الحث على التمسك بالكتاب والسنة
٨ - قف عند حكم المصحف من غير ما تحرف ولا تخض وقعت في أقوال أهل البدع
هذا البيت فيه توجيه عام إلى التزام نهج الكتاب والسنة، ونهي عن مجاوزة ذلك، لأن من جاوز ذلك فقد اتبع الرأي، ومن اتبع الرأي وقع في الهوى، وذلك يفضي به إلى الابتداع، أو الاقتداء بمن سبقه من أهل البدع والأهواء، ويكون ممن قال فيهم الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (١).
قف عند حكم المصحف من غير ما تحرف:
نبه الناظم ﵀ إلى الوقوف عند كلام الله - ﷿ -، والذي عبر عنه بالمصحف، وهو الكلام المتلو من المصحف الذي حواه، وجمع فيه، من فعل أبي بكر، ثم
_________________
(١) الآيتان (١٠٣، ١٠٤) من سورة الكهف.
[ ٤٤ ]
عثمان، ﵄، واشتهرت التسمية بالمصحف من فعل عثمان - ﵁ - إذ جمع ما كان من القرآن في اللخاف والعسب، والرقاع، وصدور الرجال، وجعله في كتاب واحد سماه المصحف، بعث منه إلى كل مصر بنسخة، فحفظ الله بهذا العمل كلامه العزيز، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) وقول الناظم هذا هو عمل بقول الله - ﷿ -: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣) ولم يصرح الناظم بالوقوف عند القول من السنة الصحيحة لأن ذلك داخل في الوقوف عند قول المصحف، وهو قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ
_________________
(١) الآية (٩) من سورة الحجر.
(٢) من الآية (١٠٣) من سورة آل عمران.
(٣) الآية (٦٥) من سورة النساء.
[ ٤٥ ]
اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) والوقوف عند قول المصحف، معناه التدبر والفهم لمقصود الرب ﷾، عملا بقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا
_________________
(١) من الآية (٧) من سورة الحشر.
(٢) من الآية (٦٣) من سورة النور.
(٣) الآية (٣٦) من سورة الأحزاب ..
(٤) الآية (٣١) من سورة آل عمران.
[ ٤٦ ]
﴾ (١) ويجب أن يكون هذا التدبر بفهم صحيح في إطار صحيح، بعيدا عن الغلو الذي هو الإفراط، وعن التساهل الذي هو التفريط، والحرص على ما بينهما وهو التوسط، منهج الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٢) شهداء على الناس، الذين أفرطوا، والذين فرّطوا، ويشهد الرسول - ﷺ - على وسطية هذه الأمة، فلا تحريف ولا تبديل في الإسلام الدين الحق، ففيه الكمال والعدل والرأفة والرحمة، وفي هذا المعنى وصية رسول الله - ﷺ -، قال العرباض بن سارية: وعظنا رسول الله - ﷺ - يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع، فبماذا تعهد الينا يا رسول الله؟، قال: (أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي، فانه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين
_________________
(١) الآية (٢٤) من سورة محمد.
(٢) من الآية (١٤٣) من سورة البقرة.
[ ٤٧ ]
المهديين، عضوا عليها بالنواجذ) (١) وفي رواية ابن ماجه: (وعظنا رَسُول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب. فقلنا: يا رَسُول الله، إِنَّ هَذهِ لموعظة مودع، فما تعهد إلَيْنَا؟ قَالَ: قد تركتكم على البيضاء. ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هلك. مِن يعش منكم فيسرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرفتم مِن سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين. عضوا عليها بالنواجذ. وعليكم بالطاعة. وإن عبدًا حبشيًا. فإنما المؤمِن كالجمل الأنف، حيثما قيد انقاد) (٢) وهذا هو العمل بالكتاب والسنة، ومن زعم غير ذلك فقد ركب مركبا صعبا من الزلل والمهالك، وهذا ما عناه الناظم ﵀ بقوله:
ولا تخض وقعت في أقوال أهل البدع:
وهو تحذير من الناظم رحمه الله تعالى، لأن ذلك يفضي إلى الهلاك كما قال تعالى حكاية عن الذين يطلقون ألسنتهم بكل قول من غير وعي لخطورة ما يقولون: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ
_________________
(١) أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، انظر رقم (٢٨١٦).
(٢) حديث (٤٣) وهو من أدلة اللالكائي (شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/ ٨٢).
[ ٤٨ ]
قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ (٢) والخطر في الحقيقة ليس محدقا بهؤلاء فحسب، بل ينال الذين يجلسون معهم، ويسمعون كلامهم، ولا ينكرون عليهم، فإنهم مثلهم في الإثم والعقوبة، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (٣) والخوض يشمل هذا وغيره من محاولة التفلسف، والتزام الجدل لرد ما هو حق بالنص من الكتاب أو السنة أو منهما معا، أو تأويل الشيء على غير وجهه مع الزعم بأن هذا مراد الله ورسوله، أو مما يقال في المجالس لإضحاك الناس، وهو من سخط الله ورسوله، ولذلك حذر رسول الله - ﷺ - من حصاد الألسنة كما ورد في حديث معاذ بن جبل - ﵁ -
_________________
(١) الآية (٦٥) من سورة التوبة.
(٢) الآية (٤٥) من سورة المدثر.
(٣) الآية (١٤٠) من سورة النساء ..
[ ٤٩ ]
قال: (كنت مع النبي - ﷺ - في سفر، فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير فقلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: لقد سألتني عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل، قال: ثم تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) ثم قال: ألا أخبركم برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه: قلت: بلى يا رسول الله قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله، قلت بلى يا رسول الله، قال: فأخذ بلسانه، قال: كف عليك هذا. فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على
_________________
(١) الآيتان (١٦، ١٧) من سورة السجدة.
[ ٥٠ ]
مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم) (١) فالخوض شامل لكل مفسدة، فلنطهر ألسنتنا من هذا الداء الوبيل.