وهو باب في طاعة أولى الأمر بفصولها
قال الله ﷿ ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ واختلف في أولي الأمر. فقيل: هم أمراء السرايا. وقيل: هم العلماء، ويحتمل أن يكون عامًا لهما وإن كان خاصًا فأمر السرايا أشبه بأن يكون المراد لأن ذا الأمر هو الأمير، كما أن ذا المجد هو المجيد، وذا القرب هو القريب. فلما كان العالم فيما بين الناس لا يسمى أميرًا، ويسمى ولي أمر الجيش أميرًا، كان بما جرى في الآية من ذكر أولي الأمر بأن يصرف إلى آمر السرايا، أولى منه بأن يصرف إلى العلماء، والله أعلم.
وجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني). وجاء: (اسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة).
وروي عن عمر ﵁ أنه كان إذا نهى الناس عن أمر دعا أهله، فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا وإنما ينظر الناس إليكم نظر الطير إلى اللحم، فإن هبتم هاب الناس، وإن رفعتم رفع الناس، والله لا يقع أحد منكم كما في أمر نهيت الناس عنه إلا أضعفت له العقوبة لمكانة مني.
والأصل في هذا الباب أن طاعة الله تعالى لما كانت واجبة كانت طاعة ملكهم شيئًا من أمور عباده واجبة وهم الرسل صلوات الله عليهم. وإذا وجبت طاعة الرسول ﷺ
[ ٣ / ١٤٨ ]
بهذا المعنى وجبت طاعة من تملكه الرسول ﷺ شيئًا مما ملكه الله تعالى بأي اسم دعي، فقيل له: خليفة وأميرًا وقاضيًا أو مصدقًا، أو من كان وأي واحد من هؤلاء وجب طاعته كان عامله ومن تملكه شيئًا مما يملكه مثله لقيام كل واحد من هؤلاء فيما صار إليه من الأمر منزلة الذي فوقه إلى أن ينتهي الأمر إلى من له الخلق والأمر، وليس فوقه أحد، وهو الله رب العالمين. وفي هذه حياة الرسول ﷺ. فأما إذا توفاه الله تعالى إلى كرامته من غير نص على إقامة أحد من بعده فوجب على أهل النظر من أمته أن ينتخبون إمامًا يقوم فيهم مقامه، وبمعنى فيهم إحكامه لأن منزلتهم جميعًا إذا مات عن غير خليفة له فيهم كمنزلة من ناب داره عنه في حياته، فلما كانت سنة في أهل البلاد القاضية أيام حياته أن يؤمر عليهم أميرًا وينفذ إليهم قاضيًا، دل على أن خلق الجماعة بعد وفاته لا عن أحد استخلفه عليهم، أن يكون لهم فيما بينهم من يقوم مقامه، وينفذ أحكامه.
فإن قيل: أنه ﷺ كان يؤمر للأمر في حياته، فإذا مات من غير تأمير، فمن الذي يؤمر؟ ولو كان لأحد أن يؤمر بعد موته لكان ذلك التؤمر بنفسه أميرًا، ويستغني عن تأمير غيره، فإذا لم يكن بعده واحدًا منهم مالك أمر، فكيف يكون له أن يؤمر غيره.
والجواب: أن على جماعة المسلمين أن يكونوا يدًا واحدة، وكلمتهم متفقة وأن تكون أحكام الله جارية بينهم، وحدوده مقامة فيهم، وجهاد أعدائه موجودًا منهم، وهم من ذلك مجبولون على اختلاف الآراء والهمم. فإن تخلوا عن إمام يضمهم ويقوم عليهم لم يكد يصف بعضهم بعضًا، ولم يؤمن أن يكسلوا عن إقامة الصلوات في الجماعات ويستحبوا بالزكوات ويقعدوا عن الجهاد، ويعطلوا الحدود، فيكثر الفساد وتشيع الفواحش، وإذا كان فيما بينهم إمام قد يقبلوا طاعته قام عليهم وساسهم ودبر أمرهم واستوفى منهم حقوق الله تعالى، وأقام عليهم حدوده، ونفذ فيهم أحكامه وأمرهم فأطاعوه ودعاهم إلى ما فيه صلاحهم فأجابوه. فصح أن بهم الإمام أشد الحاجة، إذ كان لا يتهيأ لهم أن يحفظوا دين الله فلا تصنيع شريعته ولا تدرس إلا به. وإذا صار الإمام لما وصفناه من حقهم لم يجز أن يكون يدبر حقوقهم، خارجًا من بينهم، لأنه إذا خرج من بينهم فليس وراءهم إلا أضدادهم، ولا يجوز أن يكون تدبر حقهم إلى أضدادهم فثبت بذلك أن اختيار الإمام ونصبه إليهم، إذا لم يكن فيهم رسول من الله تعالى يتولى أمرهم يعلم فوق علمهم بنظر
[ ٣ / ١٤٩ ]
أشد وأقوم من نظرهم. وكان إخراج الله تعالى إياهم إلى الإمام ثم تركه النص به على واحد منهم لعينه إذنًا من الله تعالى لهم في أن يعملوا في اختياره ونصبه بما لا يقدرون على غيره ولا على أكثر منه. فإن ذلك إذا لم يكن لزمت الحاجة واشتدت الضرورة ولم يؤخذ على ما يرفعها إلا أن تدرس المسألة وتذهب الشريعة لا يجوز أن يفرض الله تعالى على عباده فرضًا، ولا يحل لهم سبيلًا إلا بإمام.
دل ذلك على أن لهم أن ينتهوا فيه إلى أقصى ما يطيقونه من التحري والاختيار، ثم لينصبوه، ولا يمنعهم من ذلك إذا اجتمعوا أن كل واحد منهم لا يملك بأميره غيره، إذ لو ملك بأميره غيره لكان أميرًا بنفسه، لأن الاجتماع قد يغير حكم الانفراد. وكذلك صلاة الجمعة يجتمع أهل المصر عليها فينادي ويصيح منهم، ولو زاد كل واحد منهم الإفراد بهما لم يجز. فلا ينكر أن تكون الجماعة إذا اعتقدت الإمامة لواحد يعتقد، وصار إمامهم وإن كل واحد منهم لا يملك من الأمر على الانفراد شيئًا وبالله التوفيق.
وصارت منزلة ما قلنا من أن الحاجة إذا وقعت إلى الإمام وعدم النص وجب العلم فيه بما يمكن منزلة، ما أجمع المسلمون عليه من الله ﷿ لما فرض على الناس من البيت استقباله إذا صلوا، ولم ينص لهم على مثال يجدونه ليفهم أن ينتهوا في معرفة القبلة إلى أقصى ما يقدرون عليه، فصاروا إلى الاستدلال بمهب الرياح وبالجبال وبالشمس والنجوم. لأنهم لم يستطيعوا أكثر منه. فكذلك إذا خلوا عن الرسول ﷺ واحتاجوا إلى الإمام، ولم يكن عندهم إلى أحد نص، لزمهم أن يصروا في تعيين من يتولى أمرهم إلى أقصى ما يقدرون عليه من التحري ثم يعملوا عليه، والله أعلم.
فإن قيل: إن الذي أشكلت عليه القبلة بمثل حال غيبته، بحال حضرته لجميع بعض الإدارات بين حاليه، والمستدلون على الإمام لا يمثلون الذين يختارونه بغيره بجمع وصف أو أوصاف بينهما.
قيل: قد بان أن يقال أنهم يفعلون ذلك لأن النبي ﷺ ما عاش فهو الإمام، فإذا صار إلى ما أعد الله له من كرامته كان أولى الناس بأن يقوم مقامه، من يكون أشبه من معاني الصلاح والاستصلاح به. وذلك يعرف بالاجتهاد. على أنه بهذه الصفة كان بأن يؤمروه على أنفسهم أحق.
[ ٣ / ١٥٠ ]
فإن قيل: كيف يجوز أن يصح هذا؟ فالنبي ﷺ إن كان فيهم وليهم بالنبوة، والنبوة لا توجد فيمن تقام مقامه من بعده، ولا يمثل شيء بشيء ليحكم له بحكمه، إلا بعد أن يكون معنى الأصل موجودًا فيه.
قيل: والكعبة إنما تستقبل عند الحضرة بالعيان والعيان نابت مع الثاني، ثم لم يمنع ذلك من تمثيل حال الغيبة بحال الحضرة، إذا أجمعت بعض الإمارات التي لا تختلف دلالتها بين الحالين. فلذلك النبي ﷺ. فإن كان يطاع ويتبع للنبوة، فإن النبوة إن لم توجد فيمن يجتمع عليه من بعده، فلذلك لا يمنع من يمثله في وجوب الطاعة به إذا قدر من معاني الصلاح والاستصلاح فيه ما كان مستيقنًا منهما في النبي ﷺ، وبالله التوفيق.
فإن قيل: لو جاز أن يقام بعد النبي ﷺ أحد مقامه بالاجتهاد لم يقدر فيه من معاني الصلاح والاستصلاح، جاز أن يتخذ أحد في حياته إمامًا إذ ١ قدر فيه من معاني الصلاح والاستصلاح.
قيل: أيفعلوا؟ فمن قال؟ ولو جاز أن يصلي عند النأي عن البيت إلى جهة من الجهات، أتقدر ببعض الأمارات من أن القبلة فيها، لجاز أن يصلي عند الحضرة بمثل هذا الاجتهاد، لا يتكلف العيان، وإن كان ممكنًا فيتطرق بهذا إلى المنع من الصلاة في حال تعذر العيان. فالاجتهاد، فإن كان هذا لا يلزم ولا يدل المنع من التحري عند إمكان العيان على المنع منه عند العجز عنه، فكذلك ما قلتموه لا يلزم، ولا يدل المنع من نصب الإمام الاجتهاد في حياة النبي ﷺ على المنع منه بعده وبالله التوفيق.
فصل
وإذا أراد الاجتهاد نصب إمام حين لا إمام لهم، فأول شرائط الإمام أن يكون من قريش، والثاني أن يكون عالمًا بأحكام الدين، يصلي بالناس فلا يؤثر في عوارض صلواته من جهل مما يحتاج إليه في إتمام صلاته، ويأخذ الصدقات فلا يؤثر فيها من جمل بأوقاتها وأقدارها ومعارفها، والأموال التي فيها ويقضي بينهم فلا يؤثر فيما ينظر فيه بين الخصمين ويفضل به بينهما من جهل ما يحتاج إليه. ويجاهد بالمسلمين في سبيل الله ﷿، فلا
[ ٣ / ١٥١ ]
يؤثر في استعداده وخروجه وملاقاته وما يغنمه الله تعالى من مال المشركين أو يفيء عليهم أو يعلقه بخيل من رقابهم، ولا جبن ولا جور ولا جهل بما يلزمه أن يعمل ويشتهر به فيه، وينطر في حدود الله تعالى إذا رفعت إليه فلا يؤثر فيها من جهل بما يدرأ منها، أو يقيم ويتولى الصغار والمجانين والغائبين وحقوقهم، فلا يؤثر فيها من جهل فيه النظر والغبطة لهم.
والثالثة أن يكون عدلًا قيمًا في دينه وتعاطيه ومعاملاته. فأما اشتراط النسب، فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (الأئمة من قريش) وأنه قال: (قدموا قريشًا ولا تقدموها ولولا أن تبطر قريش لاخترتها بما لها عند الله تعالى).
فإن قيل: هل اشترطتم أن يكون الإمام من بني هاشم لما يروى عن النبي ﷺ: (أن الله اصطفى كنانة من العرب، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى هاشمًا من قريش، واصطفاني من بني هاشم). فإذا كان الإمام هاشميًا كان أقرب شبهًا برسول الله ﷺ منه إذا لم يكن هاشميًا. وإن كان من قريش.
قيل: لأن رسول الله ﷺ لما ذكر، وقد يجوز أن يكون تركه اشتراط بني هاشم للتوسعة، فإنه لا يؤمن أن يضيق اختيار واحد عن أن يوجد فيهم عند الحاجة من أهل الشرط من تنزاح به العلة وتنشد به الخلة، فيجتمع الناس في إمامهم أن يكون من رهط النبي ﷺ كما يكون في الفضائل المكتسبة وأشبه منه، والله أعلم.
وأما اشتراط العلم بأحكام الصلاة والزكاة والجهاد والقضاء والحدود والأموال التي يتولاها للأئمة، فإنه لا يمكنه أن يقوم بحقها، والواجب إلا بعد العلم. وإنما يحتاج إلى الإمام لتكون معالم الدين حية، وأحكام الله تعالى بين عباده جارية. فإذا لم يكن عنده من العلم ما يتوصل به إلى ما يحتاج إلى الإمام لأجله، فوجوده وعدمه بمنزلة واحدة. وينبغي له أن يكون شجاعًا شهمًا، لأن رأس أمور المسلمين الجهاد، فإذا كان من يتولى
[ ٣ / ١٥٢ ]
أمرهم جبانًا، لا يمنعه ذلك عن مجاهدة المشركين، وحمله على أن ينزل عليهم كثيرًا من حقوق المسلمين مكان ما يبصرون به أكثر مما ينتفعون. وقد علم أن الجبان، لقتل الذي لا يؤمن بجدل المسلمين في الحرب لا يستعان به. ويميز عن حرب المسلمين إذا اختلط بهم. فكيف يجوز أن يكون رأسهم وقائدهم، ما هذا شرطنا الشجاعة والصرامة والله أعلم.
وأما اشتراط العدالة، فلأن الإمام إذا كان يتولى حقوق الله تعالى وحقوق المسلمين فإن قبضه منصب الإمامة ائتمان له على هذه الحقوق، ولا يجوز أن يؤتمن على حقوق الله تعالى من ظهرت خيانته له. ألا ترى أن له أن يحاكم إذا أراد أن يستودع أحدًا مال يتيم لم يجز له أن يستودع من قد ظهرت خيانته في أمثاله، فكيف يجوز للأمة أن تأتمن على حقوق الله تعالى وحقوق عباده من ظهرت خيانته لأن الفاسق ناقص للإيمان، فلا يجوز أن يشرف بالتولية على المسلمين، الذين فيهم من هو كامل للإيمان، أو أقرب إلى كماله منه كما لا يجوز أن يولي شيئًا من أمور المسلمين كافر أو لأن الفاسق لا يرضى للشهادة، فكان بأن لا يرضى للحكم الذي هو أرفع منزلة من الشهادة أولى. وإذا لم يرض للحكم كان بأن لا يرضى بالإمامة التي هي أجمع من الحكم أولى والله أعلم. ولأنه إذا لم يصلح نفسه إما بصنيعها له أو عجز عن إصلاحها فيما طرأ أن يكون لمن يحوي في الإفساد مجراه أكثر تصنعًا، ولا عن صلاحه أشد عجزًا. ومن كان مميزًا بهذه المنزلة فهو أبعد الناس من موقف الأئمة وبالله التوفيق.
فقد جاء في الإمام المقسط والجائز أخبار. قال رسول الله ﷺ: (إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسًا إمام عادل. وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابًا إمام جائر). إن المراد بقوله وأشدهم عذابًا أي: أشد الأبغض أشدهم عذابًا، وإن المراد بقوله: (أقربهم مجلسًا)، أي الأحب أكثرهم كرامة وأحسنهم ثوابًا.
[ ٣ / ١٥٣ ]
فصل
وإذا استجمع الواحد الشرائط التي سبق ذكرها نظر: فإن كان الذي يقدمه فلانه في حياته ما يتولاه، إما استخلافًا إياه عند عجزه عن القيام بما عليه فيه. وإما انخلافًا إليه منه على النظر للمسلمين، فذلك نص ماض منه، ولا اعتراض عليه فيه. وإن كان أوصى له بالولاية بعد موته، مالا ظهر إن ذلك جائز، وقد يحتمل غيره. وإن استخلف إمام على جميع ما إليه من أمور الأمة رجلًا مثله قيضه منصب نصبه من عجزته عن مناشر ما إليه فالأشبه أن ذلك غير جائز، لأن ذلك لو جاز لكان للناس إمامان ويلك كل واحد منهما عزل الآخر على النظر للمسلمين، ولا يجوز أن يكون لهم إمامان، لأن ذلك يؤدي إلى التخرب والتفرق. وإنما احتيج للإمام للجمع ورفع التفرق. فإذا كان نصب إمامين يؤدي إلى التفرق، كان ذلك أضرب من أن يكون للناس إمام. فصح أنه لا يجوز أن يكون لهم إلا إمام واحد.
وأما إذا عجز فاستخلف فجائز، لأن ترك الاستخلاف في هذه الحالة مضيعة، وللاستخلاف نظر وقيام بحق الإمامة، فإن استقل بذلك ورجع إلى حاله الأولى كان هو الإمام وانتهت خلافة خليفته. وإن استمر به العجز حتى مات استقرت خلافة خليفته، لأن نكبة الخلافة إذا كانت عجزه عما إليه، فكلما ازدادت الخلافة استقرارًا فلا عجز أشد من الموت، فوجب أن يتأكد أمر الخليفة بوقوعه.
وإما أن انخلع إليه من غير عجز فذلك جائز على النظر للمسلمين، وإن لم يكن هناك عجز بين، وهكذا إن لم يكن فيه ضرر بين ولا نظر بين. فأما إذا كان يعلم في الجملة أن دوام الأمر المستخلف خير وأصلح من انتقاله إلى من استخلفه، واستخلافه غير جائز، وإن لم يكن هناك ضرر بين يشار إليه. أما إذا كان للمسلمين في الاستخلافة من استخلف أدنى نظر، فإنما ذلك إنما جاز لدخوله في جملة ما تولاه. فإن الذي تولاه، أن ينظر للمسلمين ويختار لهم إلا عود عليهم والأنفع لهم. فلما كان ما صنع بهذه الصفة وجب أن يكون ذلك ماضيًا منه، وإن لم يكن للمسلمين فيه نظر بين ولا عليهم منه ضرر بين، فذلك جائز، لأنه لو دام على الإمامة لكان ذلك جائزًا، فكذاك إذا فعل ما يشبه
[ ٣ / ١٥٤ ]
دوامه عليها بأن انخلع منها إلى مثله، وجب أن يكون ذلك جائزًا، وأما إذا علم في الجملة أنه خير وأصلح من الذي انخلع إليه فذلك غير جائز، وأما إذا أوصى بالأمانة بعده لغيره، فقد يحتمل أن لا يجوز لأن إقامته كانت عن عقد، وتعرض عينًا هي بموته، ويرجع حق الاختيار ونصب الإمام إلى جماعة المسلمين. فإذا أوصى كان بالتوصية داخلًا عليهم في حقوقهم، فلم يجز، وإلا ظهر أن ذلك يجوز، لأن المسلمين محتاجون إلى الإمام ما داموا ودامت الدنيا. فإذا أوصى إلى رجل بالإمامة من بعده فقد كفاهم من بعده شغلًا، لو يم يكفهم لاحتاجوا إلى تكلف القيام به إلى جهد كبير. فوجب أن يكون ذلك منه ماضيًا. وإنما انقطع إمامته بموته أنه لا يقدر بعد الموت على التصرف فإذا قدر على أن تعرض بعد الموت فأزاحها كان ذلك إخلالًا في حق إمامته، وفي جملة ما أسنده المسلمون إليه لما ذكرنا من أن حاجة المسلمين إلى الإمام دائمة في عامة الأوقات والأحوال. فبأي شيء يشغل في أي حال كان؟ فإنه إذا قدر على أن يكفيهم فكفاهم ولم يخل ذلك من أن يكون واقعًا منه بحكم ولايته، فوجب أن يكون ذلك ماضيًا منه والله أعلم.
وقد يحتج لهذا بأن عمر ﵁ أوجب الأمر من بعده لما طعن لأحد ستة نفر: عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة وسعد والزبير، فبايعته الصحابة على ذلك، ولم يخرجوا الأمر من بينهم إلى سابع، فعلمنا أنه لو كان أوجبه لواحد منهم بعينه لكانوا إلى مبايعته أبدر، فأما استخلاف أبي بكر عمر ﵄ في مرضه، فقد يحتمل أنه كان استخلافًا بعد الموت، فكان وصية له بالإمامة، ويحتمل أنه استخلفه في الحال لعجزه عن القيام بما كان إليه، على أنه إذا مات استقر له الأمر، والله أعلم.
فصل
فإن لم يكن لمن جمع شرائط الأمانة عهد من إمام قبله، واحتيج إلى نصب المسلمين إياه فأشبه ما يقال في هذا الباب عندي وأملاه بالحق، أنه إذا اجتمع أربعون عدلًا من المسلمين أحدهم عالم يصلح للقضاء بين الناس فعقد، والرجل جمع الشرائط التي تقدم ذكرها للإمامة بعد إنعام النظر، والمبالغة في الاجتهاد، تثبت له الإمامة، ووجبت له عليها الطاعة، وينبغي أن يبدأ العالم الذي بينهم بالعقد ثم العدول الذي ليسوا في العلم
[ ٣ / ١٥٥ ]
والرأي مثله، وأصل هذا أن الصحابة لما اختلفوا في الإمام بعد النبي ﷺ، ثم اجتمعوا على أبي بكر ﵁، كان سبب اجتماعهم اشتقوا له الإمامة المطلقة العامة من إمامة الصلاة فقالوا: قدمه رسول الله ﷺ، فمن ذل يؤخره؟ وقالوا: رضيه رسول الله ﷺ لديننا فرضيناه لدنيانا! فكما وجبت مبايعتهم على تقديم أبي بكر، فالاعتراف له بالإمامة كذلك تجب مبايعتهم. في هذا الاستدلال واستباق حكم الإمامة المطلقة في الإمامة الخاصة، وهي إمامة الصلاة فيما تدعو الحاجة إليه. ثم إن وجدنا الصلاة تختلف، فمنها ما لا يجوز إلا بالاجتماع عليها، ومنها ما يجوز في حال الانفراد، فلم يصح اشتقاق حكم الإمامة التي لا يثبت إلا بالاجتماع عليها من الإمامة الصلاة التي تصبح من غير اجتماع وعليها وجب الاشتقاق حكمها من إمامة الصلاة التي لا يجوز الاجتماع عليها وهي صلاة الجمعة. وقد قام الدليل على أن صلاة الجمعة لا تنعقد للأربعين رجلًا، ثم إن الأربعون الذين تنعقد بهم الجماعة من شرطها أن يكون أحدهم إمامًا يتولى بهم الصلاة، والآخرون يتبعونه. فأوجبنا أن يكون أحد الأربعين يعقدون للإمامة المطلقة عالمًا يصلح مثله للقضاء، فيكون هو الذي يتولى الاجتهاد والنظر ويبدي رأيه للآخرين فيبايعونه.
فإن قيل: إن الصلاة التي اشتقت الصحابة إمامة أبي بكر ﵁ من إمامته فيها كانت غير الجمعة، وكانت من الصلوات التي يجوز الانفراد بها، وخبر كل صلاة جماعة باجتماع اثنين عليها، فيقولون أن الإمامة تثبت باجتماع عدلين على العقد.
فالجواب: أنهم إنا اشتقوا استحقاقه للإمامة المطلقة العامة من تقديم النبي ﷺ إياه للإمامة الخاصة. وليس إذا كان مستحقًا لها صار إمامًا، ولكنه إنما يصير إمامًا بأن يعقد له: فإن الإمام من يؤمر به لأمر يستحق أن يؤثم به فقط. فلم يجز إذا استدل باستحقاقه للإمامة في الصلاة المحتلمة للانفراد على استحقاقه للإمامة المطلقة أن يستدل بقيام إقامته فيها بواحد ينضم إليها على قيام الإمامة المطلقة بواحد أو اثنين، لأن العقد غير الاستحقاق، وهو منزلة بعده.
والذين عقدوا له لم يقيضوا حكمًا من عقد الصلاة المحتملة للانفراد لأنهم لم يروا أن واحدًا إذا تابعه فقد وجبت الإمامة له، وعندنا أنهم إنما اعتدوا إمامته إمامة بعد أن
[ ٣ / ١٥٦ ]
بلغ عدد المتابعين له أربعين، غير أن ذلك لم يظهر لأن الحاضرين كانوا أكثر من هذا العدد والذي بدله عمر ﵁ بالتبعة تابعه الآخرون من غير توقف، كما أنهم كانوا إذا صلوا الجمعة اجتمع عليها أكثر من أربعين أضعافًا كثيرة، إلا أن ذلك لم يكن يمنع من أن تكون صحة العقد متعلقة باجتماع أربعين دون من زاد عليها. فكذلك صحة تلك البيعة كانت متعلقة باجتماع أربعين دون من زاد عليها، ولأن صحة تلك الصلاة لم تكن تتعلق بالاجتماع وإنما كان يحتاج إلى الاجتماع عليها للفضل لا للصحة. فلم يكن الاستدلال في هذا الموضع لما قلنا، وجب الفرع إلى العدد الذي يحتاج إليهم بصحة الصلاة، وإنما توجد هذه العدة في صلاة الجمعة، فأوجب اشتقاق عدد الذين تنعقد بهم الإمامة من عدد الذين تنعقد بهم الجمعة ما تقدم بنا به والله أعلم.
فصل
وإنما قلنا ينبغي أن يكون الأربعون عدولًا لأنهم يعقدون على أنفسهم وعلى غيرهم من المسلمين، فلو جاز أن يكونوا فساقًا لجاز أن يكون من يعقدون له فاسقًا، وقد بينا أن ذلك لا يجوز فمما بدا لم يجز أن يكون الإمام فاسقًا لأنه يتولى أمور المسلمين ويعقد عليهم ما يحتاج إلى عقده، فكذلك الذين يعقدون له الإمامة ينبغي أن يكونوا عدولا ولا يجوز أن يكونوا فساقًا، وبالله التوفيق.
ذكر القهر وما قيل فيه.
قال قائل: أن أحدًا لا يكون إمامًا يجب طاعته وتصح توليته، وعزله، حتى يكون قويًا قاهرًا، إن لم يطع طوعًا أطيع كرهًا. واحتج بأن النبي ﷺ لم يكن يقيم الحدود حين كان بمكة، ولا يبعث الولاة والقضاء، لأنه لم يكن ظاهرًا على أهل مكة وإنما فعل ذلك كله لما هاجر وحصل بالمدينة، وقوى أمره. فثبت أن تصرف الإمام لا يصح إلا بعد أن يكون قاهرًا قويًا.
فالجواب: أن العقد الذي ذكرنا إذا وقع لمن وصفنا ثبتت له الإمامة قاهرًا كان أو غير قاهر. وكذلك إن كان جهد إليه إمام وصح تقليده وعزله. وأصل هذا أن
[ ٣ / ١٥٧ ]
الإمامة فرع للنبوة، والنبي ﷺ قد كان قبل الهجرة نبيًا وإن لم يكن قاهرًا لأهل مكة ولا ظاهرًا عليهم.
ويقال لمن قال هذا القول- إن ثبت- إن كان للمسلمين إمام عادل فخالفته جماعة وناصبته وبايعت رجلًا سواه، وتعرضت لمحاربته، فوهبت بذلك بالإمام، فلم يردد يده على الإمامة إلا ضعفًا، وجمعه إلا قلة، وأمر الخوارج البغاة بالصد من ذلك. أتقول: إن الإمام العادل قد انخلع بخروج من خرج عليه وزالت عن الناس طاعته. فإن ولي رجلا لم تصح توليته، فإن عزله لم يصح عزله.
فإن قال: لا أقول ذلك، فقد نقض قوله وترك أصله. وإن قال كذلك أقول! قيل له: أرأيت إمامة البغاة إن ولي وعزل. أيصح ذلك منه. فإن قال: لا. قيل: فهو سلطان قاهر، فهلا أخرت صنيعه، وشرطك فيه موجودًا. وإن قال: نعم قيل: فقد صار الحق ينقلب باطلا بأن ينبذ. فلا يتبع. والباطل ينقلب حقًا بأن يقبل فيتبع. إن كان هذا هكذا، فقل: إن إمام أهل العدل قد انعزل بقوة الأهل البغي عليه، وصار إمام البغاة إمام حق تجب طاعته، وتحرك مخالفته. وإن كنت لا تقول ذلك، فلا معنى لأن يكون الإمام الحق إمام أ÷ل العدل، ثم لا تصح توليته ولا عزله لكونه غير قاهر والله أعلم.
ويقال له: أرأيت الإمام إذا بايعه عدد تنعقد إمامته بهم، أتلزم طاعة أمرائه وقواده وأجناده فلا بد من نعم. فيقال له: لماذا ألزمتهم طاعته وهو قاهر لهم غيرهم؟ وليس قاهرًا لهم بغيرهم؟ وإن جاز أن يلزمهم طاعته وليس بقاهر لهم. فلم لا جاز أن يلزم الناس كلهم طاعته، وإن لم يكن قاهرًا لهم بجند ولا غيرهم؟ فإن قال: إنه قاهر لبعض جنده ببعض، وقاهر لكل واحد منهم بغيره. قيل له: أرأيت لو عزل منهم واحدًا، فقال الآخرون: لا نرضى بعزله أو ولي أحدًا منهم أمرًا، فقال الآخرون: لا نرضى بولايته، أيبعد ذلك منه؟ فإن قالوا: لا. قيل: فإن الطاعة التي لزمتهم أولًا وكأنهم إنما وقعت على شرط خيار تثبت لهم فيها، وإن قالوا: نعم. قيل: فقد جاز عزله وتقليده على من ليس قاهرًا لهم.
[ ٣ / ١٥٨ ]
ويقال له: أنه إنما يكون قاهرًا لبعضهم ببعض إذا سمعوا له وأطاعوه وليس السؤال عن هذا ولكنه عن غيره. وهو أن إمامته إن كانت ثبتت بالقهر، وقهره إنما يقع بجنده وأعوانه فالجند إذ لو كانوا استعصوا عليه لم يجد من يقهرهم به، فلماذا ألزمتهم طاعته التي يصير بها قاهرًا؟ وحرمت مخالفته؟ ولم لا يقال: أنهم إن لم يسمعوا له ولم يطيعوا لم يخرجوا ولم يكونوا بغاة، لأنه بطاعتهم يصير إمامًا، أو بطاعتهم يصير له قاهرًا، فإذا لم يطيعوه لم يكن قاهرًا، وإذا لم يكن قاهرًا لم يكن إمامًا. فهم إذًا يمنعون الإمامة أن تثبت له، لأنهم يدفعونه عن إمامة بائنة. فلم لا كانت منزلته منزلة قوم من أهل الرأي اجتمعوا فاختار بعضهم إمامًا وأبى الآخرون، دون أن تكون منزلة من يخرج على الإمام العادل القاهر.
وفي إجماع الأمة على أن أهل العقد إذا عقدوا للأمة لرجل له أعوان وأنصار، لزمت الأعوان والأنصار طاعته حتى إن نبذوها كانوا خارجين على الإمام، ما دل على أن العقد هو المثبت للإمامة دون القهر والله أعلم.
ويقال له: أرأيت الإمام المجتمع عليه إذا كان بالمغرب مثلًا، وله جند وأعوان وأنصار يسمعون له ويطيعونه ويضطرون كل مناولة إلى طاعته في القرب، إلا أنه إن ظهر له مخالف بالمشرق ولم يكن له أن يجهز الجيش إليه، لأن بينه وبينه بحار وبراري خالية خاوية. أيقول: إن طاعته تلزم أهل المشرق؟ فإن قال: لا. قيل: فلأهل المشرق أن ينصبوا إمامًا سواه. فإن قال: لا. قيل: فيكونون منهمكين لا إمام لهم.
فإن جاز هذا، لم لا جاز أن يحلوا الناس كلهم من الإمام، وإن قال نعم. فقد أجاز أن يكون للناس إمامان وفي هذا تعطيل فائدة الإمامة، لأن فائدتها أن تجمع كلمة الأمة، وفي توزع الناس بين إمامين، تفرق الكلم وتشتت الآراء، وتخرب الأحزاب، فصح إذًا أن طاعة الذي اجتمع عليه بالمغرب يلزم أهل المشرق وإن لم يكن قاهرًا لهم.
ويقال له: ما أنكرت أن الإمام العادل ظل الله في الأرض والله تعالى قاهر قادر لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، فسواء وهنت يد الإمام أو لم تهن. كما أن النبي ﷺ لما كان يتكلم عن الله ﷿، كانت النبوة له ثابتة والطاعة له واجبة، وهنت بد
[ ٣ / ١٥٩ ]
الإمام أو لم تهن. فلأن الإمام القاهر إذا استعمل على بلد عاملًا ضعيفًا، ولا يخشى ولا يتقي، تثبت له الولاية، ووجبت له الطاعة. وإن لم يكن بنفسه قاهرًا حتى لو أراد جلد زان وشارب أو قاذف فامتنع منه قدر على قهره وإقامة الحد عليه وهو كاره. لأنه إن كان ضعيفًا فصاحب أمره قوي ظاهر، وكذلك صاحب أمر الإمام أو النبي، وهو الله ﷿ قادر قاهر إن شاء ينتقم ممن يعصيه ويخالف أمره ولم يعجزه، فوجب أن لا يمتنع ثبوت الإمامة له لأجل ضعف يده، حتى لا تصح توليته ولا عزله والله أعلم.
ويقال له: أخبرنا عن الإمام المبايع له إذا لم يكن له جند ولا مال ولكن كثير الأطراف مطيعون أمره، فإن سلموا إليه وسألوه أن يوليهم، فولاهم. أيصح توليته؟ فإن قال نعم. نقض قوله وفارق أصله. وإن قال: لا. قيل: ولم ذاك، وهو بهم قاهر للعامة فإن قال لأنه لو بدا لهم فناصبوه لم يقدر على قهرهم، وبالله التوفيق.
فصل
ويقال لهم في قولهم: أن النبي ﷺ لم يول أحد إلا بعد أن هاجر إلى المدينة وقوي أمره، بل كان الأمر بخلاف ذلك، لأنه لم يفتح له وهو بمكة إلا المدينة فولاها مصعب ابن عميرة وأنفذه إليها، فصلى بالناس الجمعة لما قدمها. والحديث في ذلك معروف.
ويقال لهم في الحدود: أخبرونا أي حد نزل النبي ﷺ عند إقامته بمكة؟ فإن ذكر أنه لم يقتل المرتدين الذين ارتدوا عن الإسلام بتكذيبهم إياه في الإسراء. قيل: أوقد رويتم أن قتل المرتدين كان مشروعًا ولن يستطيعوا أن يقولوا ذلك، كل حد ذكروه فإنهم لا يستطيعون أن يدعوا أن حدًا أشرع بمكة، وإنما شرعت الحدود عن آخرها بالمدينة لأن جماعها سبعة.
أو لها حد الكفر، وهو القتال والقتل والأسر والاسترقاق وبغنم الأموال. ومعلوم أن الجهاد شرع بالمدينة، وأن هذه الأحكام كلها من توابع فرض الجهاد.
وثانيها حد القتل: ومعلوم أن آيات القصاص وأحكام القتل المقرونة بها في سورة البقرة وهي كلها مدنية.
[ ٣ / ١٦٠ ]
وثالثها حد الزنا: فأول ذلك الإمساك في الثبوت والتغيير، وهما مذكوران في سورة النساء المذكورة فيها أحكام القتال وهي مدنية، وآخرها الجلد المذكورة في سورة النور التي ذكر فيها الإفك وذلك بالمدينة.
ورابعها حد السرقة.
وخامسها حد المحاربة وقطع الطريق وهما جميعًا مذكوران في سورة المائدة وهي مدنية.
وسادسها: حد الخمر وتحريمها في سورة المائدة وهي مدنية.
وسابعها- حد القذف وهي في سورة النور، وهي مدنية كما بيناه.
فكيف يجوز أن يقال أن النبي ﷺ لم يقم الحدود بمكة ولا حد إذ الحد ما شرع ولم يكن في ذلك الوقت شرع حد أصلأ.
فصل
فإن قال: رأينا المفتي والقاضي مسنين: ثم أن فتوى المفتي لا تلزم، وقضي القاضي يلزم. وما أمرنا إلا أن القاضي قادر على القهر والإلزام بسلطنته. والمفتي غير قادر على ذلك.
فالجواب: إن هذا الجواب هو الحجة عليه، لأن قضاء القاضي يلزم أهل عمله وإن لم يكن قاهرًا لهم، بل لا يعلم في الدنيا قاض قاهر لأهل عمله، ورأس افمامة القضاء، ولأجله يحتاج إلى الإمامة. فإذا كان قضاء القاضي يلزم وليس بقاهر. فما أنكرت أن تولية الإمام وعزله يصحان؟ وإن لم يكن قاهرًا! فإن قال: القاضي ما هو بمن ولاه واستقصاه.
قيل: والإمام قاهر بالله ﷿ وهو أقوى ولاة، لأن الناس إنما عقدوا له، لأن من حكم الله تعالى أن يكون لهم إمام، وأن الإمام من كان بصفة كيت وكيت. فلما رأوا فيه إمارات الإمامة التي يصفها الله تعالى لهم ليعرفوا الإمامة بها، ولوه وأمروه، فالله تعالى هو الذي ولاه، لذلك يقول ﷿: ﴿قل اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء﴾ فلئن كان الإمام غير قاهر، والله الذي ولاه قوي قادر قاهر، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ١٦١ ]
ويقال له: إذا كان القاضي قاهرً لأنه يتولى الأمر عمن هو ظل الله في الأرض، فلم لا كان الإمام الذي هو ظل الله في الأرض قاهرًا بنفس الاسم، وهذه المكانة، لأن الله تعالى هذا ظله قادر قاهر والله أعلم.
فإن قال: إن المجتمعين على نصب الإمام إنما يسلطونه على التصرف في أمور المسلمين فإذا لم يكن المسلمون في يده فيكون يتصرف لهم وعليهم! قيل: ولم قلتم أن المسلمين ليسوا في يده؟ فإن قال: لأنهم إذا لم يطيعوه لم يمكنهم أن رجهم إلى طاعته بالقهر والقوة. قيل: أرأيت لو كان له جند كان الجند يوصفون بأنهم في يده وسلطانه.
فإذا قالوا: نعم. قيل: فإنهم إذا استعصوا عليه لم يقدر على أن يجرهم إلى طاعته بالقهر والقوة، ولم يمنع ذلك أن يكونوا في يده. فما أنكرت أن ذلك حكم الجماعة وإن لم يكن جند؟ فإن قال: الجند في يده لما ألزمهم من طاعته.
قيل: وجماعة المسلمين في يده لما ألزمهم من طاعته. ويقال له: أن النبوة تعرى عن الإمامة، فما أنكرت أن الإمامة العارية عن النبوة تثبت، وإن لم يكن القوم في يد الإمام وبالله التوفيق.
فصل
إن سأل سائل عن الناس إذا لم يجدوا من قريش من يوجد فيه شيء من شرائط الإمامة كيف يصنعون؟
قيل له وبالله التوفيق: إن ذلك إن اتفق واتفاقه بعد كان الإمام من أقرب القبائل من قريش، لأن النبي ﷺ قال: (إن الله اصطفى كنانة من العرب واصطفى قريشً من كنانة) فإن كان الإمام قرشيًا وإلا فمن بني كنانة فإن لم يوجد فيهم فمن أقرب العرب من كنانة، ثم هكذا يرتقي من كل أقرب إلى الذي يليه في درجة العرب، حتى إذا استوفى بنو إسماعيل، ولم يعدل إلى بني إسحق، وإن كانوا أقرب به، لأنهما ابنا
[ ٣ / ١٦٢ ]
إبراهيم ﵇ أن ينقل إسماعيل إلى مكة، فلما نقله إليها ففطن جرهم لمجاورته، وعرفه بهم. ويقال: أنساه لسان أبيه وميزه عن سائر ولد إبراهيم، فكان ولد إسماعيل عربًا وولد إسحق غير عرب، وإن كانا جميعًا أبناء إبراهيم. فكان الذي يعرب بهم إسماعيل أقرب إليه وأولى به من ولد إسحق فأشرطه في الجملة أن يكون من العرب لأن النبي ﷺ لم يضعها في قريش، إلا أنهم علية العرب، فلا تزال في الأعلى ثم من يليه، ولا تخرج من العرب إلى غيرهم ما دام فيهم من يصلح لها، فإن لم يكن في جميع العرب من يصلح إليها انتقل حينئذ إلى ولد إبراهيم أقربهم من إسماعيل صلوات الله عليهم، ولن يعدم من يصلح لها من قريش أبدًا، إن شاء الله.
فصل
وإن سأله منهم: إذا وجدوا قرشيًا عالمًا عدلًا، كيف يصنعون؟ قيل: الأشبه عندي- وبالله التوفيق- إنه يقدم القرشي العادل، فيتولى الناس الصلاة، فإن أشكل عليه أمر، وجاء بشيء عمل فيه برأي أهل العلم ويسعه ذلك لأنه يصلي لنفسه. وإن أتيتم به غيره، ويجاهد بهم المشركين في الوقت الذي يراه أوعز وأصلح، وذلك من باب التدين والسياسة، فلا يمنعه من ذلك أ، لا يكون فقيهًا. فإذا لقوا المشركين أو أحرزت الغنائم ولي أمرها رجلا من أهل العلم ليتولى منه ما أراه الله ﷿، ويولي الحدود رجلا من أهل العلم، والقضاء كذلك، وأخذ الصدقات وتفريقها كذلك، وكذلك كل عمل من أعمال المسلمين لا يقوم بتنفيذه إلا أهل العلم لذلك، وإن جمع الأعمال كلها لواحد فولاها إياه، جاز بعد أن يكمل لها، فيكون حاصل هذا المعقود له الإمامة، إنه إمام في الصلاة، وإمام في كل عمل يتهيأ امضاؤه بالعلم الظاهر الذي يشترك فيه العامة والخاصة. فأما كل عمل لا يتهيأ امضاؤه إلا بالعلم الذي ينفرد به الخاصة، وليس بموجود عنده فإنه إمام فيه، في حق التولية دون التنفيذ والمباشرة، وليكون مصدرًا للولاة والعمال من تحت يده بعد أن يرجع إلى أهل العلم، فإذا وقع اختيارهم على من يصلح ولاه إياه فتكون منزلته في عامة الأعمال كمنزلة الإمام المطلق في الأيامى اللاتي لا أولياء لهن، فإنه لا يزوجهن إذا كان محرمًا، ولكن يولي تزويجهن حلالًا، فيجوز تزويجه، كمنزلة الإمام
[ ٣ / ١٦٣ ]
الكامل في البلدان التي لا يبلغها، فإن إمامته إنما تظهر فيها بالتولية دون مباشرة الأمور وتنفيذها بنفسه. وكمنزلة في حال شدة مرضه، فإنه إذا عجز عن النظر في أمور المسلمين ولي غيره، فجاز أمره، وقد تولى، فيموت فيعجز بالموت عن العمل، وتدوم الولاية لمن ولاه. وكذلك إذا عقد له وليس بكامل صار إمامًا في حق التولية، وإن لم يكن إمامًا في حق التنفيذ والمباشرة وبالله التوفيق.
فإن قيل: قلما يحتاج إليه إذا كان لا يكمل للأمر، ويحتاج إلى أ، يولي كل شغل رجلا، ولم لا يقال: إن الذين يعقدون له الأمر يتولون النظر في هذه الأعمال فيولون كل رجل يصلح له!
قيل له: قد قلنا أنه لا بد من إمام وبينا وجهه. وذكرنا أن الإمامة لا تليق إلا بعلية الناس وهم قريش، فلا يصلح مع هذا أن يقوم العامة بتقليد الأعمال، ولكنهم يجتمعون على واحد، فيكلون الأمر في الجملة إليه. فإن استقل بعامة الأعمال، وإلا استعان بغيره على ما وصفت والله أعلم.
فإن قيل: فقد كان النبي ﷺ يؤمر الآمر، ولا يتحرى فيهم الفقه والنظر، فلم لا أجزت مثل ذلك في كل وقت؟
قيل: لأن أمر النبي ﷺ كان إذا أشكل عليه، حكم حد أو غيره، رجع إلى ما لم يختلف ولم يضطرب عليه، وهو أمر النبي ﷺ، فلم يضره أن يكون غير مستبصر بعامة ما يحتاج إليه. وأما اليوم، فإن الإمام إذا عرض له إشكال، فإنه إن أخبر فيه بأمر يجتمع عليه فجائز له أن يأخذ به فينفذه، وإن اختلف عليه- وهو لا رأي له- لم يمكنه أن يرجع قولًا على قول، ولا يسعه التقليد فيما يعمل به في غيره لأنه ضرورة به إليه، فصح أنه لا يسعه إلا أن يولي الأمر من يكمل له بعلمه ونظره.
وأما القضاء فلم يبلغنا أن النبي ﷺ ولاه أحدًا من غير أهل العلم الذين يجمعون إلى معرفة الكتاب والسنة اجتهاد الرأي فإنه لما أوفد عليًا ﵁ دعاله ومسح صدره. قال علي ﵁: فما أشكل على قضاء قط. وقد كان قال له: (أقضاكم علي).
[ ٣ / ١٦٤ ]
وقال لمعاذ ﵁ (بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيًا. قال: الحمد لله الذي وفق رسول الله). ولعله ﷺ فرق بين الحدود- والقضاء، لأن الحدود إذا أشكلت احتملت التأخير إلى أ، يسأل عنها. وتأخير القضاء إذا أشكل إلى أن يأتي الكتاب إلى رسول الله ﷺ، ويرجع جوابه بما يبصر به الخصمان.
فما وجب النظر أن لا يستقضي إلا من يكمل للقضاء. فأما من بعده من الأئمة فلا فرق في حاجتهم بين الحد والقضاء لما ذكرته في الحدود قبل هذا، وبالله التوفيق.
فصل
فإن سأل سائل. عند تقديم العدل غير العالم، على العالم غير العدل، ما وجهه؟ قيل له: وجه ذلك أن بعض العلم يتهيأ خبره بأن يستعان بعالم سوى الإمام على ما قصر عنه رأي الإمام. وبعض العدالة لا يتمكن خبره، لأن ذلك نقصان الدين فلا بدل له.
فصل
وإن سأل عن وجه تقديم المنفرد بأحد هذين الشرطين- أعني العلم والعدالة- بعد أن يكون من قريش على من جمعهما من غير قريش.
قيل له: وجه ذلك قول النبي ﷺ. (الأئمة من قريش) وقوله: (قدموا قريشًا ولا تقدموها) فلما أمكن أن يكون القرشي إمامًا فيكتفي به من النوازل من الوجه الذي وصفنا، كان تقديمه أقرب إلى هذه النصوص من تقديم غيره، وإن جمع الشرائط المحتاج إليها بنفسه، لكنه لم يكن من قريش وبالله التوفيق.
فصل
وإن سأل سائل عن إمام نصب وهو غير عدل ما حكمه؟
[ ٣ / ١٦٥ ]
قيل له: -وبالله التوفيق- أجمع الناس على الفرق بين العدل والفاسق في الشهادة ثم اختلفوا في المعنى. فقيل: هو آثم، وذلك نقصان دينه، فإن النبي ﷺ وصف النساء بنقصان الدين لأجل أنهن لا يصلين بعض أيامهن. ومعلوم أنهن غير عاصيات بما يتركنه من الصلاة أيام عذرهن. فأولى أن يكون الفاسق ناقص الدين إذا كان يترك الصلاة لا في عذره. أيضًا فإن الفاسق لو شهد لقائل ابن أو ابنة على ابن له آخر لكان ذلك وسائر شهاداته بمنزلة واحدة. ومعلوم أن لا نقمة تلحقه في هذه الشهادة. فعلم أن الذي يؤخره عن مرتبة العدل نقصان دينه. فمن ذهب إلى الأول قال: أن خلع الإمام نفسه عن الإمامة إلى رجل غير عدل أو مات، قيضه الناس مكانه بعد الاجتهاد والنظر واستقصاء الرأي.
فذلك ماض لا ينقص لأنهم أحسنوا الظن به لما نصبوه، فلا ينقص ذلك بالتهمة التي ليست تحتها إلا إساءة الظن، فإن إساءته رأي، كما أن إحسانه رأي. فلا ينقص الرأي برأي مثله. وكذلك يقول في الفاسق. إذا شهد عند حاكم فقبله أن ذلك إذا وقع إلى حاكم آخر لم ينقضه، فإن كل الذين نصبوه أو الإمام الذي خلع نفسه لم ينظر واحد يجتهد أو القوم لم يرتابوا ولم ينظروا فيكون اجتهادهم أداهم إلى أن إحسان الظن أولى من إساءته. وأن التهمة لا معنى لها في حط المسلمين عن أقدارهم الثابتة لهم بديانتهم. فذلك غير ماض ولا نافذ، وهو كحكم الحاكم لما لم تظهر له صحته ولا أداه إليه نظره، فلا يجوز ذلك منهم.
ومن ذهب إلى المعنى الآخر قال: لا يجوز تولية غير العدل بحال. لأنه ناقص الدين، ولا يكون إمام أهل الدين إلا كامل الدين، لأن الغرض من نصب الإمام حفظ الدين، ودفع جوانب الخلل عنه وعن أهله. فإذا كان الإمام بنفسه ناقص الدين لما تحصل منه هذه الفائدة، وأقل ما في فريضته أن يقتدي الناس به فيما هو فيه لأنه إمامهم.
فيصير أمره سببًا لظهور الفساد وغلبة أهله، ويعود ذلك بالشين على الملة إذا نظر أهل سائر البلد إليه وإلى الذين نصبوه ورضوا بإمامته ولعل الأمر يترقى إلى أيامهم، أن المسلمين يعلمون أنفسهم أنهم يتظلمون فيما يظهرونهم من دنياهم، غير أنهم ينسبون بها
[ ٣ / ١٦٦ ]
إلى نيل الشهوات وإصابة الأموال، وما بلغ من الفساد، وهذا انجد والتحرز منه في ابتداء الأمر واجب وبالله التوفيق.
ومن قال بهذا قال في الحكم إذا مضى شهادة الفاسق أنه ينقص.
فصل
وكل ما قلته في تولية غير العدل، فهو في العدل إذا أولى بغيره، وصار غير العدل مثله لا يختلفان والله أعلم.
وإن قال قائل: أليس قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (ستدركون أمراء يؤخرون الصلاة إلى غير وقتها، فإذا كذلك، فصلوا في بيوتكم واجعلوا صلاتكم معهم سبحة). فهلا علمتم بذلك أن الفسق بجامع السلطنة، لأن إخراج الصلاة عن وقتها فسق، ولم يبطل النبي ﷺ الإمارة.
فالجواب: أن هذا لم يجز في الإمامة، وإنما جاء في الإمارة، فيحتمل أن يكون هذا في مؤخر الصلاة والحرب دون القضاء وإقامة الحدود التي يحتاج منها إلى الرأي والنظر ولسنا ننكر أن يكون مثل هذا الأمير إن لم يكن عدلًا، كان أمره محتملا. وقد جاء أيضًا أن النبي ﷺ قال: (اسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي، كأن رأسه عبد قد أعتق كما يسمى مطلقة الرجل امرأته، بمعنى أنها كانت امرأته. وفي الحالين كان مقصورًا على ما لا يحتاج فيه إلى الاجتهاد والنظر وتنفيذ الحكم أو إقامة حد، أو أخذ صدقة أو قسمها، فكذلك هذا الحديث والله أعلم.
فصل
وإذا كان للناس إمام متفق عليه فجار وأسرف على الرعية واشتط في معاملاتهم،
[ ٣ / ١٦٧ ]
فإن الجور فسق. فمن قال: أن الفسق لا يناقض الإمامة، قال: على الناس أن يطيعوه فيما يجب عليهم فإن قدروا أن لا يجور فمن قال: الفسق لا على الامتناع ولا يخرجون.
ومن احتج لهذا، قال: قد جاء في فريضة الصدقة عن رسول الله ﷺ (فمن سألها على وجهها فليعطها، ومن سؤل فوقها فلا يعطه) فإنما أذن في منع الزيادة، وفي ذلك إيجاب رفع الأصل. وإن لم يقدروا على منع الزيادة وخافوا سطوته كلهم أن يعطوه ما يريد كي يسلموا. وإن كان إذا ناصبوه وحاربوه قدروا على أن يمنعوه ما لا يلزمهم، إن لم يخش من ذلك ثوران فتنة أضر من جوره، فلهم ذلك. وإن خافوا من ذلك لم يحل لهم قتاله. وكان السمع والطاعة أولى لهم. ومن قال: إن الفسق يناقض الإمامة قال: قد يعزل بالجور، فإن اعتزل فذلك، وإن ثبت مكانه ولم يخرج يده من أمور المسلمين بعد ما يدعى إليه صارت منزلته بعدما فسق من نفسه قبل أن يفسق منزلة باغ تجرأ على الإمام العادل. وقد قلنا أن الباغي إن كانت له شوكة يقدر بها على الامتناع ثبت تأويله، وتعدت تصرفاته، فكذلك الإمام بعدما فسق، وإن كانت له منعه ثبت ما فعله وتعدت تصرفاته، وإن لم يكن له صنعة وأمكن خلعه خلع. والاحتياط أن يدعي إلى خلع نفسه وتولية غيره، فإذا فعل ذلك، ما أمر أهل العقد، فقد تم الأمر وبالله التوفيق.
فصل
وإذا أغفل الإمام بلدًا، فلم يستعمل عليهم أحدًا لاشتغاله بغيرهم عنهم، فأمر أهل البلد على أنفسهم أميرًا، فالجواب فيه كالجواب فيهم إذا أمروا على أنفسهم في حال الفترة أميرًا، وقد تقدم ذكره.
فصل
فإن أمر الإمام أميرًا في طرف، فغلب ذلك المولى على ذلك الطرف غالب. فإن كان يصلح لما ولاه الإمام، فالمتغلب باغ خارجي إن كان لا يصلح بأمر بين لا يخفي على مسلم أنه لا يحل بأمير مثله على المسلمين. فهذا أيضًا يختلف إن كان الإمام عرفه بهذه الصفة لما
[ ٣ / ١٦٨ ]
ولاه، إلا أنه كان وعظه، ونصح له وظن أن موعظته تنجع فيه وتصلحه، فالمتغلب ليس بخارجي وكان ينبغي للإمام أن لا يوليه حتى يبين له نزوعه ورجعته، فإن كان منه على الإمام فلم يعرف حاله، فالمتغلب خارجي لأن مثل هذا إذا عرض وجب إعلام الإمام ما خفي عليه فيكون هذا المتدارك لما فرط منه، فإذا تولى ذلك غيره فقد أصاب عليه في حقه والله أعلم.
فصل
إن سأل سائل عن الأطراف المتقاذفة التي تفرق بينهما التجارة، وأيضًا في الخاوية ولا تصل يد الوالي التي تكون حدها إلى ما عداه. هل يجوز أن يكون لأهل كل طرف منها إمام؟
قيل له: لا يكون الإمام إلا واحدًا لأنه يقوم مقام النبي ﷺ. وقد كان مرسلا إلى هذه الأطراف المتقاذفة ومنصوبًا لإمامة أهلها كلهم مع تفرقها، وقطع البحار والبراري بعضها عن بعض، فكذلك الإمام المتفق عليه. فأحدها يكون إمامًا للسكان كلهم. فإن كانوا من الفرق بالصفة التي ذكرت، والله أعلم.
فصل
وإذا خلع الإمام نفسه ولم يول أحدًا مكانه. فإن كان الإمام صالحًا للإمامة بإطلاق، فذلك منه غير نافذ، لأنه نصب ناظرًا للمسلمين وخلفه نفسه في هذه الحال ضرر عليهم، لأنه يدعهم بلا إمام، ويعرضهم للاجتهاد في نصب غيره وقد يصيبون في ذلك الاجتهاد إذا تكلفوه وقد يخطئون، وإن كان الإمام عدلًا غير عالم وله ولاة عمال مرضيون.
فالجواب: كذلك وإن كان غير عدل فخلفه نفسه إراحة وتخليص، وينبغي للمسلمين أن يجتهدوا في نصب غيره، ويسألوا الله تعالى أن يعوضهم عنه خيرًا منه.
فصل
وإذا بلغ الإمام أن أحد ولاته جن أو عمي أو ارتد أو مات، فولي غيره عمله، ثم
[ ٣ / ١٦٩ ]
تبين له أن الأول سليم لم تحدث فيه آفة ولا منة خيانة، فولاته الثانية ماضية لأنه لو صرف الأول من غير بأس لنفذ تصرفه ألا ترى أن رجلا لو قيل له: إن امرأتك تريد أن تطلقها فقال: هي طالق. ولم تكن المرأة أرادت الطلاق، أطلقت لأنه لو ابتدأها بالطلاق وهي غير مريدة لطلقت، ولو بلغ أن فلانًا صالح للولاية فولاه. وذلك الفلان غير صالح للولاية فتوليته لا تنفذ لأنه ليس له أن يولي الأمر من يصلح، وليس هذا كالذي قبله.
فصل
وإذا أمر الإمام أمراء، واستقضى قضاه ثم مات، كان أمراؤه وقضاته على أعمالهم كما كانوا في حياته ولا ينعزلون. وليسوا كالوكيل ينعزل بموت الموكل، لأن الوكالة نيابة، والولاية شركة. ألا ترى أن الوالي يخدم ولا يرى الإمام الذي ولاه الحد فيجوز ذلك له ويسعه. والقاضي يقضي بخلاف رأي الإمام الذي استقضاه، فيجوز ذلك منه. والوكيل لا يعمل إلا ما يوافق رأي الوكيل، فإن خالفه رد فعله.
فصل
فإذا أوصى الإمام بالأمر من بعده إلى احد مثله، فذلك جائز لأن اختيار من يلي الأمر من بعده أحد مصالح المسلمين وهو منصوب لها كلها، فهذا منها.
فصل
فأما ولي الصرف، وقاضي البلد إذا عهد إلى غيره بما يليه من بعده، كان ذلك منه لأن المفوض إليه ليس بحق له لازم، ألا ترى أن للإمام عزلة أيضًا. فهو في هذا الوجه كالوكيل، فالإمام المتفق عليه إمامته حق لازم لأنه ليس لأحد أن يعزله. فلذلك نفذ تصرفه في حياته وبعد موته والله أعلم وبالله التوفيق.
ذكر حقوق الولاة
قال الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾
[ ٣ / ١٧٠ ]
وجاء عن النبي ﷺ (اسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة). وجاء عنه ﷺ أنه قال: (من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني) فأول الطاعة للإمام أن يعظم ويؤمر من الدخول عليه والجلوس عنده ومخاطبته ومعاملته، ويتحاشى إيذاؤه وإغلاله والغض من حرمته. وإذا أقيمت الصلاة خلفه في وقتها، وكان هو الذي بالناس، أو خليفته لم يتخلف أحد عن الصلاة خلفه، إلا أن يكون له عذر بين. وسواء كان في الناس من لا يرى رأيه فيها يجب في الصلاة أو لا يجب، وينقض الوضوء أو لا ينقض، ويفسد الصلاة أو لا يفسد، أو كانوا كلهم يرون رأيه. فعليهم أن لا يقعدوا عن الجمعة خلفه بل يصلوها وراءه معتقدين وجوب اتباعه وتحرى عنهم. وقد كتبت في هذه المسألة مفردة استمعت القول فيها، وليس لهم إذا حضروا المسجد أن يبادروا الإمام الجمعة، بل ينتظرون خروجه يفتهما فيهم صلوها قبل وهو مترسخ لها لم تجر عنهم.
فصل
وإذا سأل الوالي زكاة وجبت في مال ظاهر لرجل فعليه أن يدفعها إليه منشرحًا بها صدره.
فصل
وإذا خرج الإمام للجهاد فإن كان بغير قد وقع ولا يدري أن الكفاية بأي مقدار تقع من الغزاة، فعلى كل من قدر على الجهاد أن يخرج بخروجه وإن كان متطوعًا مبتدئًا فعل من يأمره بالخروج معه من المقاتلة الذين يروقهم أن يخرجوا وليس لأحد منهم أ، يتخلف عنه بلا عذر، وإن لم يخرج بنفسه، وأنفذ سرية، فعلى من سماهم واختارهم من الجملة التي ذكرناها أن يسمع ويطيع وليس لأحد من المجاهدين إذا أغنموا أن يستأثر بشيء من الغنيمة، ولا يأخذ إلا ما يعطيه الإمام عند القسمة، ولا يتولى عزل الخمس وتفريقه غيره، ولا قسم الأربعة الأخماس إلا هو، وليس لأحد أن يهادن العدو ويعاقدهم الصلح على أموال يعطونها المسلمين إلا الإمام.
[ ٣ / ١٧١ ]
فصل
ولا يقضي أحد بين اثنين وإن حكماه ورضيا بحكمه فليس القضاء إلا للإمام ولمن ولاه، ولا يحد حدًا خالصًا لله ﷿ إلا بإذن الإمام، فإن حده بغير إذنه، فإن كان ذلك قتلا أو قطع جارحة، فقد فات. فإن كان جلدًا أعاده الإمام عليه. وهذه أبواب تتفرع، والجملة إن ما لم يلق به تسليط العامة عليه ولا تفويضه إلا ما يجب عليه من الإفراد فهو إلى السلطان، فما كان إليه فليس لأحد أن يغتاب عليه فيه والله أعلم.
ولا ينبغي لرعية السلطان أ، يتحسسوا أخباره ويبتغوا عوراته، ويتطلبوا عثراته، ويستشعروا خلافه، ويبغوا الخروج عليه للأسباب والغرض به.
ولا ينبغي إذا رأى أحد من سلطانه شيئا يكرهه أن يشتمه أو يذكره بسوء، وإن ضاق به صدرًا أن يلعنه، لأنه ظل الله في الأرض، والتهيب والإجلال أليق بمحله، وزينته من الاحتقار والإذلال، ومما جاء فيه عن السلف قال: كان عبد الله بن عامر يخرج، ويخطب الناس عليه ثياب رقاق، مرجل شعره، وأبو بكرة إلى جنب المبر، فقال أبو بلال: من ذا يراد به ألا تنظرون إلى أمير الناس وسيدهم يتشبه بالفساق ويلبس الرقاق، فسمعه أبو بكرة. فلما صلى الأمير ودخل، قال أبو بكرة لابنه: ادع لي أبا بلال. فدعاه، فقال له أبو بكرة: قد سمعت قولك في الأمير آنفًا، وإني سمعت رسول الله ﷺ قال: (من أهان سلطان الله أهانه الله، ومن أكرم سلطان الله أكرمه الله) وجاء في اللعن ما معناه. النهي. لأنه إذا لعن لم يؤمن أن يجاب فيزداد شرًا.
وفيما جرى معنى آخر، وهو أنه ربما وقع إليه الخبر فيكون منه إلى من بلغه القبيح عنه بعض ما يكره. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه. قيل: يا رسول الله، وكيف يذل نفسه؟ قال يتعرض من البلاء لما لا يطيق).
[ ٣ / ١٧٢ ]
فصل
وإذا كان للناس سلطان ولأن جانبه لهم، فربما يدعو قومًا إلى طعامه، وربما يصل بعضهم بشيء من المال الذي في يده، فإن كره من يرغب في تأنيسه أو إفادته ذلك منه، فليعتذر، ولا ينقبض عنه إلا الإيثار من هو أحوج منه بما يعرض عليه. فأما رد يده عليه تكرها لمخاطبته، أو تورعًا عن طعامه وغير ذلك مما في يده، فلا يجوز لأن نزاهته إن كانت بادية، فليس لأحد أن يلوثه، وإن كانت سرًا بابها فليس له أن يجاهد بتظليمه أو بتحزيبه.
فصل
وإن عرض بعض أعماله على رجل وسأله أن يعينه بتقلده، فإن كان الرجل يعلم من نفسه الصلاح له ويبق منها بالأمانة والنزاهة، ولم يكن ذلك قاطعًا له على فرض، فقد يعين عليه. فينبغي له أن يجيبه. فإن لم يكن معه من صلح له ويخشى من امتناعه ضياع ذلك الأمر، فعليه أن يجيبه، فكذلك إن كان الأمر يتردد بينه وبين من يخش جانبه، ولا يوثق الثقة التامة، فينبغي أن يجيبه، وإن كان لا يثق من نفسه بالتماسك، فلا ينبغي له أن يتقلد عملا بل يعتذر ويستعفي.
فصل
وإذا دعا الإمام رجلًا من أهل العلم أن يصحبه ليستعين برأيه في النوازل التي تنزل عليه أن يجيبه، إلا أن يكون له عذر بين يقعده عنه، وإن كان الإمام غير عدل فإنه يحضره ليكفه عن الظلم ولا يفسد على حكم يمضيه ولا صدقة يأخذها لأن ذلك ليس له من قول. ويرى أن الفسق يناقض الإمامة، فإن كان الرجل يرى أنه على ما هو عليه من الفسق، أجابه في ذلك بما سأله عنه، وإن صح له من مال بيت المال شيئًا أو من مال نفسه وسعه أن يقبل فيه إذا كان عدلًا ولا يقبل منه مال بيت المال إذا لم يكن عدلًا لأنه ليس بوليه. فإن كان يرى أنه وليه، ونافذ الأمر فيه فقبله، وهو من أهل الرأي والنظر لم يمنع وإن كان الرجل الذي يرغب الإمام في صحبته صاحب أوراد من العبادات ودرس العلم
[ ٣ / ١٧٣ ]
فكان ينقطع بالاختلاف إليه عن كثير من أوراده. فإن كان في البيد من يصل الناس إلى حاجاتهم من العلم به، وكان هذا إذا حضر الإمام، قبل الإمام قوله وتشفعه فيمن يتشفع له، وانتهى عما ينهاه عنه أو يوجب ذلك له في الأكثر، فليغشه وليلزم مجالسته للغوث والرحمة، إلا أن يخش أن ينس ما حفظ من القرآن أو دعاه من العلم. فيسأل الإمام أن يخليه وقد يقرأ فيه ما شاء من القرآن، ولدرس ما بدا له من العلم، فإن أبي لم تكن عليه طاعته والله أعلم.
ذكر كفاية الإمام: وإذا كان للناس إمام فكفايته في بيت مال المسلمين من خمس الخمس أسهم النبي ﷺ، ومن التركات التي لا يعلم لها مستحق ولد ولا زوجه، وكفايته ما شد له حلة، وإفادة في الناس مرده في صدور رعاياه هشة، وسدد له على الأعداء قوة، وأما شد الحلة فهو الذي يحتاج إليه كل أحد من المطعم والملبس، سلطانًا كان له أو غير سلطان. وأما المردة، فهي أن لا تكون ثيابه رثة به وقيع عن مثلها أكبر رعاياه، ولا من نوع مسترذل، ولا يكون طعامه نزرًا قليلًا مضطرًا لأجله إلى الإنفراد به عن خاصته وبطانته ولا يفصل عنه. وإذا أراد أن يكرم به أحدًا أو يتصدق به على من يحتاج لم يقدر عليه، ولا يكون من يسبب من يؤثره إلى حقارة النفس ودناءة الطبع، ولا يكون مسكنه ضيقًا حقيرًا ولا وضيع البناء، وفير البسط والفرش، ولا يبتذل بخدمة نفسه أو استخدام زوجته أو ولده دون مملوك واحد أو أكثر يمسكه لخدمته، وخدمة من يؤويه من الزوار وغيرهم، ولا أن يتخذ السير في الأسواق وأطراف البلد لنفسه عادة، أو يركب حمارًا أو دابة مستحقرة أو سرجًا خسيسًا. فإن هذا كله يزري ويسقطه عن أعين الناس ويعرضه لأن يهذي به ويتحدث عنه بما يحقر منه. وإذا طال ذلك نزعت هيبته عن الصدور. فينبغي أن يتوقى ذلك ويتكلف من الطعام واللباس والمسكن والخدم ما ترفعه عن حد الضمة، ويبلغه بعض منازل الرفعة، ولا ينتهي إلى حد الإفراط والسرف، فيتخذ له من الطعام مما يجتمع عليه إما كل يوم، وإما كل يومين أو ثلاثة أيام مع خاصته وأهل كرامته، ويفضل عنهم لعياله وخدمه من يراد مواساته من الجيران وغيرهم، ويتخذ له من اللباس ما يرتضى من ملابس الرجال بقدر ما يكفيه لإدامة التجميل حتى لا يحتاج إلى أن يلبس ثوبًا دنسًا أو خلقًا قد ذهب رواؤه، أو يتمرأ ما يرى من خلاله
[ ٣ / ١٧٤ ]
بشرته، ويكون له من الجماعات والأعياد غير دخول الوفد عليه غير ما يلبسه في سائر الأيام، وعند دخول العامة عليه غير ما يلبسه مع الخاصة، وعند خلوته غير ما يلبسه مع الناس، وبالليل غير ما يلبسه بالنهار.
إلا أنه يتحرى في كل ذلك يكون قصدًا لا طغيان فيه ولا اختيال. ويقتني من الخدم من تقع له الكفاية ويعد لنفسه ولهم الأسلحة والدواب، ويحلي مراكبه بأدنى ما يعرف به تجملًا، وكذلك سفيه ومنطقته، ويقيم لخدمه معايشهم، ويزيح فيما يحتاجون إليه عللهم وإن اقتنى أحرارًا يعملون له بالأجرة فذلك جائز، وإذا كان هذا هكذا، فينبغي له أن يتخذ دار تسعة وخدامه وخزائنه التي يخزن فيها وأسلحته، وحارسًا، إن كان له، وأن يرتب بالباب من لا يدخل عليه في غير وقت البروز للناس إلا بإذنه وهذا كله من بيت المال، وإذا قام بحفظ المسلمين وقصر أيدي العدوان بعضهم عن بعض وتعهد السبل ونقصها عن الدعاء والجواب، ووفى المسلمين كل حق يلزمه لهم لأنه العامل لهم، وما يأخذه فمنزلة الأجر، وإنما يستحق العامل الأجر إذا وفى العمل.
فإن قيل: إن الذي كتبتموه من وظائف الإمام يخالف المعهود من أمر رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين لأنهم لم يبسطوا في مال المسلمين هذا التبسط، فهلا قلتم إن سئل الأئمة أن يقتصروا على ما روي عن رسول الله ﷺ وخلفائه أنهم اقتصروا عليه؟
فالجواب: لأن النبي ﷺ ساس الناس بسلطان النبوة وكان الله ﷿ أخبره أنه يعصمه من الناس وألهمه الرأفة والرحمة بأمته، فكان يحب السكينة تواضعًا لله ﷿ وتسلية للمساكين، حتى إذا نظروا إلى رسول الله ﷺ وهو يكابد مثل ما يكابدون خف عنهم ما يجدون، وطابوا نفسًا بما يقلون، وكانت هيبته ممكنة في صدور الناس متسلطة على نفوسهم بمجرد ما كان مقدر من مكانه ومنزلته عند الله تعالى، ويخشوه من وجوب النار عليهم إن عصوه وازدروا أو ضيعوا حقًا من حقوقه فلم يؤدوه. فلم يحتج مع ذلك كله أن يحمل على أعينهم بشيء مما سبق ذكره. ولا أن يكثر بمتاع الدنيا مع علمهم بتوفر حظه من نعيم الآخرة. وأما ولاة الأمر بعده فلم يحتاجوا إلى التكليف الذي وصفناه لقرب عهد الناس بزمان النبوة ولأن تلك الرعية لم تكن شاهدت قبل ذلك سلطانًا مباينًا
[ ٣ / ١٧٥ ]
للعامة في نفسه وحاله وطعامه ولباسه وفرشه وآلاته، فيحتاج ولاة أمورهم لذلك إلى أن يتكلفوا في هذه الأبواب، ما يضاهي حال من شاهدوا خيلًا توازي لهم رعاياهم، فلا يصير ذلك سببًا لفروغهم من طاعته واتباع أمره وإنما كان أمرًا مستأنفًا والحال غيره، ويستوجبه إلى الزيادة على ما كانوا عليه، فلما تبدلت العادات، وصار الإمام محتاجًا إلى سياسة الرعية بأكثر مما كان أولئك يسوسونهم كما ساسهم النبي ﷺ بالهيبة، ثم أبو بكر ﵁ بالكلام، ثم عمر ﵁ بالدرة، ثم عثمان ﵁ بالسوط، ثم علي ﵁ بالسيف، فكذلك لما تفاقم الأمر بعد وأثناء أداء الشغل، فاحتيج إلى أن يسوس الإمام الناس بالانقباض عنهم وترك التواضع والتطاعن لهم، وكان ذلك لا يكون إلا بالارتفاع في المطعم والملبس والمسكن والمركب عن حد ما يسمونه، فله أردناه أو صنعه كان له من ذلك مالا يجحف بمال بيت المال، ولا يلتحق بحدود السيف والطغيان. وأما ولاة الإمام بقدر كفاياتهم من بيت المال كما يراه ويؤديه إليه اجتهاده والله أعلم.
ذكر أحكام المتغلبين: وإذا غفل الناس عن نصب الإمام فتغلب رجل بقوة كانت له على بلد، رضي أهل ذلك البلد بإمارته، وإن كان في ذلك البلد ممن يتم بهم نصب إمام بينهم أو خارجًا منهم، وأمكنهم ذلك فلم يفعلوه، واحتفظوا على أمير يخصهم فحكمهم وحكم أميرهم حكم البغاة، وإن لم يكونوا بهذه المنزلة فحكم أميرهم في عامة الأشياء حكم التخمين، فإن كان بنفسه عدلًا تولى وولي، وإن كان عدلًا ولم يكن عالمًا ولي بالمشورة ولم يتول وهذا، لأنه لو كان للناس إمام لكان أخطأ لهم به، أن يبعث عليهم أميرًا ينوب عنه في رعايتهم. فإذا لم يكن إمام، قاموا بإيصال هذه الحطة إلى القيام بأنفسهم مقام الإمام، أو كان كما أنه إذا مات ميت ببلد ولم يخلف وارثًا، لم يجز لأحد أن يتصرف في ماله فيجهزه ويقوم بكفايته إلى (أن) يدفن إلا إذن الحاكم. ولو مات في بادية حاكم بها يتولى ذلك من يحضره من المسلمين، ولم يكن عليه عزم، لأن الحاكم لو حضر لكان عليه أن يطلق ذلك له من ماله، فإذا لم يقدر عليه لم يسع إهماله وتضييعه، فكان من يحضره قائمًا فيه مقام الحاكم. وهكذا الرجل يكون له على آخر دين، فإن نكره وكانت عليه بينة واستحلفه فحلف ووجد له مالًا لكان له أن يأخذ من جنس
[ ٣ / ١٧٦ ]
حقه بقدره، فيقتضيه بدينه، وأن يأخذ من غير جنسه فيبيعه بمثل ماله عليه ثم يقتضيه بدينه، لأن حقه لو ثبت عند الحاكم لكان على الحاكم أن يوصله إلى حقه من أحد هذين الوجهين، وإذا لم يقدر على أخذ حقه، فالحاكم لم يبطل بذلك حقه، فيتولى ذلك بنفسه ما يقدر عليه فكذلك أهل كل بلد، فإنما حقهم أن يكون عليهم عامل للإمام يرعاهم، ويقوم بمصالحهم، فإذا لم يصلوا إلى حقوقهم من الرعاية والولاية من قبل إمام يكون لهم، لم يمهلوا أنفسهم، ولكنهم يتولون نصب من يرعاهم ما كان الإمام يتولاه لو كان موجودًا والله أعلم.
فصل
وإذا نصب أهل البلد في الحال الذي ذكرنا أن لهم النصب أميرًا، ثم قام بأمر المسلمين قائم، وتثبت إمامته كان على هذا الأمير أن يسمع له ويطيع، لأن طاعة الإمام تعم ولا تخص فإن لم يفعل كان باغيًا عليه، ولم يسمع أهل البلد طاعته بعدما استعمل الإمام عليهم غيره، وهو على عمله إلى نبذ للإمام عزله عنه فعزله، لأنه في أول أمره كمن ولاه الإمام فكذلك يكون في آخره والله أعلم.
فصل
فإن لم يرض أهل البلد بإمارة من ذكرنا، ولكنه قهرهم وحملهم على طاعته فلم يستطيعوا مخالفته، فإن كانت كراهتهم له لأجل أنه لا يصلح للإمارة ولا يقوم بشروطها، فهم معذورون وحكمه بينهم كحكم الباغي. فإن يصلح لها وإنما يكرهونه مثلًا إلى التشبيب والخلاعة فقهرهم ليكف بعضهم عن بعض، ويأخذ من بعض ويقوم بحدود الله تعالى وحقوقه بينهم، كان حكمه حكم من ينفق أهل البلد عليه ويرضون إعادته، والله أعلم.
فصل
وإذا كان للناس إمام، فتغلب رجل على بلد وقهر أهله على طاعته، فأخذ من مسلميهم الصدقات، ومن ذميهم الجزية، وزوج الأيامى الإناث لا بأمر أوليائهن، ونصب القوام
[ ٣ / ١٧٧ ]
على الأيتام، وقضى بين المختصمين، فألزم وأسقط وبرأ وحرم، فما فعل ذلك فهو رد وليس شيء منه بنافذ والله أعلم. وإن كان المتغلبون لما كثروا طعنوا في الإمام العادل بأمر كان منه، نصبوا بآرائه إمامًا آخر مختلفًا، فإن لم يكن لهم مع هذا قوة بالإمام العادل وأنصاره، فلا حكم لتأويلهم. فإن تساوت قوتهم قوة الإمام العادل أو قارب، فقد ثبت لهم التأويل، فلا يرد من تصرفات إمامهم وعماله إلا ما يرد من تصرفات الإمام العادل وعماله.
فإن قيل: فهذا يدل على أن الإمام لا يكون إمامًا، وأن تكون له قوة، وفيه منعه ولولا ذلك لاستوى أن يكون الإمام العادل قويًا على دفع الباغي، أو ضعيفًا عنه.
قيل: لا يدل! لأنا لا نقول: أن الإمام العادل يعدل بقوة الباغي، لكنا نقول: إنه إمام. فإن كان ضعيفًا وليس الباغي إمامًا، فإن كان قويًا. وهذا قول الجميع. وفيه الحجة إذًا لنا لا علينا. وإنما اعتبرت قوة الإمام وضعفه في إجازة التصرفات للباغي وردها، لا في إثبات الإمامة له بغلبته أو دفعها. فإذا أجزناها منه في حال ضعف الإمام وعجزه عن مقاومة. وإنما تلك الإجازة عن أن شبهتهم بترك حجته كما يترك النكاح الفاسد منه منزلة النكاح الصحيح، والشراء الفاسد منزلة الشراء الصحيح، لا على أن لهم حجة بقوتهم تعادل حجة الإمام العادل. وفي هذا سقوط هذا الإلزام، وبالله التوفيق.
فإن قيل: فهلا كانت شبهتهم كحجة غيرهم، فإن لم يكن لهم شوكة:
قيل: إنما شبهتهم إمامهم لأنهم وإن كثروا ولم يكن لهم إمام لم يكن قولهم شبهة، غير أنه يحتاج إلى أن يكون إمامهم متبعًا حتى يكون له تأويل. وذلك أنه إذا لم يكن له رهط وأشياع، ولم يتصور بصورة الإمام، إذ الإمام من يؤتم به. وذا صار له رهط وأشياع، تصور بصورة الأئمة، فصار ذلك له شبهة. إلا أن الضرورة إن ثبتت، فإن الحقيقة لا تثبت. فإن إمام أهل العدل لم يكن إمامًا، لأن له أشياعًا، وإنما كل الصحة للعقد الواقع له، وسلامته في وقته.
ألا ترى من وجد في ظلمة الليل في فراشه امرأة فأصابها درئ الحد عنه للشبهة، وهي تصور الأجنبية له صورة امرأته، وذلك لا يوجب أن يقال: أن حقيقة الزوجية مضاجعة
[ ٣ / ١٧٨ ]
الزوج في فراشه. ولو اشترى رجل جارية، فوطئها ثم استخفت، لم يكن عليه حد لتصورها عنده بأمته، وذلك لا يوجب أن يقال: إن حقيقة الملك الشراء فقط، حق يكون الوكيل بالشرى مالكًا ما اشترى لغيره، بل حقيقة الملك بنقل حقوق البائع إلى المشتري، فحقيقة الزوجية تبطل حق المرأة في تصنعها إلى الزوج. وكذلك ينوب التأويل للباغي عند كثرة جمعه يتصور في تلك الحال تصوره للأمة، ولا يوجب أن تكون حقيقة الإمامة كثرة الأتباع والأشياع، لكن الحقيقة صحة العقد بعد استحقاقه إياه وسلامته. وهذا مما وجد الإمام العادل، ولم يوجد للذي يناصبه، لأن العقد له وقع لهما رضاء بما تقدمه من العقد للإمام العادل، فلم تثبت له حقيقة الإمامة، وأن تثبت صورة الأئمة من طريق كثيرة الاتباع والله أعلم.
[ ٣ / ١٧٩ ]