أن يجعلوا الحق عين وجود المخلوقات، فلا يكون للمخلوقات خالق غيرها أصلًا، ولا يكون رب كل شيء ولا مليكه. وهذا الذي عليه حال أهل وحدة الوجود الاتحادية في أحد حاليهم فهذا حقيقة قول القوم وإن كان بعضهم لا يشعر بذلك.
ولذلك كان الغلاة من القرامطة والباطنية والفلاسفة والاتحادية نسخة للجهمية الذين تكلم فيهم السلف والأئمة، مع كون أولئك كانوا أقرب إلى الإسلام. فقد كان كلام الجهمية يدور أيضًا على هذين الأصلين فهم يظهرون للناس والعامة أن الله بذاته موجود في كل مكان، أو يعتقدون ذلك.
وعند التحقيق يصفونه بالسلب الذي يستوجب عدمه كقولهم: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ومحايث، ولا متصل به ولا منفصل عنه، وأشباه هذه السلوب.
[ ١ / ٤١٦ ]
(٧٢) "وأما أهل التأويل: فيقولون: إن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول ﷺ أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دَلَّهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم إتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرفوا الحق من غير جهته، وهذا قول المتكلمة، والجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك".
يذكر المصنف هنا القسم الثاني من مسلك التبديل وهو مسلك التأويل والتحريف، وأهل هذا المسلك الذين قصدهم المصنف بقوله: "وأما أهل التأويل" هم طوائف أهل الكلام وهم: الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية.
والفرق بين مسلك أهل الوهم والتخييل ومسلك أهل التأويل والتحريف من وجهين:
الوجه الأول: فأحد الفروق بين مسلك الفلاسفة ومسلك أهل الكلام:
• أن الفلاسفة يعمِّمون قولهم في كل غيب، فيتكلمون بهذا الزعم في مسائل الإيمان بالله وفي مسائل الإيمان باليوم الآخر، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى الأمور العملية.
• أما أهل الكلام فيطلقون هذه العبارات في أبواب دون أبواب، فهم دونهم في هذا الأمر، فهم يعمِّمون مثل هذه الأقوال في مسائل الصفات دون مسائل الإيمان باليوم الآخر، مع ما عند الجهمية والمعتزلة من خلل في بعض مسائل المعاد كمسائل عذاب القبر، وكذلك الشفاعة وفناء الجنة والنار وغيرها من المسائل التي تتعلق باليوم الآخر.
فإطلاقهم بمثل هذه العبارات خاص في باب الصفات ولذلك قال المصنف: "فيقولون: إن النصوص الواردة في الصفات" فخص بالذكر باب الصفات دون غيره من الأبواب.
[ ١ / ٤١٧ ]
الوجه الثاني: من الفروق بين مسلك الفلاسفة ومسلك أهل الكلام: هو أن الطريقة اختلفت.
• فالفلاسفة يقولون: إن ما جاء به الرسول وهم وخيال.
• أما أهل الكلام فيقولون: إن الرسول ﷺ لم يقصد أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني، ولم يبين تلك المعاني ولا دل الناس عليها ولكن ترك ذلك امتحانًا لعقولهم.
وقول المصنف: "لم يقصد بها الرسول ﷺ أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دَلَّهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم إتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرفوا الحق من غير جهته، وهذا قول المتكلمة، والجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك".
مراده هل يعقل أن أعظم بابٍ في الدين، يتركه النبي ﷺ من غير بيان وتوضيح؟ وهل يُعقل أن النبي ﷺ يتكلم بخلاف الحق ثم يترك ذلك ولم يبينه امتحانًا لعقول الناس، إذًا ما هي وظيفة الرسل إذا لم يكن مبينًا للناس؟
فالله تعالى قال في شأنه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ويقول النبي ﷺ: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ خَيْرًا لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ مَا يَعْلَمُهُ شَرًّا لَهُمْ» (^١)، فهل هذا يمكن أن يُقبَل أن نطعن في كمال قدرة النبي ﷺ في بيان الحق، أو نطعن في كمال إرادته؟
فهؤلاء طعنوا في كمال قدرته، وفي كمال إرادته؛ لأنهم قالوا: إنه قصد بها معني ولكن لم يبين تلك المعاني ولا دلهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم ثم يجتهدوا في صرف النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم؛ لأن هذا الكلام الذي جاءوا به وتلك التأويلات ما جاء بها النبي ﷺ، ولا دل الأمة عليها، فلابد أن يختلقوا مثل هذا الزعم، وهذا الزعم فيه طعنٌ في الرسول ﷺ، فشتان بين ما قدم له المصنف من بيان كمال علم النبي ﷺ وكمال إرادته وكمال قدرته على الحق وبين هذا التشكيك الذي جاء به هؤلاء وزعموه في شأن الرسول ﷺ.
_________________
(١) انظر صحيح مسلم كِتَابُ الْإِمَارَةِ، بَابُ الْأَمْرِ بالْوَفَاءِ بِبَيْعَةِ الْخُلَفَاءِ، الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، برقم (١٨٤٤)، وابن ماجه (٣٩٥٦)، والنسائي (٤١٩١)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٦٧٩٣).
[ ١ / ٤١٨ ]
فإذًا هذا هو كلام الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والكلابية، وإن كان المصنف هنا لم يصرح بأسماء هؤلاء نظرًا للحال الذي كان في ذلك العصر، ولكن اللبيب بالإشارة يفهم.
يقول: والذين قصدنا الرد عليهم.
وأصحاب مسلك التأويل هم: