقي الروحي"، ولكنه لم ينفصل عن الناس، بل بقي قريبًا وملاصقًا لهم، يعمل على تحريرهم من معاناتهم.
قال أيوب بن أبي تميمة: «ما أعلم أحدًا من أهل الضلال أكذب على كتاب الله من السمنية»، ثم علق على هذا الكلام محمد بن سلام البيكندي قائلا: «وهو عندنا كما قال. لا أعلم أحدًا أجهل، ولا أحمق قولًا منهم. لا يتعلقون من كتاب الله بشيء، ولا يحتجون، إنما هو حب وبغض: من أحب دخل الجنة، ومن أبغض دخل النار» (^١).
هذا أهم ما يعرف عن هذه الفرقة. (^٢)