وهو باب في حق السادة على المماليك
وهو لزوم العبد سيده في إقامته حيث يراه له ويأمره به، وطاعته له فيما يطلب. ولك أن الله ﷿ قطع من الحقوق التي تكون من الحر في نفسه كثيرًا من العبد لأجل سيده، وجعل سيده أحق به منه بنفسه في أمور كثيرة. فإذا استعصى العبد على سيده، فإنما استعصى على الله ﷿ لأنه هو الحاكم عليه بالملك لسيده، والسالب إياه ما كانت من الحقوق في نفسه، فلا فرق بين العصيان من هذا الوجه، والعصيان بإنكار سائر المحظورات. ولا بين الامتناع من هذا الحكم وبسخطه، وبين الامتناع بين سائر الأحكام وبسخطها، وقد قال الله ﷿: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾. وقال: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾.
فأما عبد أبق من سيده واستعصى عليه ونزع نفسه من طاعته فلم يسلم لأمر الله ﷿ وحكمه وحكم رسول الله ﷺ، فإن ذلك منه إخلالًا بشعب الإيمان وتركا له. ومن الحقوق التي ذكرنا أن الله ﷿ قطعها من العبد من جنس ما يثبت للأحرار في نفوسهم الملك، فإنه لا يملك أصلا، ولا يتزوج أربعًا، ولا ينكح بغيره إذن سيده، ولا يأتي الجمعة إلا بإذن سيده ولأنه كفل لأحد من أحد إلا بإذن سيده. ولا يجاهد إلا بإذن سيده، ولا يحج إلا بإذن سيده، ولا يقبل منه إلا بإذن سيده، ولا وصية توصى له إلا بإذن سيده، وإن جنيت عليه جناية عمد وجب مثلها القصاص، فالأمر في ذلك إلى سيده
[ ٣ / ٢٧٣ ]
دونه. وإن زوجه وهو صغير لزمه النكاح، وإن يزوجه كبيرًا بغير إذنه، فقد اختلف فيه، وجعل له أن يستخدمه ويخدمه غيره وهو كاره. وأن يتبع خدمته وأن يصرف عليه خراجًا وهو كاره، ويسافر به وهو لا يعرف قصد سيده، فيصير مسافرًا بسفر، يقصر بقصره، ويفطر بفطره. وهذه أحكام ثابتة وجبت وجوب سائر أحكام الشريعة لا تضيع من سيده، ولو أراد السيد أن يغفر له عن شيء منها، ما يعيد عفوه، ولا يغير الحكم لإرادته.
فإذا استعصى العبد على سيده والحق الإضرار بنفسه، فإنما يستعصى على الله ﷿ وكان حكمه ما ذكرنا والله أعلم.
وأيضًا فإن الله ﷿ جعل كل مالك ظاهرًا بالحقوق التي ذكرنا على مملوكه، فكذلك جعله ولي نفسه، والقيم عليه يعوله ويمونه ويعلمه بالدين ويروضه وينفعه، كما يفعل ذلك لولده. فلم يكن له أن يعصيه فيما هو من حقه، كما لا يكون للولد أن يعق الوالد ويعصيه فيما هو من حقه.
وأيضًا فإن العبيد والإماء أمناء ساداتهم على أنفسهم وما تحت أيديهم. فأي شيء خانوا ساداتهم فهم فيه كسائر الأمناء إذا خانوا، غير أن خيانتهم في نفوسهم الأباق أو في منافع أبدانهم بمنع الخدمة وإظهار العصيان أقطع. قال النبي ﷺ: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته). فالعبد راع على مال سيده، وهو مسؤول عنه، وإذا خان كان مسؤولًا عما في يده من مال سيده، فهو بأن يكون مسؤولًا عن نفسه، وهو مال سيده أولى وأحق والله أعلم.
ثم أن النبي ﷺ كما وصلى المالكين بالمملوكين، فكذلك قد عرف المملوكين حقوق المالكين، وبين لهم ما يستحقونه من الأجر، إنما حقوق المالكين إليهم دلالة على أنهم إن حبسوها عنهم كان ما يستحقونه من الإثم بقدره.
[ ٣ / ٢٧٤ ]
فروي عنه ﷺ أنه قال: (ويل للمالك من المملوك، وويل للملوك من المالك، وويل للغني من الفقير، وويل للفقير من الغني، وويل للجاهل من العالم، وويل للعالم من الجاهل، وويل للشديد من الضعيف، وويل للضعيف من الشديد). وقال: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع عليهم وهو مسؤول عنهم والرجل على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).
وجاء عنه ﷺ أنه قال: (للمملوك الذي يحسن عبادة ربه، ويؤدي إلى سيده الذي له من الحق والنصيحة والطاعة، أجران: أجر ما أحسن من عبادة ربه، وأجر إلى ما أدى إلى مليكه الذي له عليه من الحق). وأيضًا فإن الزوجية شبهت بالرق، قال النبي ﷺ: (اتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، واتخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله). ومعلوم أن الزوج كما أنه مخاطب في امرأته بالإحسان إليها والعطف عليها والمرأة مخاطبة بالطاعة لزوجها، وتغلظ عليها حقه قال النبي ﷺ: (لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد غير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، فوالذي نفسي بيده، لا تقضي امرأة حق زوجها حتى لو سألها نفسها وهو على قتب لم تمنعه). فدل ذلك على السيد إذا خوطب بالإحسان إلى إلى مملوكه كان المملوك كذلك مخاطبًا بأن لا يعامل سيده بالغيظ والضجر، ولا يرى أنه باسترقاقه ظالم له مسرف عليه ويؤدي إليه ماله عنده من الحقوق، لا بخباثة فيها، ولا يبخسه شيئًا منها. ويعلم أن تقصيره فيما أوجب الله تعالى لسيده ليس بأدنى من يجامل سيده عليه واحدة بما لم يوجب الله عليه، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ٢٧٥ ]