المحافظة على النوافل
يقول الناظم ﵀:
واركع إذا الليل دجى ركوع خوف ورجا:
تجاوز الناظم ﵀ التوجيه والإرشاد إلى المحافظة على الفرائض إيماء منه إلى أن الفرائض أمر مفروغ من وجوب المحافظة عليها، وذلك أدنى الكمال من فرّط في شيء منه هلك والعياذ بالله، أخرج البخاري من حديث طلحة بن عبيد الله - ﵁ - يقول: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - من أهل نجد، ثائر الرأس، يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن
[ ٢٧ ]
الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: (خمس صلوات في اليوم والليلة) فقال: هل علي غيرها؟ قال: (لا إلا أن تطوع) قال رسول الله - ﷺ -: (وصيام رمضان) قال هل علي غيره؟ قال: (لا إلا أن تطوع) قال: وذكر له رسول الله - ﷺ - الزكاة، قال: هل علي غيرها؟ قال: (لا إلا أن تطوع). قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول الله - ﷺ -: (أفلح إن صدق) (١) هذا الرجل أقسم أنه لا يزيد على ذلك ولا ينقص، فلم يعنفه رسول الله - ﷺ -، بل ألزم - ﷺ - فلاحه بصدقه في عدم النقصان، لأنه أدنى الكمال، ولم يلزمه بالتطوع لأنه زيادة طاعة على الفرض، ولذلك سمي نفلا، فكأن الناظم يقول نحن متفقون على وجوب المحافظة على أدنى الكمال، ولكني أدعو إلى الكمال نفسه، وهو الزيادة على الفرض، ثم بدأ مرة أخرى بالتوجيه إلى الكمال في أعمال النوافل، إيماء منه إلى أن أدنى الكمال في النوافل هو المحافظة على السنن الراتبة، وهي ركعتين قبل صلاة الفجر، لقول عائشة ﵂: (لم يكن النبي - ﷺ -، على شيء من النوافل، أشد منه تعاهدا على ركعتي الفجر) (٢) وقولها: "كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعا، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي
_________________
(١) البخاري حديث (٤٦).
(٢) أخرجه البخاري حديث (١١١٦) ..
[ ٢٨ ]
ركعتين، ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين" (١) وما ورد في حديث ابن عمر - ﵁ - قال: "صليت مع رسول الله - ﷺ - قبل الظهر سجدتين، وبعدها سجدتين، وبعد المغرب سجدتين، وبعد العشاء سجدتين، وبعد الجمعة سجدتين، فأما المغرب والعشاء والجمعة، فصليت مع النبي في بيته" (٢) وقد عبر بالسجدتين وهو يعني ركعتين، فيكون المجموع (١٢) ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة، وهو ما ورد في حديث أم حبيبة أنها تقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة، بني له بهن بيت في الجنة) قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ.
وقال ابن عنبسة: فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة.
وقال عمرو بن أوس: ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة.
وقال النعمان بن سالم: ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو بن أوس (٣).
وهذا هو الكمال في الرواتب، وأدنى الكمال في النوافل، أما الكمال في النوافل فهو الإتيان بمزيد على هذا، وهو كمال نسبي يتفاوت من شخص لآخر، على قدر ما ينال
_________________
(١) أخرجه مسلم حديث (٧٣٠).
(٢) أخرجه مسلم حديث (٧٢٩).
(٣) أخرجه مسلم حديث (٧٢٨).
[ ٢٩ ]
من جهد وحرص على ما وجه إليه رسول الله - ﷺ - في هذا الباب، ومن ذلك الحرص على صلاة الضحى، والتي تسمى صلاة الأوابين، وأقلها ركعتان، وأكملها ثمان، وقد أخبرت عائشة ﵂: أن رسول الله صلاها أربعا ويزيد ما شاء، وفي حديث أم هاني: أنه صلى ثمان ركعات (١) فكأن الناظم ﵀ يقول: أنا وأنتم متفقون على المحافظة على السنن الراتبة، ولكن هلموا إلى المزيد مما هو أكمل، وذلك ما كان يفعله رسول الله - ﷺ -، ورد في حديث عائشة ﵂، عن صلاة رسول الله - ﷺ - في تطوعه فقالت: "كان يصلي من الليل تسع ركعات. فيهن الوتر، وكان يصلي ليلا طويلا قائما، وليلا طويلا قاعدا، وكان إذا قرأ وهو قائم، ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدا، ركع وسجد وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر، صلى ركعتين" (٢) وهذا ما عناه الناظم ﵀ بقوله:
واركع إذا الليل دجى ركوع خوف ورجا:
فإنه إرشاد منه إلى هذا العمل الجليل الذي حرّص عليه رسول الله - ﷺ - أمته، لما فيه من الخير والصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة، ومن فضل الله على هذه الأمة أنه تعالى يقبل منهم العمل الصالح القليل، ويعطي عليه
_________________
(١) أخرجه مسلم حديث (٣٣٦).
(٢) أخرجه مسلم حديث (٧٣٠).
[ ٣٠ ]
الأجر الكثير، ولم يوجب عليهم كثير من الطاعات سواء كانت بدنية أو مالية، وإنما ندب إلى ذلك على لسان عبده ورسوله نبينا محمد - ﷺ -، وسواء التزم ما كان يفعله رسول الله - ﷺ -، أو زاد في قيامه فذلك خير لا ينكر استنادا إلى حديث ابن عمر ﵄: أن رجلا سأل رسول الله - ﷺ - عن صلاة الليل؟، فقال رسول الله - ﷺ -: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح، صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى) (١).