وهو باب في أن دار المؤمنين ومآبهم الجنة ودار الكافرين ومآبهم النار
قال الله جل ثناؤه: ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئه، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾.
وقال فيما وصف يوم القيامة: ﴿يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه، فمنهم شقي وسعيد. فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق. خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك، فعال لما يريد. وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ﴾.
وقوله جل ثناؤه: ﴿إلا ما شاء ربك فيه وجهان: أن الله ﵎ لما اخبر عن اليوم لموعود بأن الذين شقوا ففي النار، والذين سعدوا ففي الجنة. كان الذي يقتضيه هذا الظاهر أن دخول كل واحد من الفريقين الدار المعدة لهم يقترن بإتيان اليوم الموعود. فقال جل ثناؤه: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ من وفقهم حيث كانوا فيه إلى أن حوسبوا ووزنت أعمالهم، وسيق كل فريق منهم إلى حيث قضى له لئلا يعارض الخبر المقدم خلق.
ومن قال بهذا قال: أن قوله ما دامت السموات والأرض، لم يرد به أنهم يبقون حيث ذكر وسمي قدر ما بقيت السموات والأرض، لأن التوقيت ينافي الخلود، وإنما ذلك عبارة عن طول مدة بقائهم، فضرب للمخاطبين مثل ذلك بهذه بقاء السموات والأرض، إذا لم يكن فيما يعلمونه من خلق الله جل ثناؤه، ويعرفون حاله أطول بقاء منها، ولم يكن في جملتها شيء، اخبروا أنه ليس بمنقض، فيضرب لهم مثل الجنة والنار.
[ ١ / ٤٦٠ ]
فهذا القدر هو المراد لأن بقاء أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار كما يتبين إلى وقت ثم ينقضي، لكنه دائم باق ولا انقضاء له والله أعلم.
والوجه الآخر: أن المعنى خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك من الزيادة عليه.
ألا ترى أنه قال في أهل الجنة ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ أي غير مقطوع، فلو كان المعنى أنهم يقيمون قدر ما دامت السموات والأرض ثم يخرجون، لكان العطاء مجذوذا فلما أخبر أنه غير مجذوذ علمنا أن معنى الاستثناء ما ذكرنا والله أعلم.
قال بهذا، قال إلا بمعنى سوى، وذلك يحسن إذا كان المستمنى أكثر من المستثنى منه كرجل يقول: لفلان علي ألف درهم إلا الألفين التي هي إلى سنة، فيكون المعنى سوى الألفين.
وعلى هذا يكون قوله تعالى في أهل النار: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ بمعنى أنهم خالدون في النار ما دامت السموات والأرض سوى ما شاء ربك من الزيادة على ذلك فلا يتعاظمنكم ذلك في أمره، فإنه يفعل ما يريد، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويحتمل أن يكون ذكر مده السموات والأرض في هذا الوجه إشارة إلى أن الآخرة لا تتقدر بمقدار الدنيا، ولكنهم أن استوفوا في الجنة والنار مدة العالم المقتضي، فلا الجزاء الذي قوه منقض، ولا المآب الذي أعد لهم منقض، ولكن هذا كل دائم والله أعلم.
فإذا ظهر أن مآب المؤمنين الجنة، ومآب الكافرين النار، وقد قال ﷿: ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سجين﴾ ﴿كلا إن كتاب الإبراز لفي عليين﴾.
وكان المعنى ما كتب لهؤلاء علمنا أن السجين خلاف العليين، كما أن الفجار خلاف الإبرار، وسمى الله ﷿ النار هاوية، ووصف الجنة بأنها عالية، وجاء في الميزان: روح المؤمن تعلى به، وإن روح الكافر تهوي به، ولم نعلم أحدا قال: أن الجنة في الأرض ثبت أن الجنة فوق السموات ودون العرش.
واحتمل قول الله ﷿: ﴿وإذا السماء كشطت﴾ أنها تكشط عما وراءها
[ ١ / ٤٦١ ]
من الجنان فتظهر آثارها. وأن يكون ذلك أولى بها في قوله ﷿: ﴿وأزلفت الجنة للمتقين﴾ وقد قالت الأوائل: أن فوق السماء عوالم لا يقدر المناطقة على أن يصفوا حسنها، وإليها تشتاق العقول.
وهذه إشارة منهم إلى الجنان ونعيما، وأن لم يسمعوا بأسمائها. وفي كتاب الله ﷿: ﴿عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى﴾ وفي بعض الأخبار: أن جنة عدن تحت ظلال العرش وفي قول الله ﷿ بعد قوله ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان. ﴿ومن دونهما جنتان﴾ دلالة على أن الجنان في العلو ولذلك يكون بعضها دون بعض والله أعلم.
وأيضا فقد تتابعت الأخبار بذكر الصراط وسمي في بعضها جسر جهنم فعلمنا بهذا أن الجنة لا في الأرض ولا عند نهايتها ذائبة منها. إذ لو كانت كذلك لم يحتج الصائر إليها إلى جسر يجتاز منه إليها. وفيما وردت به الأخبار من هذا بيان أنها في العلو كما أن جهنم في السفل والله أعلم.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا، وكان الله ﵎ لم يهئ الناس هيئة من سفل إلى علو من غير سبب يتعلق به، فيمسك قدميه، احتاجوا في الانتقال من الأرض إلى الجنة إلى سبب متصل من طرف الأرض إلى طرف الجنان، فكان ذلك هذا السبب هو الصراط الذي جاء به الخبر.
وروى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أن على جهنم جسرا أعلاه نحو الجنة وخص منزله بجنبيه كلاليب ومسك من النار، يجلس الله تعالى به من يشاء من عبادة الزالون والزالات يؤمئذ كثير، والملائكة بجنبيه قيام ينادون: الهم سلم، ويعطون النور يومئذ على قدر إيمانهم وأعمالهم، فمنهم من يمضي عليه كلمح البرق، ومنهم من يمضي عليه كمر الريح، ومنهم من يحصر عليه كحصر الفرس السابق، ومنهم من يشد عليه شدا، ومنهم من يهرول ومنهم من لا يعطى نور إلا قدر قدميه، ومنهم من يحبو حبوا، وتأخذ النار منه بذنوب أصابها، وهي تحرق من شاء الله منهم على قدر ذنوبهم حتى تنجوا أول النار منه بذنوب أصابها، وهي تحرق من شاء الله منهم على قدر ذنوبهم حتى تنجوا أول
[ ١ / ٤٦٢ ]
زمرة سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، كأن وجوههم القمر ليلة البدر. ثم الذين يلونهم كأضواء نجم في السماء حتى يخلصوا إلى الجنة برحمة الله".
وفي بعض الروايات في هذا الحديث "أن الصراط أدق من الشعر، وأحد من السيف" والمعنى- والله أعلم- أن أمر الصراط والجواز عليه أدق من الشعر، أن يكون عسره على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدود ذلك إلا الله تعالى جده لخفائها وغموضها، وقد حرت العادة بتسمية الغامض الخفي دقيقا، وضرب المثل به بدقة الشعر، فهذا والله أعلم من هذا الباب.
وأما أنه أحد من السيف، فيكون معناه- والله أعلم- أن الأمر الدقيق الذي يصله من عند الله تعالى إلى الملائكة في إجازة الناس على الصراط يكون في نفاد حدة السيف ومضيه، إسراعا منهم إلى الطاعة وامتثالا، ولا يكون له مرد، كما أن السيف إذا نفذ نجده وقوة ضاربة في شيء لم يكن له بعد ذلك مرد.
فأما أن يقال: أن الصراط نفسه أحد من السيف وأدق من الشعر، فذلك مرفوع بنفس هذا الحديث، لأن فيه: "أن الملائكة يقومون بجنبيه ويقولون: اللهم سلم سلم" وفيه "إن فيه كلاليب ومسكا" وفيه "ن ممن يمر على الصراط من يقع على بطنه، ومنهم من يزل ثم يقوم) وفيه: "أن من الذين يمشون عليه من يعطى النور بقدر موضع قدميه" وفي ذلك إثبات أن المارين عليه مواطئ الأقدام" ومعلوم أن دقة الشعر لا تحتمل هذا كله. وقد سألت أحد الحفاظ عن هذه اللفظة فذكر أنها ليست ثابتة. فأما أن لا يشتغل بها، وأما أن يحمل على المعنى الذي ذكرنا والله أعلم.
فأما ما قيل في هذه الرواية: من أن أعلى الحسن نحو الجنة، ففيه بيان أسفله نحو طرف الأرض، وذلك لما مضى بيانه من أن جهنم سافلة، والجنة عالية. فأما نهاية الميزان وقدر بعد الجنة منها، فلم يرد فيها شيء إلا أن الله ﷿ قال في سورة الشعراء ﴿وأزلفت الجنة للمتقين﴾ وقال في سورة ق: ﴿وأزلفت الجنة للمتقين غير
[ ١ / ٤٦٣ ]
بعيد﴾. أخبر أنه يقال لهم قبل أن يدخلوها: ﴿هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ﴾.
وفي ذلك دليل على أنها تكون بحيث يمكن الإشارة إليها، فقد يحتمل- والله أعلم- أن السموات إذا طويت أدنيت الجنان من أهلها، وذلك لأن أبعادها قبل يوم الدين إنما يكون ليؤمن أهلها بها وهي غائبة، ليس عندهم منها إلا الخبر عنها، فيستوجبوها بإيمانهم بها.
فإذا كان يوم الدين جاء وقت الجزاء وكشفت الأعطية عنها، أعني كشط السموات أدنيت أيضا. كما تبرز الجحيم لأهلها بعد أن كانت محجوبة عن أبصارهم ولا يمكن أن يشار إلى مقدار دونها وهو أعلم بالحقائق، ليس عندنا أكثر من أن الأرض تمد مد الأديم، فنزول استدارتها وتنقلب عن حالها فتكون يومئذ مسطحة ذات طول وعرض، والجنان فوقها ولكن متنحية منحى مشارق سطح الدار عن الدار عن صحنها لأن الله ﷿ سماها غرفا فقال: ﴿وهم في الغرفات آمنون﴾ وقال: ﴿أولئك يجزون الغرفة بما صبروا وقال: لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية﴾.
وظاهر هذا أنه ﷿ سمى جميع أبنية الجنة غرفا، فثبت أنه سماها بذلك لإشرافها على مساكن الآخرين، ولأنه أخبر أن من في الجنة وقد تطلع فيرى من يريد في سواء الجحيم. وذلك كاطلاع من ينظر من طرف سطح أو لرأس جدار إلى من في سطح الدار فيراه.
وقد أخبر الله ﷿ عن ذلك أن أهل الجنة ينادون أهل النار، وأهل النار ينادون أهل الجنة.
وأخبر أن أصحاب الأعراف ينظرون إلى أهل الجنة مرة فيسلمون عليهم طمعا في المصير إليهم والاختلاط بهم، وإلى أهل النار فيستعيذون بالله من حالهم، وإنما هم كالو إقف على رأس جدار عال يشرف منه على غرفة منها قوم على مقيمون على سرور ولذة من وجه، وعلى صحن كان فيها مأتم وبكاء وجزع من وجه.
[ ١ / ٤٦٤ ]
فأهل الجنة العالية أصحاب الأعراف كأهل السطح الذين هم في السرور، وأهل النار هم كأهل الصحف الذين هم في الغموم.
إلا أن بين الجنة العالية من الوجه الذي يشرف على الأرض والنيران السافلة حجابا، وهو سور يضرب يوم القيامة، والأعراف أعلى من هذا السور، فلا يكون بين أهل الجنة وأهل النار تلاق ولا تقارب، إلا أن يكون تناد من أهلها إلى ملائكة الجنة ينادي أهلها إلى ملائكة العذاب، وملائكة النار ينادي أهلها إلى ملائكة الجنة، أو يقوى الله تعالى الأصوات والإسماع فيسمع أحد الفريقين مع بعد المسافة الآخر، وهذا قبل أن يسلب أهل النار إسماعهم.
وإذا كانت البحار تسجر يوم القيامة فتكون هي جهنم والبحار في الأرض، فقد صار بعض الأرض جهنم، فلا يبعد أن يكون تبديل الله تعالى الأرض غير الأرض بعد ركوب الناس الصراط كما قال النبي ﷺ هو أن تقلب الأرض كلها نارا، كما تقلب مواضع المياه منها نارا، وأن يكون بقاء الأرض ترابا مدة فيها يحتاج إليها للقيام عليها. فإذا فرغت منهم صارت نارا.
وقد قال بعض العلماء: إن الكفار لا يجازون على الصراط لأنهم في النار وهم في معدن النار إذا النار في الأرض فإذا خلص المؤمنون وحصلوا على الصراط وانفروا الكفار بمواقفهم صارت مواقفهم من النار، فلم يلق مع ذلك بأحوالهم أن يجازوا على الصراط، وهذا القول قرب ما قلناه والله أعلم بما هو فاعله.
وذكر وهب في كتابه: أن الله ﷿ إذا أراد أن يكشف عن سقر غطاها خرجت منها نار تفتق بالبحر المطبق على شفير جهنم، واشتغلت في الأرض السبع فتركتها جمرة واحدة، فقد يحتمل أن يكون شقها البحر قبل حساب الخلائق، واشتعالها في الأرضين السبع لتصير جمة واحدة بعد أن ركب المؤمنون الصراط، فيرجع هذا القول الذي حكته والله أعلم.
وأما ما ذكر في هذا الحديث من الأنوار، فقد قيل: أن ذلك إنما يكون إذا أمر بأهل الجنة إلى الجنة وبأهل النار إلى النار، فيتقدم المؤمنون، وقد أعطى كل واحد منهم فورًا
[ ١ / ٤٦٥ ]
بقدر عمله. والباقون في ظلمة شديدة من دخان جهنم، فيقولون لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا.
قال الله ﷿: ﴿فضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب﴾ فيحتمل- والله اعلم- أن هذا السور إنما ضرب عند انتهاء الصراط، وينزل له باب يخلص منه المؤمنون إلى طريق الجنة، فذاك هو الرحمة التي في باطنه.
وأما ظاهره فإنه يلي النار، وإن كانت النار سافلة عنه لا محاذية إياه، فإذا لم يجد المنافقون إلى باطن السور سبيلا إلا أن يقذفوا من أعلى الصراط، فيهوون منه إلى الدرك. الأسفل من النار، ولم يذكر الله تعالى في قصة النور إلا المنافقين.
فقد يحتمل من قول من يقول أن الكفار لا يجاوزن على الصراط، أن المنافقين يخصون بالإجازة عليه على معنى أن يجلوا وأتباع المؤمنين، ليظنوا أنهم ينجون بنجاتهم، حتى إذا بلغوا الحد ميزوا عنهم، فنادوا المؤمنين: ﴿ألم نكن معكم، قالوا: بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتم الأماني حتى جاء أمر الله، وغركم بالله الغرور﴾. فيكون هذا مما أخبر الله تعالى أنه فاعله بهم في قوله: ﴿قالوا: إنما نحن مستهزئون، الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾ والله أعلم.
واختلف الناس في أصحاب الأعراف فقال قائلون: ﴿أنهم ملائكة يقومون عليها، وينظرون إلى أهل الجنة مرة فيحيونهم، وإلى أهل النار مرة فيبكونهم، ويحملهم ما يشاهدونه من سوء أحوالهم على الاستعاذة بالله تعالى منها وذلك بعيد من وجهين: احدهما أن الله ﷿ قال: ﴿وعلى الأعراف رجال﴾ واسم الرجال لذكور العقلاء، والملائكة ينقسمون إلى ذكور وإناث.
والأخر: انه تعالى أخبر عنهم أنهم يقولون لأهل الجنة: ﴿سلام عليكم﴾، طامعين أن يدخلوها. والملائكة غير محجوبين عن الجنة، إلا أن تكون ملائكة العذاب، ولئن كان منهم من أن لا يدخلها، فإنه لو دخلها ليتلذذ بنعيمها، إذ التلذذ بما يتلذذ به الناس غير
[ ١ / ٤٦٦ ]
مركب فيهم. فيقال إذا لم يصل إليها أنه يطمع أن يدخلها. وأيضا فإن الحيلولة بين الطامع وطمعه تستبق ولا عذاب يومئذ على ملك.
وقيل: أنهم قوم قتلوا في سبيل الله أنهم مع ذلك أصحاب كبائر، فلم يدخلوا النار، إلا أرواحهم ذهبت في سبيل الله تعالى ولم يدخلوا الجنة للكبائر التي وافوا القيامة بها فيحبسهم الله تعالى بين الجنة والنار خائفين، راجين إذا نظروا أهل الجنة، قالوا ﴿سلام عليكم﴾ مستعجلين بأن يلحقوا بهم، وإذا أشرفوا على النار، قالوا: ﴿ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين﴾.
فيكون ذلك الخوف عقوبة لهم إلى أن يمن الله تعالى عليهم بالجنة. وقيل. أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، لأن الحسنات تحول بينهم وبين النار، والسيئات تحول بينهم وبين الجنة، فيحبسون هناك ما شاء الله عقوبة لهم على سيئاتهم ثم يدخلون الجنة.
وهذه حال قد بينا من قبل أنها لا تكون ولا يمكن أنها لا تكون، ولا يمكن لأنه لو جاز أن تستوي الحسنات والسيئات بأصلها وهو الإيمان، وانفراد السيئات عن الكفر لا يمكن أن تزيد السيئات على الحسنات حتى يكون ميزانها هو الثقيل وميزان الحسنات هو الخفيف، ولو أمكن أن يكون ذلك لم يدخل من كان هذا حالة الجنة أبدا، لأن الوزن لم يظهر له حسنة قط إذا كان ميزان السيئات هو الذي يثقل، ولا يوازي ثقلها من جانب الحسنات ثقيل أصلا.
ولو كان لا يجوز أن يكون مؤمن يخلد في النار، علمنا أن زيادة سيئات المؤمن على حسناته غير ممكن، وإذا نظرنا في ذلك وجدنا المعنى: أن مع حسنات المؤمن إيمانه الذي هو أصل الطاعات، ولا يوازن الأصيل ما ليس بأصل.
فإذا وجب هذا المعنى أيضا: أن لا تساوي حسنات المؤمن سيئاته، وأن يكون أثقل ميزاني المؤمن ميزان حسناته- والله أعلم- ألا أن يقول قائل: أن حسنات المؤمن سوى إيمانه، وسيئاته قد يستويان، ولكنه هذا إذا كان وضع الإيمان مع حسناته في الميزان
[ ١ / ٤٦٧ ]
فرجح. فيزول حينئذ استواء الحسنات والسيئات والله أعلم.
ألا أن هذا فإن كان هكذا، فقد يجوز أن يكون أصحاب الأعراف قوما كثرت سيئاتهم، ولم يرد الله تعالى أن يحشرهم في النار وينالهم فعذبهم بحر النار وكربها ولم يسلطها على أجسادهم فيحرقها والله أعلم.
وأما قول الله ﷿، ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم، قالوا: ﴿ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون﴾ فإنما هو أنهم يقولون لقوم من أهل النار هذا فيقول لهم أهل النار في جواب ذلك وأنتم فما أغنى عنكم إيمانا، والله لا يأليكم من الله رحمه فيكذب الله تعالى يمين أهل النار ويقول لهؤلاء: أقسمتم عليهم أي ومن أين أجزتم لأنفسكم أن تحكموا على الله، ثم يقول لأصحاب الأعراف: ﴿ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون﴾ والله أعلم.
ومما يدخل في هذا الباب قول الله ﷿ ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا، ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ فقيل: أن الورود النظر لا الدخول، ألا ترى أن ورود الماء بلوغ مكانه والوقوف على طرفه لا حوضه، ولا الشروع فيه، وقد أخبر الله ﷿ أنه يحصر الكفار حول جهنم جثيا، والجثو حال المحاسبة، كما يقال ﷿: ﴿وترى كل أمة جاثية، كل أمة تدعى إلى كتابها﴾.
فإذا كان موضع الحسنات حول جهنم، وحيث يكون الصراط والمؤمنون والكافرون في ذلك سواء، وذلك هو الورود على هذا الخارج قوله ﷿ ﴿ثم ننج الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا أي تخريج وذلك على وجهين أحدهما ننجي الذين اتقوا بأن نباعد بينهم وبين النار، ونأمر بالظالمين إلى النار ويذرهم فيها.
والآخر: ننجي الذين اتقوا من حول جهنم بالإجازة على الصراط، وإذا أخرجناهم سلطنا النار على الظالمين الذين كانوا جثيا، فأخذتهم على حال جثوهم بركبانهم، فيها. وهذا على أن ذلك المكان يصير من جهنم بمزايلة المؤمنين إياه، وإن الكفار يجازون على الصراط المستقيم، والله أعلم،
[ ١ / ٤٦٨ ]
وفيه قول آخر: وهو أن المؤمنين والكفار يجازون على الصراط والله أعلم، وذلك ورود المؤمنين النار، لأن الصراط إنما هو جسر جهنم، وقد يلحق الذين يجوزون فيه من النار أذى.
فإن كان من شرط الورود مس النار والورود، فقد كان ذلك، وإن كان لا يلحقهم أو بعضهم منها أذى، فإن ركوب جسرها الذي يلقي منه إلى النار، وتختطف الكلاليب بعضهم حقيقة بأن يقال له ورود ذلك، وذلك هو الذي أراد الله تعالى بهذه الآية.
ومن قال هذا ولم يقطع بأن الأرض قصير أو شيء منها من جملة جهنم قال الأشبه أن الأرض تعدم إذا ركب الناس الجسر، ما طويت لسموات فكانت عدما. والدليل على ذلك أن الله ﷿ سوى بين السموات والأرضين في قوله خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك، فبان أن مدة الأرض متناهية، كما تكون مدة السماء متناهية، ومن قال بالأول، قال: مدى أرضها متناهية كما أن مدة سمائه والله أعلم.
فإن قيل: جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من مات له ثلاثة لم تمسه النار ألا يخله القسم) يعني قول الله ﷿: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ وهذا يدل على أن الورود ليس هو التطرف، فيكون الجواز على الصراط، وحضور شغير جهنم عند المحاسبة جازيا عنه قبل.
قيل: اسمي مس النار كما قال أيوب ﷺ ﴿إني مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ أي عوضني. كذلك لأن مسه بالحقيقة وكما قال ﷿: ﴿وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء، ولا هم يحزنون﴾. أي لا ينادون بسوء ولا يسوءهم شيء. فيكون معنى تمسه النار، أي ينادى بها.
وإذا كان هذا هكذا، وقد أخبر الله ﷿ أن جهنم ﴿ترمي بشرر القصر، كأنه جمالات صفر﴾، وجاء الحديث أنها ترمي زفرة لا يبقي ملك مقرب ولا نبي مرسل
[ ١ / ٤٦٩ ]
ألا تهمه نفسه وأنها إذا برزت غشيت أهل المجمع منها ظلمة شديدة، وإن شررها يقع على رؤوس الخلائق، فتكاد أفئدتهم تنخلع من الخوف إلى غير ذلك.
فليس يبعد أن يكون ورود المؤمنين جهنم أن يحضروا شغير جهنم للمحاسبة فيروها عن اليقين، وإذا أخذت تموج وتتأجح وترمي بشررها أشفقوا منها وإذا زفرت فرقوا من زفيرها، وتغشاهم من ظلمتها ماء يفشي غيرهم. فيكون هذا مس النار إياهم دون اللذع والإحراق والله أعلم.
فإن سأل سائل عما روينا، وقال: كيف يجوز إثبات الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين تهمهم أنفسهم يوم القيامة مما يرون من الأهوال والشدائد والله ﷿ يقول فيمن دونهم من الأولياء: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسني، أولئك عنها مبدعون، لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون، لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون.﴾ ويقول: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون﴾.
قيل له: أن المذكورين في هذه الآية يكونون آمنين من حيث يبشرون بالخير والنعمة، ولكن لا ينكر أنهم إذا رأوا هؤلاء لم يشاهدوها قط، ولا خطرت على قلوبهم أن يغفلوا في ذلك الوقت عن الأمن الواقع لهم، ويغلب الخوف على قلوبهم، فقد يحمل أن يكون خوف الأنبياء ﵈ في الحال التي ذكرتها من هذا الوجه.
وأما قوله ﷿: ﴿لا يسمعون حسيسها﴾، فالمعنى أنهم لا يسمعون ما تفعله النار بأهله إذا حصلوا في الجنة، وحصل أهل النار في النار. ألا ترى أنه قال على أثر هذا: ﴿وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون﴾. فأما من قبل دخول الجنة فقد يسمعون زفيرها، ويردون كثيرا من أهوالها والله أعلم.
فإن سأل سائل: عن معنى إيراد الله تعالى جده المؤمنين جهنم.
قيل له قد قال الناس في ذلك وجهين: أحدهما أن يعلم المؤمنون بالعيان ما كانوا يخبرون عنه من شدائد بدار أعد الله تعالى جده الكفار من العذاب، فإذا صاروا منها إلى
[ ١ / ٤٧٠ ]
الجنة كانوا أشهر بها وأقر عينا، وكانت في نفوسهم أعظم قدرا موقعا.
والآخر أن الفريقين إذا جمعهما مجمع واحد وهو شغير جهنم أو الصراط، ثم ميز أحدهما عن الآخر، وصير به إلى الجنان، والآخر إلى النيران أن كانت الحشرة على الذين يصار بهم إلى النار أشد، ومصيبته أقطع وأوجع. وقد يجوز أن يكونا معا هما المراد.
فإن قيل: فلم لا يرى أهل النار أهل الجنة، كما يرى أهل الجنة النار ليعلموا ما الذي فاتهم وحرموه بالمعاصي أنفسهم، فيكون ذلك اعم وأوجع لهم.
قيل: لان حريم الجنة وحريم النار كالنار، فلما كانت النار يخرج منها عصاة المؤمنين، ولا يخلدون فيها، صلح إيراد المؤمنين شغيرها ليروها، ويعاينوا أحوالها، قم ينقلوا عنها، ولما كانت الجنة لا يخرج منها دخلها لم يلق بها أن يورد الكفار حريمها فيستنشقوا رائحتها ويشاهدوا نعيمها ثم ينقلوا عنها.
فصل
فإن قال قائل: كأن جهنم هو البحر، فما يبقى قوله ﷿: ﴿وإن جهنم لموعدهم أجمعين، لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم﴾. فإن كانت النار في أسفل كما وصفهم فإجازة الكفار على الصراط لأي سبب؟
قيل له: أن من قال. أن الكفار يركبون الجسر، فقد يخرج عن قوله أن تكون أبواب جهنم في الجسر فروجا، فيه أشباه أبواب السطوح، فهم يقذفون منها في جهنم، وإنما يجمع بينهم وبين المؤمنين على الصراط ليكون فرج المؤمنين بالفوز والخلاص أعظم، وحسرة الكفار وغمهم أشد وأفظع، وإلقاؤهم من الجسر أخوف وأهول.
ولعل قول الله جل ثناؤه: ﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾ يكون في هذا الوقت، وما في القرآن من قول الله ﷿: ﴿كلما ألقي فيها فوج﴾، وقوله تعالى ﴿ألقيا في جهنم كل كفار عنيد﴾. فالدليل على هذا، لأن الإلقاء في الشيء
[ ١ / ٤٧١ ]
أكثر ما يستعمل في الطرح من علو إلى أسفل، نحو قولهم: ألقاه في الحوض وفي البيت، وإذا لم تكن كذلك، قيل: ألقاه على قارعة الطريق، وألقاه على ظهره والله أعلم.
ومن قال: أن الكفار لا يركبون الجسر، قال: قد يكون لجهنم يوم القيامة سبعة مشارع يصار بالكفار إليها، ثم يلقي بعضهم فيها، ويسحب بعضهم على وجوههم، ويساق بعضهم سوقا، ويكلفون دخولها، وليس يكون هذا، لأن الملائكة يتعذر عليها هذا الأمر في مكان من جهنم، ويتيسر في موضع ولكن لأهل النار سبعة أصناف، كما يقال الله تعالى ﴿لها سبعة أبواب، لكل باب منهم جزء مقسوم﴾ فيجعل الله يومئذ لها سبعة مشاعر لتتميز الأصناف بعضها من بعض والله أعلم.
وقد ذكر الله تعالى النار، سماها بثمانية أسماء: الجحيم- والسعير- وسقر- ولظى- وجهنم- والحريق- والحطمة- والهاوية.
وقد يحتمل أن يكون ما عدا جهنم أسماء الدركات المحتملة، التي أعدت لأهل النار كما يليق بأحوالهم وسيئات أعمالهم، وسكون جهنم اسما للجميع، كما قال: ﴿وإن جهنم لموعدهم أجمعي، لها سبعة أبواب﴾ وقال: ﴿وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا، حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها﴾ فالأبواب السبعة في المشارع إلى هذه المسميات السبعة وجهنم اسم لجملتها.
جاء عن النبي ﷺ في حديث يرويه سلام الطويل عن أبي سفيان عن انس بن مالك ﵃ عن النبي ﷺ في قول الله ﷿: لها سبعة أبواب، لكل باب منهم جزء مقسوم: "جزء أشركوا بالله، وجزء شكوا في الله، وجزء صيروا رعيتهم بحطهم من الله، وجزء عتوا على الله".
فإن كان هنا ثابتا عن النبي ﷺ، والمشركون بالله هم الثنويه والوثنيه، والشاكون هم الذين لا يدرون أن لهم إلها أولا إله لهم، ويسألون في شريعته ولا يدرون أنها من عنده.
والغافلون عن الله هم الذين يجهدون أصلا ولا يتبعون، وهم الدهرية. والمؤثرون
[ ١ / ٤٧٢ ]
شهواتهم على الله، المنهمكون في المعاصي لتكذيبهم رسل الله تعالى جده وأمره ونهيه، والشافون غبطهم غضب الله، القتالون أنبياء الله وسائر الداعين إليه المعذبون من ينصح لهم، أو يذهب غير مذهبهم، والمصيرون وغيهم يحطهم من الله، هم المنكرون للبعث والحساب. فهم يعبدون بأي ما يرغبون فيه لهم جميعهم، حطهم من الله جل ثناؤه.
والعاتون على الله الذين لا يبالون بأن ما يكون ما هم فيه حقا أو باطلا، فلا يتفكرون ولا يعتبرون ولا ينظرون ولا يستدلون، والله أعلم بما أراد رسول الله ﷺ أن كان الحديث ثابتا عنه.
فصل
وقد أخبر الله تعالى جده: أن في النار انكالا وهي القيود ومقامع من حديد، وإن فيها شجرا طلعها كأنه رؤوس الشياطين. وقال في آية أخرى، أن شجر الزقوم طعام الأثيم وأن فيها جميما وهو الماء الجار المقطع للأمعاء. وجميع ذلك يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون كل ذلك نيرانا مختلفة الأوصاف، كما أن فيها في الأرض ما بين دواب وأشجار وزروع كلها من تراب، إلا أن الأعراض مختلفة، والأصناف متغايرة بالخشب والحديد، هناك نار مهيأة بهيئة الشجر ونار مهيأة بهيئة الحديد، والحميم نار مهيأة بهيئة الماء.
وكل ما جاءت به الإخبار، من أن في النار حيات وعقارب فإن كانت تلك الأخبار ثابتة فهي محمولة على هذا المعنى وهو أن تلك نيرات مهيأة بهيئة الحيات والعقارب. وليس ينكر أن يخلق الله تعالى من النار المفرده خلقا ويجعله حيا، فقد أخبر ﷿ أنه: خلق الجان من مارج من نار، وهو على ما يشار قدير.
والوجه الآخر: أن يكون الشجر خشبا، والقيود والمقامع حديدا، والحميم ماء، والحيات والعقارب ما عرفت إلا أن الله ﷿ يمسكها، ويدفع الاحتراق والفساد عنها. فأنه خالق الطبع والمطبوع. فكلما أنه إذا أراد تغيير المطبوع غيره. فكذلك إذا أراد تغيير الطبع غيره.
وإذا كان يحرق أهل النار ولا يمسهم خلاف المعروف في الدنيا من أن من أحاطت به
[ ١ / ٤٧٣ ]
النار وأحرقته هلك، فما الذي ينكر من أن يمسك في النار خشبا وحيات وعقارب فلا حرق بالنار ما لا يطغا بالنار ولا تأكله النار وبالله التوفيق.
فصل
فأما الجنان، فإن الله حصرها بأربعة أعداد فقال ﷿: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان، وقال بعد ذلك: ﴿ومن دونهما جنتان﴾ ولم يذك سوى هذه الأربعة جنة خامسة.
فإن قال: ﴿عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى﴾ قيل: جنة المأوى اسم لجميع الجنان يدل على ذلك أنه قال: ﴿فلهم جنات المأوى، نزلا بما كانوا يعملون﴾.
والجنة اسم الجنس، فمرة يقال: جنة، ومرة يقال: جنات عدت، وجنة عدن. لان المعدن الإقامة، وكلها دار الإقامة، كما أن كلها مأوى المؤمنين. وكذلك دار الخلد ودار السلام لأن جميعها للخلود والسلامة من كل خوف محزن.
وكذلك جنات النعيم، وجنة نعيم، لأن جميعا مشحونة بأنصاف النعيم جنة تنوى لأن الله ﷿ أن كان سمى شيئا من هذه الأسماء جنة في موضع فقد سمى الجنان كلها بذلك في موضع آخر فعلمنا أن هذه الأسماء لتمييز جنة من جنة ولكنها للجنان أجمع لا سيما وقد أتى الكتاب بذكر العدد ولم يثبت إلا أربعا.
وقد أثبت الله ﷿ هذه أبوابا بقوله: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبواها﴾. وجاء عن النبي ﷺ: "أن أبوبا الجنة ثمانية" فقد يحتمل أن يكون ذلك لأن لكل جنة من الجنان الأربع بابين.
وقد وصف الله تعالى هذه الجنان في كتابه، فوصف أهل الجنة، فصفهم صفين: أحدهما السابقون المقربون، والآخر أصحاب اليمين. فعلمنا أن السابقين أهل الجنتين
[ ١ / ٤٧٤ ]
العليين في قوله تعالى ﴿ولمن خاف مقام ربه جنات﴾ إلى قوله ﴿ومن دونهما جنتان﴾ فقال: فهاتان للمقربين، وهاتان لأصحاب اليمين.
وعن أبي موسى الأشعري نحو من ذلك، وأصحاب اليمين هم الذين يؤتون كتبهم بإيمانهم وتخصيصهم بهذا السام ليس لان السابقين لا يقرأون كتبهم، ولكن لا الثناء عليهم بالسبق إلى الطاعات أشرف لهم من وصفهم بإيتاء الكتب بإيمانهم، لأنهم يشركهم في إيتاء الكتاب باليمين من ليس له سبقهم وقدمهم، ولا يشركهم في إيتاء الكتب باليمين من السبق غيرهم. فذكروا بأرفع الذكرين، ولما لم يكن من أهل الجنة بعدهم إلا من لم يكن لهم مثل فضيلتهم، فيذكروا معهم قيل لهم أصحاب اليمين أي الباقون بد السابقين من أصحاب اليمين والله أعلم.
والسابقون هم المتسارعون إلى الطاعات من أتباع الأنبياء صلوات الله عليهم، وتصديقهم ونصرهم على أعدائهم، وما يتبع ذلك من أوامر الله جل ثناؤه وغير متباطئين عنها ولا مستغلين لها أولا مطلبين للأعذار والعلل للأخذ بالهويني فيها، فإن جزاءهم عند الله أن يجعلهم سابقين إلى جنته والنعيم التي أعد فيها لأهل رضوانه، وتقدمهم على غيرهم، كما قدموا في الدنيا طاعته على أهوائهم، وتركوا أهلها أراد بهم.
ولما وصف الله تعالى بعض نعيم الجنان أشار إلى الفرق بين الجنتين اللين ذكر أنهما لما خاف مقام ربه وبين الجنتين ومن دونهما فقال في الأوليين: ﴿فيهما عيتان تجريان﴾ وفي الأخريين: فيهما عينان ناضحتان﴾ أي فوارتان، ولكنهما ليستا كالجارتين لان النضح دون الجري.
وجاء عن النبي ﷺ قال: "جنتان من ذهب للمقربين، أو قال للسابقين وجنتان من ورق لأصحب اليمين" فقال في الأوليين: ﴿فيهما كل فاكهة زوجان﴾ فعم ولم يخص. وقال في الآخرين: ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ ولم يقل من فاكهة وقال في الأوليين: ﴿متكئين على فرش بطائنها من إستبرق﴾ وهو الديباج. وفي
[ ١ / ٤٧٥ ]
الأخريين ﴿متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان﴾ والعبقري الوشي.
ولا شك أن الديباج أغلى من الوشي، والرفرف كثير الخباء، ولا شك أن الفرش المفردة للاتكاء عليها أفضل من فضل الخباء.
وفي الأوليين في صفة الحور العين: ﴿كأنهم الياقوت والمرجان﴾. وفي الأخريين: ﴿فيهن خيرات حسان﴾. وليس كل حسن بحسن الياقوت والمرجان.
وقال في الأوليين: ﴿ذواتا أفنان﴾ وقال في الأخريين: ﴿مدهامتان﴾ أو خضراوتان، كأنهن من شدة خضرتها سوداوان. فوصفت الأوليين بثرة الأغصان، والآخرين بالخضرة وحدها. وفي هذا كله إشارة إلى تحقيق المعنى الذي قصد بقوله: ﴿ومن دونهما جنتان﴾ ولعل ما يذكر من تفاوت ما بينهما أكثر مما ذكر.
فإن قيل: كيف لم يذكر أهل هاتين الجنتين كما ذكر أهل الجنتين الأوليين.
قيل: الجنان الأربع لمن خاف مقام ربه، إلا أن الخائفين لهم مراتب. والجنتان الأوليان على العباد ربة في الخوف من الله جل ثناؤه. والجنتان الأخريان لمن حاله في الخوف من الله تعالى عنهم.
واختلف في الحور العين المذكورات في القرآن، فقال الحسن البصري: أن الحور العين هن المؤمنات من أزواج النبيين والمؤمنين، يخلقن في الآخرة على أحسن صورة، والمشهور أن الحور العين ليس من نساء أهل الدنيا، إنما هن مخلوقات في الجنة، لأن الله ﷿ يقول: ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾. ونساء الدنيا أكثرهن مطموثا.
فعلمنا أن الحور خلقهن غيرهن ولا النبي ﷺ يروى عنه: (أن أقل ساكني الجنة النساء) وإذا كانت نساء الجنة أقل من رجالهم لم يصب كل واحد منهم امرأة. ووعد الحور العين لجماعهم فثبت أنهم غير نساء الدنيا. ومن ذهب مذهب الحسن قال: إذا قضى الرجال شهواتهم في الجنة، علمنا أن النساء لهن مثل ذلك، فلو لم يدرون إلى الرجال لم يجدن غيرهم فثبت أن نساء أهل الجنة أزواج رجالهم.
[ ١ / ٤٧٦ ]
وجواب أن ذلك يمكن أن يكون ولا يجب عنه أن يكون الرجال مقصورين عليهن، فإنه لا يمنع أن يرددن عليهم. ويراد من الحور العين خيرا منهن، وأيضا فإن الله ﷿ جعل الحور العين من أوصاف الجنان وعدهن في نعيمها، كما ذكر الفواكه والماء والخمر واللبن والفرش واللباس. وليس يجوز أن تكون الثياب بالجنة من نعيم الجنة وأوصافها، فيكو أهل الجنة مسوقين إليها بأنفسهم. فصح أن الحور العين مخلوقات في الجنة وليس من نساء الدنيا والله أعلم.
وأما الولدان والغلمان فإن من الناس من قال: لما لم يكن في الجنة ولدان علمنا أنهم من ولادة الدنيا. وروى عن النبي ﷺ قال: (الأطفال خدم أهل الجنة) وعن سلمان: أطفال المشركين خدم هذه الجنة.
وعن الحسن في قوله ﷿: ﴿يطوف عليهم ولدان﴾ قال لم تكن لهم حسنا يجزون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا هذا الموضع. وقد يحتمل مع هذا أن يكون الغلمان مخلوقين في الجنة. فيكون ذكور الخدم كآبائهم، وسموا ولدانا من طريق التشبيه لهن في صور الولدان والغلمان، كما قيل في الفرش وعبقري حسان. وليس في الجنة عبقري، كما ليس فيها ولادة، وقيل. ﴿وزر أبي مبثوثة﴾ وليس في الجنة نسخ والله أعلم.
ومعنى مخلدون، والخلده الحليه، وقيل مفرطون، وقيل على سن واحد لا يتغيرون عنها أبدا. وقيل مخدلون مع من يحرمونهم ولا يزايلونهم أبدا. وذكر وهب وغيره أن الجنان سبع: دار الجلال- ودار السلام- وجنة عدم- وجنة المأوى- وجنة الخلد- وجنة الفردوس- وجنات النعيم.
على الهامش.
وفي بعض الأخبار الشائعة جنة نعيم، ويشبه أن تكون الفردوس أسماء لجميع الجنان كلها، كجهنم التي تجمع النيران كلها. لأن الله ﷿ مدح في أول سورة المؤمنين أقواما
[ ١ / ٤٧٧ ]
وصفهم ثم قال: ﴿أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾ ثم أعاد ذكرهم في سورة المعارج وقال: ﴿أولئك في جنات مكرمون﴾ فعلنا أن الفردوس جنات لا جنة واحدة كما قال وهب والله أعلم.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سألتم الله فسلوه الفردوس) فهذا والله أعلم- أن للجنات مراتب لا يستوي الناس في استحقاقها، فلا ينبغي لأحد أن يتخير أحداهما فيسلمها الله، وإنما أعدها الله تعالى لغيره، فيكون داخلا في جملة قوله تعالى: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ بل ينبغي له أن يسل الله الفردوس، فيكون قد سأله الجنة. في الجملة، وليس في شيء من دراجاتها بمرغوب عنه والله أعلم.
فصل
قال بعض الضلال: أن للثواب والعقاب صورا للناس بصور جسمانية لتقرب إلى إفهامهم. فقيل لهم: إن في الجنة مآكل ومشارب ومناكح وملابس ثم وضعت لهم بأحسن الأوصاف، وأولاها بأن بشوق إليها لأنهم لم يعرفوا اللذة والسرور والغبطة في الحياة الطيبة في العيش، إلا من هذه الوجوه، فضربت مثلا لهم وإلا فالحقيقة أنه لا ألم هناك ولا موت ولا حزن، وإنما هو مسرة دائبة متصلة، ولذة وبهجة وغير منقطعة، كما يلتذا الطاعم بطعم الشيء الطيب اللذيذ، ومجامعة من يميل إليها ويستحسنها، والفرش والملابس الناعمة.
قال: ومما يبين ذلك أن الله ﷿ ذكر في أن في الجنة زرابي، وقد علم أنها الطنافس، وإن الطنافس التي يعرفونها أصواف مصبوغة مغزولة منسوجة، وإنه لم يردها بما قال، وإنما جعلها مثلا. وقال: ﴿متكئين على رفرف خضر وعبقري﴾.
والعبقري ما كان نسج من عنبر. فصح أنه جعل ذلك مثلا ولم يرد عينه، فكان جميع ما ذكر من المطاعم والمشارب والمناكح مثلا، قياسا على ما ذكرنا.
[ ١ / ٤٧٨ ]
فالجواب- وبالله التوفيق- أن ما يقال لهذا القائل: وما الذي يلجيء إلى هذا التأويل؟ ويمنع أن يكون في الجنة مآكل ومشارب وملبس ومنكح. فأنا لا نجد في عقولنا لامتنع هذه الأمور وجها: قال: أن الذي يلجيء إليه النفوس هي الصائرة إلى الآخرة دون الأجساد. قيل: وما الذي يمنع من اصارة الأجساد إلى الآخرة وتخليه فلا نجد على ذلك دلالة، وإنما يفرغ في دعواه إلى أن ذلك يبعد في وهمه، وليس كل ما بعد من الوهم لم يكن على أن ذلك قريب من وهم غيره حتى أنه يبعد في وهمه، وليس كل ما بعد من الوهم لم يكن على أن ذلك قريب من وهم غيره حتى أنه لمتسلط على نفسه، فيقطع بأنه هو الأمر الذي لا يجوز غيره.
وقد كتبنا في هذا الباب ما نرجو أن تقع به الكفاية، ويقال هل: أن البعث إنما يكون للجزاء بالحسنات والسيئات؛ والنفوس لم تكتسب بانفرادها خيرا ولا شيء، وإنما كان التكسب مشتركا بينها وبين الأجساد، فيجب أن يكون الجزاء مشتركا بينهما وبين الأجساد سواء كان الكسب فعل شيء أو ترك شيء. فإذا اجتمع النفس والبدن على التبع في الدنيا بإتباع الشهوات الممنوعة، فكانت الحكمة أن يؤلما جميعا بأشد الآلام، وليكن ذلك إلا عذاب النار.
وإذا جرت الدنيا من مطاعم وملابس ومناكح كان يشبهها من جنس ما أهل الله له غير أنه لم يجدها فلم يتسخط قضاء الله تعالى لحبسها عنه وأحسن الظن به فيه أو من جنس ما حرم الله تعالى جده عليه فتركها أو صبر عنها جاهدا محتسبا، كان أولى ما يعوض عنه في الحكمة أن يوصل من جنسها إلى ما هو أسنى وأجزل وأعظم قدرا وأجل خطرا منها لتصل اللذة إلى ما وصل الألم إليه ويتنعم بالإصابة ما تأذى بالقوت.
ثم لا ينكر أن يصير إلى ذلك من غير هذه الأجناس أسباب يتمتع ويفرح ويتلذذ بها، ولكن ما يدخل في جملتها أشبه بمعاني الثواب.
ويبين ما قلنا أن إقامة العبادات في الدنيا لما كان سببا للتعب والنصب، وجب أن تكون الراحة عوضا منها في الآخرة باتفاق. فلذلك تخريج المرادات وقمع الشهوات في الدنيا لوجه الله عالي يقتضي أن يكون التمكين من قضائها على وجه أفضل وأكمل عوضا منها في الآخرة، وبالله التوفيق.
هذا والشر لا من بعض الوجوه المعقولة في الدنيا مما لا يتصور فهم ولا هم ولا يكاد إلا
[ ١ / ٤٧٩ ]
حالة عليه، ويحرك على الطاعة، ولا يقع موقع التبشير، وكذلك الغم لا شيء من الأسباب المعقولة في الدنيا أمر غير معقول، فالإنذار به لا يزجر عن معصية، ولا يقع موقع التحريف وهم أبدا يحاكموننا إلى العقل، فإذا هم في هذا الموضع قد فارقوه، وقالوا بما لا شاهد لهم عليه منه وبالله العصمة.
فأما قولهم: أن كل موعود من نعيم الجنة، فمثل مضروب، واستشهادهم بالزرابي والعبقري، فجوابه: إن الزرابي ليس بمثل وإنما أريد بها الزرابي في مناظرها غير أنها ليست من أصواف مصبوغة منسوجة، وغنما هي مخترعة مبتدعة، وهي وأن أشبهت في مناظره الزرابي، فهي أنعم منها والين، واللذة التي تخلص إلى البدن من الجلوس عليها لا تكون في قدر ما يوجد منها في زرابي الدنيا، لكنها تزيد على ذلك زيادة لا يعرف قدرها إلا الله ﷿.
وكذلك العبقري إنما أريد به أنه في منظر العبقري إلا أنه ليس الفرش، بل هو فرش غير أنه يزيد في معاني اللذة والنعمة على مثله من فرش الدنيا أضعافا مضاعفة لا يحصيها الناس ولا يقدرونها.
ولذلك لبنها لبن إلا انه غير محلوب، وخمرها خمر غير أنها ليست بمعتصرة، وكيف لا تكون خمرا بالحقيقة، والله ﷿ يقول:
﴿يسقون من رحيق مختوم، ختامه مسك ومزاجه من تسنيم﴾ فهلا جعل مثلا لشيء آخر ليعرفوه به، ومتى كان المجهول يعرف إلا أن هذا كله والثمار وغيرها تكون مخترعة مبدعة، وإن الذي خلق خير منها، وأسنى وأفضل في الدنيا والآخرة. فإن كان الذي سأل السؤال الذي ذكرنا يعرف بالله جل ثناؤه فليس له أن يعجب من هذه الموعودات. فيطلب لها تأويلا ويسميها أمثالها وبالله العصمة.
وقد قال من قال من الأوائل: أن جوهر الشمس الذهب، وجوهر الزهرة الزبرجد والزجاج، وجوهر عطارد الألماس جوهر القمر الفضة، ومعلوم أن الناس لا يعرفون الذهب ألا ما يستخرج من المعادن، وكذلك الفضة والحديد والنحاس.
وإن الكواكب لا تخلق من المستخرجات من المعادن من هذه الأجناس، فإنها في
[ ١ / ٤٨٠ ]
جواهرها ليست كالتي في المعادن من هذه الأشياء في الكثافة والصلابة ونحوها، ولكن التباين بينهما شديد.
فإن جاز أن يخلق الله تعالى في السماء خلقا من ذهب أو ورق أو نحاس غير مستخرج من معاد الأرض والطف من المعدن أضعافا مضاعفة، فلم لا جاز أن يحدث في الجنة خمرا غير معتصرة من العنب ولبنا غير مستدر من ضرع، وزرابي لا من صوف مجزوز عن ظهر الغنم، وإن كان المعروف في الدنيا أن الخمر من العنب واللبن من الضرع، والزرابي من الأصواف التي على ظهر الغنم وبالله التوفيق.
فصل
إن سأل سائل فقال: إنكم تزعمون أن للجنة خزنة ورأسهم في رضوان، وللنار خزنة ورأسهم ملك، ويتلو في القرآن: ﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب﴾ فأخبرونا عن هؤلاء الخزنة، ماذا يفعلون؟ وعن من يخزنون والخزن فيما بيننا أن يكون حفظا لما يخشى عليه أن يؤخذ ويفوت على صاحبه، فمن الذي يمكن أن يأخذ من الجنة شيئا، فيفوته؟ ولئن كان ما في الجنة يخزن لأنه نعيم مرغوب فيها، فالذي في النار يخزن منها، وما الذي يدعو إلى خزنه؟
الجواب: أن خزن ملائكة الجنة نعيمها إنما يكون لأهلها، فكل واحد منهم يجعل إليه مراعاة قسط معلوم من تلك النعم لمن أعد له، حتى إذا وافى الجنة كان هو الذي يمكنه منه بأمر الله تعالى بخزنه إياها قبل التسليم هو مقامه على ملاحظة ما جعل بسبيله وانتظار من أهل له، واتصال ذلك إليه إذا حضر، وعرضه عليه على الوجه الذي يكون أسر له والترتيب الذي يكون أوقع بقلبه وأنغم بعينه، وذلك عبارة منه لله تعالى لأنه يأمره بعمل ما يعمل، فهذا خزن نعيم الجنة لاحفظها عن أحد يخاف منه عليها.
وأما خزن ملائكة النار فيحتمل أن يجزى كل واحد منهم بعض الأنكال والمقامع والأغلال والسلاسل لمعنى أن ينفرد به، فيكون هو المستعمل والواضع والرافع إلى الذين
[ ١ / ٤٨١ ]
يباشرون العذاب ويتولونه، فتكون مراعاة ذلك منه أيضا عبادة له لأنه بأمر الله تعالى يفعل ولا ينتقم لا أن هناك من يخش أن يأخذ شيئا منها ويفوت بها والله أعلم؟
فصل
إن سأل سائل عن قول الله ﷿: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾ فقال: إذا لم تكن الدار لا الجنة والنار، وكانت الجنة العالية والنار سافله، وليس في السفل شيء إلا النار، قال أين يريد أهل النار أن يخرجوا؟
قيل له: يحتمل أن يكون المعنى المعذبين منهم في جب من منهم أو موضع أغم من غيره أن قصدوا أن يخرجوا إلى صحصاح يكون الغم والألم فيه أقل، لم يتركوا وأعيدوا أن كانوا قد رجعوا قليلا إليه، وقد قال ﷿ في آية: كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم، أعيدوا فيها، فيقرب أن يكون هذا معنى الآية والله أعلم.
فصل
إن سأل سائل: عن المعذبين من أهل الكبائر، إذا خرجوا إلى الجنة كيف يصار بهم إلى الجنة؟ والأولون إنما أخبروا إليها على الصراط، أفيكون الصراط باقيا ما بقي في النار من المؤمنين أحدا! أو يعاد الآخرون أو يجعل لهم سبب سواه، فيخلصوا إلى الجنة.
قيل له: لم يبلغنا من أمر الصراط، وإن المؤمنين إذا جازوا عليه يرفع أو يترك إلى أن يجوز عليه آخر من يبقي منهم، خبر، وقد يحتمل أن يكون باقيا ما دام من المؤمنين أحد يعرض الجواز عليه، وإن أزيل عن مكانه، فقد يحتمل أن يرفع من يعفو الله عنه إلى السور الذي فيه الأعراف، وذلك بأن يصعد به ملك إليه، أو يجعل الله تعالى له سببا ما شاء بمن يعجزه الاجتياز فيرتقي من قبله إلى السور ثم ينزل منه كما ينزل أصحاب الأعراف وإذا أمر بهم إلى الجنة فيصيروا إليها والله أعلم.
[ ١ / ٤٨٢ ]
فصل
إن سأل سائل عن قول الله ﷿: ﴿عليها تسعة عشر، وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة، وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيمانا، ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون، وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون: ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾. وقال: ما تفسير هذه الآية وتأويلها؟
قيل له: إنما قال ﷿: ﴿عليها تسعة عشر﴾ التي هي إحدى دركات النار فإنه قال تعالى: ﴿سأصليه سقر وما أدراك ما سقر. لا تبقي ولا تذر. لواحة للبشر، عليها تسعة عشر﴾ فلا يمكن أن يقطع بأن ملائكة العذاب كلهم تسعة عشر إذا لدركات سبع وقد يمكن أن يكون كل واحد من هذا مثل هذه العدة أو أكثر.
فأما قوله: ﴿وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة﴾ فإنه يقال أن أبا جهل لما سمع عليها تسعة عشر هوى وقال لقريش أنا أكفيكم عشرة وأكفوني تسعة فأنزل الله تعالى: ﴿وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة﴾ أي التسعة عشر ليسوا بني آدم فيقاوم أمثالهم أو يقاوم الواحد عشرة منهم، وإنما هم ملائكة غلاظ شداد ينقلون المدائن، وينزلون من السماء إلى الأرض، ثم يرجعون إليها من نومهم، وقال: من قال لا يقاس الملائكة بالحدادين أي بالنحاسين من بين آدم إنكار المبالغة عن أبي جهل.
وأما قوله ﷿ ﴿وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن﴾ أي وما جعلنا أخبارك بعد أصحاب سقر إلا فتنة للذين كفروا، وقوله: ﴿ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون. وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾.
فيكون أخبارنا إياك بعدهم فتنة للكافرين والمنافقين، واستيقان المؤمن وأهل الكتاب، هو أن علم عدد هؤلاء الملائكة ليس من العام، ولا هو مما يوجد مثله عند العرب.
[ ١ / ٤٨٣ ]
فإذا أخبرت به أهل الكتاب ووجدوه موافقا لما عندهم، ازداد المؤمنون بك إيمانا لمعرفتهم بأن أحدا لم يخبرك به إلا الله جل ثناؤه واستيقن أهل الكتاب أن ذلك ينزل من الله تعالى عليك كما هو تنزيل من يقدمك، ولا يرتاب المؤمنون وأهل الكتاب بذلك، ولو لم يكن في كتبهم من هذا خبر، لأنهم إذا راجعوا عقولهم، علموا أن الله تعالى قادر على أن يقوي تسعة عشر ملكا ومن دونهم على تعذيب عالم من الناس، وأنه لم يقصرهم على هذه العدة إلا لحكمة كانت له فيها، ولكنه استأثر بها ولم يطلع عليها خلفه فلم يوقع فله العدد الذي أخبرناك به رتبة في قلوبهم.
﴿ويقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾ أي ليقولوا: هذا مثل وليس بحقيقة، فما أراد الله بهذا، وليستعدوا أن يكون الذين يوردون سقر على كثرتهم، بلى يعذبهم تسعة عشر ملكا، فأخبارك بهذه العدة يجري مجرى سائر ما أنزلناه عليك اختبارا لقومك، ليظهر المؤمن المستيقن من المرتاب والمشكك وتثبيتا للذين آمنوا وتقوية لعزائمهم والله أعلم.
فصل
إن قال قائل: أليس الله بكل شيء عليم؟ قلنا: بلى! قال: أفيعلم مبلغ حركات أهل الجنة وأهل النار؟ قيل: إنها لا مبلغ لها، وإنما يعرف مبلغ ما يكون له مبلغ. فأما ما لا مبلغ له فيستحيل أن يوصف بأنه يعلم لها مبلغا.
يقال لهذا القائل هل يعلم الله مقدارها كلها؟ فإن قال: لا كل لها. فيقال: إنه يعلم. قيل له: وكذلك لا كل لحركات أهل الجنة وأهل النار. قيل: إنها لا مبلغ لها وإنما يعرف مبلغ ما يكون له مبلغ. فأما ما لا مبلغ له فيستحيل أن يوصف بأنه يعلم لها مبلغا.
يقال لهذا القائل. هل يعلم الله تعالى مقدوراته كلها. فإن قال: لا كل لها. فيقال إنه يعلمه. قيل له: وكذلك لا كل لحركات أهل الجنة وأهل النار معلمه وبالله التوفيق.
[ ١ / ٤٨٤ ]
فصل
إن قال قائل: ما أنكرتم أن أهل النار لا يبقون في النار معذبين أبدا، لأن الله ﷿ عدل في حكمه، وليس من العدل تعذيب قوم أنبوا نوبا متناهية بعذاب غير متناه. وإذا لم يجز ذلك، فليس إلا أن يبقوا فيها قدر ما يكون جزاء لهم بأعمالهم، ثم يكونون فيها غير معذبين ولا متألمين. وكذلك أهل الجنة يثابون بأعمالهم، ثم يؤول أمر الفريقين في السكون الدائم.
فالجواب: أن مقدار الذنب لا يعرف بالمدة لأنه لو كان كذلك لوجب أن تكون الذنوب كلها أكبر من الكفر، لأنه يقع بالخطرة تسكن النفس إليها، واللحظة واللفظة، ولا ذنب أقل اقتضاء للمدة منه.
وفي ثبوت أن لا ذنب أعظم من الكفر، ما أبان أن الذنوب لا تقدر بالمدة، وأيضا فلو كانت أقدار الذنوب تعرف بالمدد لم يجز أن يكون لذنب ساعة إلا عقوبة ساعة، ولما جزا أن يعاقب الكافر على كفره يوما، أكثر من يوم. ولما جاز أن يزيد مقام الكافر الذي لم يكن في يوم الكفر يوما، ثم هلك في النار على قدر يوم من أيام الدنيا. فعلمنا أن الذنوب لا تقدر بالمدد، وإما تقدر بواقعها من سخط الله تعالى جده.
ألا ترى أن الزنا بحليلة الجار أعظم من الزنا بالأجنبية، والقتل في الشهر الحرام أغلظ منه في غيره، وضرب الوالد وشتمه أعظم من ضرب الأجنبي وشتمه، وزنا المحصن أغلظ من زنا غير المحصن. ومدة الأغلظ وغير الأغلظ في هذه الذنوب متفقة.
وإذا جاز أن يكون هذا هكذا في أحكام الدنيا جاز في أحكام الآخرة مثله. وهو أن لا ينظر إلى مدة الذنب، وإنما ينظر إلى موقعه من هتك الحرمة، وإذا نظر إلى ذلك لم يقدر قدر الكفر، لأن حرمة الله تعالى التي تهتك به، وليس لجلال الله وعظمته مدد تحاط به، ولا لحقوقه على العبد في الوجود قدر يشار إليه، ولا النعمة التي بذاتها عبادة في معاني الإحسان قدر يعبر عنه، فكذلك حرمته لا قدر لها في معنى الإشارة يعرف ولا حد لها يوصف. فجزاؤه إذا عذاب لا يقدر قدره ولا يمكن حده.
فمن هذا الوجه إستحق الكفار التخليد في النار، وإن كانت ذنوبهم في الزمان
[ ١ / ٤٨٥ ]
متناهية. وأما ما عدا الكفار فإن ما فيه من هتك الحرمة أقل لأن فاعله يعتده دينا، ويعتقد أن له تبعية، فيأتيه مترددا بين الخوف والرجاء، فكان في حال الدنيا مراعيا لبعض الحق، فأوجب ذلك أن يكون لجزائه قدر وجد، كما كان لدينه قدر وجد، من حيث كان في الجملة دون الكفر بدرجات كثيرة، فلذلك قلنا أن التخليد لا يقع لها وبالله التوفيق.
ويدل على أن نعيم أهل الجنة وشدائد أهل النار غير منقضية، أن نعيم أهل الجنة لو كان منقضيا لكان أهل الجنة أشد خوفا وحزنا لأنهم كانوا يخافون انقضاء نعيمهم فيحزنون له. وقد أخبر الله ﷿ أنهم ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ولو كان عذاب أهل النار منقضيا لكان في رجاء الانقضاء والخلاص واحد لهم في الحال، وليس في النار أمن ولا سرور، كما ليس في الجنة خوف ولا حزن. فثبت أن واحدا من الجزائين ليس بمنتقض والله أعلم.
ومن العلماء من قال: أن الله ﷿ إنما يدخل النار من يدخلها لأنه خلقهم منها، ويدخل الجنة من يدخلها لأنه خلقهم لها. والطاعة والمعصية علامتان يميز بهما المخلوق للجنة من المخلوق للنار، لأن النبي ﷺ قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" وقال: "ما أحد يدخل الجنة بعمله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته".
وقال الله ﷿ ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس﴾ ومن ذهب إلى أن هذا لم يلزمه السؤال الذي قدمت ذكره، لأنه يقول: بأنه خلق الكافر للنار، ولا يغني تناهي دينه في الزمان شيئا والله أعلم.
فصل
وكل معذب في الآخرة من كافر أو مؤمن، فإنه يميز بينه وبين من لا عذاب عليه عند
[ ١ / ٤٨٦ ]
نزول الملائكة عليه لقبض روحه، وفي حال القبض، وفي الموضع الذي تصار إليه روحه وبعدما تغير. قال الله ﷿: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم فيها تدعون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم، ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم﴾ فقيل: إن هذا عند حضرة الموت تبشرهم الملائكة بالجنة وتؤمنهم ما كانوا يخافون، ويعلمونهم أنهم كانوا كونهم في الدنيا ويوالونهم في الآخرة.
وقال في الكفار: ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق﴾ ويقولن لهم هذا تعريفا إياهم أنهم يقدمون على عذاب الحريق.
وقال ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم، أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون غير الحق، وكنتم عن آياته تستكبرون﴾.
فدلت هذه الآيات على أن الكفار يعرف عليهم في نزع أرواحهم، وإخراج أنفسهم، ويعرفون مع ذلك أنهم قادمون على الهوان والعذاب الشديد، كما يرفق بالمؤمنين، ويبشرون بما هم قادمون عليه من الأمن والنعيم المقيم.
وقال الله ﷿: ﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي علين، وما أدراك ما عليون، كتاب مرقوم، يشهده المقربون﴾ وقال: ﴿كلا إن كتاب الكفار لفي سجين، وما أدراك ما سجين﴾ فأبان جل ثناؤه: إن الكتاب الذي يشتمل على أن أعمال الأبرار يعلى به فيكون بمشهد المقربين، وذلك- والله أعلم- إشارة إلى أن روحه تعلو به إذا نزع من بدنه ليعرف المقربون أنه روح صاحب الكتاب، فيكون له بذلك شرف وفضل.
وإن كتاب الفجار يهوى به إلى أشد المحابس والسجون، وذلك عند جهنم المكتوبة تحت البحار الموارة بها، إلا أن يأذن الله في إبرازها، وذلك- والله أعلم- إشارة إلى
[ ١ / ٤٨٧ ]
روحه تهوي به فيكون حيث يكون كتابه وصحيفة عمله، ويشاهد من آثار ما هو قادم عليه ما يتعجل الغم والله أعلم.
وأما ما ينال المقبور فإن أوله ضغط القبر، يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "لو نجا أحد من ضغطه القبر لنجا سعد بن معاذ".
وجاء عن أبي سعيد الخدري ﵁: لو سمع أحدكم ضغطة القبر لجزع أو قال يجزع، وقيل في قول الله جل ثناؤه: ﴿ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر﴾ المراد عذاب القبر. وفي قول الله ﷿: ﴿والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون﴾ دليل على أن لهم عذابا وأصلا إليهم يوم الموت.
وفي قصة بدر أن النبي ﷺ وقف على القليب الذي قد طرحت فيه جيف القتلى من المشركين، فناداهم "يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، حتى عده. هل وجدتم ما وعدكم ربكم حضا، فقيل له يا رسول الله: أتنادي أقواما موتى. فقال: والذي بعثني بالحق، أو قال: والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم".
وفي حديث آخر أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير.
أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول".
وفي حديث آخر أنه مر بقبر فقال: "لا دريت، فسئل عن ذلك فقال. أنه سئل عني، فقال: لا أدري، فقلت: لا، دريت".
وعنه ﷺ أنه قال في حديث ذكره: "ولقد أوحى إلي أنكم تفتنون في قبوركم، يولى أحدكم في قبره، فيقال: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم. فأما المؤمن فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى. فأجبناه واتبعناه، فيقال له: علمنا أنك
[ ١ / ٤٨٨ ]
تقول فيهم صالحًا، فأما المنافق المرتاب فيقول: لا أدري، فيقال له: لا، دريت، ويغلظ له في قبره".
فقد أثبتت هذه الأخبار وغيرها أن الموتى يسألون عن دينهم إذا قبروا، وفي بعضها أن ملكين يدعيان منكرا ونكيرا، يأتيان الميت فيسألانه والذي يشبه أن تكون ملائكة السؤال جماعة كثيرة يسمى بعضهم منكرا وبعضهم نكيرا، فيبعثون إلى كل ملك منهما إثنان كما كان الموكل عليه للكتب أعماله في حياته ملكان.
فإذا انقضى السؤال، فمن أصاب الجواب أفلح، ولم يكن عليه بأس إلى يوم القيامة، ومن أخطأ وزل، ضرباه بعمود يصير بدنه منها نارا ثم تخمد بإذن الله، بهذا جاءت الرواية.
ومن كان من هذه الطبقة، فأمرهم يختلف، لأن الله ﷿ قال في قوم نوح مما ﴿خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا﴾ وظاهر ذلك أنهم عوجلوا بالعذاب، وقال في فرعون: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا، ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾. هذا دون ما دل ظاهر الكتاب عليه من حال قوم نوح صلوات الله عليه، لأن ذلك إنما يدل على إدخال النار.
وهذا على العرض على النار، وقد روينا عن النبي ﷺ أنه قال في المعذبين ما قال، وفي ذلك دلالة على أن أجاب الملكين بجواب المسلمين، فإنه إذا كان مختلطا لم يسلم في القبر من عذاب كان في الآخرة معذبا، وليس يكون في المسلمين مذنب يداني قوم فرعون، فإذا كانوا لا يرادون على العرض على النار وجوبا أن يكون عذاب المسلم المخلط دون ذلك أيضا بدرجات كثيرة والله أعلم.
ولم يعلمن أهل السنة خلافا. إن عذاب القبر حق، وإنما تكلم الناس في كيفية التعذيب وفيما يصل إليه العذاب من الشخص المعذب، وإلا ظهر أن السؤال والتعذيب لا تكون إلا مع الأحياء.
وقيل في الاحتجاج لهذا أن الله تعالى أخبر عن الكفار، وأنهم يقولون يوم القيامة
[ ١ / ٤٨٩ ]
﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين، فاعترفنا بذنوبنا، فهل إلى خروج من سبيل﴾ وأنهم أرادوا بإحدى الأماتتين. الموت المعروف، وبالأمانة الثانية الموت بعد الأحياء في القبر للسؤال والتعذيب. وبإحدى الإحيائين، الأحياء في القبر للسؤال والتعذيب، وبالأحياء الثاني الأحياء يوم القيامة.
فإن قيل: فإن من تعذب غدوا وعشيا يجيء كل غدو وعشي، وهذا يزيد على الرب فضلا عن اثنتين.
قيل له: قد قال بعض العلماء في ذلك أن الأحياء في القبر إنما يكون لأدنى جزاء يحتمل الحياة والعقل، فإن كان ذلك كما قاله هؤلاء فلا حرر من أولى، فهذا الحكم من القلب الذي كان من قبل أن يموت ينبوع حياته، ومحل عقله وفهمه.
وقال النبي ﷺ: (إن في الجسد لمضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) فيسيل ويعذب بم يشاء ويعذب أن كان أهلا للتعذيب، ويكرم إن كان أهلا للتكريم، ثم لا يمات ما دام الله يريد تعذيبه، وإنما يمات إذا رفع العذاب عنه إلى يوم القيامة، فلا يكون الموت على هذا أكثر من اثنين والله أعلم.
ومن قال هذا، قال: قد يجوز أن يكون قوم نوح اغرقوا ببعض البحار، والبحر نار يوم القيامة، فعل ما غرقوا فيه جفت عليهم نارا، فصلتهم قبل النيران لا قبل المياه والله أعلم.
ولا أعلم لهذا القائل في تخصيصه بعض أجزاء الميت بالأحياء غرضا صحيحا، فإن كان إنما فرضى أن جميع الميت إذا أحيي، فلا يخلو من أن يترك حيا، ما دام الله يريد تعذيبه. أو يحيي كلما عذب وأميت، فإن نزل حيا فلا فرق، وإذا بين المقبور بين المنشور، وإنما هو كالذين على ظهر الأرض، إلا أنه لا يطعم ولا يشرب. وإن أحيي ثم أميت ثم أحيي ثم أميت، لم يكن هذا اماتتين ولا إحياءين. ولكنه يبلغ عددا أكثر لا يحصيه إلا الله جل ثناؤه.
فهذا كله في البعض موجود، ولأنه إذا أحيى منه أقل خبر يحتمل الحياة والعقل، لم
[ ١ / ٤٩٠ ]
يكن هذا الجواب، لأنه ليس كل من يفهم ما يقال له يقدر على الجواب، ولكنه يتاج مع هذا إلى أن يطلق له آلة الكلام كما أطلقت له آلة الفهم ثم إن كل أحيى آلة للفهم وآلة الكلام، لأن السؤال والجواب من دونهما مستحب، فليحيى كله، لأنه إذا جاد في الجواب عن الحق ضرب بعمود يلتهب منه، وفي هذا ما دل على أن الأحياء ينبغي أن يعم جميعه أو يخص بالعذاب قلبه ولسانه وذلك أمر غير معقول والله أعلم.
وهذه الطريقة التي شرحناها هي لمن لا يثبت إلا الروح والبدن. فأما من قال: أن الإنسان له أجزاء نفس وروح وبدن، وإنه يقول: إن نفس الحي هي الموصوفة بالعلم والجهل والغم والسرور واللذة والألم، وإذا فارقت البدن مات البدن لأنه يصير بغرض الفساد والبلى بعدما كان بغرض التيسر والنمو. فأما النفس عددها فإنها تبقى حية تعلم وتفهم وتتلذذ وتتألم مما يعمها ويسيرها، وهي في هذه الحالة أشبه بالملائكة منها إذا كانت مجاورة البدن الطاعم الشارب الناكح.
فمعنى السؤال في القبر أن يحبس هذه النفس بعد خروجها من البدن، وتورد معه القبر حتى يحضر الملكان فيسألها وهي على صورة بحيال قلبه. فقال: ﴿ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها﴾ فإن ظهر لهما منها الفجور، علما بأن البدن إنما كان يتصرف فيما يأتمره به النفس الفاجرة، فأي شيء فعلا مما يجري مجرى الإهانة، فإنه وإن وقع بالبدن.
فإن النفس التي هي تتعذب بما يخلص إليها من الكرب والخوف، ويقع لها من العلم بأنها إذا أعيدت فيه يوم الجزاء تعذبت معه بما يصل إليه من الشدائد كما تنعمت معه في الدنيا بما وصل إليه من الملاذ، وإن ظهر لهما منه البر انصرفا عنه.
ألا أنه إن كانت للميت ذنوب يريد الله تعذيبه عليها في الآخرة، فإن النفس هي تعذب وهي محبوسة في القبر، بلى البدن أم لم يبلى، ويعرض على النار أو تجر بما هي لا فيها، فتكون مكروبة مغمومة بذلك ما شاء الله تعالى جده.
وقد يمكن أن تخرج النفس من القبر إذا انقضى السؤال وتورد مورد أمثالها، فتكون في تنعم به من البشارات والاطاعات وتغم به التخوينات والتوبيخات هناك إلا أن
[ ١ / ٤٩١ ]
ذلك كله يسمى عذاب القبر، بمعنى أنه العذاب الذي يكون ما دام الميت في القبر لم ينشر منه لم يجمع بينه ويبن ما غاب عنه والله أعلم.
ومن قال هذا، قال: إن العذاب لا يسبق الحساب، ولو كان الله ﷿ معذبًا قبل الحساب لم يمت بعد، ولينقله عند انتهاء مدته إلى مكان الجزاء الذي أعده له، ويفعل ذلك بالواحد بعد الواحد من غير إمهال وتأخير. فلما أخبر ﷿ أنه: ﴿جامع الناس ليوم لا ريب فيه﴾ ومحييهم وباعثهم ومحاسبهم وجازيهم بما تنطق به كتبهم وصحف أعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر وذلك بعد أن توزن. وتميز بين (من) ثقلت موازينه وبين من خفت موازينه، علمنا أن الذي سبق هذه الأمور بعد الموت هو السؤال ثم التبشير والإنذار والتخويف والإيمان والإطماع في الجنة، أو العرض على النار.
وهذه كلها مما يكفي النفس لها، وليست تحتاج إلى البدن فيها، وإنما تحتاج إليه إذا جاء الوقت الذي يوفى فيه الموعود من تغريق في الهوان، أو تقليب في نعيم الجنان، ويدل على ذلك أن الأخبار وإن جاءت بعذاب القبر فليس في شيء منها إن من لا عذاب عليه يطعم أو يسقى أو يلبس في قبره، فعلمنا أن ما تأجل في ذلك للمحسن، فإن خلافه أيضًا يتأجل للمسيء، وإن التعجيل للفريقين ما ذكر والله أعلم.
ومن قال هذا، قال: معنى أمتنا باثنتين وأحييتنا اثنتين، امتنا بارسالنا من اصلاب آبائنا نطفة ميتة، ثم أحييتنا في أرحام أمهاتنا، هم أمتنا في الدنيا ثم أحييتنا يوم القيامة ويحتمل أن يقال أن الميت كلما يحيى للسؤال لأنه إنما يقع في البدن الذي يعم النفس والبدن.
فإذا انقضى السؤال فالجواب أميت ولعل معنى ذلك- والله أعلم- إن الميت قد حول من ظهر الأرض إلى بطنها الذي هو الطريق إلى الهاوية، فيوقف في قبره ويحيى ثم يسأل، فإن وجده الملكان من الأبرار عرجت الملائكة بنفسه وروحه إلى عليين وكان ذلك نظيرا أن يوقف في المحشر على تشفير جهنم، ويستعرض عمله، فإذا وجد في الأبرار أجيز على الصراط، وإن وجده الملكان من الفجار هوت الملائكة بنفسه وروحه إلى
[ ١ / ٤٩٢ ]
سجين، وكان ذلك نظير أن يوقف في المحشر على شفير جهنم، فإذا نظر في عمله فوجد من الفجار التي في النار.
فأما ما وراء ذلك من عذاب أحدًا من المسلمين لا تداني ذنوبه ذنوب آل فرعون، فإذا كان الله ﷿ لم يعاملهم قبل الآخرة بأكثر من العرض على النار دون إحساسها أبدانهم، رجونا من فضله ورأفته أن لا يمس مسلمًا نارًا قبل أن يورده الآخرة، وكل ما دون ذلك من إرغاب وتخويف وتعريض للحسرات والندامات، أو خلاف ذلك من أطماع وتبشير وإعلام بالمحاب والمسرات، فإن النفس لا تحتاج في الإجابة إلى البدن فيكون ما يكون لها وعليها والله أعلم.
وفي هذا الرأي جمع بين القولين الذين سبق أيضا ضمهما، فيكاد من هذا الوجه أن يكون وسطًا والله أعلم.
وإنما نذكر هذه الوجوه إزاحة لما عسى يعترض به الملحدون وينسبون إليه أخبار الديانات وحبيها بالامتناع إليه فيا لعقول، لكن له مكان الوجه الواحد أوجهًا، وإلا فالأولى بالمسلم الإيمان بما يثبت عنده عن النبي ﷺ، والتسليم له دون أن يتوقف في ذلك إلى أن يبين له وجهه.
فإن الصحابة قبلوا عن النبي ﷺ ما أخبرهم به وأنذرهم إياه من عذاب القبر وغيره، ولم يراجعه فيه منهم أحد، ولا سأله عن وجهه وكيفيته، فكذلك ينبغي لمن بعدهم أن يفعل فيكون التابعين لهم بإحسان وبالله التوفيق.
فصل
إن سأل سائل عن معنى ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه).
قيل له: هذا حديث رواه عمر بن الخطاب ﵁، وابنه عبد الله يزعم ولما بلغ عائشة ﵂ قولهما، قالت انكم لتحدثون من غير كاذبين، ولكن السمع قد يخطئ، إن الله أضحك وأبكى، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
[ ١ / ٤٩٣ ]
وكذلك قال ابن عباس ﵁ وفي رواية أخرى قالت عائشة: إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية فقال: (إنكم لتبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها) ولكن للحديث وجوهًا إذا حمل عليها خرج خروجًا حسنًا.
ولم تقع ضرورة إلى تغليط عمر وابن عمر مع فضلهما وكبر محلهما، أحدهما: أن أهل الجاهلية كانوا يوصون بأن يناح عليهم إذا ماتوا وتذكر أحوالهم ومقاماتهم، فكان إذا مات أحدهم بكى عليه أولياؤه، وأقاموا عليه النوح، يذكرون أعماله وعاداته، وحروبه وركوبه المحارم من النساء، وغيرهن، فقل إنما قال النبي ﷺ: (الميت يعذب ببكاء أهله عليه) إذ بكاؤهم عليه بوصيته وعلى الوجه الذي بينته.
وقيل قد يجوز أن يكون الميت قد استحق عذابًا بذنوبه غير أن الله تعالى قضى أن أهله إن بكوا عليه عذبه بذنوبه، وإن تركوا البكاء عليه ترك تعذيبه ثوابًا بصبرهم، ويبلغ النبي ﷺ: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) كي إذا سمع أهل الميت هذا وعرفوه تركوا البكاء عليه وارتدعوا كما يكون سبقًا لإيصال العذاب إليه.
ويقال يعذب ببكاء أهله عليه، وإن بكاؤهم عليه إن لم يكن مؤمنًا لتعذيبه، فقد كان سببًا لتعذيبه بذنبه، فيجوز في الكلام أن يقال عذب ببكاء أهله وهذا تأويل يليق بالمسلمين خاصة، لأن الله تعالى يترك تعذيب الكافر بصبر أهله عليه عن البكاء عليه، ولا يعرض أهل الكفار أيضا من صبرهم أن لا يعذب ميتهم.
وقيل: المعنى أن المختصر إذا رأى أهله يبكون عليه البكاء المفرط، فأعجبه ذلك منهم فسكت وأراد عنه ليثيبوا عليه رضاء منهم بصنيعهم، وقد كان قيمهم وصاحب أمرهم فكان عليه زجرهم عما لا يجوز، فلما لم يفعل، قام ذلك مقام لآمر به، فلذلك عذب.
[ ١ / ٤٩٤ ]
وقيل: سواء كان المعنى هذا، والوصية بالندبة والنياحة، فليس في هذا الحديث إلا أنه يعذب ببكاء أهله عليه، وليس فيه متى يعذب فقد يجوز أن يكون المعنى يوم القيامة، وليس يجب البحث عن معنى هذا الحديث للوقت. فإن التعذيب في القبر ليس بمتنكر.
وقد جاء في اليهودية أنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها، وإنما يجب الوقوف على معنى تعذيب الميت ببكاء الحي عليه. وقد ذكرنا من ذلك منا ما فيه الكفاية وبالله التوفيق.
[ ١ / ٤٩٥ ]