قال أبو عبد الله بن أبي زَمِنين (^٢) ﵀: «فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه ووصفه بها نبيه ﷺ ليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير، فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لم تره العيون فتَحُدُّه كيف هو كينونته، لكن رأته القلوب في حقائق الإيمان به» (^٣).
وقال الإمام ابن عبد البر ﵀: «الذي عليه أهل السنة، وأئمة الفقه والأثر، في هذه المسألة (^٤) وما أشبهها، الإيمان بما جاء عن النبي ﷺ فيها، والتصديق بذلك، وترك التحديد والكيفية في شيء منه» (^٥).
_________________
(١) شرح الطحاوية ص ١٠٤ بتصرف.
(٢) محمد بن عبد الله بن أبي زَمِنِين المُرِّي، أبو عبد الله الأَبْيَري القرطبي، الإمام القدوة الزاهد، صاحب التصانيف، ومنها: مختصر المدونة، وأصول السنة على طريقة السلف، توفي سنة ٣٩٩ هـ. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك (٤/ ٦٧٢)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٨٨).
(٣) رياض الجنة بتخريج أصول السنة (ص ٧٤).
(٤) أي: مسألة الصفات.
(٥) التمهيد لابن عبد البر (٧/ ١٤٨).
[ ١ / ٣٤٥ ]
(٥٧) "فَكَمَا نَتَيَقَّنُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَهُ ذَاتٌ حَقِيقَةً وَلَهُ أَفْعَالٌ حَقِيقَةً، فَكَذَلِكَ لَهُ صِفَاتٌ حَقِيقَةً. وَهُوَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ "
من جملة القواعد التي قررها علماء أهل السنة والجماعة وأشهرها قاعدة: "القول في الصفات كالقول في الذات"، وهذه القاعدة هي أحد أدلة علماء أهل السنة في تقرير ثبوت الصفات والرد على من أنكرها، وهي قاعدة قد اتفق عليها أهل السنة والجماعة قاطبةً، ولأهميتها جعلها شيخ الإسلام ابن تيمية الأصلَ الثاني من الأصلين اللذين بنى عليهما كتابه التدمرية حيث يقول فيه: "وهذا يتبين بالأصل الثاني - وهو أن يقال: القول في الصفات كالقول في الذات" (^١).
قد دل على هذه القاعدة الكتابُ العزيز، كما أجمع عليها علماء الأمة، وفيما يلي بيان ذلك:
أولًا: الدليل من الكتاب العزيز:
١ قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وجه الدلالة:
(فالله تعالى وصف نفسه بأن له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.
ولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل، كان له المثل الأعلى وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان، لأنهما إن تكافآ من كل وجه، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافأ، فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة) (^٢).
_________________
(١) التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع (ص: ٤٣).
(٢) الصواعق المنزلة ٣/ ١٠٣٢، وشرح الطحاوية ص ١٤٤.
[ ١ / ٣٤٦ ]
٢ قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. يقول ابن قتيبة: "أي: ليس كهو شيء، والعرب تقيم المثل مقام النفس، فتقول: مثلي لا يقال له هذا، أي: أنا لا يقال لي هذا" (^١). ويقول الزجاج: "هذه الكاف مؤكدة، والمعنى: ليس مثله شيء، ولا يجوز أن يقال: المعنى مثل مثله شيء؛ لأن من قال هذا فقد أثبت المثل لله، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا" (^٢).
وجه الدلالة:
في الآية الكريمة نفي صريح للمماثلة والمشابهة بين الله تعالى وبين مخلوقاته، فهو تعالى لا يماثله ولا يشبهه شيء من خلقه، لا في ذاته ولا في صفاته.
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: "أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء؛ لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه" (^٣).
وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإذا كان له [تعالى] ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات" (^٤).
ثانيًا: الإجماع:
يقول ابن أبي يعلى: وقد أجمع أهل القبلة: أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وكيفية، وأن إثبات الصفات للباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وكيفية، وأنها صفات لا تشبه صفات البرية، ولا تدرك حقيقة علمها بالفكر والروية (^٥).
وفيما يلي ذكر جملة من أقوال العلماء في تقرير هذه القاعدة؛ لبيان شهرتها عندهم.
١ - قول الإمام أبي الحسن عبد العزيز الكناني المكي (ت ٢٤٠ هـ):
قال الإمام عبد العزيز الكناني في كتابه (الحيدة): "فقلت له [أي: لبشر
_________________
(١) غريب القرآن لابن قتيبة (ص: ٣٩١).
(٢) معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٣٩٥).
(٣) تيسير الكريم الرحمن للشيخ السعدي (ص: ٧٥٤).
(٤) التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع (ص: ٤٣).
(٥) ينظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٨).
[ ١ / ٣٤٧ ]
المريسي]: قال الله ﷿. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْت﴾ [آل عمران: ١٨٥]، أفتقول: إن نفس رب العالمين داخلة في هذه النفوس التي تذوق الموت؟! فصاح المأمون بأعلى صوته-وكان جهير الصوت-معاذَ الله، معاذَ الله، معاذَ الله، فقلت: إذًا-ورفعت صوتي-معاذَ الله معاذ الله أن يكون كلام الله داخلًا في الأشياء المخلوقة، كما أن نفسه ليست بداخلة في الأنفاس الميتة، وكلامه خارج عن الأشياء المخلوقة، كما أن نفسه خارجة عن الأنفس الميتة" (^١).
٢ - قول الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ):
قال الإمام أحمد: "إنما التشبيه أن يقول: يد كيد أو وجه كوجه. فأما إثبات يد ليست كالأيدي، ووجه ليس كالوجوه، فهو كإثبات ذات ليست كالذوات، وحياة ليست كغيرها من الحياة، وسمع وبصر ليس كالأسماع والأبصار" (^٢).
٣ - قول الإمام أبي سليمان الخطابي (ت ٣٨٨ هـ):
قال الخطابي في رسالته المشهورة (الغنية عن الكلام وأهله) (^٣): "والأصل في هذا: أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. ". هذا كله كلام الخطابي (^٤).
٤ - قول الإمام أبي نصر السِّجزي (ت ٤٤٤ هـ):
قال أبو نصر السِّجزي: "واتفق المنتمون إلى السّنة بأجمعهم على أنه [يعني القرآن الكريم] غير مخلوق، وأنّ القائل بخلقه كافر، فأكثرهم قال: إنه كافر كفرًا ينقل عن الملة، ومنهم من قال: هو كافر بقول غير الحق في هذه المسألة. والصحيح الأوّل؛ لأن من قال: إنه مخلوق؛ صار منكرًا لصفة من صفات ذات الله ﷿، ومنكر الصفة كمنكر الذات، فكفره كفر جحود لا غير" (^٥).
وقال أيضًا: "الفصل الثامن: في بيان أن الذي يزعمون بشاعته من قولنا في
_________________
(١) الحيدة والاعتذار في الرد على من قال بخلق القرآن (ص: ٥٣ - ٥٤).
(٢) ينظر: الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة لابن القيم (١/ ٢٣٠).
(٣) انظر: صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام (١/ ١٣٧ - ١٤٧).
(٤) ينظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (٣/ ١٦٧، ٥/ ٥٨ - ٥٩).
(٥) رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص: ١٥٣).
[ ١ / ٣٤٨ ]
الصفات ليس على ما زعموه، ومع ذلك فلازم لهم في إثبات الذات مثل ما يلزمون أصحابنا في الصفات" (^١).
٥ - قول شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني (ت ٤٤٩ هـ):
قال الشيخ أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني في كتابه (عقيدة السلف وأصحاب الحديث): "فلما صحَّ خبر النزول عن الرسول ﷺ أقرَّ به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ﷺ، ولم يعتقدوا تشبيهًا له بنزول خلقه، ولم يبحثوا عن كيفيته؛ إذ لا سبيل إليها بحال، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق، تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوًّا كبيرًا، ولعنهم لعنًا كثيرًا" (^٢).
٦ - قول أبي يعلى الحنبلي (ت ٤٥٧ هـ):
قال ابن أبي يعلى في كتابه (طبقات الحنابلة): "اعتقد الوالد السعيد [يعني: أبا يعلى محمد بن الحسين] ومن قبله ممن سبقه من الأئمة: أن إثبات صفات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد لها، حقيقة في علمه، لم يُطْلع الباري سبحانه على كنْه معرفتها أحدًا من إنس ولا جان، واعتقدوا: أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات ويحتذي حذوه ومثاله، وكما جاء" (^٣).
٧ - قول الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ):
أسند الحافظ الذهبي (^٤) عن الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي قوله: "أما الكلام في الصفات، فأما ما روي منها في السنن الصحاح، فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيف والتشبيه عنها.
والأصل في هذا: أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله، وإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته، فإنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. (^٥).
_________________
(١) المصدر السابق (ص: ٢٨١).
(٢) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص: ٤٨).
(٣) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ٢٠٨).
(٤) في كتابه العرش (٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨)، كما أوردها الحافظ الذهبي في كتبه: العلو للعلي الغفار (ص: ٢٥٣)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، وتاريخ الإسلام (١٠/ ١٧٥)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٤٢ - ١١٤٣).
(٥) ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في جوابه عن سؤال أهل دمشق في الصفات، وقد طبعت هذه الرسالة في مكتبة العلم بجدة سنة ١٤١٣ هـ، كما وضعت في ذيل كتاب اعتقاد أهل السنة للإسماعيلي (ص ٦٤ - ٦٥ ط. دار الريان).
[ ١ / ٣٤٩ ]
٨ - قول الإمام محيي السنة البغوي (ت ٥١٦ هـ):
قال الإمام أبو محمد البغوي الشافعي في كتابه (شرح السنة) -بعد ذكره جملةً من صفات الله تعالى-: "فهذه ونظائرها صفات لله ﷿، ورد بها السمع، يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، معرضًا فيها عن التأويل، مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أن الباري ﷾ لا يشبه شيءٌ من صفاته صفاتِ الخلق، كما لا تشبه ذاتُه ذواتِ الخلق، قال الله ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وعلى هذا مضى سلف الأمة وعلماء السنة، تلقّوها جميعًا بالإيمان والقَبول، وتجنّبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلمَ فيها إلى الله ﷿" (^١).
٩ - قول ابن أبي يعلى (ت ٥٢٦ هـ):
قال ابن أبي يعلى في (طبقات الحنابلة): "ومما يدل على أن تسليم الحنبلية لأخبار الصفات من غير تأويل، ولا حمل على ما يقتضيه الشاهد، وأنه لا يلزمهم في ذلك التشبيه: إجماع الطوائف من بين موافق للسنة ومخالف أن الباري سبحانه ذات وشيء وموجود، ثم لم يلزمنا وإياهم إثبات جسم ولا جوهر ولا عرض، وإن كانت الذات في الشاهد لا تنفك عن هذه السمات، وهكذا لا يلزم الحنبلية ما يقتضيه العرف في الشاهد في أخبار الصفات" (^٢).
١٠ - قول الإمام قوام السنة إسماعيل بن محمد الأصبهاني (ت ٥٣٥ هـ):
قال أبو القاسم إسماعيل بن محمد الأصبهاني الملقب بقِوام السنة في كتابه (الحجة في بيان المحجة): "الكلام في صفات الله ﷿ ما جاء منها في كتاب الله، أو روي بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله ﷺ، فمذهب السلف-رحمة الله عليهم أجمعين-إثباتُها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وذهب قوم من المثبتين إلى البحث عن التكييف.
والطريقة المحمودة هي الطريقة المتوسطة بين الأمرين؛ وهذا لأن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، وإثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات، وإنما أثبتناها؛ لأن التوقيف ورد بها، وعلى هذا مضى السلف.
_________________
(١) شرح السنة (١/ ١٧٠ - ١٧١).
(٢) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ٢١١).
[ ١ / ٣٥٠ ]
قال مكحول والزهري: "أمرّوا هذه الأحاديث كما جاءت"، فإن قيل: كيف يصح الإيمان بما لا نحيط علمًا بحقيقته؟ قيل: إن إيماننا صحيحٌ بحق من كلَّفَناه، وعلمُنا محيطٌ بالأمر الذي ألزمَناه، وإن لم نعرف ما تحتها حقيقة كيفيته، وقد أمرَنا بأن نؤمن بملائكة الله وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالجنة ونعيمها، وبالنار وعذابها، ومعلوم أنا لا نحيط علمًا بكل شيء منها على التفصيل، وإنما كلفناه الإيمان بها جملة" (^١).
١١ - قول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ):
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "القول في الصفات كالقول في الذات؛ فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقةً لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقةً لا تماثل سائر الصفات" (^٢).
١٢ - قول الحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ هـ):
قال الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء): "ومعلوم عند أهل العلم من الطوائف أن مذهب السلف إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت، من غير تأويل ولا تحريف، ولا تشبيه ولا تكييف؛ فإن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات المقدسة. وقد علم المسلمون أن ذات الباري موجودة حقيقةً، لا مِثلَ لها، وكذلك صفاته تعالى موجودة، لا مثل لها" (^٣).
١٣ - قول الإمام ابن القيم (ت ٧٥١ هـ):
قال الإمام ابن القيم في (الصواعق المرسلة): "فكان الباب عندهم [يعني: عند السلف] بابًا واحدًا، قد اطمأنت به قلوبهم، وسكنت إليه نفوسهم، فأنِسوا من صفات كماله ونعوت جلاله بما استوحش منه الجاهلون المعطلون، وسكنت قلوبهم إلى ما نفرَ منه الجاحدون، وعلموا أن الصفات حكمها حكم الذات، فكما أن ذاته سبحانه لا تشبه الذوات، فصفاته لا تشبه الصفات، فما جاءهم من الصفات عن المعصوم تلقَّوه بالقَبول، وقابلوه بالمعرفة والإيمان والإقرار؛ لعلمهم بأنه صفة من لا شبيه لذاته ولا لصفاته" (^٤).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - في بيان كثرة من نقل عنه تقرير هذه القاعدة
_________________
(١) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨٨ - ١٩٠).
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٥).
(٣) سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٠٢).
(٤) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (١/ ٢٢٩).
[ ١ / ٣٥١ ]
ونصرها-: "وهذا الكلام الذي ذكره الخطابي قد نقل نحوًا منه من العلماء من لا يحصى عددهم: مثل أبي بكر الإسماعيلي، والإمام يحيى بن عمار السِّجزي، وشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي صاحب (منازل السائرين) و(ذم الكلام)، وهو أشهر من أن يوصف، وشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني، وأبي عمر بن عبد البر النمري إمام المغرب، وغيرهم" (^١). (^٢)
وقد أفادت القاعدة جملة من الفوائد منها (^٣):
أولًا: أنه إذا كانت ذات لله تعالى ثابتة حقيقة، من غير أن تكون من جنس ذوات المخلوقين، فكذلك يقال في صفاته تعالى: إنها ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقين.
ثانيًا: وبها يرد على من شبه صفات الله تعالى بصفات المخلوقين: فمن قال: لا أعقل علمًا ويدًا إلا من جنس العلم واليد المعهودين. قيل له: فكيف تعقل ذاتًا من غير جنس ذوات المخلوقين؟
ومن المعلوم أن صفات كلِّ موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته، فمن لم يفهم من صفات الرب سبحانه-الذي ليس كمثله شيء-إلا ما يناسب المخلوق، فقد ضل في عقله ودينه (^٤).
ثالثًا: كما أفادت القاعدة أيضًا: أن إثبات الذات لله سبحانه إذا كان إثبات وجود وإيمان، لا إثبات كيفية وتحديد، فكذلك إثبات صفات الباري سبحانه إثبات وجود وإيمان، لا إثبات كيفية وتحديد (^٥).
قال بعض المحققين: صفات الرب تعالى معلومة من حيث الجملة والثبوت، غير معقولة من حيث التكييف والتحديد، فالمؤمن مبصر بها من وجه، أعمى من وجه، مبصر من حيث الإثباتُ والوجود، أعمى من حيث التكييفُ والتحديد (^٦).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٩).
(٢) لمزيد من الاطلاع على أقوال العلماء انظر: بحث قاعدة القول في الصفات كالقول في الذات للباحث علاء إبراهيم عبد الرحيم.
(٣) المصدر: بحث قاعدة القول في الصفات كالقول في الذات للباحث علاء إبراهيم عبد الرحيم.
(٤) الفتوى الحموية الكبرى (ص: ٥٤٣).
(٥) ينظر: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات للشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ص: ٣٨).
(٦) لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٢٢٦).
[ ١ / ٣٥٢ ]
رابعًا: وبها يرد على الجهمية النافين للصفات: فإذا قال الجهمي: كيف استوى على العرش؟ وكيف ينزل إلى السماء الدنيا؟ وكيف يداه؟ ونحو ذلك.
يقال له-جوابًا عن شبهته-: كيف هو في نفسه؟! تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
فإذا قال لك الجهمي: لا يعلم ما هو إلا هو، وكنه الباري غير معلوم للبشر.
فيقال له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف، ولم تعلم كيفيته، وإنما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي له (^١).
خامسًا: وبها يرد على من توهم المماثلة بين صفات الله تعالى وصفات خلقه: فمن توهم في كثير من الصفات أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه، فإنه يقع في محاذير:
١ منها: أنه مثّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.
٢ ومنها: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بلا علم، فيكون معطلًا لما يستحقه الرب من صفات الكمال ونعوت الجلال، فيكون قد عطل ما أثبته الله ورسوله من الصفات الإلهية اللائقة بجلال الله وعظمته.
٣ ومنها: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الجمادات أو صفات المعدومات، فيكون قد عطّل صفات الكمال التي يستحقها الرب، ومثلَّه بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحدًا في أسمائه وآياته (^٢).
_________________
(١) ينظر: الفتوى الحموية الكبرى (ص: ٥٤٤).
(٢) التحفة المدنية في العقيدة السلفية لحمد بن ناصر النجدي (ص: ٤٩ - ٥٠).
[ ١ / ٣٥٣ ]
(٥٨) "وَكُلُّ مَا أَوْجَبَ نَقْصًا أَوْ حُدُوثًا فَإِنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ حَقِيقَةً فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْكَمَالِ الَّذِي لَا غَايَةَ فَوْقَهُ"
قول أهل السنة في الصفات مبنيٌّ على أصلين:
أحدهما: أنَّ الله ﷾ منزه عن صفات النقص مطلقًا؛ كالسِّنَة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.
والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يُماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات» (^١).
وقد تنوعت تقسيمات أهل السنة للصفات، وذلك بحسب الاعتبارات التي يرجع لها كل تقسيم، ومن تلك التقسيمات: أقسام الصفات عمومًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الصفات نوعان:
أحدهما: صفات نقص؛ فهذه يجب تنزيه الله عنها مطلقًا؛ كالموت، والعجز، والجهل.
والثاني: صفات كمال؛ فهذه يمتنع أن يماثله فيها شيء» (^٢).
ومن النصوص التي توضح ذلك ما يلي:
أ-قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾؛ ففي مقام النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وفي مقام الإثبات: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
ب-قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾؛ ففي مقام الإثبات: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ﴾؛ وفي مقام النفي: ﴿الَّذِي لا يَمُوتُ﴾.
ج-قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾؛ ففي مقام الإثبات: ﴿اللَّهُ﴾، و﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي مقام النفي: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، و﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾.
_________________
(١) «منهاج السنة» (٢/ ٥٢٣).
(٢) «الصفدية» (١/ ١٠٢).
[ ١ / ٣٥٤ ]
وأما من السنة، ففي مقام الإثبات قوله ﷺ: «يَنزل ربُّنا ﷿ حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى سماء الدنيا» (^٣).
وقوله ﷺ: «لما قضى الله ﷿ الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: أن رحمتي غلبت غضبي» (^٤).
وفي مقام النفي قوله ﷺ: «ارْبَعُوا على أنفسكم (^٥)؛ فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا» (^٦)، وقوله ﷺ: «إنَّ الله تعالى ليس بأعور» (^٧)، وقوله ﷺ: «إنَّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام» (^٨).
وإثباتُ الصفة أو نفيُها مردُّه إلى وُرود ذلك نصًّا في القرآن أو السُّنَّة الصحيحة، إذ الصفاتُ توقيفية كالأسماء، ولذلك يقول السفاريني: «لا خلاف بين العقلاء أن الله-﷾-متصف بجميع صفات الكمال، منزه عن جميع صفات النقص، لكنهم مع اتفاقهم على ذلك اختلفوا في الكمال والنقص؛ فتراهم يُثبت أحدهم لله ما يظنُّه كمالًا، وينفي الآخرُ عينَ ما أثبته هذا لظنِّه نقصًا، وسبب ذلك: أنهم سَلَّطوا الأفكار على ما لا سبيل إليه من طريق الفكر، فإن الله-تعالى-خلق العقول، وأعطاها قوة الفكر، وجعل لها حدًّا تقف عنده من حيث ما هي مفكرة، لا من حيث ما هي قابلة للوهب الإلهي، فإذا استعملت العقول أفكارها فيما هو في طورها وحدها ووفَّت النظر حقه، أصابت بإذن الله تعالى، وإذا سلطت الأفكار على ما هو خارج عن طورها ووراء حدها الذي حدَّه الله لها، رَكِبَت متن عمياء، وخبطت خبط عشواء، فلم يَثبت لها قدم، ولم ترتكن على أمر تطمئن إليه، فإن معرفة الله التي وراء طورها مما لا تستقل العقول بإدراكها من طريق الفكر وترتيب المقدمات، وإنما تدرك ذلك بنور النبوة وولاية المتابعة؛ فهو اختصاص إلهي يختص به الأنبياء وأهل وراثتهم مع حسن المتابعة، وتصفية القلب من وضر البدع والفكر من نزغات الفلسفة، والله يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم» (^٩).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (٧٥٥٣)، ومسلم (٢٧٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أي: ارفقوا بأنفسكم.
(٤) أخرجه البخاري (٢٩٩٢) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٥) متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٠٥٧) ومسلم (٢٩٣١) من حديث ابن عمر ﵄.
(٦) أخرجه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٧) «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني، مؤسسة الخافقين، دمشق، الطبعة الثانية، ١٤٠٢ هـ-١٩٨٢ م.
[ ١ / ٣٥٥ ]
قال ابن القيم ﵀: «إنَّ الصفة إذا كانت مُنقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه، بل يُطلق عليه منها كمالها، وهذا كالمريد والفاعل والصانع، فإن هذه الألفاظ لا تَدخل في أسمائه، ولهذا غلط مَنْ سَمَّاه بالصانع عند الإطلاق، بل هو الفَعَّال لما يريد، فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة، ولهذا إنما أطلقَ على نفسه مِنْ ذلك أكمله فعلًا وخبرًا» (^١).
ومِن هنا يتبين لك خطأ مَنْ أطلق عليه اسم الصانع والفاعل والمربي ونحوها؛ لأن اللفظ الذي أطلقه-سبحانه-على نفسه، وأخبر به عنها أتم من هذا، وأكمل وأجل شأنًا، فإنه يُوصف من كل صفة كمال بأكملها وأجلها وأعلاها؛ فيوصف من الإرادة بأكملها، وهو الحكمة وحصول كل ما يريد بإرادته … فعليك بمراعاة ما أطلقه سبحانه على نفسه من الأسماء والصفات، والوقوف معها وعدم إطلاق ما لم يُطلقه على نفسه، ما لم يكن مطابقًا لمعنى أسمائه وصفاته، وحينئذ فيطلق المعنى لمطابقته لها دون اللفظ، ولا سيما إذا كان مجملًا أو منقسمًا أو مما يمدح به غيره، فإنه لا يجوز إطلاقه إلا مقيدًا …، بل وصف نفسه بكمالاتها وأشرف أنواعها.
ومِن هنا يُعلم غلط بعض المتأخرين وزلقه الفاحش في اشتقاقه له سبحانه مِنْ كل فعل أخبر به عن نفسه اسمًا مطلقًا، وأدخله في أسمائه الحسنى؛ فاشتق منها: اسم الماكر، والمخادع، والفاتن، والمضل؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا (^٢).
وقال الشيخ حافظ حكمي: «اعلم أنَّه قد ورد في القرآن أفعال أطلقها الله ﷿ على نفسه على سبيل الجزاء والعدل والمقابلة، وهي فيما سِيقت فيه مدحٌ وكمالٌ، لكن لا يجوز أن يُشتق له تعالى منها أسماء، ولا تُطلق عليه في غير ما سِيقت فيه من الآيات؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم﴾، وقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، ونحو ذلك، فلا يجوز أن يُطلق على الله تعالى: مخادع، ماكر، ناسٍ، مُستهزئ، ونحو ذلك مما تعالى الله عنه، ولا يُقال: الله يَستهزئ ويُخادع ويَمكر ويَنسى على سبيل الإطلاق؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا) (^٣).
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦١).
(٢) انظر: «تيسير العزيز الحميد» (ص ٥٧٢، ٥٧٣).
(٣) «معارج القبول» (١/ ٧٦).
[ ١ / ٣٥٦ ]
ومن الأدلة استدل بها أهل السنة على إثبات الكمال لصفات الله.
أولًا: دليل السمع:
جاء في القرآن العظيم آيات كثيرة تدل على أن الله تعالى موصوف بصفات الكمال؛ منها: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾، و(الأعلى): صيغة أفعل التَّفضيل، أي: أعلى من غيره (^١).
ومعناها كما قال القرطبي: «أي: الوصف الأعلى» (^٢)، وقال ابن كثير: «أي: الكمال المطلق من كل وجه» (^٣)، وقال ابن سعدي: «﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ وهو كل صفة كمال، وكل كمال في الوجود فالله أحق به من غير أن يستلزم ذلك نقصًا بوجه» (^٤).
لذا قال الإمام ابن القيم: «المَثل الأعلى يتضمن ثبوت الصفات العليا لله سبحانه، ووجودها العِلمي، والخبر عنها، وذكرها، وعبادة الرب سبحانه بها …» (^٥).
فالله تعالى وصف نفسه بأنَّ له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.
ولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل-كان له المثل الأعلى، وكان أحق به مَنْ كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان؛ لأنهما إن تكافآ من كل وجه لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافأ فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مِثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه؛ فتأمله فإنَّه في غاية الظهور والقوة» (^٦).
ثانيًا: الدليل العقلي على أن كل صفات الله تعالى صفات كمال:
قال الشيخ ابن عثيمين: «فإذا قال قائل: ما هو دليلكم على ان الله متصف بصفة الكمال؟
قلنا: كل موجود حقيقة لابد له من صفة، فإمَّا أن تكون صفة كمال، وإما أن
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٠).
(٢) «تفسير القرطبي» (١٠/ ١١٩).
(٣) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٧٣).
(٤) «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» (٤/ ١٠٤).
(٥) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٤) بتصرف.
(٦) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٢)، و«شرح الطحاوية» (ص ١٤٤).
[ ١ / ٣٥٧ ]
تكون صفة نقص، أما صفات النقص فهي مستحيلة في حقِّ الله ﷿، وأما صفات الكمال، فهي واجبة لله، فوجب أن يكون الله موصوفًا بصفات الكمال؛ لأنه منزه عن صفات النقص.
فإن قيل: هذا الحصر غير صواب؛ لأن الموجود قد يكون موصوفًا بصفات الكمال أو صفات النقص أو بصفةٍ لا نقص فيها ولا كمال.
قلنا: هذا القسم الأخير غير صحيح؛ لأنَّ الصفة التي لا كمال فيها ولا نقص هي في الحقيقة نقص؛ لأنها لغو وعبث، فالكمال: أن يكون الإنسان متصفًا بالصفات النافعة المفيدة، وما لا نفع فيه ولا ضرر، فهو داخل في صفات النقص؛ ولهذا قال النبي ﷺ حاثًّا على تكميل الإيمان: «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (^١)» (^٢).
وقال ابن القيم ﵀: «الصفات ثلاثة أنواع:
صفات كمال.
وصفات نقص.
وصفات لا تَقتضي كمالًا ولا نقصًا.
وإن كانت القسمة التقديرية تقتضي قسمًا رابعًا، وهو ما يكون كمالًا ونقصًا باعتبارين، والرب تعالى منزه عن الأقسام الثلاثة وموصوف بالقسم الأول، وصفاته كلها صفات كمال محض؛ فهو موصوف من الصفات بأكملها، وله من الكمال أكمله» (^٣).
والدليل الثاني من العقل أن نقول: نحن نشاهد في المخلوق صفات كمال، والذي أعطاه هذا الكمال هو الله تعالى؛ فمُعطي الكمال أَوْلَى بالكمال، ومِن كماله: أنه أعطى الكمال، فهذا-أيضًا-دليل عقلي على ثبوت صفات الكمال لله ﷿؛ ولهذا استدل الله ﷿ على بطلان ألوهية الأصنام؛ لأنها ناقصة، فقال ﷾: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون﴾ [الأحقاف: ٥]، وقال تعالى: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٢، ١٠٣).
(٣) «بدائع الفوائد» (١/ ١٧٧)، مكتبة نزار مصطفى الباز -مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.
[ ١ / ٣٥٨ ]
يخلقون من أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون﴾ [النحل: ٢١، ٢٠]، وقال إبراهيم يحاجُّ أباه: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾، وقال محاجًّا لقومه: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾.
فتبين أن الرب لا بد أن يكون كامل الصفات وإلَّا لم يصح أن يكون ربًّا» (^١).
ثالثًا: دليل الفطرة
الفطرة السليمة أو النفوس المجبولة على الفطرة السليمة تحبُّ الله وتعظمه؛ لكماله، إذ إن المجهول لا يُحب ولا يُعظم، ومَن عُلم نَقصه لا يُحَب ولا يُعَظَّم؛ فالفطرة (التي هي: محبة الله وتعظيمه) مبنية على أصل، وهو: علم الإنسان فطريًّا بكمال صفات مَنْ يعبده ﷾ (^٢).
قال ابن القيم: «فله مِنْ كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى وأبعده عن شائبة عيب أو نقص. فله مِنْ صفة الإدراكات: العليم الخبير، دون العاقل الفقيه. والسميع البصير، دون السامع والباصر والناظر …» (^٣).
_________________
(١) «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٣، ١٠٤).
(٢) «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٤).
(٣) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٨).
[ ١ / ٣٥٩ ]
(٥٩) "وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ لِامْتِنَاعِ الْعَدَمِ عَلَيْهِ، وَاسْتِلْزَامُ الْحُدُوثِ سَابِقَةُ الْعَدَمِ؛ وَلِافْتِقَارِ الْمُحْدَثِ إلَى مُحْدِثٍ وَلِوُجُوبِ وُجُودِهِ بِنَفْسِهِ ﷾. "
سبق وأن بين المصنف في النص السابق أن الله ﷿ يمتنع عليه النقص والحدوث حيث قال: "وَكُلُّ مَا أَوْجَبَ نَقْصًا أَوْ حُدُوثًا فَإِنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ حَقِيقَةً" وناقشنا فيما سبق ما يتعلق بالنقص والكمال وبيان أن الله موصوف بكل كمال ومنزه عن كل نقص.
وبين المصنف هنا امتناع الحدوث على الله واستدل لذلك بأربعة أمور:
الأمر الأول: قوله: "وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ لِامْتِنَاعِ الْعَدَمِ عَلَيْهِ. "
الأمر الثاني: قوله: "وَاسْتِلْزَامُ الْحُدُوثِ سَابِقَةُ الْعَدَمِ؛ "
الأمر الثالث: قوله: "وَلِافْتِقَارِ الْمُحْدَثِ إلَى مُحْدِثٍ".
الأمر الرابع: قوله: "وَلِوُجُوبِ وُجُودِهِ بِنَفْسِهِ ﷾. ".
فالله سبحانه يمتنع عليه الحدوث بدليل امتناع العدم عليه كما قال تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الحديد الآية ٣.
وهذه الأسماء فسرها النبي ﷺ تفسيرًا كاملًا واضحًا فقال: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» (^١).
قال ابن جرير: هو (الأول) قبل كل شيء بغير حد، و(الآخر) بعد كل شيء بغير نهاية، وإنما قيل ذلك كذلك، لأنه كان ولا شيء موجودًا سواه، وهو كائن بعد فناء الأشياء كلها، كما قال جل ثناؤه (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص: ٨٨] (^٢).
وقال الخطابي: (الأول) هو السابق للأشياء كلها، الكائن الذي لم يزل قبل وجود الخلق، فاستحق الأولية إذ كان موجودًا ولا شيء قبله ولا معه. ثم ذكر الحديث (^٣).
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧١٣).
(٢) تفسير الطبري: ٢٧/ ١٢٤.
(٣) شأن الدعاء ص ٨٧.
[ ١ / ٣٦٠ ]
وقال الحليمي: (الأول): الذي لا قبل له، والآخر هو الذي لا بعد له، (وهذا لأن) (قبل وبعد) نهايتان، فقبل نهاية الموجود من قبل ابتدائه، وبعد غايته من قبل انتهائه، فإذا لم يكن له ابتداء ولا انتهاء لم يكن للموجود قبل ولا بعد، فكان هو الأول والآخر (^١).
وقال البيهقي: (الأول) هو الذي لا ابتداء لوجوده (^٢)
وقال الخطابي: (الآخر): هو الباقي بعد فناء الخلق، وليس معنى الآخر ما له، كما ليس معنى الأول ما له الابتداء، فهو الأول والآخر وليس لكونه أول ولا آخر (^٣).
قال البيهقي: (الآخر) هو الذي لا انتهاء لوجوده (^٤).
وقال السعدي: "فالأول: يدل على أن كل ما سواه حادث كائن بعد أن لم يكن، ويوجب للعبد أن يلحظ فضل ربه في كل نعمة دينية أو دنيوية، إذ السبب والمسبب منه تعالى.
والآخر: يدل على أنه هو الغاية. " (^٥)
فالحدوث الذي أشار إليه المصنف هنا هو الحدوث الذي يسبقه العدم، حيث قال: "وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ لِامْتِنَاعِ الْعَدَمِ عَلَيْهِ. " والحدوث المقصود هنا هو: حدوث الذات والصفات التي لم يزل متصفًا بها أزلًا وأبدًا؛ لأن الحدوث قسمان:
القسم الأول: حدوث الموصوف.
وحدوث الموصوف محال؛ لأن الله ﷾ الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء جل وعلا.
القسم الثاني: حدوث الصفة.
فيجب الاعتقاد بأن الله متصف بتلك الصفات أزلًا باعتبار أصلها، ولكن من الصفات ما يحدث بعد أن لم يكن كما في الصفات الفعلية.
فالصفات الثُّبوتية تنقسم من جهة تعلُّقِها بالله إلى قسمين (^٦):
القسم الأول: الصفات الذَّاتية.
القسم الثاني: الصِّفات الفعلية.
_________________
(١) المنهاج ١: ١٨٨.
(٢) الاعتقاد ص ٦٣.
(٣) شأن الدعاء ص ٨٨.
(٤) الاعتقاد ص ٦٣.
(٥) الحق الواضح المبين ص ٢٧.
(٦) انظر: «الكواشف الجلية» (ص ٤٢٩).
[ ١ / ٣٦١ ]
وكِلا النوعين يجتمعان في أنَّهما صفات له تعالى أزلًا وأبدًا، لم يزل متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان بجلال ربِّ العالمين (^١).
قوله: "وَاسْتِلْزَامُ الْحُدُوثِ سَابِقَةُ الْعَدَمِ؛ " معناه أن من لوازم حدوث الموصوف أن يكون مسبوقًا بعدم أو ملحوقًا بعدم.
وقوله: "وَلِافْتِقَارِ الْمُحْدَثِ إلَى مُحْدِثٍ".
فالله هو الخالق وكل ما سواه مخلوق قال تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) الزمر ٦٢
قوله: "وَلِوُجُوبِ وُجُودِهِ بِنَفْسِهِ ﷾. " وبالتالي فإن الله ﷿ منزه عن الحدوث.
ومسألة حلول الحوادث بذات الله من المسائل التي أثارها أهل الكلام وإليك خلاصة عنها.
أ-معنى كلمة (حلول): الحلول هو عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفًا للآخر، كحلول الماء في الكوز (^٢).
ب-معنى كلمة (الحوادث): الحوادث جمع حادث، وهو الشيء المخلوق المسبوق بالعدم، ويسمى حدوثًا زمانيًا.
وقد يعبر عن الحدوث بالحاجة إلى الغير، ويسمى حدوثًا ذاتيًا.
والحدوث الذاتي: هو كون الشيء مفتقرًا في وجوده إلى الغير.
والحدوث الزماني: هو كون الشيء مسبوقًا بالعدم سبقًا زمانيًا (^٣).
ج-معنى (حلول الحوادث بالله تعالى) أي قيامها بالله، ووجودها فيه تعالى.
د-مقصود أهل التعطيل من هذا الإطلاق: مقصودهم نفي اتصاف الله بالصفات الاختيارية الفعلية، وهي التي يفعلها متى شاء، كيف شاء، مثل الإتيان لفصل القضاء، والضحك، والعجب، والفرح؛ فينفون جميع الصفات الاختيارية.
هـ-حجتهم في ذلك: أن قيام تلك الصفات بالله يعني قيام الحوادث أي الأشياء المخلوقة الموجودة بالله.
وإذا قامت به أصبح هو حادثًا بعد أن لم يكن، كما يعني ذلك أن تكون المخلوقات حالة فيه، وهذا ممتنع، فهذه هي حجتهم.
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية» (١٢٧).
(٢) التعريفات للجرجاني ص ٩٧
(٣) التعريفات للجرجاني ص ٨٥٨٦
[ ١ / ٣٦٢ ]
و-جواب أهل السنة: أهل السنة يقولون: إن هذا الإطلاق لم يرد في كتاب ولا سنة، لا نفيا ولا إثباتًا، كما أنه ليس معروفًا عند سلف الأمة.
أما المعنى فيستفصل عنه؛ فإن أريد بنفي حلول الحوادث بالله أن لا يحل بذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن له من قبل فهذا النفي صحيح؛ فالله ﷿ ليس محلًا لمخلوقاته، وليست موجودة فيه، ولا يحدث له وصف متجدد لم يكن له من قبل.
وإن أريد بالحوادث: أفعاله الاختيارية التي يفعلها متى شاء كيف شاء كالنزول، والاستواء، والرضا، والغضب، والمجيء لفصل القضاء ونحو ذلك فهذا النفي باطل مردود.
بل يقال له: إن تلك الصفات ثابتة، وإن مثبتها -في الحقيقة-مثبت ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ (^١).
تتميمًا للفائدة فإن الخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال:
١ - قول المعتزلة ومن وافقهم: أن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث).
٢ - قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل.
٣ - قول الكرامية ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.
٤ - قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. وهذا هو الصحيح. (^٢)
_________________
(١) رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد ص ٢٣٥
(٢) مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢٥، ١٤٩.
[ ١ / ٣٦٣ ]
(٦٠) "وَمَذْهَبُ السَّلَفِ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ فَلَا يُمَثِّلُونَ صِفَاتِ اللَّهِ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ كَمَا لَا يُمَثِّلُونَ ذَاتَه بِذَاتِ خَلْقِهِ وَلَا يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ. فَيُعَطِّلُوا أَسْمَاءَهُ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا وَيُحَرِّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيُلْحِدُوا فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ. "
قال الإمام السفاريني (^١) ﵀، في بيانه لمعتقد أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات:
من غير تعطيل ولا تشبيه (^٢) … فأثبتوا النصوص بالتنزيه
وقال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي (^٣) ﵀-في منظومته سلم الوصول:
مع اعتقادنا لما له اقتضت … نُمِرُّها صريحة كما أتت
وغير تكييف ولا تمثيل … من غير تحريف ولا تعطيل
طوبى لمن بهديهم قد اهتدى (^٤) … بل قولنا قول أئمة الهدى
هذه هي عقيدة سلف الأمة وأئمتها، عقيدة أهل السنة والجماعة التي أجمعوا عليها، يثبتون لله ﷿ الصفات من غير تعطيل ولا تشبيه.
_________________
(١) أبو العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، أحد علماء الحديث والأصول والأدب، ولد في نابلس من قرى لبنان وتوفي بها سنة ١١٨٨ هـ، له تصانيف عدة منها: غذاء الألباب شرح منظومة الآداب، ولوامع الأنوار. انظر ترجمته في: الأعلام (٦/ ١٤).
(٢) لوامع الأنوار البهية (١/ ٩٣).
(٣) حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، ولد بجيزان وتوفي بمكة سنة ١٣٧٧ هـ، تولى عدة مناصب تعليمية في عهد الملك سعود، وله عدة مؤلفات من أشهرها: أعلام السنة المنشورة، ومعارج القبول. انظر ترجمته في: الأعلام (٢/ ١٥٩)، ومقدمة كتابه معارج القبول بقلم ابنه أحمد (١/ ١١ - ٢٦).
(٤) معارج القبول (١/ ٣٥٦).
[ ١ / ٣٦٤ ]
وقد سبق ذكر معاني التعطيل في اللغة، وفي الاصطلاح الشرعي، وذكرت هناك أن التعطِّيل في جانب الأسماء والصِّفات: هو نفي أسماء الله أو صفاته أو بعضها، وإنكار قيامها بذات الله تعالى (^١).
وهذا المعنى هو الذي تبرأ منه السلف، وميزوا عقيدتهم عن عقيدة المعطلة كما سيأتي شيء من أقوالهم في ذلك، بإذن الله تعالى.
أما التشبيه (^٢) الذي يراد نفيه في هذا الباب، فهو: اعتقاد ثبوت شيء من خصائص المخلوق لله ﷿ في ذاته أو أسمائه أو صفاته أو أفعاله، أو إثبات شيء مما يختص به الخالق ﷿ في ذاته أو أسمائه أو صفاته أو أفعاله أو حقوقه للمخلوق مما يجعل فيه حظًا من الألوهية (^٣).
والمراد بالتشبيه في الصفات: الغلو في إثباتها إلى حدّ اعتقاد مساواتها لصفات المخلوقين، وقد يعبّر عنه بالتمثيل (^٤).
فالله جلَّ وعلا ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله؛ لأنه ﷾ القائل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٥)، فمن هذا الأصل القرآني العظيم، يقوم معتقد السلف الصالح ﵏ في إثبات الصفات لله ﷿؛ لأن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ردٌّ على أهل التمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ردٌّ على أهل التعطيل (^٦)، والله ﷿ قد جمع في هذا الأصل القرآني العظيم بين الإثبات والتنزيه.
ولهذا فإن السلف-رحمهم الله تعالى-أثبتوا لله الصفات، مع تنزيهه ﷾ عن مشابهة المخلوقات في شيء مما يثبت له.
وهم يعتقدون أن الواجب في نصوص الأسماء والصفات الواردة في القرآن
_________________
(١) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لمحمد خليل هراس ص (٢١)، الكواشف الجلية عن معاني الواسطية ص (٨٧)، مقالة التعطِّيل ص (١٨، ٢٢).
(٢) التشبيه في اللغة: مصدر شبَّه يُشبِّه تشبيهًا، وهو التمثيل، انظر: المعجم الوسيط (١/ ٤٧١). والتشبيه في الاصطلاح: الدلالة على مشاركة أمر لآخر في المعنى، انظر التعريفات ص (٦٦).
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٣٢٧)، التدمرية (ص ٣٩ - ٤٠)، إغاثة اللهفان (٢/ ٣٢٢)، فتح رب البرية بتلخيص الحموية (ص ٢٠).
(٤) انظر: التشبيه والتمثيل في الصفات (ص ٢٣).
(٥) الآية [١١] من سورة الشورى.
(٦) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٢٦، ٥/ ١٩٦)، منهاج السنة النبوية (٢/ ١١١)، شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٧٩٠).
[ ١ / ٣٦٥ ]
والسنة هو إجراؤها على ظاهرها، وأن لا يُتَعرض لها بتحريف أو تعطيل كما فعل المعطِّلة.
ولا يُعتقد أن صفات الله ﷿ تشبه شيئًا من صفات المخلوقين، كما فعل المشبهة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
فتبين من هذا أن التنزيه في الصفات الثبوتية، لا يكون بنفيها وتعطيل الخالق عنها، وأن السلف الصالح رضوان الله عليهم، لم يمنعهم تنزيه الله ﷿ عن إثبات الصفات له.
كما لا يفهم منه تعطيل المعنى، وأن مذهب السلف هو الإيمان بالألفاظ فقط دون التطرق للمعاني، وهو ما يسميه من ينسبه إليهم: "مذهب التفويض"، واستدلوا لذلك بقول أكثر من واحد من أئمة السلف في نصوص الصفات: «أمروها كما جاءت» وهم إنما نفوا العلم بالكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصّفة.
وهم أيضًا لما أثبتوا هذه الصفات لم يعتقدوا أنها تماثل أو حتى تقارب صفات المخلوقين، لعلمهم بعظم الفرق بين الخالق والمخلوق.
ومن أعظم الافتراءات التي أشاعها المعطلة النفاة لأسماء الله وصفاته، وصفهم أهل السنة والجماعة-كذبًا وزورًا-بأنهم مشبِّهة مجسِّمة، وما ذلك إلا لتمسكهم بما جاءهم عن الله ﷿ في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.
وهي فرية قديمة تلقفها المعطلة النفاة خلفًا عن سلفٍ، يدل على ذلك تقدم كلام السلف في دحض هذه الشبهة ودفع هذه الفرية، من ذلك قول الإمام ابن خزيمة-﵀: «فاسمعوا يا ذوي الحجا ما نقول في هذا الباب، ونذكر بهت الجهمية، وزورهم وكذبهم، على علماء أهل الآثار، ورميهم خيار الخلق-بعد الأنبياء-بما الله قد نزههم عنه، وبرأهم منه، بتزور الجهمية على علمائنا أنهم مشبِّهة» (^١).
وسبب هذه الفرية على أهل السنة ما قاله شيخ الإسلام: «فالمعتزلة والجهمية ونحوهم من نفاة الصفات، يجعلون كل من أثبتها مجسِّمًا مشبِّهًا» (^٢).
وقد تواترت النصوص من القرآن والسنة والآثار عن السلف الصالح في إثبات
_________________
(١) التوحيد لابن خزيمة (١/ ١١٤)، وانظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ١٧٩، ٥٣٣)، المختار في أصول السنة (ص ٨٢).
(٢) منهاج السنة (٢/ ١٠٥).
[ ١ / ٣٦٦ ]
الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل، فأصل النصوص التي وردت في ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١).
قال الإمام مالك-﵀-حينما سأله رجل عن قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٢)، كيف استوى؟ قال: «الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني لأخاف أن تكون ضالًا"، فأمر به فأخرج» (^٣).
وقال وكيع بن الجراح-﵀: «نسلِّم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول: كيف كذا، ولا لِمَ كذا» (^٤).
وقال حنبل بن إسحاق (^٥): «قلت لأبي عبد الله (يعني الإمام أحمد): يُكَلِّم الله عبده يوم القيامة؟ قال: نعم، فمن يقضي بين الخلق إلا الله؟! يكلِّمه الله ﷿ ويسأله، الله ﷿ متكلِّم لم يزل بما شاء، ويحكم، وليس لله عدل ولا مثل ﵎، كيف شاء وأنَّى شاء» (^٦).
وقال أبو عبد الله بن أبي زَمِنين (^٧) ﵀: «فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه ووصفه بها نبيه ﷺ ليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير، فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لم تره العيون فتَحُدُّه كيف هو كينونته، لكن رأته القلوب في حقائق الإيمان به» (^٨).
_________________
(١) الآية [١١] من سورة الشورى.
(٢) الآية [٥] من سورة طه.
(٣) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (ص ٦٦)، وغيره كثير، انظر تخريجه بالتفصيل في كتاب العرش للذهبي (٢/ ١٨١ - ١٨٤) رقم (١٥٥ - ١٥٧).
(٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٢٦٧) رقم (٤٩٥)، والدارقطني في الصفات (ص ٤١) رقم
(٥) حنبل بن إسحاق بن حنبل، أبو علي الشيباني، الحافظ المحدث، ابن أخ الإمام أحمد، وتلميذه، له من التصانيف: كتاب القتن، والمحنة، ومسائل الإمام أحمد، توفي بواسط سنة ٢٧٣ هـ. انظر ترجمته في: تاريخ بغداد (٨/ ٢٨٦)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥١).
(٦) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٣١ - ٤٣٢) رقم (٧٣٨).
(٧) محمد بن عبد الله بن أبي زَمِنِين المُرِّي، أبو عبد الله الأَبْيَري القرطبي، الإمام القدوة الزاهد، صاحب التصانيف، ومنها: مختصر المدونة، وأصول السنة على طريقة السلف، توفي سنة ٣٩٩ هـ. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك (٤/ ٦٧٢)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٨٨).
(٨) رياض الجنة بتخريج أصول السنة (ص ٧٤).
[ ١ / ٣٦٧ ]
وقال الإمام ابن عبد البر-﵀: «الذي عليه أهل السنة، وأئمة الفقه والأثر، في هذه المسألة (^١) وما أشبهها، الإيمان بما جاء عن النبي ﷺ فيها، والتصديق بذلك، وترك التحديد والكيفية في شيء منه» (^٢).
إلى غير ذلك من الآثار الواردة عن السلف في ذم التشبيه وأهله، كلها تدل على سلامة مذهب السلف مما نسب إليهم من التشبيه والتمثيل، وأن مذهبهم إثبات الصفات من غير تمثيل ولا تكييف، وتنزيه الله ﷿ من غير تعطيل ولا تحريف.
ويقال أيضًا في الرد على الطائفتين: من خلال أثر الإمام نعيم بن حمَّاد الخزاعي-﵀-الذي قال: «من شَبَّه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه» (^٣)، أي ليس فيما وصف الله به نفسه تشبيه مما يحوجنا إلى تعطيل صفاته، كما تتوهم ذلك المعطلة، فإنهم لم يفهموا من هذه الصفات إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، وتعطيل الله ﷿ عن صفاته اللائقة به من صفات الكمال (^٤).
وهم في ذلك يستدلون بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ على نفي الصفات، ويعمون عن تمام الآية في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^٥).
وليس في إثباتهم للصفات دليل للمشبهة، الذين قالوا: أن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فمحال أن يخاطبنا بما لا نعقله ثم يقول: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (^٦)، ونحن لا نعقل ولا نفهم إلا ما كان مشاهدًا، فإذا خاطبنا عن الغائب بشيء وجب حمله على المعلوم في الشاهد، فأخبرنا عن اليد فنحن لا نعقل إلا هذه اليد الجارحة، فشبهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، فقالوا له يد كأيدينا، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا (^٧).
لأن التباين الذي يقرُّ به كل مثبتة الذات، بين ذات الله ﷿ وذوات المخلوقين يوجب اضطرارًا التباين بين صفات الخالق والمخلوق (^٨)، ثم إن إثبات المماثلة بين الخالق والمخلوق يستلزم نقص الخالق سبحانه، والله منزه عن كل نقص (^٩).
_________________
(١) أي: مسألة الصفات.
(٢) التمهيد لابن عبد البر (٧/ ١٤٨).
(٣) أخرجه عنه الذهبي بإسناده في سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦١٠).
(٤) انظر: التدمرية ص (٧٩ - ٨٠).
(٥) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (١/ ١٢١).
(٦) الآية [٧٣] من سورة البقرة.
(٧) انظر: مختصر الصواعق (١/ ٨٣)، تقريب التدمرية (ص ٢٢).
(٨) تقريب التدمرية (ص ٢٣ - ٢٤).
(٩) المصدر نفسه (ص ٢٣).
[ ١ / ٣٦٨ ]
فمع إثبات حقائق الصفات، فإن أهل السُنَّة يعتقدون في نفس الأمر أن لله تعالى خصائص في تلك الصفات، فمثلًا إذا قلنا: حياة الله تعالى؛ فإن حياةَ اللهِ تعالى لها خصائص يختصُّ الله ﷾ بها دون سائر المخلوقات، فمن خصائص حياة الله ﷾ أن حياته الحياة الكاملة الدائمة التي لم تُسبَق بالعدم ولا يلحقها الزوال ولا يعتريها النقص بأي وجه من الوجوه، وهذا المقصود بنفي المماثلة.
فإذًا هذه الصفات تثبت لله تعالى على الحقيقة مع اعتقاد أن الله ﷾ منزَّه في ذلك عن مماثلة الخلق، فالله ﷾ يعلم الحقيقة، ولكنه ﷾ في علمه لا يماثله في ذلك أحدٌ من خلقه، وكذلك يتكلم حقيقة، وكذلك ﷾ لا يماثله في ذلك أحدٌ من خلقه، مع الأمر الثالث وهو عدم الخوض في الكيفية، كيف يتكلَّم؟ وكيف استوى؟ وكيف ينزل؟ هذا أمرٌ لا نخوض فيه؛ لأننا لم نطلع عليه ولا سبيل لنا إليه.
قول حافظ المغرب ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج، فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة" (^١).
فأهل السُنَّة يثبتون تلك الصفات على الحقيقة، وهذا ردٌ لمسألة «المجاز» ودعوى أن هذه الصفات في حق الله مجاز؛ بمعنى أنها ليس لها حقيقة في ذات الله تعالى، فمثلًا إذا جئت إلى الجّهْميَّة والمعتزلة فلو قالوا في كلام الله تعالى، فهم يقولون: «نعم نثبت صفة الكلام لكن على أساس أن الكلام شيءٌ مخلوق خلقه الله تعالى كما خلق السماوات والأرض» وبالتالي يقولون: «إن إطلاق هذا الوصف في حق الله مجاز ليس على حقيقته»، فينكرون وصف الله ﷾ بصفة الكلام، ويقولون إن الكلام خلقٌ خلقه الله ﷾ كما خلق السماوات وكما خلق الأرض، بائن عن ذاته، هذا قول المعتزلة، فلذلك يقولون: «القرآن مخلوق» (^٢) على هذا الأساس.
_________________
(١) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٧/ ١٤٥).
(٢) انظر كتاب الفتاوى الكبرى لابن تيمية الجزء السادس صفحة (٨٧).
[ ١ / ٣٦٩ ]
وهكذا يتعامل الأشاعرة بنفس المنطلق مع الصفات التي ينكرونها، فينكرون اتصاف الله ﷿ على الحقيقة.
وأما علماء السلف فيقولون إن الله يتكلم حقيقة، واستوى حقيقة، ويعلم حقيقة، ويرحم حقيقة، فيثبتون حقائق تلك الصفات، وأن الله ﷾ كما أن له ذاتًا حقيقة فإن له صفات حقيقة وأفعالًا حقيقة، فإذا أثبتنا ذاتًا لله ﷾، فإن هذه الذات متصفة بصفات حقيقة كما أن الذات حقيقة والأفعال حقيقة.
[ ١ / ٣٧٠ ]
(٦١) "وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ فَرِيقَيْ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ: فَهُوَ جَامِعٌ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ. أَمَّا الْمُعَطِّلُونَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصَفَاتِهِ إلَّا مَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْمَخْلُوقِ ثُمَّ شَرَعُوا فِي نَفْيِ تِلْكَ الْمَفْهُومَاتِ؛ فَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ مَثَّلُوا أَوَّلًا وَعَطَّلُوا آخِرًا وَهَذَا تَشْبِيهٌ وَتَمْثِيلٌ مِنْهُمْ لِلْمَفْهُومِ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ بِالْمَفْهُومِ مِنْ أَسْمَاءِ خَلْقِهِ وَصِفَاتِهِمْ وَتَعْطِيلٌ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ هُوَ سُبْحَانَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ اللَّائِقَةِ بِاَللَّهِ ﷾. فَإِنَّهُ إذَا قَالَ الْقَائِلُ: لَوْ كَانَ اللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ لَلَزِمَ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ مِنْ الْعَرْشِ أَوْ أَصْغَرَ أَوْ مُسَاوِيًا وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَالِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ: فَإِنَّهُ لَمْ يُفْهَمْ مِنْ كَوْنِ اللَّهِ عَلَى الْعَرْشِ إلَّا مَا يَثْبُتُ لِأَيِّ جِسْمٍ كَانَ عَلَى أَيِّ جِسْمٍ كَانَ وَهَذَا اللَّازِمُ تَابِعٌ لِهَذَا الْمَفْهُومِ. إمَّا اسْتِوَاءٌ يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَخْتَصُّ بِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ اللَّوَازِمِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي يَجِبُ نَفْيُهَا كَمَا يَلْزَمُ مِنْ سَائِرِ الْأَجْسَامِ وَصَارَ هَذَا مِثْلَ قَوْلِ الْممَثَلِ: إذَا كَانَ لِلْعَالَمِ صَانِعٌ فَإِمَّا أَنْ يَكُونُ جَوْهَرًا أَوْ عَرَضًا. وَكِلَاهُمَا مُحَالٌ؛ إذْ لَا يَعْقِلُ مَوْجُودٌ إلَّا هَذَانِ. وَقَوْلُهُ: إذَا كَانَ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ فَهُوَ مُمَاثِلٌ لِاسْتِوَاءِ الْإِنْسَانِ عَلَى السَّرِيرِ أَوْ الْفَلَكِ؛ إذْ لَا يُعْلَمُ الِاسْتِوَاءُ إلَّا هَكَذَا فَإِنَّ كِلَيْهِمَا مَثَّلَ وَكِلَيْهِمَا عَطَّلَ حَقِيقَةَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ وَامْتَازَ الْأَوَّلُ بِتَعْطِيلِ كُلِّ اسْمٍ لِلِاسْتِوَاءِ الْحَقِيقِيِّ وَامْتَازَ الثَّانِي بِإِثْبَاتِ اسْتِوَاءٍ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِينَ. "
كل واحد من فريق التعطيل والتمثيل جامع بين التعطيل والتمثيل.