جاء عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق﴾. وهذه الشهادة فرض تجمع الاعتقاد بالقلب والاعتراف باللسان، والاعتقاد والإقرار وإن كانا عملين يعملان بجارحتين مختلفتين فإن نوع العمل واحد، وما مثلها إل امثل من قال شيئا وكتبه، فإنه وإن عمل عملين بجارحتين مختلفتين فإن نوع العمل واحد، وهو الإبانة عما حصل مبينا باليد واللسان من قرآن أو شعر أو حديث أو مثل أو قصص أو ما كان من أصناف الكلام أو مثل من مد يديه ورجله إلى شيء فحركه، فإنه وإن كان عم عملين بجارحتين مختلفين، فإن نوع العمل واحد وهو تحريك شيء بعينه.
فكذلك الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان عملان يعملان بجارحتين، إلا أن نوع العمل واحد، والمنسوب إلى القلب منه هو المنسوب إلى اللسان والمنسوب إلى اللسان هو المنسوب إلى القلب، كما أن المكتوب مما جمع بين كتبه وقوله هو المنقول، والمنقول هو المكتوب.
فإن قيل: فما العمل للحاصل بالاعتقاد والإقرار؟ قيل: مجموع عدة أشياء: أحدها: إثبات الباري ﷿ جلاله ليقع به مفارقة التعطيل. والثاني: إثبات وحدانيته ليقع به البراءة من الشرك. والثالث: إثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض لتقع به البراءة من التشبيه. والرابع: أن وجود ما سواه كان من قبل إبداعه واختراعه إياه لتقع به
[ ١ / ١٨٣ ]
من قول يقول بالصلة والمعلول. والخامس: إثبات أنه مدبر ما أبدع ومصرفه على ما شاء لتقع به البراءة من قول القائلين بالطبائع أو تدبير الكواكب أو تدبير الملائكة.
فأما البراءة بإثبات الباري ﷿ والاعتراف له بالوجود من ماعين التعطيل، فإن ثوما ضلوا عن معرفة الله ﷿ وكفروا وألحدوا وزعموا أنه لا فاعل لهذا العالم، وأنه لم يزل على ما عليه، ولا موجود إلا المحسوسات، وليس وراءها شيء، وإن الكوائن والحوادث إنما تكون تحدث من قبل الطبائع التي في العناصر وهي الماء والنار والهوى والأرض، ولا مدبر للعالم يكون ما يكون باختياره وصنعه. فإذا أثبت المثبت للعالم إلها ونسب الفعل والصنع إليه، فقد فارق الإلحاد والتعطيل، وهذا أحسن مذاهب الملحدين والعاملين يسميهم غيرهم من أهل الإلحاد الفرقة المتجاهلة وقد يدعونهم غير الفلاسفة.
وأما البراءة من الشرك إثبات الوحدانية، فلأن قوما ادعوا فاعلين، وزعموا أن أحدهما يفعل الخير والأخير يفعل الشر، وزعم قوم أن بدء الخلق كان من النفس، إلا انه كان يقع منها لا على سبيل السداد والحكمة، وأخذ الباري على يدها، وعمد إلى مادة تدعمه كانت موجودة معه لا تزل، فركب منها هذا العالم على ما هو عليه من السداد والحكمة، وإذا ثبت المثبت أن لا إله إلا الله واحد، وأن لا خالق سواه، ولا قديم غيره، فقد انتفى عن قوله الشريك الذي هو في البطلان، ووجوب اسم الكفر لقائله كالإلحاد والتعطيل.
وأما البراءة من التشبيه بإثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض، فلأن قوما زاغوا عن الحق فوصفوا الباري جل ثناؤه ببعض صفات المحدثين، فمنهم من قال: أنه جوهر، ومنهم من قال: أنه جسم، ومنهم من أجاز أن يكون على العرض كما يكون الملك على سريره، وكان ذلك في وجوب اسم الكفر لقائله كالتعطيل والتشريك.
فإذا أثبت المثبت أنه ليس كمثله شيء، وجماع ذلك أنه ليس بجوهر ولا عرض فقد انتفى التشبيه لأنه لو كان جوهرا أو عرضا لجاز عليه ما يجوز على سائر الجواهر والأعراض، ولأنه إذا لم يكن جوهرا ولا عرضا لم يجز عليه ما يجوز على الجواهر من حيث أنها جواهر كالتآلف والتجسم وشغل الأمكنة والحركة والسكون، ولا ما يجوز على الأعراض من حيث أنها أعراض كالحدوث وعدم البقاء.
[ ١ / ١٨٤ ]
وأما البراءة من التعليل بإثبان أنه مبدع كل سواه، فلأن قوما من الأوائل خالفوا المعطلة ثم خذلوا عن بلوغ الحق فقالوا: أن الباري موجود، غير أنه علة لسائر الموجودات وسبب لها، بمعنى أن وجوده اقتضى وجودها شيئا فشيئا على ترتيب لهم يذكرونه، وأن المعلول إذا كان لا يفارق العلة، فواجب إذا كان الباري لم يزل أن يكون مادة هذا العالم لم يزل به، فمن أثبت له المبدع الموجود المحدث لكل ما سواه من جوهر وعرض باختياره وإرادته المخترع لها لا من الأصل فقد انتفى عن قوله التعليل الذي هو في وجوب الكفر لقائله كالتعطيل.
وأما البراءة من التشريك في التدبير بإثبات أنه لا مدبر لشيء من الموجودات إلا الله، فلان قوما زعموا أن الملائكة تدبر العالم وسموها آلهة. وزعم قوم أن الكواكب تدبر ما تحتها وإن كل كائنة وحادثة في الأرض، فإنها هي من آثار حركات الكواكب واحتراقها، واتصالها وانفصالها وغير ذلك من أحوالها.
فمن أثبت أن الله ﷿ هو المدبر لما أبدع ولا مدبر سواه، فقد انتفى عن قوله التشريك في التدبير الذي هو في وجوب اسم الكفر لقائله، كالتشريك في القدم أو في الخلق، وكان معنى من هذه المعاني معقده، ولهذا لم يكن الاعتقاد إحدى شعب الإيمان أو الاعتراف شعبة ثانية، بل كانا معا شعبة واحدة إذا كان المحصل بعقد القلب هو المحصل بلفظ اللسان.
فصل
ثم أن لله جل ثناؤه ضمن هذه المعاني كلها كلمة واحدة وهي لا إله إلا الله، وأمر المأمورين بالإيمان لأن يعتقدوها ويقولها، فقال ﷿: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ وقال فيما ذم به مستكبري العرب: ﴿إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون: "أأنا لتاركوا إلهتنا لشاعر مجنون"﴾ والمعنى أنهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله استكبروا ولم يقولوا، بل قالوا مكانها أأنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون.
ووصف الله تعالى نفسه بما في هذه الكلمة في غير موضع من كتابه فقال: ﴿الله لا
[ ١ / ١٨٥ ]
إله إلا هو الحي القيوم﴾. وقال: ﴿هو الحي لا إله إلا هو﴾. وأضاف هذه الكلمة في بعض الآيات إلى إبراهيم الخليل صلوات الله عليه فقال بعد أن اخبر عنه أنه قال لابنه وقومه: ﴿إنني براء مما تعبدون، إلا الذي فطرني فإنه سيهدين، وجعلها كلمة باقية في عقبه﴾.
وقيل: الكلمة لا إله إلا الله، ومجاز قوله: إنني براء مما تعبدون، إلا الذي فطرني إلا الله. فيحتمل أن يكون أولاده المؤمنون أخذوا هذه الكلمة عنه، فكانوا يقولون: لا إله إلا الله.
ثم إن الله ﷿ جددها بعدد رسوها بالنبي ﷺ إذا بعثه لأنه كان من ذرية إبراهيم صل الله عليهما، وورثه من هذه الكلمة ما ورثه البيت والمقام وزمزم والصفا والمروة وعرفه والمشعر ومنا والكلمات التي ابتلاه بها فأتمها والقربان. فقال النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها". في هذا بيان أن هذه الكلمة يكفي الإسلام بها من جميع أصناف الكفر بالله ﷿.
وإذا تأملناها وجدناها بالحقيقة كذلك. لأن من قال: لا إله إلا الله، فقد اثبت الله ونفى غيره، فخرج بإثبات ما أثبت من التعطيل، وبما ضم إليه من نفي غيره عن التشريك وأثبت باسم الإله الإبداع معا إذا كانت الإلهية لا تصير مثبتة له تعالى بإضافة الموجودات إليه على ومعنى انه سبب لوجودها دون أن يكون فعلا وصنعا، ويكون لوجودها بإرادته واختياره تعلق، وبإضافته فعل يكون منها فيها سوى الإبداع إليه مثل التركيب والنظم والتأليف. فإن الأبوين قد يكونان سببا لولد على بعض الوجوه، ثم لا يستحق واحد منها اسم الإله.
والنجار والصانع ومن يجري بجراهما، كل واحد منهم يركب ويهيئ ولا يستحق اسم الإله، فعلم بهذا أن اسم لإله لا يجب إلا للمبدع، وإذا وقع الاعتراف بالإبداع، فقد وقع بالتدبير، لأن الإيجاد تدبير ولأن تدبير الموجود إنما يكون بإثباته أو بإحداث
[ ١ / ١٨٦ ]
أعراض فيه أو إعدامه بعد إيجاده، وكل ذلك أن كان فهو إبداع وإحداث، وفي ذلك أنه لا معنى لفصل التدبير عن الإبداع وتميزه عنه، وإن الاعتراف بالإبداع ينتظم وجميع وجوهه زعامة ما دخل في بابه. هذا هو الأمر الجاري على سنن النظر ما لم يناقض قوله مناقض، فيسلم أمرا ويجحد مثله، أو يعطي أصلا ويمنع فرعه.
فأما التشبيه فإن هذه الكلمة أيضا تأتي على نفيه، لأن اسم الإله إذا ثبت بكل وصف يعود عليه بالابطال وجب أن يكون متيقنا بثبوته، والتشبيه من هذه الجملة لأنه إذا كان له من خلقه شبيه، وجب أن يجوز عليه من ذلك الوجه ما يجوز على شبهة، وإذا جاز ذلك عليه لم يستحق اسم الإله كما لا يستحقه خلقه الذي شبهه به، فتبين بهذا أن اسم الاله والتشبيه لا يجتمعان كما أن اسم الإله ونفي الإبداع عنه لا يأتلفان وبالله التوفيق.
فمن أراد التدين بدين الحق وأطلق لسانه بهذه الكلمة قد استجمعت له هذه المعاني التي سبق سرحها وتلخيصها ما لم يخطر بقلبه عند التفصيل شيء يخالف الجملة، فإن خطر احتاج إلى أن يعتقد الحق فيه مفصلا، ولم ينفعه الأجمال مع دخول الشبهة عليه في التفصيل. ثم إذا انضم إلى ما ذكرته من شهادة الحق ما يذر في باب الشعبة الثانية من شعب الإيمان من اعتقاد نبوة النبي ﷺ، والاعتراف بها، فصل الإيمان بعامة أسماء الله وصفاته لاقتضاء العقائد التي سبق وصفها وتعديدها بمعانيها، واثبات الرسول ﷺ بالألفاظ الدالر عليها، فإن تصديقه في الرسالة تأتي على قبولها منه وتسمية الله جل ثناؤه بها. وبالله التوفيق.
فصل
ثم أن أسماء الله تعالى التي ورد بها الكتاب والسنة وأجمع العلماء على تسميته بها مقسمة بين العقائد الخمس التي سبق ذكرها وتعديدها. فيلتحق بكل واحد منهما بعضها وقد يكون منها ما يلتحق بمعنيين ويدخل في ما بين، أو أكثر ثم تنتظمها جميعا شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا شرح ذلك وتفصيله:
[ ١ / ١٨٧ ]
١ - ذكر الأسماء التي تتبع إثبات الباري جل ثناؤه والاعتراف بوجوده منها القديم:
وذلك مما يوثر على النبي ﷺ ولم يأت به الكتاب نصا، وإن كان قد جاء فيما تقتضيه.
ومعناه: الموجود الذي ليس لوجوده ابتداء، والموجود الذي لم يزل في أصل القديم في الناس، لأن القديم هو القادم. قال الله ﷿ فيما أخبر به عن فرعون: ﴿يقدم قومه يوم القيامة﴾. فقيل الله ﷿ قديم بمعنى أنه سابق للموجودات. ولم يجز إذا كان كذلك أن يكون لوجوده ابتداء. لأنه لو كان لوجوده ابتداء لاقتضى ذلك أن يكون غير له أو جده، ويوجب أن يكون ذلك الغير موجودا قبله. فان لا يصح حينئذ أن يكون هو سابقا للموجودات. فبان أنا إذا وصفناه بأنه سابق للموجودات فقد أوجبنا أن لا يكون لوجوده ابتداء، وكان القديم في وصفه جل ثناؤه عبارة عن هذا المعنى وبالله التوفيق.
ومنها الأول ومنها لآخر: وقد ورد القرآن بهذين الاسمين.
والأول: هو الذي لا قبل له. والآخر: هو الذي لا بعد له، قبل وبعد نهايتان، فتقبل نهاية الموجود من قبل ابتدائه، وبعد غايته من انتهائه، فإذا لم يكن له ابتداء ولا انتهاء لم يكن للوجود قبل ولا بعد، فكان هو الأول والآخر.
ومنها الباقي: قال الله ﷿: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾. وهذا أيضا من لواحق قولنا: قديم، لأنه إذا كان موجودا لا عن أول ولا لسبب، لم يجز عليه الانقطاع بسبب وجوده، فلما لم يكن لوجود القديم بسبب، يتوهم أن ذلك السبب أن أرتفع عدم، علمنا أنه لا انقطاع له.
ومنها الحق: قال الله ﷿: ﴿ويعلمون أن الله هو الحق المبين﴾، والحق مالا يسع أفكاره ويلزم إثباته والاعتراف به، ووجود الباري تعالى أولى ما يجب الاعتراف به، ولا يسع جحده. إذا لا مثبت يتظاهر عليه من الدلائل البينة الظاهرة ما تظاهرت على وجود الباري ﷻ.
[ ١ / ١٨٨ ]
ومنها المبين: وهو الذي لا يخفى ولا يتكتم. والباري جل ثناؤه لبس بخاف ولا منكتم، لأن له من الأفعال الدالة عليه ما يستحيل معها أن يخفى، فلا يوقف عليه ولا يدري.
ومنها الظاهر: ومعناه البادي بأفعاله وهو جل ثناؤه بهذه الصفة، فلا يمكن معها أن يجهد وجوده وينكر ثبوته.
ومنها الوارث: لان معناه الباقي بعد ذهاب غيره، وربنا جل ثناؤه بهذه الصفة لأنه يبقى بعد ذهاب الملاك الذي أمتعهم في هذه الدنيا بما أتاهم، لأن وجودهم وجود الأملاك كان به ووجوده ليس بغيره. وهذا الاسم مما يؤثر عن النبي ﷺ وليس له في الكتاب ذكر والله أعلم.
٢ - ذكر الأسماء التي تتبع إثبات وحدانيته عن اسمه:
أو لها الواحد: فهو واحد من حيث أنه ليس له شريك، فيجري عليه لأجله حكم العدد، وتبطل به وحدانيته. والآخر: أنه واحد، هي أن ذاته ذات لا يجوز عليه التكثر لغيره، والإشارة فيه إلى أنه ليس بجوهر ولا عرض، له قوام له إلا بغير يحله، والقديم فرد لا يجوز عليه حاجة إلى غيره، ولا يكثر بغيره، ولا هذا لو قيل أن معنى الواحد انه القائم بنفسه لكان ذلك صحيحا ولرجع المعنى إلى انه ليس بجوهر ولا عرض، لأن قيام الجوهر بفاعله ومثبته، وقيام العرض بجوهر يحله.
والثالث: أن معنى الواحد: القديم. فإذا قلنا الواحد، فإنما يريد به الذي لا يمكن انه يكون أكثر من واحد، والذي لا يمكن أن يكون أكثر من واحد هو القديم، لان القديم بالإطلاق السابق للموجودات، ومهما كان قديما كان كل واحد منهما غير سابق بالإطلاق، لأنه أن سبق غير صاحبه فليس بسابق لصاحبه وهو موجود وجوده، فيكون إذا قديما من وجه غير قديم من وجه، ويكون القدم وصفا لهما معا، ولا يكون وصفا لهما معا، ولا يكون وصفا لكل واحد منهما. فثبت أن القديم بالإطلاق لا يكون إلا واحدا. فالواحد إذا هو القديم الذي لا يمكن أن يكون إلا واحدا.
فإن قال: إذا كان القديم هو السابق للموجودات، والبادي إذا لم يستحق هذا الإسم
[ ١ / ١٨٩ ]
إلا بعد وجود الموجودات، لأنه من قبل وجودها لم يكن موصوفا بسبقها.
قيل: أن الموجودات لما كانت بإيجاده وإبداعه كان سابقا لها بوجوده القديم، فإن وجوده لا يكون عرضا، وإذا كان وجوده بعدما أبدع هذا الوجود الذي كان موصوفا به قبل الإبداع، فهو إذا استحق به الوصف بالسبق استحقه قديما لا استحقاقا حادثا.
كما أن القدرة وإن كانت لا تكون إلا على مقدور، فإنه إذا استحق به الوصف بالقدرة استحقه استحقاقا قديما لا حادثا، لأنه إنما يوجد المقدور بالقدرة التي كانت له قبل أن يوجده، وليست قدرته عرضية، فتكون قدرته الآن غير قدرته قبل الآن، فكذلك الوجود والله أعلم. وقد ورد الكتاب بهذا الاسم، قال الله ﷿ لنبيه ﷺ: ﴿قل إنما إنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار﴾.
ومنها الوتر: لأنه إذا لم "يكن" قديم سواه، لا إله ولا غير إله، لم ينبغي لشيء من الموجودات أن يضم إليه فيعد معه، فيكون والمعدود معه شفعا، لكنه واحد فرد وتر.
ومنها الكافي: لأنه إذا لم يكن له في الإلوهية شريك، صح أن الكفايات كلها واقعة به وحده فلا ينبغي أن تكون العبادة إلا له، ولا الرغبة إلا إليه، ولا الرجاء إلا منه. وقد ورد الكتاب هذا أيضا، قال الله ﷿: ﴿أليس الله بكاف عبده﴾، وجاء ذلك أيضا عن رسول الله ﷺ.
ومنها العلي: قال الله ﷿: ﴿وهو العلي العظيم﴾ ومعناه الذي ليس فوقه بما يجب له من معاني الجلال احد، ولا معه من يكون العلو مشتركا بينه وبينه، لكنه العلي بالإطلاق، والرفيع في هذا المعنى. قال الله ﷿: ﴿رفيع الدرجات﴾.
ومعناه هو الذي لا أرفع قدرا منه، وهو المستحق لدرجات المدح والثناء، وهو أصنافها وأبوابها لا يستحق لها غيره.
٣ - ذكر الأسماء التي تتبع إثبات الابتداع والاختراع له.
أولها: الله، ومعناه إله، وهذا أكثر الأسماء واجمعها للمعاني، والأشبه أنه كأسماء
[ ١ / ١٩٠ ]
الاعلام موضوع غير مشتق، ومعناه القديم التام القدرة، فإنه إذا كان سابقا لعامة الموجودات كان وجودها به، وإذا كان تام أو حد المعدوم، وصرف ما يوحده على ما يزيده، واختص لذلك باسم الإله.
ولهذا لا يجوز أن يسمي هذا الاسم أحد سواه يوجه من الوجوه، وتأويل من التأويلات وهو الذي أراده الله جل ثناؤه بقوله: ﴿رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا﴾. أي هل تعلم من يستحق أسم الإله غيره، ومن قال: ألا أنه هو المستحق للعبادة، فقد يرجع قوله: إلى أن الإله إذا كان هو القديم التام القدرة، فكان كل موجود سرا صنعا له، والمصنوع إذا علم صانعه كان حقا عليه أن يستحذي له في الطاعة، ويذل له بالعبودية لأن هذا المعنى تفسير هذا الاسم.
ومنها الحي: قال الله ﷿: ﴿هو الحي لا إله إلا هو﴾ وإنما يقال ذلك لأن الفعل على سبيل الاختيار لا يوحد إلا مزجي، وأفعال الله ﷿ لها صادرة عنه باختياره إذا أثبتنا أنه حي.
ومنها العالم: قال الله ﷿: ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ ومعناه أنه يدرك الأشياء على ما هي به، وإنما وجب أن يوصف عز اسمه بالعالم، لأنه قد ثبت أن ما عداه من الموجودات فعل له وانه لا يمكن أن يكون فعل إلا باختيار واردة، ولفعل على هذا الوجه لا يظهر إلا من عالم، كما لا يظهر إلا من حي.
ومنها القادر: قال الله ﷿: ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتي﴾. وقال: ﴿بل، إنه على كل شيء قدير﴾، وهذا يدل على معنى أنه لا يعجزه شيء بل تيسر له ما يريد على ما يريد، لأن أفعاله قد ظهرت، ولا يظهر الفعل اختيارا إلا من قادر غير عاجز، كما لا يظهر إلا من حي عالم.
ومنها الحكيم: قال الله تعال: ﴿إنه حكيم عليم﴾ ومعناه الذي لا يقول ولا يفعل إلا الصواب وإنما أن يوصف بذلك لأن أفعاله سديدة، وصنعه متقن، ولا
[ ١ / ١٩١ ]
يظهر الفعل المتقن السديد إلا من حكيم، كما لا يظهر الفعل على وجه الاختيار إلا من حي عالم قدير.
ومنها السيد: هو أسم لم يأت به الكتاب، ولكنه مأثور عن النبي ﷺ فإنه روي عنه أنه قال لوفد بني عامر: "لا تقولوا السيد فإن الله هو السيد". ومعناه المحتاج إليه الإطلاق، فإن سيد الناس إنما هو رأسهم الذي إليه يرجعون ويأمره يعملون، وعن رأيه يصدرون، ومن قوته يستمدون.
فإذا كانت الملائكة والأنس والجن خلقا للباري جل ثناؤه لم يكن بهم غيبة في يدي أمرهم وهو الموجود، إذ لو لم يوجدهم لم يوجدوا ولا في الإبقاء بعد الإيجاد، ولا في العوارض أثناء البقاء كان حقا له جل ثناؤه وأن يكون سيدا، وكان حقا عليه أن يدعوه بهذا الاسم.
ومنها الجليل: وذلك أيضا مما ورد به الأثر عن رسول الله ﷺ، وفي الكتاب: ﴿ذو الجلال﴾ ومعناه المستحق للأمر والنهي، فإن جلال الواحد فيما بين الناس إنما يظهر بأن يكون له غيره أمر نافذ ولا تحد من طاعته فيه يد، وإذا كان من حق الباري جل ثناؤه على من أبدعه أن يكون أمره عليه نافذا وطاعته له لازمة وجب له اسم الجليل حقا، وكان لمن عرفه أن يدعوه بهذا الاسم، وبما يجرب مجراه ويؤدي معناه.
ومنها البديع: ومعناه المبتدع وهو يحدث ما لم يكن مثله قط. قال الله ﷿: ﴿بديع السموات والأرض﴾ أي مبدعها. والمبدع من له إبداع، فلما ثبت وجود الإبداع من الله تعالى لعامة الجواهر والأعراض استحق أن يسمى بديعا ومبدعا.
ومنها الباري: قال الله ﷿: ﴿الباري المصور﴾ وهذا الاسم يحتمل معنيين: أحدهما: الموجد لما كان في معلومة من أصناف الخلائق، وهذا هو الذي يشير إليه قوله ﷿: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾، ولا شك أن إثبات الإبداع والاعتراف به للباري ﷿ ليس يكون على أنه أبدع بغتة من غير علم سبق له بما هو مبدعه، لكن على انه كان عالما بما
[ ١ / ١٩٢ ]
أبدع قبل أن يبدع، فكما وجب عند الإبداع اسم البديع، وجب له أسم الباري.
والآخر: أن المراد بالباري فالبر الأعيان، أي أنه أبدع الماء والتراب والنار والهواء لا من شيء، ثم خلق منها الأجسام المختلفة، كما قال ﷿: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾. وقال: ﴿إني خالق بشرا من طين﴾ وقال: ﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب﴾ وقال: ﴿خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين﴾ وقال: ﴿خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار﴾.
وقال: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقت آخر﴾ فيكون هذا من قولهم: برأ القواس القوس إذا صنعها من موادها التي كانت لها فجاءت منها لا كهيئتها، والاعتراف لله ﷿ بالإبداع يقتضي الاعتراف له بالبرء، وكان المعترف يعلم من نفسه أنه منقول من حال إلى حال إلى أن صار ممن يقدر على الاعتقاد والاعتراف.
ومنها الذارئ: ومعناه المنشئ، والمعنى قال الله ﷿: ﴿جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه﴾ أي جعلكم أزواجا وذكورا وإناثا لينشئكم ويكثركم وينميكن، فظهر بذلك أن الذر ما قلنا، وصار الاعتراف بالإبداع يلزم من الاعتراف بالذرء ما يلزم من الاعتراف بالبرء.
ومنها الخالق: قال الله ﷿: ﴿هل من خالق غير الله﴾ ومعناه الذي صنف المبدعات وجعل لكل صنف منها قدرا، فوجد فيها الصغير والكبير والطويل والقصير والإنسان والبهيم والدابة والطائر والحيوان والموات، ولا شك أن الاعتراف بالإبداع يقتضي الاعتراف بالخلف إذ كان الخلق هيئة الإبداع فلا يغني أحدهما عن الآخر.
ومنا الخلاق: قال الله ﷿: ﴿بلى وهو الخلاق العليم﴾ ومعناه الخالق خلقا من بعد خلق.
[ ١ / ١٩٣ ]
ومنها الصانع: ومعناه المركب والمهيئ، قال الله ﷿: ﴿صنع الله الذي أتقن كل شيء﴾ وقد يكون الصانع الفاعل، ويدخل فيه الاختراع والتركيب معا.
ومنها الفاطر: ومعناه فاتق المرتتق من السماء والأرض. قال الله ﷿: ﴿أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما﴾ قد يكون المعنى كانت السماء دخانا فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، وكانت الأرض غير مدحوة فدحاها، وأخرج منها ماءها ومرعاها، ألم يعلموا وقد يكون المعنى ما روي عن بعض الآثار: فتقنا السماء بالمطر والأرض بالنبات. وقال ابن عباس ﵁: كنت لا أدري ما معنى فاطر حتى سمعت إعرابيين يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي حفرتها وسففت عن الماء فيه فنبع وظهر، والاعتراف بالإبداع يقتضي هذا المعنى ويأتي عليه.
ومنها المقتدر: قال الله ﷿: ﴿فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر﴾، وهو المظهر قدرته بفعل ما يقدر عليا، وقد كان ذلك من الله تعالى فيما أمضاه وإن كان يقدر على أشياء كثيرة لم يفعلها ولو شاء لفعلها، فاستحق بذلك أن يسمى مقتدرا.
ومنها الملك والمليك في معناه. قال ﷿: ﴿فتعالى الله الملك الحق﴾. وقال: ﴿عند مليك مقتدر﴾ وذلك مما يقتضيه الإبداع هو المخترع للشيء من العدم إلى الوجود، فلا يتوهم أن يكون أحد أحق بما أبدع منه، ولا أولى بالتصرف فيه منه، وهذا هو الملك.
وأما المليك فهو استحقاق السياسة وذلك فيما بيننا قد يصغر ويكبر بحسب قدر المسوس وقدر السائس في نفسه ومعانيه. وأما ملك الباري عز اسمه: فهو الذي لا يتوهم ملك يدانيه فضلا على أن يفوته، لأنه إنما استحقه بإبداعه مما يسوسه، وإيجاده إياه بعد أن لم يكن، ولا يخش أن ينزع منه، أو يدفع عنه فهو الملك حقا وملك من سواه مجاز.
[ ١ / ١٩٤ ]
ومنها الجبار: في قول من يجعله من الجبر الذي هو نظير الكره، لأنه يدخل فيه أحداث الشيء عن عدم، فإنه إذا أراد وجوده كان ولم يتخلف كونه عن حال إرادته ولم يكن فيه غير ذلك، فيكون فعله له كالجبر، إذ الجبر طريق إلى دفع الامتناع عن المراد، فإذا كان ما يريده الباري جل ثناؤه لا يمتنع عليه فذلك في الصورة جبر. وقد قال الله ﷿: ﴿ثم استوي إلى السماء وهي دخان﴾ فهذا الباب لم يميزه عن الإبداع وجعل الاعتراف له، فإنه بديع اعترافا له بأنه جبار.
٤ - ذكر الأسماء التي تتبع نفي التشبيه عن الله تعالى جده:
منها الأحد: وهو الذي لا شبيه له ولا نظير، كما أن الواحد هو الذي لا شريك له ولا عديل، ولهذا سمي الله ﷿ نفسه بهذا الاسم لما وصف نفسه بأنه ﴿لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾ وكان قوله ﷿: ﴿لم يلد ولم يولد﴾ من تفسير قوله: ﴿أحد﴾ والمعنى لم يتفرع هو عن شيء، ولا تفرع هو عن شيء كما تفرع الولد عن أبيه وأمه ويتفرع عنهما الولد، فإذا كان ذلك فيما يدعوه المشركون الها من دونه لا يجوز أن يكون الها إذا كانت إمارات الحدوث من التجزئ والتناهي قائمة فيه ولازمة له، الباري لا يتجزأ ولا يتناهى فهو إذا غير مشبه إياه، ولا مشارك له في صفته.
ومنها العظيم: ومعناه الذي لا يمكن الامتناع عليه بالإطلاق لان عظيم القوم إنما يكون مالك أمورهم الذي لا يقدرون على مقاومته ومخالفة أموره إلا انه وأن كان كذلك، فقد تلحقه العجز بآفات تدخل عليه فيما بيده فتوهنه وتضعفه، حتى يستطاع مقاومته بل فهره وإبطاله، والله جل ثناؤه قادر لا يعجزه شيء، ولا يمكن أن يعصى كرها، أو يخالف أمره قهرا، فهو العظيم إذا حقا وصدقا، وكان هذا الاسم لمن دونه مجازا.
ومنها العزيز: ومعناه الذي لا يوصل إليه ولا يمكن إدخال مكروه عليه. فإن العزيز في لسان العرب هو من العزة والصلابة، وقيل للحديد الصلب غرور لشدته وتعذر كسره، وخلافه الذليل الذي هو في اللسان من الذلة وهو اللين والطواعية. وقيل للمركوب
[ ١ / ١٩٥ ]
المطواع ذلول للينة وسلاسته. فإذا قيل لله عزيز، فإنما يراد به الاعتراف له بالقدم الذي لا يتهيأ معه تغييره عما لم عليه منا القدرة والقوة، وذلك عائد إلى تنزيهه عما يجوز على المصنوعين لاعتراضهم بالحدوث في أنفسهم للحوادث أن تصيبهم وتغيرهم.
ومنها المتعال: ومعناه المرتفع عن أن يجوز عليه ما يجوز على المحدثين من الأزواج والأولاد والجوارح والأعضاء، واتخاذ السرير للجلوس عليه والاحتجاب بالستور عن أن تنفذ الأبصار إليه، والانتقال من مكان إلى مكان ونحو ذلك. فإن إثبات بعض هذه الأشياء توجب النهاية، وبعضها يوجب الحاجة، وبعضها يوجب التغير والاستحالة، وشيء من ذلك غير لائق بالقديم ولا جائز عليه.
ومنها الباطن: وهو الذي لا يحس وإنما يدرك بآثاره وأفعاله.
ومنها الكبير: ومعناه المعروف عباده على ما يريده منهم من غير أن يروه.
وكبير القوم هو الذي يستغني عن التبذل لهم، ولا يحتاج غي بعض الناس وفي بعض الأمور إلى الاستظهار على المأمور بإبداء نفسه ومخاطبته كفاحا لخشيته أن لا يطيعه إذا سمع أمره من غيره. والله ﷿ لا يحتاج إلى شيء ولا يعجزه شيء.
ومنها السلام: لأن معناه السالم من المصائب، إذا هي غير جائزة عليه وإن جوازها على المصنوعات، لأنها إحداث وبدائع. فكما جاز أن يوجدوا بعد أن لم يكونوا موجودين جاز أن يدعموا بعد "ما" وجدوا، وجاز أن تتبدل أعراضهم وتتناقض أو تتزايد أجزاؤهم، والقديم لا علة لوجوده، فلا يجوز التغير عليه. ولا يمكن أن يعارضه نقص أو شين، أو تكون له صفة تخالف الفضل والكمال.
ومنها الغنى، ومعناه الكامل بماله وعنده، فلا يحتاج معه إلى غيره، وربنا جل ثناؤه بهذه الصفة لان الحاجة نقص، والمحتاج عاجز عما يحتاج إله إلى أن يبلغه ويدركه، والمحتاج إليه فضل، فوجد ما ليس عند المحتاج. والنقص منفي عن القديم بكل حال، والعجز غير جائز عليه، ولا يمكن أحد "أن يكون" عليه فضل، إذ كل شيء سواه خلق له وبدع أبدعه ولا يملك من أمره شيئا، وإنما يكون كما يريده الله ﷿ ويدبره فلا يتوهم أن يكون له مع هذا اتساع لفضله عليه.
[ ١ / ١٩٦ ]
ومنها السبوح: ومعناه المنزه عن المصائب والصفات التي تعثور المحدثين من ناحية الحدث، والتسبيح التنزيه.
ومنها القدوس: ومعناه الممدوح بالفضائل والمحاسن، والتقديس مضمن في صريح التسبيح، والتسبيح مضمن في صريح التقديس، لان نفي المذام إثبات للمدائح، كقولنا لا شريك له ولا شبيه له. إثبات أنه واحد أحد. وكقولنا لا يعجزه شيء إثبات أنه قادر قوي. وكقولنا: إنه لا يظلم أحدا إثبات أنه عدل في حكمه. وإثبات المدائح له نفي للمذام عنه، كقولنا: أنه عالم نفي للجهل عنه، وقولنا: أنه قادر، نفي للعجز عنه.
إلا أن قولنا هو كذا ظاهرة التقديس، وقولنا ليس بكذا ظاهرة التسبيح، لأن التسبيح موجود في ضمن التقديس، والتقديس موجود في ضمن التسبيح، وقد جمع الله ﵎ بينهما في سورة الإخلاص. فقال عز اسمه: ﴿قل هو الله أحد، الله الصمد﴾. فهذا تقديس، ثم قال: ﴿لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد﴾. فهذا تسبيح. والأمران معا راجعات إلى إفراده وتوحيده ونفي الشريك والتشبيه عنه.
ومنها المجيد: ومعناه المنيع المحمود. لأن العرب لا تقول لكل محمود مجيدا، ولا لكل منيع مجيدا. أو قد يكون الواحد منيعا غير محمود كالمتآمر الخليع الجائر، أو اللص المتحصن ببعض القلاع. وقد يكون محمودا غير منيع كأمير السوقه والصابرين من أهل القبلة، فلما لم يقل لكل وحد منهما مجيد، علمنا أن المجيد من جمع بينهما، فكان منيعا لا يرام، وكان في منعته حسن الخصال جميل الفعال والباري جل ثناؤه يجل عن أبن يرام وأن يوصل إليه، وهو مع ذلك محسن مجمل لا يستطيع العبد أن يحصي نعمته ولو استنفذ فيه مدته، فاستحق اسم المجيد وما هو أعلى منه.
ومنها القريب: ومعناه لا مسافة بين العبد وبينه، فلا يسمع دعاءه أو يخفى عليه حاله كيف ما تصرف به، فإن ذلك يوجب أن يكون له نهاية، وحاشا له من النهاية.
ومنها المحيط: ومعناه الذي لا يقدر على الفرار منه، وهذه الصفة ليست
[ ١ / ١٩٧ ]
حقًا إلا لله جل ثناؤه، وهي راجعة إلى كمال العلم ولقدرة، وانتفاء الغفلة والمعجز عنه.
ومنه الفعال لما يريد: ومعناه الفاعل فعلا بعد فعل، كلما أراد فعل وليس كالمخلوق الذي أن قدر على فعل عجز عن غيره.
ومنها القدير: وهو تام القدرة لا يلابس قدرته عجز بوجه.
ومنها الغالب: وهو البالغ مراده من خلفه، أحبوا أو كرهوا، وهذه إشارة أيضا إلى كمال القدرة والحكمة وأنه لا يقعر ولا يخدع.
ومنها الطالب: وهو اسم جرت عادة الناس باستعماله في اليمين مع الغالب ومعناه المتتبع غير المهمل، وذلك أن الله ﷿ يمهل ولا يهمل، وهو على الإمهال بالغ أمره، كما قال ﷿ في كتابه: ﴿ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما﴾. وقال: ﴿فلا عجل عليهم إنما نعد لهم عدا﴾. وقال: ﴿إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾.
ومنها الواسع: ومعناه الكثير مقدوراته ومعلوماته، والمنبسط فضله ورحمته، وهذا تنزيه له من لنقص والعلة واعتراف له بأنه لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء ورحمته وسعت كل شيء.
ومنها الجميل: وهذا الاسم في بعض الأخبار عن النبي ﷺ ومعناه: ذو الأسماء الحسنى. لأن القبائح إذا لم تلق به لم يجز أن يشتق اسم من أسمائها وإنما تشتق أسماؤه من صفاته التي كلها مدائح، والأفعال التي أجمعها حكمة.
ومنها الواجد: وهو أيضا في بعض الأخبار عن النبي ﷺ، ومعناه: الذي لا يضل عنه شيء ولا يفوته شيء.
ومنها المحصي: وهذا مما يؤثر عن النبي ﷺ، وفي الكتاب: ﴿وأحصى كل شيء عددا﴾.ومعناه: العالم بمقادير الحوادث، بما يحيط به منها علوم العباد، وما لا يحيط به منها علومهم كالأنفاس والأرزاق والمعاصي والقروف وعدد القطر والرمل
[ ١ / ١٩٨ ]
والحصى والنبات وأصناف الحيوان والموات وعامة الموجودات ما ويبقى منها أو يضمحل ويفنى، وهذا راجع إلى نفي العجز الموجود في المخلوقين عن إدراك ما يكبر مقداره، ويتوالى وجوده، وتتفاوت أحواله عن اسمه.
ومنها المتين: وهو الذي لا تتناقص قوته فيهن ويفتر، إذ كان يحدث ما يحدث في غيره لا في نفسه، وذلك أن التغير لا يجوز عليه.
ومنها ذو الطول: ومعناه الكثير الخير، لا يعوزه من أصناف الخيرات شيء أن أراد أن يكرم به عبده وليس كذي طول من عباده قد يحب أن يجوز بالشيء ولا يجده.
ومنها السميع: ومعناه المدرك للأصوات التي يدركها المخلوقون من غير أن يكون له إذن، وذلك راجع إلى أن الأصوات لا تخفى عيه، وإن كان غير موصوف بالحس المركب في الإذن كالأهم من الناس لما لم يكن له هذه الحاسة لم يكن أهلا لإدراك الصوت.
ومنها البصير: ومعناه المدرك للأشخاص والألوان التي يدركها المخلوقون بإبصارهم من غير أن يكون له جارحة العين، وذلك راجع إلى "أن" ما ذكرناه لا يخفى عليه، وإن كان غير موصوف بالحس المركب في العين كالأعمى الذي لما لم تكن له هذه الحاسة لم يكن أهلا لإدراك شخص أو لون.
ومنها العليم: لأن معناه المدرك لما يدركه المخلوقين بعقولهم وحواسهم ومالا يستطيعون إدراكه من غير أن يكون موصوفا بعقل أو حس. وذلك راجع إلى أنه لا يغرب عنه شيء ولا يعجزه إدراك شيء كما يعجز "عن ذلك" من لا عقل له ولا حسن، من المخلوقين. ومعنى ذلك أنه يشبههم ولا يشبهونه.
ومنها العلام: ومعناه العلام بأصناف المعلومات على تفاوتها، فهو يعلم الموجود، ويعلم ما هو كائن، وإنه إذا كان كيف يكون، ويعلم ما ليس بكائن، وأنه لو كان كيف كان يكون.
ومنها الخبير: المتحقق لما يعلم كالمستيقن من العباد إذا كان الشك غير جائز عليه، وإن الشك ينزع إلى الجهل، وحاشا له من الجهل، ومعنى ذلك، إن العبد قد يوصف بعلم الشيء إذا كان ذلك مما يوجه كثر وأنه لا سبيل له إلى أكثر منه وإن كان يجيز
[ ١ / ١٩٩ ]
الخطأ على نفسه، والله جل ثناؤه لا يوصف بمثل ذلك، إذا كان العجز غير جائز عليه. والإنسان إنما يؤتى فيما وصفت من قبل القصور والعجز.
ومنها الشهيد: ومعناه المطلع على ما لا يعلمه المخلوقون إلا بالشهود، وهو الحضور، ومعنى ذلك أنه وإن كان لا يوصف بالحضور الذي هو المجاورة والمقاربة. فإن ما يجري ويكون من خلقه لا يخفى "عليه" ما لا يخفى على النائي من القوم ما كان منهم، وذلك أن النائي إنما يؤتى من قبل قصور آلته ونقص جارحته. والله ﷻ ليس بذي آلة ولا جارحة فيدخل عليه فيهما ما يدخل على المحتاج إليها.
ومنها الحسيب: ومعناه المدرك للأجزاء والمقادير التي يعلم العباد أمثالها بالحساب من غير أن يحسب، لأن الحاسب يدرك الأجزاء شيئا فشيئا ويعلم الجملة عند انتهاء حسابه والله تعالى لا يتوقف علمه بشيء على أمر يكون وحال يحدث.
٤ - ذكر الأسماء التي تنبع أسبا بالتدبير له دون ما سواه:
فأول ذلك المدبر: ومعناه مصرف الأمور على ما يوجب حسن عواقبها. واشتقاقه من الدبر، فكان المدبر هو الذي ينظر إلى دبر الأمور فيدخل فيه على علم به، والله ﷿ عالم بما هو كائن قبل أن يكون، فلا يخفى عليه عواقب الأمر. وهذا الاسم فيما يؤثر عن نبينا ﷺ.
ومنها القيوم: لأن معناه القائم على كل شيء من خلقه يدبره بما يريد.
ومنها الرحمن: وهو المزيح للعلل، وذلك أنه لما أمر الجن أن يعبدوه عرفهم وجوه العبادات وبين لهم حدودها وشروطها، وخلق لهم مدارك ومشارع وقوى وجوارح يعلمون بها لتنفيذ ما أراده منهم. وخاطبهم وكلفهم وبشرهم وأنقذهم وأمهلهم وحملهم دون ما يتسع به بينهم. فصات العلل مزاحه وحجج العصاة والمقصرين منقطعة.
ومنها الرحيم: ومعناه المثيب على العمل فلا يصيح لعامل عملا ولا يهدر لساع سعيا، وينيله بفضل رحمه من الثواب أضعاف عمله.
ومنها الحليم: لأن معناه الذي لا يحبس أنعامه وأفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم،
[ ١ / ٢٠٠ ]
ولكن يرزق العاصي كما يزرق المطيع وهو منهمك في معاصيه، كما يبقي البر التقي وقد يقيه الآفات والبلايا وهو غافل لا يذكره، فضلا عن أن يدعوه، كما يقيها الناسك الذي يسأله وربما شغلته العبادة عن المسألة.
ومنها الكريم: ومعناه النفاع، من قولهم: شاة كريمة، إذا كانت غزيرة اللبن تدر على الحالب، ولا تقلص باخلافها، ولا تحبس لبنها.
ولا شك في كثرة المنافع التي من الله تعالى "بها" على عباده ابتداء منه وتفضلا فهو باسم الكريم أحق من كل كريم.
ومنها الصبور: وذلك مما وردت به الإخبار عن الرسول ﷺ، وليس له في الكتاب ذلك. ومعناه: الذي لا يعاجل بالعقوبة. وهذه صفة ربنا جل ثناؤه لأنه يملي ويمهل وينظر ولا يعجل.
ومنها العفو: ومعناه الواضح عن عباده تبعات خطاياهم وآثارهم، فلا يستوفيها منهم، وذلك إذا تابوا واستغفروا، أو تركوا لوجهه أعظم مما فعلوا، "فيكفر عنهم ما فعلوا"، بما تركوا، أو بشفاعة من يشفع لهم، ويجل ذلك كرامة لذي حرمة لهم به، وجزاء له بعمله
ومنها الغافر: وهو الذي يستر على المذنب ولا يؤاخذه به فيشهره ويفضحه.
ومنها الغفار: وهو المبالغ في الستر، في يشهر المذنب لا في الدنيا ولا في الآخرة.
ومنها الغفور: وهو الذي يكثر منه الستر على المذنبين من عباده، ويزيد عفوه على مؤاخذته.
ومنها الرؤوف: ومعناه المتساهل على عباده لأنه لم يحملهم ما لا يطيقون بدرجات كثيرة، ومع ذلك غلظ فرائضه في حال شدة القوة، وخففها في حال الضعف ونقصان القوة، وأخذ المقيم بما لم يأخذ به المسافر، والصحيح بما لم يأخذ به المريض، وهذا كله رأفة ورحمة.
ومنها الصمد: ومعناه المصمود بالحوائج، أي المقصود. وقد يقال ذلك على أنه المستحق لأن يقصد بها، ثم لا يبطل هذا الاستحقاق، ولا تزول هذه الصفة بذهاب من يذهب عن الحق ويضل السبيل، لأنه إذا كان هو الخالق والمدبر لما خلق لا خالق غيره
[ ١ / ٢٠١ ]
ولا مدبر سواه، فالذهاب عن قصده بالحاجة وهي بالحقيقة واقعة إليه ولا قاضي لها غيره، جهل وحمق، والجهل بالله تعالى كفر.
ومنها الحميد: وهو المستحق لأن يحمد لأنه جل ثناؤه بدأ فأوجد ثم جمع بين النعمتين الجليلتين الحياة والعقل، ووالي بين منحه، وتابع آلاءه ومننه حتى فاتت العد، وأن استفرغ فيها الجهد، فمن ذا الذي يستحق الحمد سواه، بل له الحمد كله لا لغيره، كما أن المن منه لا من غيره.
ومنها القاضي: ومعناه الملزم حكمه. وبيان ذلك: الحاكم بين لعباد لا يقول إلا ما يقوله المفتي، غير أن الفتيا لما كانت لا تلزم لزوم الحكم، والحكم يلزم، سمي الحاكم قاضيا، ولم يسم المفني قاضيا، فعلمنا أن القاضي هو الملزم، وحكم الله تعالى كله لازم فهو إذا قاضي وحكمه قضاء.
ومنها القاهر: ومعناه انه بدأ خلقه بما يريد فيقع في ذلك ما يشق ويثقل ويغم ويحزن، ويكون منه سلب الحياة أو نقص الجوارح، فلا يستطيع أحد رد تدبيره والخروج من تقديره.
ومنها القهار: أن يقهر ولا يقهر بحال.
ومنها الفتاح: وهو الحاكم، أي يفتح ما انغلق من عباده ويميز الحق من الباطل، ويعلي الحق ويخزي الباطل، وقد يكون "ذلك" منه في الدنيا والآخرة.
ومنها الكاشف: ولا يدعي بهذا الاسم إلا مضافا إلى شيء. فيقال: كاشف الضر أو كاشف الكرب. ومعناه: الفارج والمجلي. يكشف الكرب ويجلي القلب، ويفرج الهم ويزيح الضر والغم.
ومنها اللطيف: وهو الذي يريد بعباده المؤمنين الخير واليسر، ويقيض لهم أسباب الصلاح والبر.
ومنها المؤمن: ومعناه المصدق، لأنه إذا وعد صدق وعده، ويحتمل المؤمن عبادة بما عرفهم من عدله ورحمته من أن يظلمهم ويجور عليهم.
ومنها المهيمن: ومعناه لا ينقص للمطيعين يوم الحساب من طاعاتهم شيئا، فلا يثيبهم عليها، لأن الثواب لا يعجزه، ولا هو مستكره عليه فيحتاج إلى كتمان بعض الأعمال أو
[ ١ / ٢٠٢ ]
جحدها، وليس ببخيل فيحمله استكثار الثواب إذا كثرت الأعمال على كتمان بعضها، ولا يلحقه نقص بما يثيب فيحبس بعضه. لأنه ليس منتفعا بملكه حتى إذا نفع غيره إلى انتفاعه عنه بنفسه، وكما لا ينقص المطيع من حسناته شيئا، لا يزيد العصاة على ما اجترحوه من السيئات شيئا فيزيدهم عقابا على ما استحقوه. لأن واحدا من الكذب والظلم على جائز عليه. وقد سمى عقوبة أهل النار جزاء، فما لم يقابل منها ذنبا لم يكن وفاقا، فدل ذلك على أنه لا يفعله.
ومنها الباسط: ومعناه الناشر فضله على عباده، يزرق ويوسع ويجود ويفضل ويمكن ويخول ويعطي أكثر مما يحتاج إليه.
ومنها القابض، يطوى بره ومعروفه عمن يريد، ويضيق ويقتر أو يحرم فيفقر، ولا ينبغي أن يدعى ربنا جل جلالة باسم القابض حتى يقال معه الباسط.
ومنها الجواد: ومعناه الكثير العطايا.
ومنها المنان: وهو عظيم المواهب. فإنه أعطى الحياة والعقل والنطق وصور فأحسن الصور، وأنعم فأجزل، وأسنى النعم وأكثر العطايا والمنح. قال- وقوله الحق- ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾.
ومنها المقيت: وعندنا أنه الممد، وأصله من القوت الذي هو مدد البرية. ومعناه أنه دبر الحيوانات بان جبلها على أن يحلل منها على مر الأوقات شيئا بعد شيء، ويعوض ما يتحلل غيره فهو يمدها في كل وقت بما جعله "قواما لها إلى أن يريد إبطال شيء منها فيحبس عنه ما جعله" مادة لبقائه فيهلك.
ومنها الرازق: ومعناه المفيض على عباده ما لم يجعل لأبدانهم قواما إلا به، والمنعم لهم باتصال حاجتهم من ذلك إليهم، لئلا تتنغص لذة الحياة بتأخره عنهم ولا يفقدوها أصلا بفقدهم إياه.
ومنها الرزاق: وهو الرزاق رزقا بعد رزق والمكثر الواسع لها.
ومنها الجبار: في قول من جعل ذلك من جبر الكسر، أي الصلح لأحوال عباده
[ ١ / ٢٠٣ ]
والجابر لها، والمخرج لهم مما يسؤهم إلى ما يسرهم، ومما يضرهم إلى ما ينفعه.
ومنا الكفيل: ومعناه المتقبل للكفايات، وليس ذلك بعقد وضمان ككفالة الواحد من الناس، وإنما هو على معنى: أنه لما خلق المحتاج وألزمه الحاجة، وقدر له البقاء الذي لا يكون إلا مع إزالة العلة، وإقامة الكفالة، لم يخله من إيصال ما علق بقاؤه به إليه، وإدراره في الأوقات والأحوال عليه. وقد فعل ذلك ربنا ﷻ إذ ليس في وسع مرزق أن يرزق نفسه، وإنما الله تعالى يرزق الجماعة من الناس والدواب، والأجنة في بطون أمهاتها، والطير التي تعدوا خماصا وتروح بطانا، والهوام والحشرات والسباع في الفلوات.
ومنها الغياث: وهو المغيث. وأكثر ما يقال: غياث المستغيثين، ومعناه: المدرك عباده في الشدائد إذا دعموه ومريحهم ومخلصهم.
ومنها المجيب: وأكثر ما يدعى بهذا الاسم مع القريب، فقال: القريب المجيب، وقال: مجيب الدعاء، أو مجيب دعوة المضطرين. ومعناه: الذي ينيل سائله ما يريد. لا يقدر على ذلك غيره.
ومنها الولي: وهو الوالي، ومعناه مالك التدبير. ولهذا يقال: المقيم على اليتيم ولي اليتيم، وللأمير الوالي.
ومنها البر: ومعناه الرفيق بعباده، يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، ويعفو عن كثير من سيئاتهم، لا يؤاخذهم بجميع جناياتهم، ويجزيهم بالحسنة عشر أمثالها، ولا يجزيهم بالسيئ إلا مثلها، ويكتب لهم الهم بالحسنة، ولا يكتب لهم بالسيئة. والولد البر بابيه هو الرفيق به، المتحري لمحابه المتوفي لمكارهه.
وقد قيل: أن البر في صفات الله جل ثناؤه المولى، ومعناه المأمول منه النظر والمعرفة لأنه هو المالك ولا يتفرغ للملوك إلا مالكه.
ومنها الحافظ: ومعناه الصائن عبده من أسباب الهلكة في أمور دينه ودنيها، وهذا الاسم فيما يؤثر عن النبي ﷺ، وجاء في القرآن: ﴿فالله خير حافظا﴾ وجاء: ﴿بما حفظ الله﴾ ومن حفظ فهو حافظ.
[ ١ / ٢٠٤ ]
ومنها الحفيظ: ومعناه الموثوق به بترك التصنيع.
ومنها الناصر: وهو الميسر للغلبة.
ومنها النصير: وهو الموثوق منه بأن لا يسلم وليه ولا يخذله.
ومنها الشاكر: ومعناه المادح لمن يعطيه والمثني عليه والمثيب له بطاعته فضلا من نعمته.
ومنها الشكور: وهو الذي يدوم شكره ويعم كل مطيع وكل صغير من الطاعة أو كبير.
ومنها خالق الحب والنوى: يصونها في الأرض عن العفن والفساد، ويهيئهما للنشوء والنمو، ثم يشقهما للإنبات ويخرج من الحب الزرع ومن النوى الشجر لا يقدر على ذلك غيره.
ومنها المتكبر: وهو المكلم عباده وحيا وعلى السنة الرسل، قال الله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء﴾.
ومنا الرب: وهو المبلغ كلما أبدع حد كماله الذي قدره له، وهو يسل النطفة من الصلب ويجعلها علقة، والعلقة مضغة ثم يجعل المضغة عظما ثم يكسو العظم لحما، ثم يخلق في البدن الروح ويخرجه خلقا آخر وهو صغير ضعيف فلا يزال ينميه وينشئه حتى يجعله رجلا، ويكون في بدء أمره شابا ثم يجعله كهلا ثم شيخا. وهكذا كل شيء خلقه فهو القائم عليه به، والمبلغ إياه الحد الذي وصفه وجعله نهاية ومقدارا له.
ومنها المحيي: وهو جاعل الخلق حيا بإحداث الحياة فيه. وفي القرآن: ﴿يحييكم ثم يميتكم﴾. وفيه: ﴿فأماتهم الله ثم أحياهم﴾.
ومنها الضار: وهو الناقص عبده مما جل له إليه الحاجة.
فمنها النافع: وهو الساد للخله، والزائد على ما إليه الحاجة، وقد يجوز أن يدعى
[ ١ / ٢٠٥ ]
الله جل ثناؤه باسم النافع وحده، ولا يجوز أن يدعى بالضار وحده حتى يجمع بين الاسمين كما قلت في الباسط والقابض. وهذان الاسمان فيما يؤثر عن النبي ﷺ.
ومنها الوهاب: وهو المتفضل بالعطايا المنعم بها لا اعن استحقاق عليه.
ومنها المعطي والمانع: جاء عن النبي ﷺ فيما كان يدعو به: "اللهم لا مانع لو أعطيت ولا معطي لما منعت" "فالمعطي" هو الممكن من نعمه، والمانع هو الحائل دون نعمه. ولا يدعى الله باسم المانع حتى يقال عنه المعطي، كما قلت في الضار والنافع.
ومنها الخافض والرافع: وهذان الاسمان مما يؤثر عن رسول الله ﷺ ولا ينبغي أن يفرد الخافض عن الرافع في الدعاء كما قلت في المانع والمعطي، فالخافض هو الواضع من الأقدار، والرافع المعلي للأقدار.
ومنها الرقيب: وهو الذي لا يغفل عما خلق فيلحقه نقص، أو يدخل عليه "خلل" من قبل غفلته عنه.
ومنها الثواب: وهو المعيد إلى عبده فضل رحمته إذا هو رجع إلى طاعته وندم على معيته، ولا يحبط بما قدم من خير، ولا يمنعه ما وعد المطيعين من الإحسان.
ومنها الديان: أخذ من ﴿مالك يوم الدين﴾، وهو الحاسب والجازي لا يضيع عملا، ولكنه يجزي بالخير خيرا وبالشر شرا.
ومنها الوفي: من قوله: ﴿فيوفيهم أجورهم﴾. قوله: ﴿أوف بعهدكم﴾ ومعناه لا يعجزه جزاء المحسنين، ولا يمنعه مانع من بلوغ تمامه، ولا تلجئه ضرورة إلى النقص من مقداره.
ومنها الودود: وقد قيل: هو الواد لأهل طاعته، أي الراضي عنهم بإعمالهم، والمحسن إليهم لأجلها والمادح لهم بها. وقد قيل: هو الودود بكثرة إحسانه، أي المستحق لان يود فيعبد ويحمد.
[ ١ / ٢٠٦ ]
ومنها العدل: ومعناه لا يحكم إلا بالحق ولا يقول إلا الحق ولا يفعل إلا الحق، والحق هذا يلزم الاعتراف به، هكذا ينبغي أن يكون.
ومنها الحكم: وهو الذي قيه الحكم. وأصل الحكم منع الفساد، وشرائع الله تعالى كلها استصلاح العباد.
ومنها المقسط: وهو المنيل عباده القسم من نفسه، وهو العدل، وقد يكون الجاعل لكل واحد منهم قسطا عن خيره.
ومنها الصادق: خاطب "الله" عباده بما يرضيه عنهم، ويسخطه عليهم، وبما لهم من الثواب بعنده إذا أرضوه، والعقاب إذا أسخطوه، فصدقهم ولم يعزرهم ولم يعزرهم ولم يلبس عليهم، وهذه الأسماء فيما جاء عن نبينا ﷺ.
ومنها النور: وهو الهادي لا يعلم العباد إلا ما علمهم، ولا يدركون إلا ما سهل لهم إدراكه. الحواس والعقل فطرته وخلقه وعطيته.
ومنها الرشيد: وهو المرشد، وهذا مما يؤثر عن الني ﷺ. ومعناه الدال على المصالح والداعي إليها، فهذا من قوله ﷿: ﴿وهيء لنا من أمرنا رشدا﴾، فإن مهيئ الرشد مرشد. وقال: ﴿ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا﴾، فكان ذلك دليلا على أن من هداه فهو وليه ومرشده.
ومنها الهادي: وهو الدال على سبل النجاة والمبين لها لئلا يزيغ العبد "ويضل" فيقع فيما يرديه ويهلكه.
ومنها الحنان: وهو الواسع الرحمة، وقد يكون المبالغ في إكرام أهل طاعته إذا وافوا دار القرار لأن من حن إلى غيره من الناس أكرمه عند لقائه وكلف به عند قدومه.
ومنها الجامع: وفي القرآن: ربنا أنك جامع الناس لاشتات الدارسين من الأموات وذلك يوم القيامة.
ومنها الباعث: يبعث من في القبور إحياء ليحاسبهم ويجزيهم بأعمالهم.
ومنها المقدم: وهو المعطي لعوالي الرتب.
[ ١ / ٢٠٧ ]
ومنها المؤخر: وهو الدافع عن عوالي الرتب.
ومنها المعز: وهو الميسر أسباب المنعة.
ومنها المذل: وهو المعرض للهوان والضمة. وهذه الأسماء السبعة مما ورد به الخبر عن النبي ﷺ، ولا ينبغي أن يدعى جل ثناؤه إلا مع المقدم، ولا بالمذل إلا مع المعز، ولا بالميت إلا مع الحي المحي، كما قلت في المانع والمعطي.
ومنها الوكيل: وهو الموكل والمفوض إليه، علما بأن الخلق والأمر، لا يملك أحد من دونه شيئا.
ومنها سريع الحساب: فقيل معناه لا يشغله حساب أحد عن حساب غيره، فيطول الأمر في محاسبة الخلق عليه. وقيل معناه: أنه يحاسب يوم القيامة في وقت قريب لوتولى المخلوقون مثل ذلك الأمر في مثله لما قدروا عليه، ولاحتاجوا إلى سنين لا يحصيها إلا الله ﷿.
ومنها ذو الفضل: وهو المنعم عما لا يلزمه.
ومنها ذو ائتقام: وجاء في الآثار: المنتقم وهو المبلغ بالعقاب قدر الإسحتقاق.
ومنها ما جاء عن رسول الله ﷺ: أنه قال: "لا تقولوا الطبيب" "ولكن" قولوا الرفيق، فإنما الطبيب هو الله. ومعنى هذا أن المعالج للمريض من لآدميين وإن كان حاذقا متقدما في صناعته، فإنه قد لا يحيط علما بنفس الداء ولثن عرفه وميزه فلا يعرف مقداره، ولا مقدار ما استولى عليه من بدن العليل وقوته، ولا يقدم في معالجته إلا مطببا عاملا بالأغلب من رأيه وفهمه، لأن منزلته في علم الدواء كمنزلته التي ذكرتها في علم الداء، فهو لذلك ربما يصيب وربما يخطئ، وربا يزيد فيغلو وربما ينقص فيكبو، فاسم الرفيق "إذا" أولى من اسم الطبيب لأنه يرفق بالعليل فيحميه ما يخش أن لا يحتمله بدنه ويطعمه ويسقيه ما يرى أنه أرفق له.
فأما الطبيب فهو العالم بحقيقة الداء والدواء، والقادر على الصحة والشفاء، وليس
[ ١ / ٢٠٨ ]
بهذه الصفة إلا الخالق البارئ المصور، فلا ينبغي أن يسمى بهذا الاسم أحد سواه. فأما صفة تسمية الله تعالى به فهو أن يذكر ذلك في أحوال الاستشفاء مثل أن يقال: اللهم أنك أنت المصح والممرض والمداوي والطبيب ونحو ذلك. فأما أن يقال: يا طبيب كما يقال يا رحيم أو يا حليم أو يا كريم، فإن ذلك مفارقة لآداب الدعاء، والله أعلم.
ومنها ما جاء عن رسول الله ﷺ: أنه قال: "أن الله حي كريم" ومعناه أنه يكره أن يرد العبد إذا دعاه فسأله ما لا يمتنع في الحكة إعطاؤه إياه وإجابته إليه، فهو لا يفعل ذلك إلا وانه لا يخاف من فعله ذما كما يخافه الناس فيكرهون لذلك فعل أمور وترك أمور، فإن الخوف غير جائز عليه والله أعلم.
فصل
ولله جل ثناؤه أسماء سوى ما ذكرنا تدخل في أبواب مختلفة:
منها ذو العرش: ومعناه الملك الذي يقصد الصافون حول العرش لتعظيمه وعبادته، فهذا قد يتبع إثبات الباري جل ثناؤه على معنى أن للعباد ملكا وربا يستحق عليهم أن يعبدوه، وقد يتبع التوحيد على أن المعبود واحد والملك واحد وليس العرش إلا لواحد، وقد يتبع إثبات الإبداع والاختراع له لأنه لا يثبت العرش إلا لمن ينسب الاختراع إليه، وقد يتبع التدبير له، على معنى أنه هو الذي رتب الخلائق ودبر الأمور مقلا بالعرش على
[ ١ / ٢٠٩ ]
كل شيء، وجعله مصدرا لقضايا وأقداره، فرتب له حملة من الملائكة، وآخرين منهم يصفون حوله ويعبدونه.
ومنها ذو الجلال والإكرام: ومعناه المستحق بأن يهاب لسلطانه ويثنى عليه بما يليق بعلو شأنه. وهذا قد يدخل في باب الإثبات على معنى: أن للخلق ربا يستحق عليهم الجلال والإكرام، ويدخل في باب التوحيد على معنى: أن هذا الحق ليس إلا لمستحق واحد.
ومنها الفرد: لأن معناه المنفرد بالقدم والإبداع والتدبير.
ومنها ذو المعارج: وهو الذي إليه يعرج بالأرواح والأعمال. وهذا أيضا يدخل في باب الإثبات والتوحيد والإبداع والتدبير، وبالله التوفيق.
فصل
وإذا ثبت التحاق معاني هذه الأسماء التي عددتها بالعقائد الخمس التي وصفتها، وثبت انضمام شهادة أن لا إله إلا الله إياها، ثبت أنها تنظم معنى هذه الأسماء التابعة لها ويشتمل عليها كلها، فحصلت أجمع الأفكار وأسناها وأفخمها وأعلاها وأولاها بأن يتقرب إلى الله تعالى ويؤدي شكر ما علم من البيان بادامة ذكرها واستعمال اللسان ما أمكن بها، وحق لها أن تدعى كلمة التقوى كما دعاها الله، ويعصم الدماء والأموال والأعراض بها، ويدل الجنة من كانت آخر كلامه، وتزحزح عن النار من قالها مخلصا من قلبه، كما أخبر ﷺ به، فالحمد لله الذي هدانا وإياه يستودعها ليحفظها علينا ويؤديها بفضله إليه أحوج ما يكون لها وينفعنا بها أنه ولي ذلك والقادر عليه.
فصل
وما يتبع الإيمان بالله جل ثناؤه التفكر في إثبات الله تعالى جده للاستدلال بها على إثباته ووحدانيته وقدسه وعظمته ووجوب طاعته، فإن في أخطار ذلك بالقلب تأكيدا للإيمان وتثبيتا للقلب، والإطراء له، ودفعا لخطوات الباطل عنه، والتفكير في وعد الله
[ ١ / ٢١٠ ]
ووعيده لينتهي إلى ما وعد به الثواب ويبقى ما أوعد عليه بالعقاب.
قال الله ﷿: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قياما وقعدوا على جنوبهم، ويتفكرون في خلق السموات والأرض﴾.
وقال: ﴿أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض﴾ فأخبر ﷿ أن في خلق السموات والأرض وغيرهما آيات، وأمرنا بالنظر فيهما، والمنظر فيها تدبرها ليوقف منها على ما هي إثبات له ودلالات عليه، من أن لنا فاعلا حيا عالما قادرا حكيما، إذ كانت آثار الصنعة لازمة لها، والصنع يقتضي صانعا فلا يتعذر منه الصنع حتى يكون عالما به قبل أن يصنعه، قادرا عليه، ولا يأتي منه متقنا شيء حتى يكون مع علمه وقدرته حكيما، ولا تجتمع القدرة والعلم والحكمة في فاعل إلا وان يكون حيا يريد ويختار، فيأتي الفعل منه على ما يريد.
فإن قال قائل ومن لكم بأن أثر الصنعة موجود في السموات والأرض!
قيل له: أن السماء جسم محدود متناه، والمحدود والمتناهي لا يجوز أن يكون قديما! لأن القديم هو الموجود الذي لا سبب لوجوده، وما لا سبب لوجوده.
فلا جائز أن يكون له نهاية لأنه لا يكون وجوده إلا تلك النهاية أولى به من وجوده دونها أو وراءها. ولان التناهي لا يكون الوجود، لأنه إلى نهايته يكون موجودا ثم يكون وراء نهايته عدما، والقديم لا يعدم فصح أن المتناهي لا يجوز أن يكون والسماء متناهية. فثبت بمقدمه.
فإن قال قائل: وما الدليل على أن السماء متناهية!
قيل: الدليل على ذلك، أنها متناهية عيانا من الجهة التي تلينا، فدل ذلك على أنها متناهية من الجهات التي نراها ولا نشاهدها، لأن بتناهيها من هذه الجهة قد أوجب أن لا يكون منها قديما موجودا إلا لسبب فصح أن مالا يلينا منها فهي كذلك أيضا، لأنه لا يجوز أن يكون شيء واحد بعضه قديم وبعضه غير قديم. وأيضا فإن السماء جسم
[ ١ / ٢١١ ]
واحد وكل جزء منه محدود متناهي، فدل ذلك على أن جميعها محدود متناهي.
فإن قال قائل: ما أنكرت أنها على ما هي عليه من الأجزاء المجتمعة ولا غاية لها ولا نهاية!
قيل له: قد ثبت أن كل جزء منها متناه، فبطل بذلك أن يكون لها جميع، لأنه إذا كان كل جزء منها متناهيا، فبطل بذلك أن يكون لها جميع! لأنه إذا كان كل جزء متناهيا ثبت أنه ليس موجودا بذاته لا لسبب لن وجوده عند فاعل، وإذا ثبت ذلك لم يخل الفاعل أن يكون قد يقل السماع وفرع منها، أو يكون لم يفعلها ولم يفرع منها، فإن كان قد فعلها وفرع منها، فقد ثبت أن الأجزاء جميع وكلا، وفي ذلك ثبوت الابتداء والانتهاء.
وإن كان لم يفرغ منها والموجود يومنا إذا نقص السماء لا كلها، وليس هذا قول أحد على أنه: إن كان لم يفرغ فمن ذلك لم يكن متناهيا، كما قد خرج إلى الوجود منها متناهي ولا ضير مما لم يخرج إلى الوجود لأن أتباع الفعل لا يبطل ثبوت الابتداء، ولا إنكار وجود الانتهاء، ولأن كل جزء من السماء إذا كان متناهيا، وكان هذا وصفا لا يشذ عنه جزء، ولم يبق منهما ما يوصف بعدم التناهي إليه، لأنه لا يبقى، وأقوالنا كل جزء شيء لآخر، فيرجع الوصف بعد التناهي إليه، فصح بإطلاق القول: أن السماء متناهية. وفي ثبوت التناهي أن يكون وجودها لذاتها لا لسبب. فصح أن وجودها لموجود أو جدها، وليس ذلك إلا لله القديم جل ثناؤه.
فإن قال: إنكم إن كنتم وجدتهم السماء متناهية، فإنما وجدتموها متناهية إلى جسم فاقضوا بذلك على أن الجهة التي لا تليكم منها متناهية إلى شيء آخر، فتكون ذوات الموجودات غير متناهية، وكل نوع منها متناهي الخوص الثابتة له، لهذا لا يوجب الحدث!
فالجواب: أن الموجودات إذا كانت على أنواعها، وكل نوع منها متناهيا في خواص ثابتة له، فقد وجب أن تكون الأنواع كلها متناهية في الخواص الثابتة لجميعها. وإذا كانت لا تنفك عن تلك الخواص، وقد وجب أن تكون متناهية في حكمها، فليس وراء ذلك إلا أن تكون متناهية في أنفسها.
[ ١ / ٢١٢ ]
ويقال له: إن كانت ما عارضتنا به لازما؟ فقل: إن الذي تنتهي إليه أجسام العالم بما تسميه خلاء لما كان متناهيا إلى أجسام، وجب أن يكون وله وراء ذلك تناهي إلى أجسام وأنت لا تقول، بل تقول أن الخلاء لا نهاية له، فبطلت بذلك معارضتك.
ويقال له: السماء من الجهة التي تلينا متناهية عندك إلى النار، والنار إلى الهواء والهواء إلى الماء والأرضين، ومعلوم أنه لا سبلي إلى إثبات أنها تتناهى من الجهة التي لا تلينا إلى مثل ما تناهت إليه من الجهة التي تلينا، فثبت أن القضاء في هذا الغائب بحكم المشاهد ممتنع باتفاق. وأيضا فإن الذي يدعونه لا سبيل إلى إثباته لأنه لو كان في الأول مكان خال لا شيء متمكن فيه لما جاء! فإن تغير عن حاله. فيصير ببعضه أو كله مكانا لأجسام يتمكن فيه! لأنه لو كان مات خلا كبقيته، لكان التغير مستحيلا عليه مع بقاء نفسه، ولما كان إثبات الخلاء يردي إلى المحال صح أنه سبيل إلى إثباته، وان أجسام العالم كانت لا إلى شيء والله أعلم.
وأيضا: فإن الأفلاك لا تعزى عن الأحداث لأنها دائمة التحرك، والحركة حدث، لأن الحدث ما لم يكن ثم كان، فلما لم يعرض الحدث وجب أن يكون بأنفسها لأن كل ما لم يكن خاليا من شيء لم يجز إذا كان أحدهما ابن خمسين سنة أن يكون الآخر ابن ستين سنة، فكذلك إذا كانت الأفلام لم تخل من الحركة، وكانت الحركة بأحد، لم يجز أن تكون الأفلاك قديمة.
فإن قال قائل: فإني أقول أن الأفلاك كانت ساكنة ثم تحركت! قيل له: هذا محال، لأنها لو كانت قديمة، وكانت في قدمها ساكنة، لكان حكم سكونها حكم وجودها، وهو أنها تكون ساكنة لسكون لا سبب له، كما تكون موجودة بوجود لا سبب له، ولو كان كذلك لما جاز أن يعدم ذلك السكون إلى الحركة، كما لا يجوز- عندك- على ذاتها أن تعدم، وإن كانت، قد كانت ساكنة ثم تحركت. فذلك دليل على أن سكونها لم يكن لها إلا عن سبب، وهو لمتسكين الفاعل أبلها وإذا كان التسكين
[ ١ / ٢١٣ ]
فعل فاعل بها كالتحويل ببنيانها، لم يخل من تسكين مسكن وتحريك محرك، فلم يجز مع ذلك إلا أن تكون سابقة لها. فثبت أن فاعل السكون والحركة فيما هو فاعلها، وبالله التوفيق.
فإن قال قائل: أن حركة الفلك حركة دور وحركة الدور لا بدء: ولا نهاية، فكيف؟
فالجواب: إن هذا جهل عظيم! لأن حركة المنحنون وحركة الرحى حركة دور، ولا يخلو الواحد منهما من أن تكون لحركته بدء ونهاية. لان من قبل أن يتحرك يكون ساكنا ثم يعود بعد حركته إلى السكون، فمن استحال أن تكون لحركة الأفلاك بدء ونهاية، وإن كانت حركة دور.
ويقال له: حركة دور الدور ولا تخلو من الابتداء لأنها إذا لم تكن ثم كانت ثم انقطعت، فقد وجد الابتداء والانتهاء ضرورة. وأما الذي يصح أن يقال في هذا أن جزءا مما يتحرك حركة الدور لا يسبق الحركة إليه قبل جزء، فتكون الأجزاء لا أول لها من حلول الحركة إياها، ولسنا ندفع أن يكون ذلك حال الفلك. وأما الحركة نفسها ببدئها وانتهائها فيما بينا عيان، فكان حكم الغائب مثله والله أعلم.
ويقال: أن المتحرك دائما دائم الغير، والموجود لذاته لا لسبب لا يجوز عليه التغير، فلو كان الفلك موجودا لذاته لا لسبب، لم يجز أن يكون دائم التحرك فيكون وقتا فوق الأرض ووقتا تحت الأرض، ولم يكن لونه فوق الأرض حين يكون فوقها أولى من كونها تحتها، ولا كونه تحتها حين يكون كذلك أولى من كونها فوقه، فثبت أنه موجود لسبب، فإن الذي له حده هو الذي يدبرهما يؤخذ عليه.
وأيضا فإن الأفلاك طيات معدود، وإذا ثبت العدد، وفي ذلك ما يوجب حدتها. وأيضا فإن الأفلاك أجزاء من السماء متحركة، وفي ذلك بيان أن بعض السماء متحرك وبعضها ساكن وكل واحد منهما حد للآخر، فإن الجزء المتحرك منها ينتهي إلى الساكن والجزء الساكن منها ينتهي إلى المتحرك، فقد ثبتت النهاية للبعضين، وفي ثبوت المتناهي بطلان أن يكون بطلان موجود لذاتها لا لسبب وبالله التوفيق.
وما قلته في السماء فهو في الأرض مثله وأبين؟ لأن أجزاء الأرض تقبل في العيان أنواعا من الاستحالة، وكذلك الماء والهواء لأن أجزاء كل واحد من هذه الأشياء يجتمع مرة
[ ١ / ٢١٤ ]
ويفترق أخرى وينقل من حال إلى حال وفي ذلك شيئان: أحدهما أن ذلك يبين أنها لست موجودة لأنفسها من غير سبب، لأن الموجود لنفسه لا يجوز عليه التغيير، فانا إذا توهمنا له صفة ما وجب أن يتوهمها ثانية له لنفسه كالوجود، فإذا ثبت له ذلك الصفة لم يجز أن يعدم إلى خلافها لأن ذات القديم لا يجوز أن تكون محلا للحوادث، وفي تعاقب الأحوال المختلفة على أجزاء ما ذكرنا دليل على أنها غير موجودة لأنفسها. والآخر: أنها إذا لم تكن قط منفكة من الحوادث، فقد وجب أن تكون بأنفسها حدثا كما ثبت.
فإن قال قائل: فأنا لا نقول أن الطينة الأولى كانت خالية من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون.
قيل له: ومن سلم لكن أن طينة كانت، تصفونها بما ذكرتم أو خلافه، وأنه ضرورة تدعو إلى انتهائها. ويقال لهم: إن كانت! فأي العرضين سبق إليهما الاجتماع أو الافتراق؟ لأنا نجد الاجسام قابلة للأمرين، فإن قالوا: الاجتماع هو الذي سبق! قيل: فهذا يدل على أنها كانت ابعاضا مجتمعة فكيف يقولون: أنها كانت خالية من الاجتماع! على أنها لو كانت في الأولى مفترقة لكان الافتراق واجبا لها لذاتها، ولما جاز على الافتراق أن يقدم ولو كانت في الأول مجتمعة، لكان الاجتماع واجبا لها لذاتها، ولما جاز عليها أن يقدم في وجود الاجتماع والافتراق متعلقين على الأجسام دل على أن كل واحد منهما ليس بأولى في وجود الجسم غير منفك منهما ما دل على أنه حدث مثلها والله أعلم.
فإن قال قائل: إذا ثبت لكم أن ابعاض الأرض والماء والهواء تقبل الاستحالة ولم يثبت لكم أن كلها تقبل الاستحالة، ولأن السماء تقبل الاستحالة في جزء لا في كل، فمن أين ادعيتم أن كلها أو السماء حدث.
فالجواب: أنه إذا لم يكن جزء من هذه الأشياء إلا وهو قابل للاستحالة، صح أن الكل لم يعدم استحالته، لأن الاستحالة غير جائزة عليه لكنه الذي يحيل ابعاضها منها ليس يحل كلها ولو شاء أن يحيله لم يمتنع عليه. وهذا أيضا حجة في الأفلاك وفي سائر أجزاء السماء، لأن السماء متماثلة الأجزاء، فلما جاز على بعضها أن لا يتحرك جاز على البعض الآخر أن يعدم حركته فيصير إلى مثل حال سائر الأجزاء، وجاز على غير المتحرك منها
[ ١ / ٢١٥ ]
أن يتحرك فيصير إلى مثل سائر الأجزاء، وفي هذا ما إبان أن المتحرك منها غير متحرك لعينه، ولا غير المتحرك منها غير متحرك لعينه، ولا لان بخلاف الصفة التي هي لواحد منها غير جائز عليه والله أعلم.
وأيضا: فإن دلالة الحدث ليست في الاستحالة في السماء فقط إذا لم يكن لجملة النار أو جملة الهواء أو جملة التراب استحالة مشاهدة، أو لم يكن للسماء استحالة مشاهدة في جزء امتنع عليها القضاء الحدث. فإن استحالة الأجسام التي في الأرض بأصلها جملة غير مشاهدة، وإنما المشاهد استحالة أجزاء بها، لأن الواحد بعد الواحد يموتون، وتصيبهم الآفات، وكذلك الواحد بعد الواحد من الشجر والدواب والطير، وليس في أن الأجسام كلها تشاهد بطلانها وانتقاصها، دليل على أن البطلان والانتقاص غير جائزين على كلهما، بل هما جائزان على الكل لجوازهما على الأبعاض والحكم بالحديث عليها كذلك واجب.
فكذلك استحالة كل الماء والنار والهواء والتراب وان لم يكن مشاهدة. فكذلك لا يدل على أن الاستحالة غير جائزة، لكنها جائزة عليه لجوازها على الابعاض والحكم بالحدث كذلك عليه واجب. واستحالة السماء في الأجزاء والكل وان لم تكن مشاهدة، فقد وجد من نظر الاستحالة ما يدل على الحدث ووجود بعض أمارات الحدث تكفي لإيجاب حكم الحدث. فإن القدم كما لا يقارن جميع دلائل الحدث، فكذلك لا يقارن أحدهما. وقد ذكرنا فيما تقدم أن مجرى السماء واشهاداتها يدلان على حدثها. فإن كانت استحالتها لم توجد ولم تشاهد في كل ولا جزء، فذلك لا يفسد هذا الأصل وبالله التوفيق.
وأيضا فإن اشتمال الفلك على كواكب لها طباع في الحر والبرد والرطوبة واليبس يدل على أن الفلك يضر الأجسام الأرضية المشتملة على هذه المعاني وذلك يدل على أنه محدث مصنوع، لأن هذه المعاني متضادة متنافرة، فلم يكن لتجتمع وتتألف بأنفسها، فإن الناس لو اجتمعوا فاحتالوا ليجمعوا بين نار ماء في مكان واحد، ويدفعوا النار عن أماته الماء والماء عن إطفاء النار، لما قدروا عليه.
فلما كانت هذه المعاني قد اجتمعت في الكواكب، علمنا أن ما سرى فوقها فثبتوها
[ ١ / ٢١٦ ]
على الاجتماع، ودبر الكواكب بالجمع بينهما فيها، ولولا أن ذلك كذلك لم يجتمع مع مضارها ومنافعها في جسم واحد.
ويمكن أن يستدل بهذا المعنى على أن الأفلاك قابلة للاستحالة والتغير والفساد، لأنه إذا اجتمعت فيها كيفيات متفاوتة، فقد ضاهت الأجسام الأرضية، وهي بزعمهم أنها تقبل الفساد لاجتماع الكيفيات المتضادات فيها. فإذا كان هذا المعنى موجودا في الكواكب وجب القضاء عليها بأنها قابلة للفساد وثبت بذل حدثها لان القدر لا يفسد ولا يتغير وبالله التوفيق.
وأيضا فإن من قولهم أن كل ما يكون في هذا العالم فمتأثر من الأفلاك والكواكب في هذا العالم التغير والفساد والاستحالة، فإن كان ذلك كله من آثار الأفلاك والكواكب ففيها إذا مكان الفساد والاستحالة والغير، وإن لم يكن ذلك منها فكيف يتأثر شيء منها في غيرها ما لبس فيها؟ فأخذ القولين خطأ، وبالله التوفيق.
فصل
فإن قال قائل: إن كان دليلكم على حدث الجوهر بغير الأوصاف عليها، فإن هذا المعنى منتقض عليكم بالباري جل ثناؤه فإنه قدير بلا خلاف، ولم يكن موصوفا بالفعل إلى أن فعل واستحق أسم الفاعل، وأفعاله أيضا لم تقع ضربة واحدة، ولكنه فعل وترك.
وكذلك وفي المستقبل يفعل ولا يفعل، وقد قال: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ فهو يريد بعد أن لم يكن مريدا، ويقول: كن، بعد أن لم يكن قائلا، ثم يدع الإرادة ويدع القول. ويعلم المعدوم معدوما، فإذا أوجده علمه موجودا، وكل هذا أحوال شتى وأوصاف مختلفة، ولم يكن في جوارها على الباري ﷿ ما يفسد القول بقدمه. فما أنكرتم أن اختلاف الأحوال على الجواهر لا يقصد القول بقدمها!
[ ١ / ٢١٧ ]
وأن قلتم أن الفعل وغير الفعل موجبان بغير أحوال المفعول. فلا يوجب أن تغير أحوال الفاعل. قلنا: وكذلك تعاقب الأعراض على الجواهر، فوجب تغير الأعراض في أنفسها. فأما الجواهر فأنها بحالها لا تتبدل، ولأنها لا تستحيل ولا تتغير ولا تفسد، فما دلالتكم إذا على حدثها؟
فالجواب: أن حمل الجواهر للأعراض هو الدليل على حدثها، وذلك أن للعرض حدوثا وانقضاء ولا بدله من شيء يكون حدوثه وانقضاؤه فيه، ووجدنا الجوهر حاملا للأمرين فيه ودل ذلك على أن بقاء الجوهر عرض حادث، فلذلك أمكن أن يحدث العرض فيه.
ولو كان الجوهر قديما لم يكن بقاؤه عرضا، فكان لا يلائم الوجود لعرض من شيء آخر ولا يحمله، ألا ترى أن الباري جل ثناؤه لا يجوز أن يكون حاملا للأعراض وما ذلك إلا كما وصفت، فلو كانت الجواهر قديمة لكان حكمها فيما ذكرت حكمه، ولما لم يكن كذلك بل كانت حاصلة للأعراض، علما أن المعاني التي تسمى أعراضا إنما جاز أن يعترض فيها المجانسة التي بين ثقلها حال حدوث الأعراض فيها وبين ذلك الأعراض.
وهذا يدل على أن الجواهر ليست بقديمة، ومعنى وصفنا إياها بالتغيير أنها مجال للأعراض فهو يقبلها أو يحملها مع اختلافها فتصير لأجل ما حمله منها موصوفا مرة بصفة وموصفا بضدها أخرى. والعقلاء لا يفرقون الغير إلا هذا، وما يزيد وضوحا أن من الأعراض التي تحمل الجواهر ما يعدمها بفعل حال إلا وقد يحلها خلاف ذل فيعجزها عن ذلك الفعل حالا، وكالإنسان يصبح ليفعل أفعالا كثيرة، ثم يعرض فلا يتبع لملك الأفعال، ومعلوم أن الفعل إنما يقع من الجواهر وإذا اتسعت للفعل حالا ولم يتسع له أخرى، فقد وجب التغير.
وأما الباري ﷻ فإنه تعالى عن الأعراض أن تحله، والأحوال أن تكون له. وأما وجود الفعل منه بعد أن لم يكن، فلا يوجب لغيره لأنه لا يفعل في نفسه وإنما يفعل في غيره، فذلك الغير هوا لذي اختلف حاله، فكان مرة معدوما ومرة موجودا، وأما الارداة والقول فإن أصحاب الحديث يقولون: أن الله ﷻ لم يزل مريدا أن
[ ١ / ٢١٨ ]
تكون كل كائنة في الوقت الذي كانت فيه، وهذا يبين أنه لا تغير له بوجه من الوجوه.
وأما غير أهل الحديث، فإن الإرادة عندهم من صفات الفعل، لا من صفات الذات، فهل تحل المراد ولا تحل الود، كما أن الخلق حل المخلوق ولا تحل الخالق، فلا يؤدي واحد من القرائن إلى إجازة التغير على الباري جل ثناؤه وتقدست أسماؤه.
وأما العلم فإنه إثبات الشيء على ما هو به، وإذا كان الشيء معدوما وما علمه معدوما وإذا كان موجودا، علمه موجودا، فيثبته في كل حال على ما هو به، وذلك لا يوجب غير علمه، إنما يوجب تغير المعلوم، لأنه علمه بالمعدوم لم يكن إلا أثباته إياه على ما هو به، فإذا صار موجودا فقد أثبته على ما هو به بان أن العلم اختلف وبالله التوفيق.
فصل
فإن قالوا: لا يجوز أن تكون طينة العالم إلا قديمة لان حدوث شيء لا من شيء، مستحيل في العقل!
فيقال لهم: أن كان ذلك مستحيلا في عقولكم، فليس بمستحيل في عقول عالم من الناس مثلكم، أو أكثر منكم. فكيف صارت عقولكم عيارا على عقول غيركم دون أن تكون عقول غيركم عيارا على عقولكم! وقد أجيبوا أن الحادث القديم فسمان يخرجهما العقل عند تقسم الموجود وكتخريجه الوجود والمعدوم والجائز والممتنع والحسن والقبيح. فكما أن حقيقة كل من ذلك ثابتة لا تدفع، فكذلك الحادث والقديم لا تدفع حقيقته واحد منهما فلا يحال وجوده. فإذا كانت حقيقة القديم الموجود لا عن أول كانت حقيقة الحادث الموجود عن أول، فوجب أن لا تدفع حقيقة الحدث عن بعض الموجودات، ولا يقال لا حادث، كما لا يقال لا موجود أو لا معدوم، أو لا حسن، أو لا قبيح، أو لا جائز، أو لا ممتنع. فصح بما ذكرنا أن الحدوث ليس بمستحيل في الفعل إذا كان العقل قد خرج في مقابلة القدر، ولا جائز أن يثبته بم يمنع مفه ويدفعه.
وقد أجيبوا بأن حدوث الشيء أن كان غير جائز، فلسنا نقول أن شيئا حدث بنفسه لا من شيء، بن نقول إنما حدث بمن يحدثه، لأنه أحدثه محدث وأوجده
[ ١ / ٢١٩ ]
موجد، وأكد هذا على من أقر بالله جل ثناؤه، وأنكر الاختراع بأن الله جل ثناؤه لو كان لا يقدر على أكثر من تركيب الجسم من جواهر موجودة لكان ذلك نقصا به وعجزا، لأن منزلته لا تعدوا في التركيب منزلة الناس.
وكان فضل ما بين تركيبه وتركيب الناس، كفضل صناعة الصانع على صنعة النجار، وفضل صنعة الرفاء على صنعة الخياط، وفضل صنعة الخباز والطباخ على صنعة من يجمع شيئا إلى شيء بلا تأليف أو تركيب وذل غير جائز. فصح أن لا يحتاج في الخلق إلى مادة تكون حاضرة فيركب منها جسما، لأن الحاجة نقص، وشيء من النقائص غير جائز عليه وبالله التوفيق.
ويقال لهم: ليس في إبداع شيء من لا شيء إلا ما في تركيب الجواهر من غير مماسه إياها، وذلك ليس يستحيل في العقل. فما أنكرتم أن الإبداع ليس بمستحيل فيه.
ويقال لهم: إذا جاز أن تركيب الباري جل ثناؤه الجواهر بلا مماسة، لأنه قادر لا بسبب، فلذلك يفعلها ويجده عن عدم لأنه قادر لا لسببن ولا يلزم على هذا المحال الذي لا يجوز وصفه لمقدور، لأن ذلك إنما استحال لتناقضه، ولا تناقض في وجود الجواهر بعد عدمه. فصح أنه يجوز أن يكون مقدورا لا مماسة.
ويقال لهم: الموجود الحي العالم القادر لا بسبب ينيل غير الموجود وجودا، فلا يستحيل، كما أنه ينيل غير العالم علما، وغي الحي حياة وغير القادر قدرة، بل ذلك أولى، لأن الإيجاد أخص بالموجود من العلم والأحياء والأقدار، وإذا جاز عليه إيجاد العلم أو القدرة أو الحياة لغيره، لأنه مع هذه الصفات موجود لا لسبب كان إيجاده الوجود لغيره مثل ذلك أو أجوز وبالله التوفيق.
ويقال لهم: إن المادة التي تدعون قدمها، إذا حقق الخلاف فيها رجع إلى اللفظ دون المعنى، لأنكم تزعمون أنها قديمة بالقوة دون الفعل، والذي يعقل من الموجود بالقوة والموجود بالفعل، أن الموجود بقوة ما يمكن أن يخرج إلى حقيقة الوجود ولما خرج، والموجود بالفعل هو الذي خرج إلى حقيقة الوجود وارتفع عنه اسم المعدوم، وإذا كان كذلك، فليس يجب قولكم: إن المادة قديمة، إلا أنه يمكن وجوها. وقد قلتم: أنها ما لم تخرج إلى حقيقة الوجود، وهي التي تسمونه الوجود بالفعل لم تقبل الخلق والتركيب فثبت
[ ١ / ٢٢٠ ]
أن الباري جل ثناوه أخرجها- عند تركيب ما ركب فيها- إلى حقيقة الوجود، وليس قبل ذلك الإخراج إلا العدم. فصح أنها كانت معدومة فأوجدها الباري وبالله التوفيق.
ويؤكد هذا اتفاقهم على أنها- قبل تركيب ما ركب منها- لا جسم ولا جوهر ولا عرض، وهو بعد التركيب جواهر وأجسام فثب أن الباري هو الفاعل للجواهر جواهر كما أنه هو الفاعل للأجسام أجساما، وأنها من قبل أن تكون جواهر لم تكن إلا عدما، إذ لو كانت موجودة لا جوهرا ولا عرضا، لكان موجودا كذلك لنفسه، ولم يجز أن تتغير عن ذل إلى حال يحدث له في نفسه، إذ القديم لا يتغير وبالله التوفيق.
فقال القائل: ليس الباري جل ثناؤه كان غير فاعل ففعل، ولم يستحل ذلك من حيث أنه قديم، فما أنكرتم أن المادة لم تكن جوهرا ولا عرضا تصير جوهرا وعرضا ولا يستحيل ذلك من حيث أنه قديم.
فالجواب: أن الباري ﷿ كان غير فاعل ففعل، وأفعل في غيره لا في نفسه، فلم يوجب ذلك، وإنما أوجب بغير المفعول. والمادة التي تدعيها قديمة إذا لم تكن جوهرا فجعلها الله تعالى جوهرا. فقد عبر بفعله الذي فعله فيها، نفسها. والقديم لا يقبل فعلا لفاعل ولا يتغير، فإنه لو جاز عليه أن يتغير لجاز أن يقدم هذا ما شاء وبالله التوفيق ..
فصل
وكل ما ثبت من حدث السماء والأرض فهو دليل على أن لهما محدثا لا يجوز أن يكون حدثا اتفاقا. فإنه لو جاز أن تحدث السموات والأرضون اتفاقا، فلجاز أن يزداد كوكبه ويزداد جبل في الأرض اتفاقا. ولئن جاز أن يحدث اتفاقا فلجاز أن يعدم اتفاقا. وليجز أن يحدث الإنسان اتفاقا، وليجز أن يحدث عنهما أخرى اتفاقا دون هذه السماء. فإذا كانت إجادة كل شيء مما ذكرنا تجاهلا، كانت أجازة أن تكون السموات والأرضون على ما هما عليه من النظام والصنع الشديد المتفق حديث اتفاقا أولى بالتجاهل وبالله التوفيق.
فإن قال قائل: أرأيتم لو قلب هذا عليكم، قال فقال: لو كان وجودها عن أحداث محدث وخلق خالق لجاز أن يوجد مثلهما أو شيء مما ذكرتم اليوم خلقًا له.
[ ١ / ٢٢١ ]
قيل له: ولا سؤالا بها إذا كانت خلقا لخالق بعلق وجودها بمشيئته، فإن شاء أحدث وخلق، وإن شاء لم يحدث ولم يخلق. فأما إذا كان الحدوث اتفاقا، فليس شيء بالحدوث اتفاقا أولى من شيء، ولا وقت وجود الاتفاق فيه أولى من وقت، وإن لم يكن الوجود اتفاقا أولى من لقدم اتفاقا، فهذا فرف ما بين القولين وبالله التوفيق.
فصل
فإن قال قائل: قد ثبت جاز أن يكون الباري جل ثناؤه اخترع الجواهر، فما الذي يدل على أن وجودها من قبل اختراعه لا من حيث أنه كان علة له، فوجب عن وجوده وجودها.
قيل: -وبالله التوفيق- أنكرنا ذلك لأن قائل هذا القول لا يخلو من أن يقول: أن الجواهر وجدت لوجود الباري عن غير اختيار منه واردة لوجودها وكونها، أو يقول: وجب عن وجوده من غير اختيار كان منه، ولا إرادة!
فإن قال: إنما وجدت لاختياره وإرادته! قيل له: وجدت عندك بعد أن لم تكن. أو يقول: كانت موجودة معه باختياره وإرادته! قيل له وجدت عندك بعد أن لم تكن.
أو يقول: كانت موجودة معه باختياره وارداته، فإن قال: وجدت باختياره وإرادته بعد أن لم تكن، فهذا قولنا. وإنما الخلاف بيننا في تسمية الله ﷿ علة، فإنا لا تخبر ذلك لما فيه من اتهام الباطل، وأنه اسم لم يأت به كتاب ولا سنة، ولا وقع عليه من المسلمين إجماع، ولا هو في معنى ما ورد به النص أو وقع الإجماع عليه.
وإن قال: كانت موجودة معه لا باختياره وإرادته! قيل له: فهي إذا قديمة عندك. فكل دليل أقمناه على حدثها فهو حجة عليه. ويقال له: ما أنكرت أنه يستحيل، فلا يمكن أن تكون لم تزل موجودة معه بشرط اختياره وإرادته لأن وجوده معه، يوجب قدمها، وتعلق ذلك الوجود بإرادته يحل قدمها، لا ما كان لوجوده سبب لم يكن قديما إذ القديم هو الذي لا سبب لوجوده. وما كان لوجوده سبب، اختص وجوده بذلك السبب، فكان موجودا من جهته ولأجله. ولو توهم منفكا من ذلك السبب لم يكن أن يتوهم موجودا، وهذا هو المحدث.
[ ١ / ٢٢٢ ]
فأما القديم فهو الموجود بالإطلاق الذي لا يمكن أن يضاف وجوده إلى ما سواه.
فصح أن وصف الجواهر بأنها لم تزل موجودة مع الباري ﷻ، وإن وجودها معه كانت باختيار وإرادته، قول متناقض وحكم فاسد.
فإن قال: إنما كان يلزمني هذا لو أجزت إمكان إن كان يكون الباري في الأزل غير مريد لوجود هذه الجواهر معه. قيل: هذا هو الحال الذي لا يجوز الذهاب إليه. لأن الجواهر أن كانت لم تزل موجودة مع الباري، لم يجز أن يكون الباري بأنه شاء لوجودها.
كما لا يجوز أن يوصف بأنه شاء لوجود نفسه، ولأن ما تعلق وجوده بمشيئة شاء وجب أن يكون وجوده بعد المشيئة، ولأن مشيئة الموجود لما ليس في حال المشيئة لمعدوم، ولا يقوم في وهم. وإنما يتصور في مثل هذا أن يقال: أنه شاء لبقاء الموجود وذلك أيضا لا يصح، لأن الجواهر أن لم تزل موجودة معه، فوجدها معلوم بمشيئته. وإذا كانت موجودة لا بمشيه لم يحتج في بقائها إلى مشيئة، لأن القديم لا يجوز عليه العدم وبالله التوفيق.
ويقال له: إذا نفي عن الباري صفة الإبداع، دليلك على وجوده؟ فأنا إذا نستدل على وجوده، فوجدنا آثار الحدث في عامة الموجودات، واقتضائها محدثا، فإن لم تكن الموجودات محدثات فيما إذا عرفت أن لها بارئا وأثبته.
فإن قال: وجب عن وجوده وجودها من غير اختيار كان منه ولا إرادة، دخل عليه ما ذكرت في الوجه الأول، وهو أن يقال له: محدث بعد أن لم تكن أو لم تزل موجودة معه.
فإن قال: لم تزل موجودة معه. قيل له: فما الفصل بينك وبين من قال: أنها علة لها؟ وقيل أيضا عن الدليل الذي دله مع هذا القول على التمادي ولن تجد إليه سبيلا.
ويقال له: ما أنكر أن هذا حكم فاسد، لان وجود غيره من قبل اقتضائه إياه يحل قدم ذلك الغير، لأن القديم هو الموجود لنفسه لا لسبب فإن كان لوجوده سبب كان موجودا من قبل ذلك السبب، ولم يستحق الوصف بالموجود إلا من جهته خاصة، فثبت أن الجمع بين إثبات القديم لغيره ووصفه بان وجوده كان من قبل انقضائه إياه قول متناقض وحكم فاسد.
[ ١ / ٢٢٣ ]
وإن قال: حدثت بعد أن لم يكن. قيل له: إن جاز أن يحدث بعد أن لم يكن لا باختياره، فأجوز من ذلك وأحق أن تكون حادثة باختياره. وأيضا فإن وجوده لو اقتضى وجودها لا باختياره لوجب أن تكون قديمة لأنه قديم. ولما جاز له أن يكون موجودا، وما يجب وجوده عن وجوده غير موجود لأن ذلك لو جاز وقتا لجاز أبدا ومنه بطلان أن يكون الباري علة كما قال هذا القائل وبالله التوفيق.
فصل
وإذا ظهر أن العالم صنع صانع حي عالم قادر حكيم، فالحكيم لا يخلق خلقا، ولا بعل فعلا لا لعرض صحيح منه، وهذا هو المعنى الذي نبه الله ﷿ عليه عبادة بقوله تعالى: ﴿أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا﴾، وبقوله تعالى: ﴿أم خلقوا من غير شيء﴾. أي لا لشيء أو من غير غرض كان في خلقهم.
وإذا ثبت ذلك، وكان العالم مشتمل على حي عاقل مبين، وعلى أحياء لا تفعل ولا تبين وجماد، لم يجز أن يكون ما يقل مخلوقا لما لا يعقل، لأن العاقل أفضل وأشرف من غير العاقل، لا يجوز أن يكون العاقل الحكيم خلق الأشرف للإدراك والأفضل الأنقص، لأن ما كان مخلوقا لغيره كان المخلوق له هو الغالب عليه إذا كان سببا لوجود ما خلق له.
ولا يجوز أن يكون الأنقص غالبا على الأفضل، ولأن ما لا يعقل إذا لم يعلم معاني نفسه استحال أن يعلم معاني غيره، وإذ لم يعقلها ذهب خلق غيره له هدرا، وكان فعل ذلك مناقضا للحكمة. فثبت أن مالا يعقل مخلوق لمن يعقل، وذلك أن ينتفع بكل شيء منه على الوجه الذي يصلح له، والاعتبار يجمعها كلها، لأنه ما من شيء إلا وفيه الدليل على الفاعل القديم المبدع الحي القادر العالم الحكيم، ثم يكون وراء ذلك في شيء منفعة الأكل وفي آخر منفعة الركوب، وفي آخر منفعة الحمل عليه إلى غير ذلك مما يكثر عده، ثم الذي يعقل مخلوق ليعلم ما يقع العلم به على حسب العلم الواقع له.
[ ١ / ٢٢٤ ]
قال الله ﷿: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، والعلم بهذه المحسوسات إنما يقع له بالاستدلال والنظر، وأصلهما التفكر المشاء إليه بقوله ﷿: ﴿أو لم يتفكروا في أنفسهم، ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾ وقوله: ﴿إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون﴾. وقوله: ﴿ويتفكرون في خلق السموات والأرض﴾ فثبت بذلك أن حفظ الإيمان بإدامة التفكر والنظر في الآيات والفكر ليرسخ في القلب منه ما علق به، ويزداد على الأيام تأكدا بازدياد الشواهد التي تدرك بالفكر ووضحها على الأيام، من أحق الأمور بصرف الهم إليه، والعكوف في أكثر الأوقات إليه، وبالله التوفيق.
فصل
فأما ما وراء إثبات الصانع ﷻ من التوحيد والتقديس، فإن دلائل التوحيد كثيرة، فمنها ما يستدل به على أنه لا قديم سواه، ومنها ما يستدل به على أن لا إله سواه. فأما أنه لا قديم سواه، فإن الكلام فيه مع الذين يثبتون نفسا قديمة ومادة قديمة. والذي حملهم على هذا استنكارهم حدوث شيء لا من شيء، فقد تقدم القول على هذا، وما يقربه وثبته ما فيه كفاية.
وأما النفس، فقد اختلف متكلموا المسلمين فيها، فمنهم من أثبتها، ومنهم من لم يعترف بها، وإن ثبت وجودها فلا سبيل للملحدين إلى دعوة التقدم، أما إذا كانوا بأنفسهم يقولون أنها نزلت من عالم لها علوي، إلى هذا العالم السفلي، وتشبثت بالجواهر، وإنها منق بل كانت عاملة، فلما حلت ما ليس من جنسها بسبب وغفلت، فاحتيج إلى تذكريها، والمتعلم هو التذكير، وإنما تجاور أبدان الحيوانات قسرا لا اختيارا ثم تفارقها عند الموت وترجع إلى عالمها.
ومن تأمل أن هذا كله تغير وتغلب، والقديم لا يتغير، فلا يكون له أحوال، فبطل بما
[ ١ / ٢٢٥ ]
يصفونها به أن تكون قديمة. فأما إذا كلموا فيها على سبيل الإنكار، فقد قيل لهم: إن النفس ليست تكون حببا، فوقع العلم به ضرورة ولا ببديهة العقل، والنظر لا يوجبها، وضر الصادق الذي يلزم الحجة بمثله لم يأتنا به، فلم يستغني إثباته؟ فقالوا: بل النظر يدل عليها لأن الأصل الحي العاقل الناطق الحساس الدراك إذا لم يفقد من أعضائه وجوارحه شيئا.
ومع ذلك فإن العقل والبيان والإدراكات كلها ترتفع عنه وتزيله. فدل ذلك على أنه كان لهذه المعاني قبل الموت حامل سوى البدن يحملها كلها من صفاته، وإنما إنما عدمت وارتفعت لزوال ذلك الحامل وانقطاع مجاورته للبدن.
ولولا أن هذا هكذا لوجب أن يترفع ولا يعدم مع بقاء البدن برمته، فقيل في الانفصال عن هذا أن الله ﷿ ركب العقل في القلب وكل نوع من الحسن في جارحة تختص به، والبيان في اللسان. وجعل كل عضو مما ذكرت متيسرا لما هيأه له بالروح الذي جعله سببا للحياة، فإذا نزع الروح من البدن، زال تيسر القلب للعقل وتيسر الأعضاء الحساسة، وتيسر اللسان للنطق والبيان، وفي تنزيل الأمر على هذا بيان أن لا ضرورة إلى إثبات شيء يدعى نفسا سوى الروح والبدن وإحيائه بهذه الأمور إليه وبالله التوفيق.
ولا أعلم في الاعتراف بها ضررا عائدا على الدين بوجه من الوجوه، وقد قال الله ﷿ في كتابه: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾.وقال: ﴿ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها﴾. وقال: ﴿والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم﴾. وقال: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾. وقال: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾. إلى غير ذلك من آيات كثيرة.
ومع هذا فانا نقر مع السائل في الثواب والعقاب تلجأ إلى إثبات النفس على ما سيجيء بيانه.
وكذلك ما وصف الله تعالى الشهداء من أنهم أحياء عنده، وذهب إليه ابن عباس من
[ ١ / ٢٢٦ ]
أن الاستثناء في قوله ﷿: ﴿فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ راجع إليهم يدعوا إلى انتهائها، والله أعلم.
وأما أنه ﴿لا إله إلا الله﴾ فدلالته إثبات الصانع الواحد لاقتضاء الصنع إياه فالصنع يقتضي الصانع، ولكنه لا يقتضي عددا، وفي وجود الصانع الواحد ما يقوم به الصنع، فلم يجز إثبات صانع آخر غير مشاهدة ولا دلالة عقل بوجه من الوجوه.
وأيضا فإنه لو كان صانعات لم يخل من أن يقدر بكل واحد منهما على قهر الآخر ولا يقهر عليه، فإن كان يقدر عليه، فالمقدور عاجز، وإن كان لا يقدر فهما عاجزات، والعاجز لا إلها.
وأيضا فلو كان إلهان لكان من حق كل واحد منهما أن يكون تام القدرة نافذة الأمر، وإذا وقع منهما القصد إلى الخلق، أن يخلق منهما التدبير، فيرجع أحدهما غير ما يريده الآخر، يفعله الآخر ليظهر بذلك الإلهية وقدرته، فإن ذلك أن لم يكن وقع الخلق والتدبير منهما متفق، لم يعرفا إذا كان الإله إنما يعرف بما كان من أفعاله فإذا لم يظهر فعلا، لم يمكن أن يكون فاعلهما واحدا، لم يعرف الفاعلان، فلو كانا، ووقع ذلك منهما لم يخف في هذا العالم آثارهم، ولزال النظام عنه، وغلب التفاوت عليه، وفي وجودنا إياه متسعا مطردا على ضرب واحد من ضروب التدبير لا تفاوت فيه ما دل على أن خالقه مدبره واحد.
فإن قيل: ما أنكرت إنهما إلهان قادران حكيمات فلا يختلفان، لأن ما يريده أحدهما لا يخلو من أن يكون حكمه، فلو خالفه الآخر لم يكن حكيما، وفي كونهما حكيمين ما أحال أن يكونا متخالفين.
قيل: إن كانا حكيمين ما تختلف أفعالهما إذا فعلا ليظهر كل واحد منهما بأفعاله التي لا يمكن أن تكون واقعا من الذي وقعت منه أضدادها فإن الحكمة لا تطلق التلبيس، ومن التلبيس أن لا يفعل كل واحد منهما إلا ما يريده الآخر، لأنه لا يظهر بالفعل الواحد أن له فاعلين إذا كان الفعل لا يقتضي لوجوده وتيسره إلا فاعلا، والعدد ليس من شرطه
[ ١ / ٢٢٧ ]
بالاتفاق على الفعل أداء تلبيس واتهام من كل واحد منهما، أن الإله واحد، وهذا خلاف الحكمة. فثبت بما ذكرنا إن عدم التفاوت في الخلق والتدبير ليس إلا من وجه: أن الإله واحد، وبالله التوفيق.
وأيضا: فأنه أن كان فاعلان يتفقان على الأفعال بحكمتهما، ولا يختلفا، فلا يخلو كل واحد منهما من أن يكون قادرا على التفرد بما يفعله الآخر، أو غير قادر. فإن كان غير قادر، فهما جميعا ناقصان، إذا كان كل واحد منهما محتاجا إلى معاونة الآخر. فإن كان فسادا فيهما إذا اجتمعا على الفعل ففعلا، وجد الفعل منهما على وجه التغالب والمنع من كل واحد منهما للآخر، على أن يخلص الفعل له وحده فينسب إليه دونه، والمتغالبان المتقاومان هما جميع عاجزات، وأن العاجز لا يكون إلها، فثبت أن عدم التفاوت في الخلق إنما كان لأن الخالق واحد وبالله التوفيق.
فصل
وأما التقديس فدلالته: أن القديم لو أشبه المحدث في صفاته لبطل أن يكون قديما، لأن شبه المحدث لا يكون إلا محدثا، كما أن شبه لطويل لا يكون إلا طويلا، وشبه الأسود لا يكون إلا اسود. فلما وجب أن يكون الصناع قديما، بطل أن يكون لخلقه شبيها. وأيضا فإنه ليس في الأفعال فعل يشبه فاعله، ولا فاعل يشبه فعله، فعلمنا أن الباري ﷿ لا يشبه خلقه، وأن شيئا من خلقه لا يشبهه، وبالله التوفيق.
فصل
ونقول: أنا كما وجدنا في السماء والأرض آثار الحدث، نعلمنا بذلك أنهما محدثان، فلذلك وجدنا فيهما آثار التدبير المتقن السديد، فعلمنا أن محدثهما الذي كان أول تدبيره الإنشاء والاختراع حي عالم حكيم، وأنه هو الذي يدبرهما بعد الإنشاء بما هما عليه، ويبلغهما مشيئته التي كانت له في إنشائهما وخلقهما.
فإن قيل: وما آثار التدبير؟ قيل: أما السماء فحملت الأفلاك بما رتب في كل فلك
[ ١ / ٢٢٨ ]
منها من النجوم والبروج، فلك فيه الكواكب الثابتة فلك، وكل كوكب من الكواكب السيارة فلك. وللفلك من الفلك بعد معلوم، ولكل فلك استدارة معلومة ودرجات معلومة، ولكل كوكب سير وجد فيه معروفه، وللشمس والقمر من بينهما من الاختصاص بالضياء والنور ما ليس لغيرهما، فإذا كان الشمس فوق الأرض فذلك النهار، وإذا كانت تحت الأرض فذلك الليل.
ولفصول السنة من التعلق الظاهر: تسير الشمس ما لا تخفى، فإنها إذا تحركت من أول الحمل إلى أن بلغ آخر الجوزاء فالزمان ربيع، وإذا تحركت من أول السرطان إلى أن تبلغ آخر السنبلة فالزمان صيف، وإذا تحركت من أول الميزان إلى آخر القوس فالزمان خريف، وإذا تحركت من أول الجدي إلى آخر الحوت فالزمان شتاء.
ويظهر في الربيع اليسر والنمو وتزهر الأشجار وتظهر الثمار ثم نضجها وإدراكها ما بين أول الربيع إلى أوائل الخريف ثم تعبر الحر ويظهر البرد، فلا يزال يقوى ويشتد حتى لا يبقى على الأشجار ورقة، وتتابع الأنداء، وتجمد المياه، وكل ذلك أمور تكرر سنين لا تحصيها العبد، وجرى فيها على وتيرة واحدة لم ينقص فيما بينهما في شيء منها عادة قط.
ودون السماء السحاب المثقل بالماء تسوقه الرياح، ثم ينزل منه ما ينزل أكاما، جعله الله حياة للناس وعامة للحيوانات وبعدها للأرضين الموات وأما ثلجا وأما بردا، وفي كل منهما منفعة وفائدة لا تنقضه ويعتده ويمنع من أن يسوغ إليه الانحلال، فيستقبل به أيام القيظ على تبريد الماء الذي لا يمكن شربه على ما هو عليه من السخونة المفرطة. فيجتمع إلى مسكن العطش به إطفاء بوائر الأمراض، والتحرز به من كثير من الحوادث والأعراض. ودونها أيضا للرياح اللواقح والسوابق للفلك من البحار والأرض التي هي قرار ومهاد،
[ ١ / ٢٢٩ ]
وللأحياء والأموات كفات وفيها أعواد وهي للماء الذي فيه الحياة معادن ومنار.
وفيها جبال هي للأرض أوتاد تحوطها من أن تميلها الرياح العواصف، والرجفات والزلازل، وفيها معادن الذهب والفضة، والحديد والنحاس والرصاص، ومعادن الأحجار النفسية، ومعادن الأحجار النفيسة، ومعادن العفر والنوره والزرنيخ وعيون الملح والنفط والكبريت وفي البحر من الحيتان لحوم طرية، ومن الزين اللؤلؤ والزبرجل والمرجان، نظير ما على الجبال من اليواقيت، وفي المعادن من الفيروزنج والجزع والعقيق، وفي كل شيء من ذلك منفعة وللناس عرق وحاجة.
وفي سهولها المساكن من الأمصار والقرى والحصون وغيرها، ومنها المزارع والمغارس والحدائق البهجة والزروع أصناف والغراس أصناف، وفي كل صنف منها منفعة، وللناس فيها ارب وبغيه. وعلى ظهرها من الحيوان: الناس المخصوصون بالعقل والبيان وانتصاب القامة، ثم الدواب المقسمة إلى سباع وغير سباع، والطائر المنقسمة كذلك والهوام، وللناس عليها كلها السلطان.
وإذا تأمل من المتأمل نفسه علم ماله من الفضل على جميع الحيوانات الأرضية، وما في بينته وجملته من إمارات التدبير الحكيم والصنع المتقن السديد.
فإن الدواب كلها وإن شاركت الإنسان في أن لها أعضاء وجوارح، كما أن له أعضاء وجوارح، وإن لم يكن منها كهن منه، وكان لكل منهما ومنه رأس فيه العينات فللبصر، والإذنان للسمع، والأنف للشم، ودونه اليدان للبطش وللأخذ والدفع، ودونهما الرجلان للمشي، وذلك للناس خاصة، وللمشي على أجمعها للدواب، والفم للأكل والشرب والأسنان للطحن، والفروج من الذكور والإناث لطلب النسل، وللإناث الأرحام خاصة، والائداء لأنهن الحوامل والمراضع، وليست من الذكور إلا اللقاح.
فقد اختص الناس بالعقل والبيان فساسوا من سواهم، وتوصلوا بعلم ما في الأرض وتمييزه ومعرفته إلى استنزاح منافعها، بضروب المكاسب والاستئثار بفوائدها، فكانت لهم الملابس والري والمراكب والفرش والأثاث والخزائن والذخائر وبيوت الأموال، وأكلوا من أصناف الطعام ما يشتهون، وركبوا من الدواب ما يريدون، وأصابوا من
[ ١ / ٢٣٠ ]
النساء ما يجبون، وافترشوا من أصناف الفراش ما يختارون، ولبسوا من ضروب اللباس ما يستحسنون.
وكانت أحوال الحيوانات سواهم مقصورة من الضرورة دون الاختيار لفقدهم من العقل والبيان، فأوجد منها الناس إلى غير ذلك من أحوال الموجودات التي تذكر على العد، وكلها مجتمعة المعنى في الدلالة على أنها وضع وتدبير، ونظم وترتيب، وإن الواضع لها والمدبر والناظم المرتب عالم حكيم قادر قوي، فإن لم يعلم الحاجة، لم يعلم ما تزاح به العلة، لم يقدر على وضعه وإيجاده. وإذا علم لم يوجد منه وضعه حتى يكون قادرا عليه، فدل عليه على وجود الحاجة ووجود ما تقضي به الحاجة على أن الموجد عليهم حكيم قادر قوي.
ألا ترى أن صانع المشربه لا يصوغها إلا عن علم بما يصلح له وقدره، وكان على الصناعة وكذلك صانع المسرجة والمنارة والمجمرة وكذلك صاحب المنزل لا يسر منزلة من الآلات إلا عن علم بما يصلح كل شيء منها له قدرة على جميعها، وإعدادها لوقت الحاجة إليها.
فكيف يتوهم أن تكون السموات والأرضون وما بينهما وفيهما وجدت على ما هي عليه، إلا صنعا لصانع عليك حكيم قادر قوي كلا ما يمكن ذلك ولا يجوز، وما هي إلا من صنع اللطيف الخبير تبارك الله أحسن الخالقين وأحكم الحاكمين.
فصل
فأما الكواكب فلا يمكن أن تكون مدبرة لهذا العالم لأنها مدبرة، وفي هذا بيان أنها غير موكولة إلى نفسها، فكيف يكون غيرها موكلا إليها؟ ألا ترى أنها تكون مستقيمة السير حالا، ولا سبيل لا في تلك الحلل إلى أن تكون راجعة، وتكون راجعه حالا، ولا سبيل لها في تلك الحال إلى أن تكون مستقيمة وزائدة السير مرة وناقصة أخرى، وسالمة تارة ومحرقة أخرى، ولا سبيل لها إذا كانت على حال وقتا إلى أن تكون فيه على خلافها، وكل ذلك يدل على أنها غير موصوفة بتدبير أنفسها، فدل ذلك على أنها من الوصف بتدبير غيرها أبعد.
وأيضا فإن التدبير إنما يكمل له الحي القادر، والكواكب بمعزلة عن هذه الأوصاف،
[ ١ / ٢٣١ ]
فلا يمكن أن تكون مدبرة، والدليل على خلوها عن الحياة، لزوم التسخير إياها حسب لزوم إحراق النار، والترطيب بالماء.
والله ﷻ إذا أشعر الحياة خلقا أشعره أثرها وهو الإرادة والاختيار، فلما لم يكن للكواكب في سيرها واستقامتها ورجوعها واحتراقها وغير ذلك من أحوالها اختيار علمنا أنها ليست مجية، والفلك نفسه ليست توجل الحركة الدائمة منه اختيارا، ولا سبيل له إلى السكون، فعلمها أنها مسخرة حية مريدة مختارة، فأنا موصوفة بالملائكة لا يختلف حالهم في طاعة الباري ﷻ، فلا يدل ذلك على أنهم ليسوا بإحياء، ولكنهم أموات مسخرون.
قلنا: وجود الخلاف فيهم ممكن عندنا، وقد كان ذلك فيما اقتضه الله جل ثناؤه علينا في شأن آدم إلا أنهم قاموا بعد، ورجعوا إلى ما كان أولى بهم. فثبت أنهم مختارون للطاعة على المعصية بفضل ما عندهم من المعرفة، وفي أنفسهم من المخافة، وتلك الطاعة لهم عبادة.
ومن يخالفنا لا يقول: إن حركات الأفلاك والكواكب عبادة منها وطاعة، ولا يمكنه أن يدعي ذلك أبدا، فأني يجوز له أن يناقضنا بالملائكة، وأيضا فإن سيرها في أفلاكها إنما هو كما ركب الله في ذلك السير من منافع غيرها به فهو يجري الماء في الأنهار، وليس ذلك إلا من قبل الاختيار، ولا هو عبادة للماء ولا طاعة منه، فكذلك تسير الكواكب في أفلاكها.
فإن قال: كيف يجوز أن تكون تلك الأجسام العلوية على شرفها وفضلها مبرا بما أوتيته الأجسام السفلية من صفات الحياة والسمع والبصر، بل إذا كانت هذه في انحطاط أقدارها على أقدار العلوية مكرمة بهذه الصفات، فالعلوية أولى وأحق بأن تكون مكرمة بها.
قيل له: أن الأرض هي التي تكون في مقابلة السماء، وليست حية عاقلة سميعة بصيرة، فيكون لك أن تقول: أنها إذا كانت بهذه الصفات، فالسماء أولى أن تكون كذلك، إذ هي أشرف وأفضل، ولا كل ما في الأرض من الزين جائز لهذه الصفات، ونقول: إن ما في السماء من الكواكب التي هي زينة لها بوجوب هذه الصفات لها أحق وأخلق، وإنما الحياة والعقل والسمع والبصر في الأرض للناس، خاصة الذين هم سكان الأرض المكلفون المتعبدون فيها، فبإزائهم الملائكة في السموات.
[ ١ / ٢٣٢ ]
ولسنا ننكر أن يكونوا أحياء فاعلين يسمعون ويصبرون، وإن يكونوا فيما لهم من هذه الصفات فوق لناس، فمن أين يلزمنا وراء ذلك أن نقول: أن الأفلاك والكواكب أحياء يعلقون ويسمعون ويبصرون، كلا ما يلزمنا ذلك بوجه من الوجوه وبالله التوفيق.
فإن سئل سائل عن الكواكب: هل يجوز إضافة شيء من الكوائن التي تكون في هذا العالم ألها؟
فيل له: أما القول بأنها أحياء عاقلة، سميعة بصيرة، دبر ما تحتها فباطل، ولو ثبت أنها أحياء لكانت إضافة الفعل إليها من حيث هي في هذا العالم من غير سبب يتصل بينها وبينه باطلا، لأن الجسم إنما يفعل في نفسه، ثم قد يتأثر غيره عنه لافصاله به، ولا يمكن أن فعل الجسم في غيره، وهذا كمن يدفع رجلا فيندفع، فتكون حقيقة ذلك أنه جمع قوته في آلة دفعه، ثم قرنها من أراد دفعه والصقها به واعتمد عليها بجهده، فكان فاعلا ذلك كله في نفسه، ثم أن الذي ألصق نفسه به واعتمد بقوته عليها بجهده فكان فاعلا ذلك كله في نفسه، ثم إن الذي الصف نفسه به واعتمد بقوته عليه، لما لم يكن فيه متحمل له اندفع به، فكان الاندفاع أثرا حادثا في المدفوع عن الدافع لاتصال به.
ولو أراد رجل من أقوى الرجال وأشدهم أن يدفع آخر عن مكانه وهو ناء عنه من غير سبب فيصل منه، ما استوي ذلك ولا قدر عليه.
وليس الفعل في الغير إلا ممن يستحيل الفاعل منه في نفسه، وذلك هو أن الله جل ثناؤه الذي ليس بجسم، ولا يجوز عليه أن تحله الأعراض والحوادث، فمن أدى ذلك لكواكب فهو مبطل في دعواه.
وأما القول بأن منها مطبوعا بالحرارة والبرودة والرطوبة أو اليبوسة، وأنه قد يكون لبعضها بعض اتصال ممتزج منه طبائعها، ثم ينادي تلك الطبائع بالمجاورة إلى الجو بمجاورته الأرض إلى الأرض، فيكون سببا لآثار تحدث في الأجسام الأرضية عنها. ف ذا قد يكون إلا بان تلك الآثار حينئذ تكون أفعالا لله جل ثناؤه، لا للكواكب، وليس ذلك بأكثر من حياة الأرض الميتة بالماء الذي يساق إليه، ثم لا يجوز أن يظن به فعلا، فضلا عن أن يقال: أن تنقل الكواكب وتبدل أحوالها مواقيت لا قضية الله تعالى وأقداره.
فكما أنه جعل دلوك الشمس ميقاتا للصلاة، ولا يضاف وجوب الصلاة إلى الشمس،
[ ١ / ٢٣٣ ]
وجهل أهلال رمضان ميقاتا لشهر الصيام ولا يضاف ذلك إلى القمر، فكذلك جعل انتقال الشمس إلى البروج الصيفية ميقاتا لبحر الهواء وانتقالها إلى البروج الشتوية ميقاتا لبرد الهواء وانبساط نور القمر على الرطاب ميقاتا وحالا لنشوئها ونموها، وانبساط حر الشمس على الثمار ميقاتا وحالا لطيها ونضجها، ولا يضاف شيء من ذلك إلى الشمس ولا إلى القمر، ولا يدعى فعلا لهما ولا لواحد منهما.
ولذلك قال الله ﷿: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذب خلقهن إن كنتم إياه تعبدون﴾ وبالله التوفيق.
فإن قيل: فما تقولون في إضافة النحوس والسعادة إلى الكواكب؟
قيل: قد قال الله ﷿ في قصة عاد: ﴿إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر﴾. وقال: ﴿في أيام نحسات﴾. جاء في بعض الأخبار التي تؤثر عن جبريل صلوات الله عليه: يوم الأربعاء يوم نحس مستمر، وعن الأربعاء التي لا تدور فعلنا بيان الشريعة أن من الأيام نحسا، والذي يقابل النحس هو السعد فإذا ثبت أن بعض الأيام نحس، ثبت أن بعضها سعد، والأيام في هذا كالأشخاص، منها مسعودة ومنها منحوسة، ومن الناس شقي وسعيد. فإن لصاق أحد الكواكب إلى أنها تسعد باختيارها أوقاتا أو أشخاصا أو تنحسها، فقد قال باطل.
وإن قال: إن الكواكب طبائع وأمزجة مختلفة وتلك أيضا يتغير منها اتصال بعضها ببعض وانفصال بعضها عن بعض فطرة فطرها الله تعالى عليها، فإن ما فيها من هذه المعاني ينادي بتوسط الشمس والقمر إلى الأرض وما فيها، فأي شيء منها كان هو المبادئ إلى أن الأجسام الأرضية كانت الآثار التي تحدث عن ذلك فيها بحسبها.
فقد يكون منها ما وصلت إلى الأبدان كانت سببا للأسقام، وقد يكون منها ما يكون فيضرب سببا للصحة والسلامة، وقد يكون منها ما إذا وصل إلى الأرواح والنفوس كانت سببا لحسن الخلق وبدل المعروف والأنصاف والرغبة في الخير، ويكون ما إذا وصلت إلى ما ذكرنا كانت سببا للهيج والظلام والأقدام على الشر. فهذا قد يكون إلا أن يكون كل ذل إذا أفعال الله جل ثناؤه وأقداره لا صنع للكوكب فيها.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وما أكثر مما يزيد من هذه الآثار التي ذكرناها إذا كانت نسبة بالدعاء والصدقة، وما أكثر مما يريد منها إذا كانت حسنة بالذنب والخطيئة، فهذا هو الذي ينبغي أن يعتقد في هذا الباب والله أعلم.
فصل
وأما الملائكة فإنها وإن كانت حية عاعلة سميعة بصيرة، فليس تدبير العلم، ولا أمر الله جل ثناؤه، كما لا خلق إلا الله. قال الله جل ثناؤه: ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾. وبيان ذلك أن الملائكة محدثون مدبرون، فكما امتنع لأجل الحدث من غيرهم امتنع منهم، ومعلوم أن الناس لا يتكلمون لتدبير أنفسهم، إذ لو امتنعوا له لكان ينبغي أن يستغني بتدبيرهم أنفسهم عن تدبير غيرهم إياهم، وإنما توافي العجز عما وصفنا من قبل الحدث والملائكة مشاركة لهم فيه فكانوا إلى العجز عنها مثلهم.
فإن قيل: أليست الملائكة لقبض الأرواح ولسوق السحاب، ولقلب المدائن ولنسخ الأعمال، وإن كان الناس لا يقدرون على شيء من ذلك، فما أنكرتم أنها تقدر على عامة ما ذكرتم، وإن كان الناس لا يقدرون عليها؟
قيل: الناس لم يعجزوا عن الأعمال التي ذكرتموها لحدثهم، ولكن لكنافتهم أو قصور قولهم، فلما بايتتهم الملائكة في الكيافة فكانوا في اللطافة وفي الضعف كانوا في غاية القوة، نزلوا من الناس منزلة بعضهم من بعض والتفاوت في الأعمال موجود فيهم، فكان وجوده بين الملائكة وبينهم كذلك. وليس الكلام على هذا، وإنما الكلام على ما يعجز الناس عنه بكونهم محدثين مصنوعين، وإن مما عجزوا، لذلك لم يجز أن تقدر الملائكة عليه لأن المشركين في المعنى لا يجوز أن يتباينا في الحكم فلا يتشاركا فيه وبالله التوفيق.
وأيضا فإن الملائكة من سكان العلو أجسام كالكواكب، وقد بينا أنه لا يمكن أن يكون من الكواكب فصل في هذا العالم، أو كانت أحياء عاقلة من سبب متصل بينهما
[ ١ / ٢٣٥ ]
وبينه. فإن الجسم لا يفعل في غيره وإنما يفعل في نفسه، وكانت الملائكة هذا مثلهم وبالله التوفيق.
فإن قيل: فإن في القرآن إضافة التدبير في الملائكة، قال الله ﷿: ﴿فالمدبرات أمرا﴾ وفي سورة أخرى: ﴿فالمقسمات أمرا﴾ وإنما أراد بالاثنين الملائكة!
قيل: معنى المدبرات المنفذات لما دبر الله تعالى على أيديها، وكما يقال للفاصل بين الخصمين حاكم، والحكم ليس إلا لله ﷿ وهو الحاكم، غير أنه سمى من ينفذ الحكم بين عباده حاكما، لأنهم منه يسمعون الحكم، كذلك تدبير الله ﷿ إنما يظهر من قبل الملائكة. فقيل لها: المدبرات والمقسمات كذلك، والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ٢٣٦ ]