وهو باب في الستر على أصحاب القروف
قال الله ﷿: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة﴾.
وقال ﷺ لهزال: (هلا سترت عليه ولو بثيابك!). وقال ﷺ: (من أتاه على مسلم عورة ليشينه بها بغير حق شانه بها في النار يوم القيامة). وقال ﷺ: (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض إلى الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رجله). وهذا قدر يلتحق بالباب الذي قبل هذا، لأن أحدًا لا يحب أن تهتك ستره، فينبغي أن لا يهتك ستر أخيه. وقد يزيد عليه بأن في إشاعة الفاحشة على واحد من المسلمين خيفة أن يفتدى به فيها من أهل الملة من يسمع مواقعته لها. وفيها أيضًا إشمات أعداء الملة بأهلها، ويمكنهم من القدح فيهم والثلب لهم، ونسبهم إلى أنهم غير معتقدين ما يظهرون. فمن هذين الوجهين ينبغي الستر على أصحاب المعاصي والقروف، كما ينبغي من الوجه الذي سبق في الباب الذي قبل هذا شرحه.
ومنها تخفيف أمر الفاحشة على قلب من يشاع فيه، لأنه ربما كان يخشى أن يعرف أمره ولا يرجع إلى ما قارفه أو يستغل منه. فإذا هتك ستره اجترأ وأقدم، واتخذ ما وقع منه
[ ٣ / ٣٦١ ]
عادة، فيعسر بعدها عليه النزوع عنها، وهذا إضرار به. فينبغي أن يتقي من هذا الوجه الرابع، كما وجب أن يتقي من الوجوه المتقدمة.
ومنها إسقاط جاهة وحرمته بين الناس، لأنه لا ينظر إليه بعدما عرف منه كما كان ينظر إليه من قبل بتطليق الألسنة بالسب والشتم، وهذا أيضًا نوع من الإضرار به. فينبغي أن يصان عنه.
فإن قيل: فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أترغبون عن ذكر الفاجر أو الفاسق، اذكروه بما فيه كي يحذره الناس).
قيل: هذا في الفاسق المجاهر المعلق بذكر ما فيه، لأنه لا يبالي بذلك، ليحذره من لم يبلغه حديثه، فلا يعقد نكاحًا بشهادته، ولا يقتصر على إشهاده في الحقوق التي يجب توثيقها بالشهود.
فأما من بدرت منه زلة في خفية، وظاهره عند الناس جميل، فهو خارج عن حكم هذا الحديث، وملتحق بالجملة الأولى، وبما جاء عنه ﷺ من قوله: (أقبلوا ذوي الهنات عثراتهم أو زلاتهم). فالإمساك عنه وعن كل مستر أولى، والله أعلم.
ومنها معنى سادين، وهو أنه إذا لم يكن للمتحدث بالفاحشة عن غيره غرض صحيح بالتحدث، فلا ضرورة إليه، فإنما ينعته عليه الدغل، ورداءة الطبع وسوء النية، وكل ذلك مذموم. فكان ما يدعو إليه من الإساءة مذموم.
قال علي ﵁، وذكر آخر الزمان والفتن، قال: خير أهل ذلك الزمان كل الفوقه أولئك مصابيح الهدى ليسوا بالمسابيح ولا المذابيع البذر والفوقة الحامل والمذياع المسمع بالفواحش عمن يراها فيه، والتشيع لها، والساح الذي يسح في الأرض بالشهر والنميمة، والإفساد بين الناس والبذر جمع الباذر، وهو الذي يبذر الكلام بين الناس. كما لا ينبغي لأحد أن يهتك ستر غيره من إخوانه المسلمين فأولى به وألزم أن لا يهتك
[ ٣ / ٣٦٢ ]
ستر نفسه. جاء عن النبي ﷺ: (من أتى منكم من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإنه من تبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله). فأمر كل واحد بالستر على نفسه. وجاء عنه ﷺ في هذا الحديث، وهو أن قال: (إياكم والمجاهرة! قيل: وما المجاهرة؟ قال: يبيت أحدكم يذنب ذنبًا قد ستر الله عليه، ثم يصبح فيحدث به الناس، فيخرج سترًا ستره الله عليه).
وعلة هذا أن من فعل فاحشة ثم تحدث بها، فقد جمع إلى مواقعة الذنب الجرأة عليه، وقلة المبالاة، وذلك أغلظ من أسراره، وإخفائه. لأن الأسرار لا تكون إلا من الخوف والوجل. ألا ترى أن جرم المحارب إذا قتل وأخذ المال، أغلظ من جرم القتال السارق وسمى الله ﷿ ذلك محاربة الله ورسوله. فما جرى مجراه فهو في الغلظ والقبح مثله. وإذا رأى رجلًا فلا يرى، ولم ير معه غيره، وفيه إذا هتك ستره معنى سابع وهو أنه يعرض نفسه للحد مع معرفته بصدقه.
وهذا القرار منه بنفسه، فلا ينبغي له أن يفعله. وكذلك إذا رأيت أربعة من الفساق الأخلاط رجلًا له امرأة على الزنا الكامل، أو فاسقًا رجلًا يشرب أو يسرق، فيسألهم سئل الواحد، فأما إذا رأيت أربعة من العدول رجلًا وامرأة على زنا كامل. أو رأى هذان رجلًا يشرب الخمر أو يسرق. فليس هذا موضع الأمر بالستر لما فيه من تفصيل حدود الله تعالى. وينبغي لهم أن يشهدوا القيام الحد الذي وجب، فيكون فيه طهارة للحدود، وردع له ولغيره عن مثل فعله، لأن الله ﷿ يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾.
فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ: (ادرأوا الحدود ما استطعتم) والشهود يستطيعون درأه لئلا يشهدوا! قيل: بل لا يستطيعون ذلك، لأن على الشهود إذا خافوا أن يتأول حق ويضيع، بتركهم إقامة الشهادة، أن يشهدوا ويحيوا الحق. فصح أنهم لا يستطيعون
[ ٣ / ٣٦٣ ]
الدواء بعد ما عاينوا أو عرفوا. وإنما هذا خطاب للآية في الحد إذا تردد من وجه إقامة، ووجه دفع، ليغلبوا وجه الدفع على وجه الإقامة. فأما غيرهم فهم من هذا بمعزل، وبالله التوفيق.
وكل ما سبق ذكره فهو في الفواحش التي لا تخرج عن الملة. فأما إذا سمع رجل رجلًا أظهر الإسلام وقال: إني مسلم، يتكلم بكلام الكفر فعرف به أنه من المنافقين فلا ينبغي له أن يستر عليه. فإن الله ﷿ لم يستر على المنافقين، لكنه أنزل على نبيه ﷺ سورة ينبئهم بما في قلوبهم، ويقرر عنده كذبهم، فكانت تلك السورة وهي التوبة، تسمى في الصحابة الفاضحة والتأدب بأدب الله تعالى في من ظهر بفاقة أن يفضح ولا يستر عليه، لمعلم المسلمون أنه خارج من جملتهم، ولا يغيروا بما يظهروه لهم، فينكحوه، أو يأكلوا ذبيحته، إن كان كفره كفرًا. فحرم ذباح أهله، ولا تقدموا للصلاة، فيصلوا خلفه، أو يرضى أحد منهم بأطفاله ولاية ماله. وإن كان كذلك واقعًا منه على سبيل الارتداد عن دين الحق بعدما كان يعتقده، دعي إلى الرجعة، فإن أجاب، وإلا قتل والله أعلم.
وهذا لأن من أظهر للكفر، فقد زالت حرمته، فإن الحرمة فيما أوجبنا فيما تقدم ستره، إنما كان لدين المتعاطي له فإذا لم يكن دين فقد زالت العلة، والله أعلم، وبالله التوفيق.
* * *
[ ٣ / ٣٦٤ ]