وهو باب في تعديد نعم الله ﷿ وما يجب من شكرها
قال الله ﷿ فيما عده على عباده من نعمة نبههم بذلك على ما يلزمهم من عبادته تعظيمًا وشكرًا: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم، والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذي جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾. فاحتمل قوله ﷿ ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ معنيين:
أحدهما: اعبدوه ولا تخلوا بعبادته ولا تغفلوا عنها فمن حقه عليكم أن تعبدوه، إذ كان خلقكم وهو يرزقكم وينعم عليكم.
والآخر: اعبدوه دون غيره، فإن خلقكم وخلق من قبلكم إنما كان منه، ولا تجعلوا له أندادًا واخلصوا العبادة له، ولا تسموا باسمه وهو الله لا إله غيره.
وليس بين المعنيين تناف، فقد يجوز أن يكونا جميعًا مرادين بالآية. ثم إن الله ﷿ بين بما عدد من نعمه على الناس ما يلزمهم بها من تعظيمه أولًا، ثم شكره على ما ابتدأهم به منها، فقال: ﴿اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ فكان أول ما ذكر من نعمة خلقه إياهم. وهذا- والله أعلم إشارة إلى نفس الخلق بهنائه التي أولاها الحياة، ثم العقل لأن الحي بالعقل يعلم نفسه ويعلم غيره ويعلم فاعله، ويميز بين الشيء وضده. وبعض العلم الذي ذكرناه ضرورة وبعضه اكتساب، إلا أن كل علم، وكل ذلك فضله. والعقل الذي يتوصل
[ ٢ / ٥١٩ ]
به إليه فضيلة، ووجود لمن يوجد فيه فضيلة. ثم الحواس الخمس التي هي مشاعر ضرورته، وهي: السمع الذي يدرك به الأصوات، والبصر الذي يدرك به الألوان، والشم الذي يدرك به الروائح، واللمس الذي يدرك به خشونة الشيء ولينه، والطعم الذي يدرك به مرارة الشيء وحموضته وحلاوته.
ووجه الفضيلة في وجود الحواس لهو في وجود العقل. فقد ذكر ﷿ بعض هذه النعم في غير هذه الآية، فقال: ﴿هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلًا ما تشكرون﴾. أي إنما خلق لكم هذه المنافع لتشكروه. ومعنى تشكروه تستعملونها في طاعته خاصة، ولا تستعملونها في معصيته. ثم إنه خلق الإنسان سويًا معتدلًا منتصب القامة، شاخص الرأس والوجه. وقال: ﴿أفمن يمشي مكبًا على وجهه أهدى أمن يمشي سويًا على صراط مستقيم﴾.
وقال: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ فقبل من تكريمه أن جعله يأكل بيديه ولم يحوجه إلى أن يأخذ الطعام من الأرض، ولا كالفيل الذي يأخذ الماء بخرطومه فيصبه منه في حلقه.
ومن نعم الله تعالى على الإنسان أن أعطاه اللسان ففضله به على سائر الحيوان، كما فضله بالعقل. حتى إذا أراد إطلاع غيره على ما في نفسه خاطبه وأعرب عنه بلسانه، فعلم المخاطب بذلك مراده. فإذا أراد أن يعلمه شيئًا هو جاهل به خاطبه، وبين له بلسانه ما في نفسه. فإذا سمعه ذلك الغير أدرك مراده منه، فصار مكانه في العلم الواقع له فذلك قوله ﷿: ﴿الرحمن علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان﴾ ويتلو هذا، الخط بالقلم، لأن فيه من الإفهام ما في المنطق. قال الله ﷿: ﴿وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم﴾ وليس موضع المنة بالخط والقلم بأقل موضع المنة بالبيان. ولا أعجوبة فيه أقل منها في الكلام. فإن الواحد كما يكون عنده
[ ٢ / ٥٢٠ ]
علم مكنون من خبر السماء والأرض لا يعلمه منه إلا الله، فتكلم غيره بحروف ليس فيها إلا إنها أصوات مقطعة، فيقع له إذا سمعها من العلم مثل ما هو واقع للمتكلم، ولما لم يكن منه للآخر شركة في الجهة التي منها كان له العلم. فكذلك يكون له عنده علم وهو بأقصى المشرق، فيأخذ ورقًا فيصور فيه حروفًا وينفذها إلى أقصى المغرب، فإذا نظر فيها الناظر وقع له العلم الذي عند الكاتب المصور لتلك الحروف. فليس أحد التدبيرين والوضعين أدنى رتبة ولا أقل فائدة، ولا أنفص حكمة من الآخر، ولا المنة به من مدبره ووضعه أقل منها بالآخر. وفي إنعام الله ﷿ على الإنسان منه عز اسمه أخرى، وهو أنه يتيسر له لذكر الله ﷿ دعائه بالأسماء الحسنى، ومدحه بالصفات العلى، وقراءة كتابه المنزل وسنن نبيه ﷺ، وتعليم كل ذلك غيره. ومثل هذه المنة في الحواس موجودة لأنه يدرك بالجمع وحي الله ﷿ الذي أوحاه إلى أنبيائه. ويدرك بالبصر ملائكته وأنبياءه وآياتهم. ومن فاتته مشاهدتهم، فأصحابهم وأبصارهم وخلفاؤهم، وكل واحدة من هاتين المنتين ففيها زيادة على المنة الواقعة بنفس السمع والبصر، لأن تلك هي منة الإدراك فقط. وهاتان إنما يرجع المعنى فيهما إلى شرف المدرك وجلال قدره، فلذلك كان النبي ﷺ الذي يسمع الوحي أشرف وأجل قدره من الذي لا يسمعه. ونما يقف عليه نبينا مع الشيء إياه. وكان الصحابي إذا أدرك الرسول وصحبه أفضل من التابعي، والتابعي الذي لم يدركه ولم يصحبه. فهذا يدل على إن سماع الوحي، وعيان الرسول فضل. ولا شك في وجوب المنة، بما يقع التوصل إليهما به وبالله التوفيق.
وبما أنعم الله تعالى على الناس في هيئة خلقهم إن جرد أبدانهم عن الشعور، فلان ذوات الشعور، خلقت شعورهم لتكون أثاثًا ومتاعًا، فلما لم يخلق فوق الناس من يمتهن الناس، سائر الحيوان، أشعر الناس بغير شعار الحيوان سواه. ولأن سائر الحيوان إذا لم يكن لها عقول لم تقدر من تدبير أمرها ما يقدر عليه الناس، فجعلت لها الشعور لتقيها الحر الشديد والبرد الشديد، وتحول بين أبدانها وبين لصلابة الأرض وبذلك وقذاها، ولم يخلق الناس الشعور لأن التجرد عنها أنعم لأبدانهم وأمكن لتنظيفها، فإن تأذوا بحر أو برًا قدروا على التخلص منها بالأكباد والملابس. وإن احتاجوا إلى ما يحول بينهم وبين خفاء الأرض وأبدانها وأقذيتها، وجدوا من الفرش والمتاع ما يتوصلون به إلى ذلك،
[ ٢ / ٥٢١ ]
فيكون استعمالهم كل شيء أعد لهم من هذه الآلات بقدر الحاجة إليه لتدوم لأبدانها النعمة ولنفوسها الطيبة، ولا يحدث عنها أمر يتأذى به.
وأما المخالب، فإنها لم تجعل للناس لأن ذوات المخالب لم تقبض لها من سعى عليها، فاحتاجت إلى أن تسعى على أنفسها، وسخرت مع ذلك للناس حتى إن أرادوا منها أن تصطاد لهم كما تصطاد لأنفسها، أصابوا منها حاجتهم، ولم يكن فوقهم من يسخرهم، فأشعر كل ما يليق بحاله والله أعلم.
ولأن الناس إذا كانت لهم عقول، فإذا تمكنوا من الاصطياد بالآلات التي تصلح له، والسباع لا عقول لها، فكفيت أمرها أن خلق من الآلة لها والله أعلم.
فإن قيل: أقل ما ذكرتم في هذا وفي الشعر، وجب أن يكون حظ غير الناس من نظر الله تعالى أكثر من حظ الناس، لأنها مكفية والناس معرضون لتكلف كثير، والكفاية أنظر من التكلف.
قيل: ليس كذلك، لأن الكفاية الواقعة لغير الناس، إنما هي بإحضارها الآلات بأعبائها في الأصل عما يحتاج إليه الناس. فإذا استوى الكل في الحاجة، كان الناس معانين بالآلات بقضاء حوائجهم بها إذا عرضت، ثم يرفضونها ويعيشون دونها مترفهين وغيرهم تلزمه آلاتها في حال الحاجة وغير حال الحاجة لا يجدون محيصًا من كلها، كان ذلك أدل لها وأشق، وكان ما وصفناه من حال الإنسان وأنعم الإنسان وأوفر. فصح أن حظ الإنسان من نظر الله ﷿ أكثر من حظ غيره.
وأيضًا فإن الله ﷿ إنما لم يخلق للناس الشعور لأنه أراد أن يكسوهم من الملابس الناعمة الحسنة البهية ما كساهم، فجردهم عن الشعور ليخرجهم إلى من أعد لهم، حتى إذا وصلوا إليها ومكنهم منها تنعموا بها وابتهجوا، ولم يخلق لهم مخالب لأنه أراد أن يطعمهم مما تنبت الأرض أصناف الطيبات. وأن يخلق لهم من الأسلحة أصنافًا يتقون بها أكثر من المخالب، وأمكن النيل من العدو. وكان من الجنس أو من غير الجنس، ومما تباح لحومها من الدواب والطائر وإخلاهم من المخالب ليحوجهم إليها، حتى إذا يسرها لهم ومكنهم منها أكثروا وتقووا وابتهجوا.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
فأما عن الناس، فإنه لم يكن جعل لها في شيء في هذه النعم نصيبًا فبصرها على أقل الكفاية، وألزم نفسها ما تنزاح به عللها، فكان الناس لا شك أحسن حالًا وأوفر من نظر الله ﷿ حظًا وبالله التوفيق.
ومما أنعم الله تعالى على عباده أن جعلهم ينامون فيستريحون بالنوم من الإعياء وفطنت به نفوسهم، فقال ﷿: ﴿وجعلنا نومكم سباتًا﴾ يعني راحة لأبدانكم ثم جعلهم ينبهون من نومهم إذا قضوا منه أوطارهم من غير أن يحتاجوا في ذلك إلى قيام من بعضهم على بعض، ويتوصل إليه بترفق، أو يقال: ليرجعوا مصالحهم وإكسابهم ومعائشهم، فيتمكنوا منها. وأرى كثيرًا منهم في المنام، كثير من الكوامن المستقبلية إما بأعيانهم، وإما بأمثال ضربها لها فيها وفرحوا منها لما سروا وشعروا ما سأقبل أن يكون فكانوا من وقوعه على استعداد. فلم يخل ذلك من أن يكون نظرًا منه ﷿ ورفقًا منه تعالى بهم. فإن المستعد لما هو نازل به من المكروه أحسن حالًا فيه من الجاهل العافص به، وكان من ذلك ما يتهيأ استقباله بما يدفعه، فكان الإعلام به واقعًا لهذا المعنى، فاقترن به التوصل إلى الخلاص، والتمكن من الدفاع. وكان من ذلك ما هو تعليم وإرشاد، فكان موقعه كموقع الخبر الواقع في حال اليقظة أو أكثر. وكل هذا رفق من الله ﷿ نظره، هو محبوب مرغوب فيه، وإلى مكروه منزه عنه.
فجاء في باب الاضطجاع عن عباد بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله ﷺ مستقبلًا في المسجد واضعًا إحدى رجليه على الأخرى.
وروى ذلك عن عمر وعثمان وأنس، كذلك عن الحسن والشعبي، ومنع المرأة أن تنام مستقبلة على ظهرها، رأى عمر بن عبد العزيز بنية كذلك فنهاها. والرجل من أن ينام على وجهه، رأى رسول الله ﷺ رجلًا قد نام على بطنه فحركه برجله، وقال: (هذه ضجعة يبغضها الله).
وعن عمرو بن سويد أن أبغض الرقدة والضجعة إلى الله ﷿ أن يضجع الإنسان
[ ٢ / ٥٢٣ ]
على وجهه. ويكره للرجل أن يقعد بين الظل والشمس، لأن النبي ﷺ (قال): (ومن نام فليضطجع على يمينه).
فإنه روي أن رسول الله ﷺ كان يضطجع على شقه الأيمن ويجعل يده اليمنى تحت رأسه، ويده اليسرى بين رجليه. وروى أبو قتادة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا عرس وعليه ليل اضطجع على يمينه، وإذا عرس وليس عليه ليل هكذا- ووضع أصابع كفيه تحت أذنه-.
ولا ينبغي لأحد أن يبيت على سطح ليس له ما يستره، فإن رسول الله ﷺ قال: (من ركب الصرحين ربح، فلا ذمة له، ومن بات على ظهر بيت ليس عليه ما يستره فمات فلا ذمة له).
وفرش لأبي أيوب الأنصاري على سطح ليس عليه حائط فأمر بفراشه في الليل فأنزل وقال كدت أبيت الليلة لا ذمة لي، ولا ينبغي لأحد أن ينام في موضع وحده، فإن رسول الله ﷺ نهى أن ينام الرجل وحده أو يسافر وحده، وقال ﷺ: (لو يعلم الناس في الوحدة ما أعلم لم يسر راكب بليل وحده أبدًا). ويكره النوم أول النهار وآخره، قال عمرو بن العاص ﵁: النوم ثلاثة: فنوم حرق، ونوم خلق، ونوم حمق. فأما نوم خرق فنومة الضحى وقضى الناس حوائجهم وهو نائم. وأما نومة خلق فنومة القائلة نصف النهار. وأما نومة حمق، فنومة حين يحضر الصلاة.
وجاء في حديث أظنه مرفوعًا: (من نام بعد العصر، فأصابه ألم فلا يلومن إلا نفسه) وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عامل: بلغني إنك لا تقيل، وإن الشياطين لا تقيل، ومعنى هذا إن من كان من شياطين الإنس فهو الذي لا يقيل لكنه يترصد. ومما أنعم الله على عباده أن علمهم الصناعات والحرف على كثرتها، ونقبها وجعلها لهم
[ ٢ / ٥٢٤ ]
مصالح ومكاسب مما عمله على صانع لخاصة نفسه، فهو له مصلحة. وبما عمله لغيره بعوض فهو له مكسبة، ثم تعود المكسبة إلى معنى المصلحة، لأنه لنفسه يكتسب، أما دافعًا لكسب ضرورة مواقعه، وإما مستعينًا به على ضرورة إن وقعت كيلا يعجز حينئذ عن دفعها.
ومنها إنه جل وعلا فعل الأعمال كلها معاون للحياة، ثم لم يركبها على كل واحد من الناس، ولكنه فرقها بينهم، فجعل كل واحد منهم يعمل منها عملًا، حتى إذا حصلت المعاون كلها لوقوع التحايل منها، وجد المشارك في المعيشة والهناء بالحياة. ألا ترى إن كل واحد من الناس لو احتاج إلى أن يزرع لنفسه ويقوم على الزرع بالسقي وغيره إلى أن يدكه ثم يحصده ويدرسه ويذريه ويحمله إلى بيته، ويأخذ منه الشيء بعد الشيء فيطحنه ويرده ويسقي الماء ويعدنه ويخبزه، يعمل ذلك كله بيده، ثم يحتاج في ذلك إلى أن يحصل كل واحد من آلات الحرث بيده فيطحنه ويرده ويسقي الماء ويعجنه ويخبزه، يعمل ذلك كله فيقتلع الحديدة من المعدن بيده، ويدينه ويضربه على ما يصلح له بيده، ويقطع من الخشب ما يحتاج إليه. فيركب أحدهما على الآخر بيده، ويسوي آلة الحصاد كذلك بيده، وآلة الدراس وآلة التذرية، ويغزل الصوف وينسج ما يعمل منه الأوعية بيده ويملأ ماء يحملها بنفسه ويسوي آلات الطحن كلها واحدة بعد واحدة، ثم يطحن بيده، ويجمع ما يحصل فيرده إلى مكانه بيده، ويتخذ الآلة التي يحتاج إليها للعجن بيده ويسقي الماء ويعجن بيده. ويتخذ التنور فيذر أمره من أوله إلى آخره بيده، وينصبه بنفسه، ويحمل الحطب بيده، ويوقد النار بيده، ويخبز بيده ويأخذ بيده، ويحتاج مع ذلك بيتًا وصنفًا ليلًا ونهارًا في أصناف ما يلبسه إلى مثل هذا الشغل. وفيما يفرشه وفيما يكنه من البيت إلى مثله. واحتاج فيما ينعقد، وفي كل معونة في معاون الحياة إلى مثل ذلك لمات المحتاج إلى اللقمة الواحدة ولما يدركها ويبلغ حاجته منها. فمتى كان يكون التفرغ إلى عمل الآخرة واستنباط العلوم واكتساب المليئات منها.
وكان من نظر الله تعالى لعباده أن فرق هذه الأعمال بين العباد، فجعل واحدًا يحرث وواحدًا يحصد وواحدًا يغزل وواحدًا ينسج، وواحدًا يتحر، وواحدًا يصوغ، حتى إذا اشتغل كل واحد منهم ليشتغل نجحت الاشتغال بما حصل من التظاهر عليها، ففرغ
[ ٢ / ٥٢٥ ]
كل واحد منهم بما يحمله غيره عنه لمصالح الدين والدنيا فهيأت الجماعة الحياة واستطابوا العيش، فذلك قوله ﷿: ﴿نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا﴾. قيل إنما أراد به ما وصفنا والله أعلم.
وأما قوله ﷿: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم﴾. فإنه امتنان بما جمله للناس في الأرض من المرافق فمنها إنها مختصة بالناس وبما يحتاج إليه الناس، ليس عليهم فيها دخيل من غيرهم يضيقها أو يكدرها ويبغضها عليهم. فهي لهم أحياء وأموات، يسكنونها ويعمرونها ويزرعونها ويغرسون فيها، ويذهبون ما يشاؤون فيها ويغيرونها من حال إلى حال كما يريدون. فربما طيبوا ودايًا، وربما سقوا أوانها، وربما خفضوا ربوة وربما رفعوا وهدة. وربما عمروا خرابًا، وربما خربوا عامرًا، لا يمنعون من ذلك عما يشتهون ولا يدفعون. وجعل لهم أن يقيموا في منازلهم المعتادة وأن يضربوا في الأرض فيمشوا في مناكبها، ويبتغون من فضل الله، والزيادة من خيراته ونعمه، وسخر لهم البحار على صعوبها وشدة أهوالها، فهم يركبونها ولا يدعون في مائها حوتًا إلا أخذوه فأكلوه ولا في قعورها لؤلؤًا وزبرجدًا إلا استخرجوه، فحلوا ذوات الحل منهم به أو باعوه. فأصابوا منه الأموال، ودحروا هالة الدجالين، وجعل بعض تباع الأرض بمنزلة الخزائن لهم. فمنها من يخزن لهم المياه التي فيها حياة النفوس والبلاد. قال الله ﷿: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾. وقال: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا لنحيي به بلدة ميتًا ونسقيه مما خلقنا أنعامًا وأناسي كثيرًا﴾. وقال: ﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون﴾. وقال: ﴿فسلكه ينابيع في الأرض﴾. ومكن العباد من استنباطه والانتفاع به، وأكرم خليله إبراهيم ﷺ في ولده الصغير لما أسكنه الحرم بأمره. فأرسل جبريل حتى فتح له عين زمزم وأنبط منه الماء فجيء به الوالد وأمه
[ ٢ / ٥٢٦ ]
وصار بعد ذلك ميراث لعقبه، طعامًا لمن طعم، وشفاء لمن سقم. وقال فيه النبي ﷺ: (زمزم لا تنزح ولا تزم وتسقي الحجيج الأعظم).
وكان في أمر عبد المطلب قبل المبعث في شأنه ما كان، ونكتف من كتاب محمد بن إسحق إن احتيج إليه.
ومنها ما يحزن لهم الملح والنفط والكبريت والنورة والزرنيج والعصر، وما شيء من هذه إلا ولهم فيه منافع ومرافق.
ومنها ما يخزن لهم الذهب والفضة اللذان لا غنى لأحد عنهما، وبهما يتوصل إلى الحاجات والمآرب التي جعل طريق الوصول إليها بالمال. ووجودها وعدمها، وقلتهما وكثرتهما يتميز الغني من الفقير، والمتوسط من المتوسع والمقتر ونصب في أماكن من الأرض جبالًا جعلها كلها رواسي لئلا تميل بالرياح العواصف والزلازل العظيمة الأرض، فيهلك من عليها من الناس والدواب. وجعلها بعضها معادن للجواهر النفيسة، وفي بعضها القناص، وأصنافًا من النبات والشجر، يختص كل منها بفائدة ومنفعة وتجمع كلها في أنها وقود للناس وعصمة من أذى البرد الذي إذا اشتد لم تقم له الأبدان ولم تحمله. وجعل فيها اكنافًا كالبيوت ينحصر بها من تدعوه الحاجة إليها.
فأما ما سهل من الأرض وفصل عن المياه، فلم يكن لها قرارًا وعر المسالك والمساكن ومعادن الوحوش والسباع، فقد مكن للناس أكثر ما يحتاجون إليه منها حتى يزرعوا ويحرثوا ويغرسوا، فيكون لهم منها المعايش والمنتزهات، ويتوفر عليهم من قبلها الأقوات والبركات. فهذا حالهم فيما جعله الله تعالى لهم من الأرض التي أسكنهم إياها. فكانت لهم بساطًا وفراشًا، ومهادًا وكفافًا وقرارًا، كما سماها الله ﷿ وقال: ﴿والأرض وضعها للأنام، فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف والريحان﴾.
وأما السماء فإنه رفعها فوقهم رفعًا عاليًا حسد، لأنه لو أدناها من الأرض ومراحهم
[ ٢ / ٥٢٧ ]
هذه المراح وهي محيطة بالأرض إحاطة قشر البيض لحرقة لم يتناهوا ولهلكوا إما بركود الهواء وانكباشه فإن ذلك مما يخنق ويقتل، وأما بشدة حر النار التي فوق الهواء، فإنها إذا دنت من الأرض أهلكت إما بالحرق وإما بالدغ والفم، فرفعها بلطفه رفعًا بعيدًا عاليًا شديدًا وزانها بما ترى من الكواكب، ورتب منها الشمس والقمر، فجعل الشمس ضياء والقمر نورًا وقدره منازل، لتعلموا عدد السنين والحساب. وفرق بين الليل والنهار فسير الشمس وهداكم بالنجوم في ظلمة البر والبحر، فقال ﷿ في ذلك: ﴿وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا﴾. أي كالسقف فيما نرى. وقال: ﴿والسماء بناء﴾. أي كما مرفوع علي. وقال: ﴿إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب﴾. وقال: ﴿جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر﴾. وقال: ﴿وجعل الشمس سراجًا﴾. وقال ﵎: ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجًا، وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا﴾. ﴿وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورًا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب﴾. وقال: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾.
وقال في الجبال: ﴿والقى في الأرض رواس أن تميد بكم﴾. وقال: ﴿والجبال أوتادًا﴾. وقال في البحر: ﴿وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا، وتستخرجوا منه حلية تلبسونها. وترى الفلك مواخر فيه لبتبتغوا من فضله﴾. وأما الماء فقد قال فيه سوى ما كتبنا: ﴿أولم يروا إنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعًا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم، أفلا يبصرون﴾. وقال: ﴿وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء، فأخرجنا منه خضرًا تخرج منه حبًا متراكبًا. ومن النخل من طلعها قنوان دانية، وجنات من أعناب،
[ ٢ / ٥٢٨ ]
والزيتون والرمان مشتبهًا وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾.
وقال: ﴿ومن آياته إنك ترى الأرض خاشعة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج﴾ ثم إن الله ﷿ جعل مما ينبت من الأرض أصنافًا، فمنها: الأقوات التي جعلها مادة لنفوس الحيوانات، وجعلها على أن لا يتنافى إلا بها. وجعل الأقوات أصنافًا وفاوت بينها في المنافع والطعوم، لأن ذلك الدر أنعم من أن كانوا يقتصدون على صنف واحد. ومنها الثمار هي أصناف، لكل صنف منها لذة وطعم ومنفعة على الانفراد. ومنها ما يقتصر منها على الأذهان المختلفة المنافع، الكثيرة الفوائد.
ومنها التوابل والأباريز والنقول: (وهي) أصناف، ولكل صنف منها فائدة ومنفعة. وكل شيء مما ذكرنا قوتًا كان أو فاكهة أو دواء أو إزار، فهو زائد على قدر الحاجة ومحاق في الكثرة على ما تقع به الكفاية.
فإن قيل: أليس منها السموم؟ قيل: ليس منها السموم. قيل ليست بخالية على الفائدة لأنها تعدل باعبادها، فينتفع بها في دفع ضرر ذوات السموم، ولا ينتبذ بها على قدر النعمة في الأقوات والثمار وسائر البركات، وذلك من أعظم الفوائد. ومنها أوراق الشجر التي جعلت لدود القز، فيكون منها القز الذي ننسج منه أصناف الملابس والحرير وأوراق الشجر التي يقع عليها النحل فيخرج من بطونها العسل الذي فيه شراب ودواء وطعام وغذاء.
ومنها القطن الذي تكون منه عامة الملابس على كثرتها ونفعها والإغناء بالرجال والنساء في الصيف والشتاء عنه. ومنها الكتان الذي يتخذ منه لطائف اللباس. ومنها الكلأ الذي جعله الله على كثرة أصنافها أقوات للدواب والأنعام حتى إذا رعته أدته إلى الناس شحمًا ولبنًا على ما قد عرف من تفصيل ذلك وترتيبه. وقد جمع الله هذا كله في قوله ﷿: ﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه، إنا صببنا الماء صبًا، ثم شققنا الأرض شقًا فأنبتنا فيها حبًا وعنبًا وقضبًا، وزيتونًا ونخلًا، وحدائق غلبًا، وفاكهة وأبًا، متاعًا لكم ولأنعامكم﴾.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
ثم جعل فيها نبته الأرض وراء ما ذكرنا فوائد، لأن منه الأشجار غير المثمرة وما غير من الثمرات التي يقل لذلك ثمرها، فإنها وقود. ومنها ما يصلح لأن تبني بها البيوت وتتخذ منها السفن التي لا يتهيأ ركوب البحار والأودية العظيمة الأنهار. ومنها ما يتخذ أصناف المتاع يحتاج إليها في الحضر والسفر. ومنها ما يبنيه جرائر البحر الشجرة التي تنبت لعن وهي قابله، لا تأكل منها دابة إلا قتات إلا أن الغير فرس المذة لا تخفى عظم فوائده ومنافعه على من له بصر بهذه الأمور ومن الحشائش ما يعمل منها البسط للبقاء ويقمنا كالعباد إنبات ويغرها مما يتصل بحسنها، وما يراد منها كثيرًا من البسط الناضرة، المتمنه سواها. ومنها ما يفرش غير منسوج النبتة فتقوم مقام الدولي وغيرها. ومنها ما يتخذون منه عرائس كرومهم. ومنها ما يتخذ الكواغد، فيكتب فيها كتاب الله ﷿ والسنن والأحكام وغيرها من العلوم والآداب.
ومن الشجر النخل الذي لا يضيع شيء منه، يتخذ من خصومه المراوح والرمائل، ومن لحاه القراطيس، ومن ليفه الرسن. فيكون ثمره للناس قوتًا وفاكهة، ونواه للأنعام علفًا، وكل ذلك غير مستغن عنه في موضعه.
ومما تنبته الأرض ما يكون صبغًا يروق به في تلوين ما ينسج من الفرش والكنائس لا من قبل الحسن وإنما من قبل المنفعة.
ومما على الأرض البهائم والدواب والطير، وهي أصناف، وكل صنف منها يختلف ويتفاوت، وفي كل منها فائدة ومنفعة، لأن لحومها غذاء، وأصوافها وأوبارها وأشعارها أثاث ومتاع. وهذا الأرنب الذي هو من أوضع دواب الأرض يتخذ من صوفه الحرور، الذي ليس في الملابس أرفع قدرًا ولا أعلى ولا أكثر ثمنًا منها. وجلودها بعضها لباس وهي الفراء والحقاق والمكاعب والنعال، وبعضها أسقية ومزاود وسطائح وزنابيل، ووكز وسفر وسروج وبسط وجرب. وكثير من الآلات في كل شيء من ذلك منفعة، وفائدة تخصه حالة يحتاج بعضها إليه، وأعظم ذلك الرق الذي يكتب فيه كتاب الله ﷿، وما يستجاب من الدعوات. وقد ذكر الله ﷿ بعض هذه المنافع فقال: ﴿وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتًا تستخفونها يوم طعنكم ويوم إقامتكم، ومن أصوافها وأوبارها
[ ٢ / ٥٣٠ ]
وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين﴾.
ومما أفاد الناس من البهائم ألبانها التي هي كاللحم في الفائدة والمنفعة، وقد ذكر الله ﷿ فقال: ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة، نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين﴾. يعني- والله أعلم- من الجوف الذي هو معدن الفرث والدم، لأن في الأمعاء الفرث، وفي الرحم الدم، ولا شك في اتصال الإخلاف بالأرحام. اللبن هو ما يحله الله من الدم ونضره، ولذلك صارت المراضع لا تحضن كما لا تحضن الحوامل. فاللبن إذا كان خارجًا من الجوف، فهو خارج من معدن الفرث ومعدن الدم، فصح أن يقال من بينهما والله أعلم.
وقد جعل الله تعالى اللبن أول أقوات المولودين، فركب في الأم الحنو والشفقة على المولود، وأهمها العلوف عليه إلى أن يسعى عنها، فقال: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه، حملته أمه كرهًا، ووضعته كرهًا. وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾. والفصال لا يكون إلا من الرضاع، فصار مذكورًا بذكره.
وقال: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود رزقهن وكسوتهن بالمعروف، ولا تكلف نفس إلا وسعها، لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده﴾ وإنما نهى عن ذلك لما حل كل واحد من الوالدين عليه الرأفة والرحمة بالوالد. فجعل منع الرجل المولود من الأم ليلًا ترضعه ضرارًا لها. وامتناع الأم من الرضاعة ليضطر إلى استرضاع غيرها ضرارًا له، ولم يجعل لواحد منهما الفصال قبل الحولين، لأن ذلك ضرًا، والولد حكمًا لا يكون لواحد من الاثنين مضارة للآخر. كذلك لا يكون له مضارة الولد أن يجتمعا عليه بعد الارتياء والنظر والتشاور، فيعلم أن المولود لا يتضرر بالفصال، فيكون اتفاقهما ماضيًا بينهما لعدم الضرار فيه والله أعلم.
وهذا كله نظر من الله ﷿ للوالدين لئلا يكون من واحد منهما سببًا لهلاك الولد، فيفجعهما فقده، وللولد انبراح علته، وتتوفر عليه مصالحه، فبلغ المبلغ الذي يرجوه الوالدان لأنفسهما وله.
[ ٢ / ٥٣١ ]
ومن الدواب ما خلق للركوب وحمل الأثقال، وفيها ما جمع بين المنفعتين أكل اللحم والركوب. قال الله ﷿: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم. والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾. وقال: ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعامًا، فهم لها مالكون، وذللناها لهم، فمنها ركوبهم، ومنها تأكلون. ولهم فيا منافع ومشارب أفلا يشكرون﴾.
وأما السباع فمنها ما سخرتها للناس بأن جعلها قابلة لتعلمهم كالفهود والكلاب وسباع الطائر، كالبازي والعقاب والصقر والشاهين، فإذا تعلمت وارتضات كان فيها من المنفعة أن تكتسب لأربابها إذا حملتها عليه وقد ذكر الله ﷿ فقال: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم، قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكليين تعلمونهن مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه﴾.
وإما ما لم يسخرها من هذه الوجوه، فلم يحل الناس من تسليطهم عليها، وتقويتهم على قهرها. ولهم في جلودها المنافع، فإنها قد تكون تشبه الدواب في وقت القتال. وقد تكون فرشًا وبسطًا إذا دبغت. فإن فضل عما ذكرنا شيء لا ينتفع به كالخنزير وغيره مما لم يبح أكل لحمه، فذلك لا يعارض غرضنا فيما نسوقه من هذا الباب، لأن الأغراض في الانتفاع موجود في ذلك كله. فإن كان الله ﷿ لم ينعم بالإباحة، فقد أنعم بما كان في الامتحان ما حصر من الحكمة، لأن العبد إذا حافظ على حق الله تعالى، واستباح ما أباح له شاكرًا، واتقى ما حرم الله عليه صابرًا، أثابه الله تعالى بشكره المباح خيرًا منه، وبصيرة على المحظور خيرًا منه، فلم يحل خلق المحظور من أن يكون للبائن كخلق المباح وبالله التوفيق.
ذكر النار: وفي الأرض التي تؤذي، فيكون منها السرج المهتدى بها في الليل بدلًا من ضياء الشمس في النهار، وما يشبه السرج من المشاعل والشموع والقناديل، ويكون منها ما يحتاج إليه للخبر والطبخ والشي وتسخن الماء الذي يغسل به الثياب، أو يحتاج
[ ٢ / ٥٣٢ ]
إليه كثير من الأوقات. وما يحتاج إليه لإلانة الحديد وإذابته وإذابة سائر الجواهر التي لا يحتمل ما يصنع منها إلا بلينه مذابه من الذهب والفضة والنحاس وما يشبهها وما يحتاج إليه منه الوقود والاصطلاء به أيام البرد.
ذكر الهواء فوق الأرض، الهواء الذي إن منع نفوس الأحياء اختنقوا، وحاجة الأبدان كحاجتهم إلى الماء وأشد، لأن كل مخنوق يحل خناقه، فأول ما يفزع إليه هو الهواء فإذا تنشقه ورجعت منه إليه نفسه كالماء، وقد لا يحتاج في ذلك الوقت إلى الماء، ولكنه لا يستغني عن الهواء. إن الله ﵎ وضع الزمان أربعة فصول مرجعها إلى تغير أحوال الهواء، وهو يولج من بعضها من بعض ما يولج من الليل في النهار، ومن النهار في الليل، لأنه جعل الربيع الذي هو أول الفصول حارًا رطبًا، ورنت فيه النشوء والنمو، فتنزل فيه المياه، وتخرج الأرض وهرتها، ويظهر نباتها، ويأخذ الناس في غرس الأشجار وكثير من الزروع، وتتوالد فيه الحيوانات، وتكثر الألبان. فإذا انقضى الربيع تلاه الصيف الذي هو مشاكل للربيع في إحدى طبيعته وهي الحرارة، ومباين له في الأخرى، وهي الرطوبة، لأن الهواء في الصيف حار يابس فتنضج فيه الثمار والحبوب البادية في الربيع، ويدرك من الرطاب والخضراوات. فإذا انقضى الصيف تبعه الخريف الذي هو مشاكل للصيف في إحدى طبيعته وهي اليبس، ومباين له في الأخرى وهي الحر. لأن الهواء في الخريف بارد يابس، فيتناهي فيه صلاح الثمار وتمكين وتجف، فتصير إلى حال الادخار فتقطف الثمار، وتحصد الأعناب، وتفرع من جميعها الأشجار فإذا انقضى الخريف تلاه الشتاء، وهو ملائم للخريف في إحدى طبيعته وهي البرد، ومباين له في الأخرى وهي اليبس، لأن الهواء في الشتاء بارد ورطب، فتكثر الأمطار والثلوج وتمهد الأرض كالبدن المستريح فلا يتحرك إلى أن يعيد الله إليها حرارة الربيع، فإذا اجتمعت مع الرطوبة كان عند ذلك النشوء والنمو بإذن الله تعالى.
وهو نظير إيلاجه الليل في النهار بأن ينقض من ساعات الليل، ويزيد ساعات في النهار. فإذا اعتدلا واستويا نقص من ساعات النهار وزاد في ساعات الليل إلى أن يعتدلا. ولا يزال يولج كل واحد منهما في الآخر ما بقيت الدنيا، إلى أن يأذن الله في زوالها.
ولما كان من وضعه عليه أمر هذا العالم، إنه ربما قصر الليل وأطال النهار، وربما
[ ٢ / ٥٣٣ ]
أقصر النهار وأطال الليل، جعل أيام الشتاء هي القصيرة وأيام الصيف هي الطويلة. لأن ليل الشتاء يمنع الناس من التصرف والانتشار، فجعل زمانه أقصر ليأووا قريبًا إلى منازلهم ويتحصنوا بأكسائهم، ويساموا فيها بالنبات الدفية والاصطلاء بالنار من غوائل البرد. ثم عوضهم منها طول أيام الصيف حتى يتسعوا في الانتشار، ويتمكنوا من التصرف والتكسب، ويتوصلوا إلى حاجاتهم، ويقضوا ما في النفوس من أوطارهم. فيرجعوا إلى منازلهم وقلوبهم فارغة، ثم لا يطول مكثهم فيها، لكن إنما هو أن تستريحوا بالنوم وقد أصبحوا، فعادوا من كثير من الاضطراب والتصرف. وهذا في إطالة ما يطيله وتصيره ما يقصره.
فأما أصل الليل والنهار، فيكون النهار المنصرف في أمور معائشهم والتوسل فيه إلى مكاسبهم. والليل لراحتهم وجمام أبدانهم. وكل هذا من الله ﷿ إرفاق وأنعام وفضل وامتنان. وقد ذكره الله تعالى فقال: ﴿قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدًا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه، أفلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيها ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾. أي لتكونوا عند توفر هذه النعم عليكم من الشاكرين لله ﷿.
ذكر الرياح: ثم إن الله تعالى كما فاوت بين أحوال الهواء فجعله مرة حارًا ومرة باردًا، وفي وقت رطبًا وفي وقت يابسًا، فكذلك فاوت بين حالته، فجعله مرة ساكنًا ومرة متحركًا. فالريح يحرك الهواء وقد يشتد وقد يضعف، فإذا بدت حركة الهواء من وراء القبلة وكانت ذاهبة إلى اتجاه القبلة، قيل لتلك الريح الدبور، وهي التي ذكر النبي ﷺ أن عادًا هلكت بها. وهي التي أرادها الله ﷿ بقوله: ﴿وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية﴾ إلى قوله ﴿خاوية﴾. وقال: ﴿إنا أرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا في يوم نحس مستمر تتنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر﴾.
وإذا بدت حركة الهواء عن يمين القبلة ذاهبة إلى يسارها، قيل له ريح الجنوب. وإذا بدت حركة الهواء عن يسار القبلة ذاهبة إلى يمينها قيل له ريح الشمال. ولكل واحدة من
[ ٢ / ٥٣٤ ]
الرياح طبع. فتكون منفعتها بحسب طبعها. فالصبا خاوية يابسة. والدبور باردة طيبة. والجنوب حارة رطبة. والشمال باردة يابسة. واختلاف طباعها كاختلاف طباع فصول السنة.
وقد تهب رياح كثيرة سوى ما ذكرنا إلا أن الأصول هذه الأربع، فكل ريح هب بين ريحين مما ذكرنا فحكمها حكم الريح التي تكون فيه هبوبها أقرب إلى مكانها. وهذا هو الكلام فيما يرجع من منافعاها إلى الأبدان.
ثم إن لها منافع سواها: فمنها الرياح الشجر، قال الله ﷿: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾. ومنها حمل السحاب، قال الله ﷿: ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته، حتى إذا أقلت سحابًا ثقالًا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون﴾.
وهذا ما سخره الله تعالى لمصالح الناس ليكفيهم به مؤونة استنباط المياه من العيون ولعل الحاجة تقع إلى الماء حيث لا عين، أو لا سبيل إلى الوصول، فأزاح الله بعلمه بما يحمله السحاب من الماء ويرسله من الريح ليحمله في الجو، ويمسكه على ظهرها بقدرته ومشيئته حتى إذا أراد إنزال شيء من الماء ببلد أنزل منه المقدار الذي يريد لطفًا منه وفضلًا تبارك اسمه وعزت قدرته.
ومنها سوق الفلك في البحر، قال الله ﷿: ﴿ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره﴾. وهذا لأن ماء البحر دائم. فإذا لم تكن ريح فلا حركة للسفن، حتى إذا هاجت الريح كانت هي التي تحرك الفلك وتزيحها، ولن يكون هبوبها إلا بإذن الله، فهو الذي يسير الناس في البر والبحر، كما قال ﷿.
ومن فوائد الرياح إن الله ﷿ كما جعلها كرامة لنبينا ﷺ أحوج ما كان إليها، فقال ﷿ في كتابه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم
[ ٢ / ٥٣٥ ]
جنود فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها﴾. إلى آخر هذه الآية. فكذلك جعلها من معجزات سليمان ﵇ لأنه سخر له الريح، فكانت تغدو شهرًا، وتروح شهرًا. ولم يذكر الله ﷿ في كتابه إنها تغدو وتروح. فذكر في الإخبار أن الشياطين كانت أعدت له مدينة من قوارير، وأنه كان يدخلها بنسائه ومن يريد من قومه، ثم يأمر الريح أن تحملها، فتحملها حمل الرياح السحاب، فتغدو بها مسيرة شهر، وقيل إنه يحمل قومًا على ألواح وأمر الريح فحملتها وجاوزت بها البحر، ثم أنزلتها حيث أمرها به، فقاتلت قومًا من العدو وظفرت، ثم ركبت الألواح فرفعتها الريح وحملتها إلى أن عادت بها معهم إليه مظفرة منصورة. وهذا الذي سبق اقتصاصه من جملة ما أنعم الله تعالى به على عباده في هيأت خلقهم، والمرافق التي جعلها لهم في أرضه وسمائه وما بينهما، ووراء هذا إنعامه عليهم بأن خاطبهم وأمرهم ونهاهم، وجعل صلاحهم لذلك ثمرة للعقل والبيان الذي أعطاهم وميزهم بالتيسير لعاد به عن البهائم، وألحقهم في ذلك بالملائكة، فعوضهم ذلك، يعلموا ما شرعه، فيستوصوا به ثناءه ومدحه وثناء الملائكة المقربين ومدحهم، ويستفيدوا به النعيم المقيم الذي لا ينتقص ولا ينفي ولا يبيد.
وقد يكون في هذا، إنه لما خلق لهم من الخيرات والبركات في الدنيا ما خلق يعيدهم ليقضوا بالعبادة حق هذه النعمة، فيعوضهم من شكر النعمة المنقضية الدائمة خلافًا لحال البهائم التي تصيب ما تصيب من رزقه بلا عبادة تحصل من جهتها، فينقضي أمرها بانقضاء أكلها، ولا يكون لها في نعيم الآخرة نصيب.
ومن ذلك إنعامه ﷿ بفتح باب في الدعاء والمسألة على العباد، واعتداده جل اسمه ذلك، عبادة منهم له، فقال: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾.
وجعل سببًا بكلامهم من أهوال عظيمة وشداد حادثة، نحو إحاطة السبع الواحد والإشراف على المغرق في البحر من هبوب العواصف وتلاطم الأمواج وحدوث أمراض لم تجر للعادة في البر.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
ومنها وغير ذلك من عوارض كثيرة جرت العادة بانكشاف البلية فيها بالدعاء والتضرع إلى الله ﷿، حتى إن كثيرًا من الدهرية الذين لم يدعو الله لأجل التي سمعوها من المسلمين، ولم يعترفوا لأجلها بالصانع ﷿، آمنوا بالله تعالى وأقروا به لما رأوه من نجاة الذين أحاطت بهم الأمواج في لجج البحار، وصاروا إلى حال لا يتوهم معها لهم خلاص، ولا يعلم لسلامتهم سبب ولا احتيال إلا بدعائهم وابتهالهم وتضرعهم حتى لم يمسهم سوء، أو سلموا عن عامة كانوا رصدوه من المكروه، وكانت السلامة لركاب البحر من هذا الوجه وبهذا السبب أغلب من التلف. قالوا: فلولا إن الذي يعبدونه بدعائهم موجود كما يقولونه، وله الخلق والأمر كما يعتقدونه، لكان الذي لا يمكن ولا يجوز غيره أن يعطبوا ولا يتخلصوا، فصار ذلك سببًا لإيمانهم واعترافهم بما لم تلجئهم الدلائل العقلية المعتبرة، غير أن الجدل المهذبة من الشوائب كلها ساقت النظر إلى قبوله والاعتراف بصحته، ولهذا قال الله ﷿: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾. وقال: ﴿ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله، إنه كان بكم رحيمًا وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورًا، أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبًا ثم لا تجدوا لكم وكيلًا، أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى، فيرسل عليكم عاصفًا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعًا﴾.
وقال: ﴿هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف، وجاءهم الموج من كل مكان، وظنوا أنهم أحيط بهم، دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين، فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق﴾.
فامتن الله جل ثناؤه على العباد بما نجاهم من دعواتهم في لج البحار خائفين مضطرين مشرفين على أعظم ما يكرهون، وينسبوه لهم من الخلاص والنجاة، ثم عاتبهم على ما
[ ٢ / ٥٣٧ ]
يفعلونه بعد الخروج إلى البر من شكر تلك النعمة، ويقابلونه بها من عاجل النسيان والرجوع إلى ما كانوا عليه من قبل، من التهافت في الطغيان والتسارع إلى العصيان كأنهم أمنوا وأيقنوا أن لا سبيل بعد ذلك لله تعالى عليهم، فلا وصول- عزت قدرته- إليهم.
فقال ﴿أمنتم﴾ يعرفهم أنهم لا أمانة لهم من عذابه، إن أراد تعذيبهم، فلو شاء لأهلكهم في البر بحاصب يرسله عليهم فيه، فليس الإهلاك كله في الماء أو بالماء. ولو شاء لألجأهم إلى ركوب البحر ثانية، حتى إذا ركبوا أرسل عليهم ريحًا يقصف الفلك ويكسره، وأغرقهم جزاء لهم بكفرانهم النعمة في التخليص السابق. أي فإذا كنتم تعلمون أن لا أمان لكم من هذا المؤاخذات، فلم تكفرون النعمة وتريدون المعصية وتمنعون الطاعة. أي فلا تفعلوا ذلك، واشكروا النعمة وآثروا الطاعة والعبادة، فإن ذلك خيرًا لكم وأعود عليكم وبالله التوفيق.
ومن نعم الله ﷿ على عباده أنه لما أراد منهم العبادة، وكانوا لا يصلون إلى ما يريده منهم إلا بتوقف، أرسل إليهم رسلًا من جنسهم وجعلهم قائمين عليهم، يعلمونهم ما يجهلون ويأمرون وينهون وينشرون ويقدرون ويعدون على الطاعة ما يرغب فيها، ويتوعدون على المعصية بما يروع عنها، ولم يقتصروا على أن يعرفهم ذلك مرة واحدة، فيعودوا إلى ما كانوا عليه ويصيروا كأن لم يسمعوا ما قيل لهم، ولكنه ﷿ أقام الرسول بينهم ليدربهم على العبادات ويأخذهم بالواجبات إلى أن يموتوا عليها ويألفوها ويتعظموا عن العبادات الجاهلية وينسوها، وربما قيض رسولًا واتبعه غيره إلى أن ختم النبوة نبينا محمد ﵊. فأقام ما أقام ستر الأمة جادًا مجتهدًا إلى أن دخل الناس في دين الله أفواجًا، واستعلى الحق وزهق الباطل، وظهر أمر الله. فلما توفاه الله إلى كرامته خلف القرآن وهو أعظم دلائله وأشرف آياته وبيناته بين ظهراء أمته، مهما يكن من الستر فكان تبعًا للقرآن الجامع لها به ما شرع له في أمته من بعده كالحي القائم بينهم، لا تفوتهم إلا رؤيته، ولا تنقصهم إلا مشاهدته، فكان نعمته على الرسل أن فضلهم وشرفهم واصطفاهم على غيرهم بأن ائتمنهم على وحيه، فأحبهم بشفاء ربه، وجعل منزلتهم من غيرهم كمنزلة ملائكته منهم، ونعمته على المرسل إليهم إن لم يخلهم وأهواءهم، ولكنه أعانهم بمن يسددهم ويرشدهم إلى ما هو الأصلح لهم لئلا يخلدوا في حقوقه إلى التقصير،
[ ٢ / ٥٣٨ ]
فيستوجبوا به العذاب بالتكبر، وجعل الرسول من الجنس لتوفر السكون إليه، ويسهل الأخذ عنه، فلو كان الرسول من غير الجنس لاشتد النفور وصار ذلك سببًا للتباعد عنه وله الحمد بها على كل نعمة كما يستحقه.
ومما خص هذه الأمة به من نعمه أن جعلهم أمة وسطًا ليكونوا شهداء على الناس، فقال: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾. وذلك لأنه جعلهم أمة خير الأنبياء وأفضل الرسل صلوات الله عليه وعليهم أجمعين. وجعل شريعته آخر الشرائع تنسخ كثيرًا مما تقدمها ولا يأتي بعدها ما ينسخها، ووضع عنه الامار والأغلال التي كانت على المتقدمين، وبناها على السهولة والسماحة، ووعدهم على لسان نبيه صلوات الله عليه أن يكونوا أكثر أهل الجنة، هذا مع حقه بحملهم وقصور أمدهم، فإن قال: (بعث والساعة كهاتين، وضم أصبعيه السبابة والوسطى). إن كادت الساعة لتتيقن، وذلك مثل ضربة لقربها، ودلالة على أن مبعثه من أشراطها إذا كان نبي آخر الزمان كما تقدم به من الله البيان. لكن الله تعالى ضاعف لهم أجور أعمالهم كرامة لنبيه ﷺ فقال فيما يروى عنه: (إنما مثلكم فيمن مضى قبلكم كرجل استأجر أجيرًا فعمل له من أول النهار إلى الظهر بقيراط، فأولئك اليهود. ثم استأجر أجيرًا فعمل من الظهر إلى العصر بقيراط، فأولئك النصارى. ثم استأجر أجيرًا فعمل له من العصر إلى آخر النهار بقيراطين فأولئك المسلمون. فغضب الأولان وقالا: نحن أكثر عملًا وأقل أجرًا. فقال: هل منعتكم من أجوركم شيئًا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء).
ثم إنه ﷿ ضمن لهذه الأمة حفظ القرآن، فقال: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون﴾. ولم يضمن مثل ذلك للأولين في الكتب التي أنزلها عليهم لأنه قال: ﴿بما استحفظوا من كتاب الله﴾. فأخبر أنهم استحفظوه ولم يخبر بأنه ضمن لهم حفظه
[ ٢ / ٥٣٩ ]
فأداهم الأمر إلى أن صنعوا كتبهم. وأخبر الله تعالى ما وعده، فحفظ فينا كتابه وهو حافظه بفضله إلى أن تقوم الساعة، وسعة رحمته. ثم إنه ﷿ خص هذه الأمة باجتهاد الرأي في التوارث والأحكام، ووضع عنهم الخطأ فيه ما لم يكن منهم نقص في الاجتهاد، ومسامحة أنفسهم فيه، وميل بالهوى إلى وجه من الوجوه المحتملة دون غيره وقصد إلى أن يظهر الرجحان دون ما سواه، فانبسط لسعيهم من علم الدين ما كان منطويًا، وظهر منه ما كان كامنًا مختفيًا وقام بتخليص الأصول وتفريع الفروع قوم يقوم خبر النبي ﷺ عنهم والبشارة بهم، حيث قال فيما روي عنه: (إن في أمتي قومًا كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء). فانتهوا فيها إلى أقصى حدود الإمكان، وظهرت لهم فيما تكلفوه من الله آثار الكرامة وخلد المدح والثناء عليهم إلى يوم القيامة.
وبلغ قوم سواهم في نصرة الدين والرد على الملحدين مبلغًا لما يبلغه ذو ملة ممن خلا في نصرة دينه، فما بقوا للمخالفين شبهة إلا حلوها، ولا حجة فيما عندهم إلا دفعوها، ولا نبأ لهم إلا هدموه، ولا أصلًا إلا كسروه، فخلص الدين بحمد الله محروسًا بالسيف والقلم، ظاهرًا من الله تعالى على سائر الأديان ظهور العلم. وكل ذلك مما أنعم الله تعالى به على هذه الأمة من الإمداد الذي أمدهم بها، والمعادن التي أجزل حظوظهم بينها، وإن عددنا نعمه لم نحصها فله الحمد دائمًا والشكر واجبًا كما يستحقه.
فصل
فإن قال قائل: أليس كما أنعم الله تعالى على عباده بهذه النعم وبغيرها مما لم يذكروها، فقد ابتلاهم ببلايا، وختم عليهم بالمنايا، وحل بينهم وبين الخطايا، وعرضهم بها لأسوأ القضايا فما الوجه في هذا عندكم. فالجواب:- وبالله التوفيق- إن البلايا ضربان:
ضرب جعله الله تعالى عقوبة لمن أصيبه. فإذا صبر المبتلى عليه وتاب إلى الله من ذنبه، جعله تمحيصًا له وكفارة، وضرب يعوض به من يناله، لما هو خير له مما يبتليه إياه ببلية. وهذان جمعًا للمؤمن.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
وأما الكفار فليس أمرهم بخارج من أن يكون عقوبة لهم، لا تتضمن معنى التمحيص لأنه لا تمحيص مع الكفر، ولو أسلموا في تلك الحال لصار لهم تمحيصًا. وكذلك التعويض للثواب إنما يقع لهم بشرط الإيمان فيفسدونه على أنفسهم بترك الإيمان. كما أن جعل من ذلك للمؤمنين تعويضًا للثواب، إنما يكون ذلك بشرط الصبر والاحتساب. فإن جزعوا وقالوا لا ينبغي لهم أن يقولوه، أفسدوه على أنفسهم، وليس إقبال العبد النعمة على نفسه بدافع أن يكون الله تعالى قد أنعم عليه، كما أن الواحد منا قد ينعم ببعض ما عنده على آخر فيعيده على نفسه ببعض ما يفسد به مثله، فلا يدفع ذلك وجود الأنعام من الآخر عليه، والله أعلم.
وأما الميتة فليس بخارج من وجوه الأنعام لأنها تخلص المؤمن من دار المحنة، وتريحه من الجهد، وتؤمنه من الخوف، وتصيره إلى ما أعد الله من حسن المآب وجزيل الثواب. وأما الكافر فإنها تقطعه عن ازدياد المآثم والأوزار والاستكثار من الجرائم والاصار.
فهي إذًا لكل واحدة منهما نعمة والله أعلم.
فإن قيل: لو كانت نعمة للكافر لأنها تقطعه الآثام، لوجب أن لا تكون نعمة للمؤمن لأنها تقطعه عن الحسنات.
قيل: إن المؤمن إذا انقطع عن الحسنات فقدم قدم منها بالحجارة عن النار، ونورده من النعيم على ما له في أيسر اليسير منه كفاية، والكافر لم يقدم إلا السيئات فإذا انقطع عن ازديادها، استفاد بذلك أن لا يزاد العذاب عليه. فالميتة إذًا خير له وليست بشر للمؤمن وأما التخلية من العناد والخطايا، فكلا أن تكون واقعة من الله تعالى، لأنه قد نهى وتوعد العذاب ووصفه بما يحذر ويرهب منه، فأنى يكون مع ذلك تخليه؟
فإن قيل: فهلا أعجز عن الخطيئة؟ قيل: لو أعجز عنها لم يكن العبد ممتنعًا عنها، ولم يكن ذلك العجز له عبادة، ولم يقض عنه من حقوق الله تعالى حقًا.
فإن قيل: فلماذا يعقد وهو غني عن أن يعبد قيل: لأنه عرض العبد لما يعبده للثواب. فإن قيل: وماذا كان لو أحسن إليه واجتباه من الخير ما أراد من غير أن يتعبده قيل هذا المتكلمي: الإسلام طريقان: أحدهما لا سؤال في مثل هذا الموضع، لأنه إنما يرجع
[ ٢ / ٥٤١ ]
إلى الله ﷿، وقد قال في كتابه: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾. وقال: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾. وقال: ﴿إن الله يفعل ما يشاء﴾ وقال: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾. وقال: ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾.
فلو أراد أن يتعبد أحدًا بأمر ولا نهي، ويدخلهم الجنة ويبيحهم نعيمها من غير طاعة تكون منهم، كان له ذلك. وإن تعبد ولم يدخل أحدًا الجنة إلا أن يكون الإيمان قد سلم له، فذلك أيضًا له وهو حقه. فلا سؤال بمثل هذا الوضع لأحد وإلا يعبد، إنه ولم يتعبد العبد، فيجعل له طريقًا إلى العبادة، ولم يستوجب العبد عليه إحسانًا وتخلا عن الوسيلة إلى ربه لأنه لما خلقه بدأه بالإحسان، بأن خلقه حيًأ وأعطاه بيانًا وعقلًا، أزاح علله، وأناله من الخيرات أكثر مما كان يحتاج إليه فوجبت له بذلك عليه حقوق، لو أراد أن يقضيها حتى يخرج من عهدتها ما قدر عليه، فإذا خلا بعد هذا عن العبادة كان الحق كله لله ﷿ عليه، ولم يكن قبل الله تعالى وسيلة إذا تعبده بالأمر والنهي، يعيد الطاعة له في أمره ونهيه، صار التزام العبودة واستشعار الذلة وإظهار الرغبة والرهبة، وسيلة له عند الله تعالى يستحق بها أن يحسن الله تعالى. فإذا تعبده لتكون له هذه الوسيلة فيحسن إليه لأجلها.
فإن قيل: أليس لو أحسن إليه بلا استحقاق لكان ذلك الفضل والكرام سنة فيه إذا أحسن إليه عن استحقاق، وهلا أحسن إليه متبديًا إن لم يريد، ما فعل إلا الإحسان.
قيل: هكذا كان يكون، ولكنه لما كان عدلًا أراد أن يظهر عدله، بأن يوجب للعبد الحق، ثم يجزيه بحسنة عشرًا أو أكثر، فيكون أظهر عدله وفضله معًا، كما أنه تعالى خلق ليظهر قدرته، وأعطى ما خلق العقل ليعرف نفسه إليه. وكذلك أوجب الحق للعبد ثم قصه، ليعرف بذلك عدله وفضله.
فإن قال: ولم كان هذا؟ وماذا لو لم يخلق أحد، فلم يعرف أصلًا: قيل: لا شك إن العقل يدل على أن القديم إذا كان له من المدائح ما قد عرف. فإن يكون له من يعرفه
[ ٢ / ٥٤٢ ]
ويعرف مدائحه ويدعوه بها أحسن من أن لا يعرفه ولا يعرف تلك المدائح له إلا نفسه، فإنما خلق ويعبد، لأن ذلك أحسن، واختيار الأحسن أحسن من اختيار ما ليس بأحسن، وهذا موضع قطع السؤال.
فصل
وإن سأل سائل: عن التعريض للثواب بالإيلام والأموال لم جاز أرأيتم لو أحد منا، هل يكون له أن يضرب عبده ليعطيه مالًا، فإذا كان ذلك قبيحًا فيما بيننا، فلم جاز وجود ذلك من القديم إن كان هو الفاعل له كما يقولون؟
قيل: في هذا طريقان كما ذكرنا في السؤال الأول: أحدهما أن لا سؤال عليه لأن ليس لأحد عليه أمر ولا نهي ولا فوق سلطانه سلطان، وإنما قبح ما قبح من العباد لمخالفتهم فيه أمر الله ﷿، فإذا لم يكن على الله تعالى أمر ولا نهي لم يقبح منه شيء يفعله.
والسؤال عن أفعاله ساقط لأنه ﷿ كما وصف نفسه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
والطريق الآخر إن الله ﷿ يعلم أن الثواب الذي يعطيه العبد، وأسر له إذا لقيه من العافية التي يسلبه إياها في الحال، ويعلم أنه واصل إليه غير متخلف عنه، ولا فائت إياه، لأنه في يده وفي سلطانه، لا يخش أن ينس ولا أن يحول حائل بينه وبين إيصاله إلى العبد، فحسن منه أن يمنعه، وإحدى الحسنيين وهو العافية لما هو أحسن منا.
وأما الواحد منا فإنه لا يدري إن ما أعده لعبده خير من العافية الحاضرة، ولا يدري أن يصل إلى ما في نفسه من الإحسان أو لا يصل إن وصل. فهل يستمع العبد به أو لا يستمع؟ ولعله يصير وبالًا عليه وسببًا لهلاكه. ولعله يذهب منه قبل أن يستكمل رؤيته. وإذا لم يكن من هذا شيء، فليست العافية من عطيته. فيكون له أن يمنعها إياه، ليعرضها منه عطية أخرى. وإنما هي عطية الله ﷿، إذا أعطاه إياها أعطاه نظرًا له، فهو أعلم بالخير له، والعبد لا يعلم من ذلك إلا ما يعلمه الله تعالى فكيف يكون له أن يتعرض لتكديره وتعييره، وإنما حسن مثل هذا من الله تعالى لأنه امتنان بالعافية. فإذا أراد أن يأخذها ليبدل مكانها خيرًا منها، فإنما يبدل عطية بعطية. فكان ذلك من معاملة
[ ٢ / ٥٤٣ ]
الواحد منا عبده، نظير أن يكون قد من عليه وقتًا بشيء وسكنت نفسه إليه، فينزعه من كرهًا، ويعوضه خيرًا منه، فيكون ذلك حبسًا منه، فكذلك إيلام الله تعالى العبد للثواب حسن منه، لأنه في هذا المعنى وبالله التوفيق.
ذكر الدلائل على وجوب الشكر: قد بدأنا في أول الباب بقول الله ﷿: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ وبينا أن الأذكار عند الأمر بالعبادة بأنه خلق الناس، وجعل لهم الأرض فراشًا والسماء بناء وأنزل من السماء، فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم وجعلها رزقًا للناس، ونصًا من الله ﷿ الشكر من عباده، وشكره إنما يكون بعبادته. وذكرنا بعد هذه الآيات آيات في معناها، ومما يلتحق بها قوله ﷿: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾. وفي عدة مواضع من سورة البقرة. وقوله ﷿ للمسلمين: ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزوًا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا﴾. وذكرنا هذه الآية في باب حب النبي ﷺ، وبينا ما فيها من مواقع نعم الله على نبينا محمد ﷺ عندنا، وقال فيما خاطب به بني إسرائيل: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا﴾.
وقال في المؤمنين: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود، فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها﴾. وقال: ﴿يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم، هل من خالق غير الله يرزقكم﴾. وقال: ﴿وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره، ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه﴾. وحكي عن موسى بن عمران ﵇ إنه قال لقومه: ﴿فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون﴾. وعنه ﵇ أنه قال لقومه: ﴿يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم﴾. وقال في عدة مواضع في سورة الرحمن: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾. إلا قالوا:
[ ٢ / ٥٤٤ ]
ولا شيء من آلائك ربنا نكذب. فهذه آيات وقع فيه الإذكار بالنعم، والإذكار بها لا يكون إلا لاستدعاء الشكر واستقصار النعم عليه فيه.
وقال لموسى ﵇: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ أي ذكر قومك بنعم الله، وما ذاك إلا ليشكروا ﴿أما ترى ..﴾ إلى قوله ﴿إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ وقص على الأمر بالشكر في عدة آيات، منها قوله تعالى في سورة البقرة ﴿واشكروا لي ولا تكفرون﴾ وقوله ﴿اعملوا آلا داود شكرًا وقليل من عبادي الشكور﴾. وقال: ﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبًا، فمنه يأكلون، وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب، وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم، أفلا يشكرون﴾ وقال فيما وصفه من الحكمة التي أعطاها لقمان: ﴿إن اشكر لي ولوالديك، إلي المصير﴾. وقال فيما حكي عن سليمان ﵇ عند رؤيته عرش بلقيس: ﴿فلما رآه مستقرًا عنده، قال: هذا من فضر ربي ليبلوني، أأشكر أم أكفر، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم﴾. وقال: ﴿إن الإنسان لكفور﴾. وذمه إياه بالكفران إن اقتضاء للشكر. وفي آية أخرى ﴿لعلكم تشكرون﴾ فأحدهما اقتضاء والآخر استقصاء واستنباطًا.
وقد ثبت بجميع ما كتبنها، وما عسى سهونا عنه، فلم نكتبه وجوب شكر الله تعالى على العباد لنعمه الكثيرة العظيمة السابغة لديهم، ولا شك إنها إذا كثرت وفاتها الإحصاء لم يتوصل إلى شكرها إلا بذكرها ودراستها وعرضها على القلوب عند رين الغفلة. فإذا حصلت مذكورة فالشكر لها يختلف:
فمنها اعتقاد إن الله ﷿ قد أنعم فأكثر وأجزل. وكل ما بها من نعمه فمنه، لا من الكواكب، كما قول بعض المبطلين. وإن كلها فضل منه وامتنان، وإنا إن اجتهدنا لم نرد شكرها ولم نقدرها حق قدرها.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
ومنها الثناء على الله ﷿ وحمده، وإظهار ما في القلوب من حقوق هذه النعم باللسان، والجمع فيما بين الاعتقاد والاعتراف الذي يقتضيه تعظيمه، ولا تعظيم كالطاعة.
ومنها أن يكون العبد مشفقًا في عامة أحواله من زوال نعم الله تعالى عنه، وجلا من مفارقتها إياه، مستعيذًا بالله تعالى من ذلك، سائلًا إياه متضرعًا إليه أن يديمها له ولا يزيلها عنه.
ومنها أن ينفق مما أتاه في سبيل الله ويواسي منه أهل الحاجة، ويعمر المساجد والقناطير ولا يدع بابًا من أبواب الخير إلا أتاه، وأظهر له من نفسه أثرًا جميلًا فيه.
ومنها أن لا يفخر بما أتاه الله على غيره، ولا يتبذخ ولا يتصلف ولا يزهو ولا يتكبر، قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾. وقد كتبنا ما يتصل بهذا المعنى في قصة قارون وقوله، في باب القدر.
ومنها أن لا يكتم نعمة الله تعالى عليه، ما لم يعلم في ذلك احتياطًا لنفسه ويجتهد في أن يرى آثارها عليه، ويتحدث بها، مستندًا بنعمة الله مبينًا عليه، وبفضله قاصدًا أن يشركه إخوانه من المسلمين في السرور بما يسره، ويعينوه على حمد الله تعالى وشكره، ويسألوه من إدامتها له ما سأله منها لنفسه بنفسه. فأما على وجه الزهو والاعتلاء بها على من ليس في مثل حاله فلا. وليس من إظهار أثر نعمة الله أن يستكثر من المآكل والمشارب والرباع والضياع والعبيد والإماء والخدم والدواب. ولكن أن يرحم أهل الحاجة ولا يغفل عنهم، ولا يبيت شبعانًا وجاره جائع فلا يطعمه. وكذلك من يعرفه بالحاجة، وإن لم يكن له جارًا. ولا يلبس الفضل من الثياب وغيره من فراشه، وأهل دينه في بلده أو جواره ومحلته مار يحرقه الحر، أو يقطعه البرد فلا يكسوه، ولا يتبضع بالبضائع بالألوف، أو يركم البذر ويتصدى لضرير في جواره أو محلته أو من جملة قرائبه من يحتاج إلى درهم يصرفه في حاجته فلا يجده ولا يعطيه.
فإن كان يفعل هذا كله فلا عليه أن ينفق على نفسه أكثر مما يحتاج إليه، وكل من كان
[ ٢ / ٥٤٦ ]
عنده فضل، فأنفق فضلًا فأكل لونين أو لبس ثوبين، واستخدم عبدين وافترش فراشي جاريتين ويبني دارين، وركب دابتين، أو زاد، فهذا على وجهين:
أحدهما: أن يكون غرضه إظهار فضل الله تعالى عليه ليخرج به من حكم الكافر المتنبه بالمنكر والجاهد، وهذا أحسن. إلا أن إظهار ذلك بالمواساة أولًا أحسن.
والآخر: أن يكون غرضه المباهاة والمكاثرة والبغي والمفاخرة، فهذا حرام عليه. ويخشى أن يكون أدنى ما يعاقبه الله تعالى أن يعطيه ما أتاه، ويقطع عنه ما أعطاه فينبغي لمن أشفق من ذلك أن لا يغفله.
ومن أعظم فوائد نعم الله تعالى الاستدلال بها على المنعم، فإن فيها الدليل عليه وعلى قدرته وعلمه وحكمته ووحدانيته. وقد نبه الله تعالى على ذلك في غير موضع في كتابه، فالله ﵎ امن علينا بأن جعل لنا السمع والأبصار والأفئدة بعد أن أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا. وقال في آية أخرى: ﴿قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم، وختم على قلوبكم، من إله غير الله يأيتكم به﴾. فالأول إسيان والآخر تنبيه واحتجاج. فيحتمل أن يكون احتجاجًا على مشركي العرب الذين كانوا يعترفون بالله ﷿ ويصفون خلق أنفسهم إليه، ثم يتبنون مع ذلك له شريكًا، فأخبر عنهم إنهم ﴿إذا قيل لهم من يبدأ الخلق ثم يعيده، أم من يرزقكم من السماء والأرض، أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ومن يدبر الامر﴾، قالوا: الله وأنهم إذا قيل لهم: من خلقكم؟ قال الله، ثم أمر نبيه ﷺ أن يقول لهم: ﴿هذا خلق الله﴾ باتفاق مني ومنكم ﴿فأروني ماذا خلق الذين من دونه﴾. وأن يقول لهم: ﴿أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم بعد أن خلقها لكم، من إله غير الله يأتيكم به﴾. أي إذا كان هو الخالق لهذه الأشياء، فأخذ منها ما خلق، فمن ذا الذي يتوهم أن يعارضه، فينزع منه ما أخذه منكم، ويرده عليكم. أي فإذا كان ذلك مما لا سبيل لكم في امتنانه، فاعلموا أنكم لا تحصلون من الشرك إلا على قول مجرد لا حاصل تحته، وإن الكف عنه أولى.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
وقال في آية أخرى منها، ومحتجًا: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾. فكان معنى ذلك، وفي أنفسكم دلالات الحدث، وفي الأحوال المتقلبة بهم من حيث لم يتفكروا فيها. فإن تلك الأحوال إذا كانت أحداثًا، ولم يكونوا نقلوا منها قط، فواجب أن يعلموا أنهم أحداث، والحدث لا يخلو من يحدثه. فقيل معنى ذلك: أنكم تعلمون من أنفسكم، أنكم لم تكونوا ثم كنتم، فلا يخلوا أحدكم من أن يكون هو الذي خلق نفسه، أو أبواه خلقاه، أو غيره وغيرهما، ولا يمكن أن يكون خلق نفسه لأنه لو شاء بعد (أن) تمت قواه وكمل عقله أن يتم من نفسه عضوًا ناقصا لم يقدر عليه، فوجب أن يعلم أنه كان إذا كان نطفة مواتًا من أن يقلب نفسه كمالًا محالًا أبعد، وعنه أعجز. ثم يعلم أنه إذا كان موجودًا غير إنه ضعيف أموات لا يقدر على شيء من أمره، فهو إذا كان عدمًا من ذلك أبعد، ولا يمكن أن يكون أبواه فعلاه، لأن الأبوين في العجز الذي ذكرنا مثله. فإذا استحال أن يكون فعلًا لنفسه، استحال أن يكون فعلًا لأبويه، فحق إنه إذا فعل فاعل غيره وغير أبويه، وإنما يراد بالله ذلك الفاعل، أفلا تبصرون، أفلا تدركون بعقولكم ما فيها من هذه الهداية، فتهتدوا بها ولا تكفروا.
فإن قال قائل: الفاعل هو الطبع: قيل له: وما الطبع فإن هذا الاسم نفسه يدل على أن المسمى به فاعلًا، لأن الطبع لا يكون إلا فعل الطابع، كما لا يكون الضرب إلا فعل الضارب. وهكذا، إن قالوا: الطبيعة، لأن الطبيعة اسم للمفعول، فإن الطبيعة هي المطبوعة، كما أن القتيلة هي المقتولة، والذبيحة هي المذبوحة، والصنيعة هي المصنوعة، والمفعول في اقتضاء الفاعل كالفعل.
فإن قالوا: الطبيعة قوة مخصومة، فذكروها ونعتوها. قيل لهم: القوة عرض لإبقاء له، فيستحيل أن تؤلف الأجسام، كما يستحيل على اللون أن يفعل ذلك، وعلى الصوت والطعم. ولأن خلق الإنسان فعل شديد متقن، فلا يمكن أن يكون قد صدر إلا عن عالم حكيم. القوة لا تليق بها الحياة ولا القدرة ولا العلم ولا الحكمة، فأنى يمكن أن يكون الخلق وقع منها؟ فإن وصفوا الطبيعة بهذه الصفات، كانوا مشيرين لمن هي له إلى
[ ٢ / ٥٤٨ ]
الباديء، إلا أنهم يلحدون في اسمه فيسمون به غيره، وينسونه، وعندهم أنه معونة، وهذا نهاية الجهل. فيقال لهم ما قال الله ﷿: ﴿أفلا تبصرون﴾ أي لا عقول لكم تدركون بها خطأ هذا القول وفساده، فترجعوا عنه إلى ما يصح ويسلم على النظر، وبالله التوفيق.
وقال في آية أخرى: ﴿وسخر لكم الله والنهار﴾ فامتن بها على العباد حتى قال محتجًا: ﴿قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدًا إلى يوم القيامة، من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون. قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدًا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون﴾. وهذا يحتمل وجوهًا:
أحدها ما ذكرت في قوله: ﴿قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به﴾. وذاك أن الله ﷿ قد أخبر في غير هذا الموضع، إنهم إن سئلوا: من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فلما كانوا معترفين بذلك، وصاروا مع ذلك يشركون أموات. فقال لهم: أرأيتم إن حبس الله النور والظلمة، من كان يأتيكم بما حبس عنكم؟ أي فإذا كان خلقها لهم ولا يمكن أن يردها عليكم أحد منهما ما ينزعه منكم، فمن هذا الإله الآخر إذًا. وما الذي يملكه، وأمر الذي بيده، وهو معنى قوله ﷿ في غير هذا الموضع ﴿هذا خلق الله، فأروني ماذا خلق الذين من دونه﴾.
والوجه الآخر: أن يكون احتجاجًا على عبدة الأوثان كأنه قال لهم: من إله غير الله يأتي بما حبسه الله تعالى عنكم من النور أو الظلمة، الذي لا يبصرون عجز الأوثان وجودها، فيعلموا أنها لا تقدر على شيء ألا تسمعون ما يقال لكم عودًا على بدء، ويضرب لكم الأمثال، فتعلموا أن عبادة الوثن جهل وضلال.
والوجه الثالث: أن يكون احتجاجًا على التنويه الذي يقولون بأن خالق النور من
[ ٢ / ٥٤٩ ]
خالق الظلمة. كأنه قيل لهم: إن كان هذا هكذا فأضيفوا إلى الله ﷿ إحدى هذين من النور أو الظلمة. ثم إنه أراد إبقاء ما خلق من إله غيره، كأن يأتي بضده، وذلك إذا أتى بضده لم يخلو من أن يتعد له إظهارًا ما أتى به، وإبطال ما كان قبله أولًا بنفسه. فإن تعد، فكيف يكون الأول مقهورًا وهو إله؟ وإن لم يتعد، فكيف يكون الثاني مقهورًا وهو إله؟ وإذا كان ذلك فيستحيل وقد أقررتم بأن خالق النور هو الله ﷿. فاعلموا أن خالق الظلمة ليس غيره. وإنها جميعًا خلقه، فلا هو أن يحبس النور قدر على الإتيان به غيره، ولا إن حبس الظلمة قدر على الإتيان بها غيره. أفلا تسمعون ما نكرر عليكم من الاحتجاج ونضرب لكم من الأمثال فتنتهوا أو تذروا ما أنتم فيه من التعسف والجهالة أفلا تبصرون بعقولكم ما فطرت عليه من الهداية والدلالة، فلا تعتقدوا المتناقض، فالنص في هذا التأويل، وفي الأول نص القلب، وفي الذي بينهما نص العين، وبالله التوفيق.
وقال في آية أخرى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا لنحيي به بلدة ميتًا ونسقيه مما خلقنا أنعامًا وأناسي كثيرًا﴾. فهذا امتنان. وفي آية أخرى ﴿قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورًا فمن يأتيكم بماء معين﴾. فهذا احتجاج على المعنى الذي بينته فيما مضى، لأن الله ﷿ قال: ﴿ولئن سألتهم نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، ليقولن الله﴾. فإذا كان هذا قولهم، ثم أثبتوا لهم شريكًا يوجبه عليهم أن يقال لهم: ﴿قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورًا، فمن يأتيكم بماء معين﴾ أي إذا لم يكن أحد مهيأ لكم أن تشيروا إليه، فيقولوا: إن هذا الإله إن حبس الماء فذلك الإله يأتينا به. فما معنى إثبات شريك لا يحصل منه إلا على اسم فارغ لا معنى تحته ولا حاصل له. وقد حكي عن بعض جهال الملحدين، إنه مر بقوم يصلون وإمامهم يقرأ: ﴿أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورًا فيمن يأتيكم بماء معني﴾ فقال الرجل: والمعاول ولم يعلم إن الاحتجاج إنما وقع بالماء الذي هو غار، فصار الرجال لا يصلون بمعاولهم إليه فإن ذلك ما لم يمتحن لا يدري إن الماء قد خار لأن يخوره مفارقته المعدن المعهود له ولا يظهر
[ ٢ / ٥٥٠ ]
ذلك إلا بعد أن يعمل الرجال معاولهم حتى يصلوا إلى معدنه وينابيعه. فإذا وصلوا إليها وجدوها فارغة منه، ونزلوا عنها، ولم يحسبوا لها أثرًا، علموا أنه غار وإن ظهر ذلك لهم لم يغن الرجال والمعاول، وانصرفوا كما حضروا، فقد ضل سعيهم وهدر أمرهم، كما ضل سعي هذا الملحد في معارضته، وهذا أمره وبالله التوفيق.
وكل ما لم نكتبه مما يدخل في هذين المعنيين الامتنان والاحتجاج من الآيات، فهو مثل كتبنا، والعقلاء يعرفون ذلك ويدركونه إذا نظروا وتأملوا وبالله التوفيق.
فصل
وفي هذا الذي انتقصناه، دليل على أن من تأمل الآيات الموجودة في أصناف هذه الخلائق من أولي الأمور، لأن العبد كلما ازداد تأملًا لها زادته هداية ودلالة تقربت بصيرته، وخلصت من الخواطر والهواجس عقيدته. وهذا هو المعنى الذي وقعت الإشارة إليه لقوله ﷿: ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا﴾. وإن هذا التأويل من أعظم ما يؤدي به حق الله تبارك الله وتعالى، فهو إذًا مضمون إلى سائر الوجوه التي كتبناها أو مبدي عليها، والله أعلم.
ومما جاء في شكر النعمة، ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من رأى صاحب بلاء، فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا إلا أعيذ من ذلك البلاء). وليس هذا على أن يخاطب بهذا القول المبتلي ويسمعه إياه، فإن هذا يخشى أن يكون تعبيرًا له بالبلاء، ويحبط فائدة الحمد، ولكن على أن يقول ذلك من حيث لا يسمعه المبتلي. وإذا تأكد هذا الحمد بأن دعا المبتلي إما العافية وإما بالاحتساب والصبر، فذلك أولى، وإلى القبول أدنى.
ومما جاء في شكر النعمة المنضدة إذا حضرت أو كانت خافية، ظهرت السجود لله ﷿، والأصل فيه قول الله ﷿: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب
[ ٢ / ٥٥١ ]
إذ دخلوا على داود ففزع منهم، قالوا: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط، وأهدنا إلى سواء الصراط. إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، فقال: اكفلنيها وعزني في الخطاب. قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، وإن كثيرًا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم، وظن داود إنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب فغفرنا له ذلك، وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب﴾.
أخبر الله ﷿ في داود أنه سمع قول المتظلم من الخصمين، ولم يخبر أنه سأل الآخر إنما حكى إنه ظلمه. فكان ظاهر ذلك أنه رأى في المتكلم تحايل الضعف في العظمة، فحمل أمره على أنه مظلوم كما يقال، ودعاه ذلك إلى أن لا يسأل الخصم، فقال مستعجلًا: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، مع إمكان أنه لو سأله لكان يقول: كانت له مائة نعجة، ولا شيء لهذا، فسرق مني هذه النعجة. فلما وجدتها عنده، قلت له: أرددها، وما قلت له: اكفلنيها، وعلم إني مرافعه إليك فخزي قبل أن أجره، وجاءك متظلمًا مني قبل أن أحضره لتنظر إنه هو الحق، وإني أنا الظالم. وكما تكلم داود بما حملته العجلة عليه علم إن الله ﷿ خلاه فعتبه في ذلك الوقت، وهو الفتنة التي ذكرها، إن ذلك لم يكن إلا عن تقصير عرفه فيه، فاستغفر ربه وسجد لله شكرًا على أن عصمه. فاقتصر على تظليم الشكو، ولم يزده على ذلك شيئًا من انتهار أو ضرب أو غيرهما مما يليق بمن تصور في القلب إنه ظالم، فغفر الله له، ثم أقبل عليه يعاتبه فقال: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾. فبان بما أخصه الله تعالى من هذه الموعظة التي توخاه بها بعد المغفرة، إن خطيئته إنما كانت التقصير في الحكم والمبادرة إلى تظليم من لم تثبت عنده مظلمة، وقد جاء عن ابن عباس ﵄ إنه قال: سجدها داود شكرًا، فسجدها النبي ﷺ إتباعًا، وسجدها لذلك، فثبت إن السجود للشكر سنة متوارثة عن الأنبياء ﵈.
فإن قيل: ليس في الآية ذكر السجود: قيل: بلى، فيها ذلك قال عرف عن الحسن
[ ٢ / ٥٥٢ ]
خر ساجدًا، وإن سجد خر حتى ركع. وإنما أراد بذلك أنه لما قيل ﴿خر﴾ وكان الراكع لا يخر. إنما يخر الساجد، علم إنه ركع ثم خر كأنه كان قائمًا فانحنى. ثم لم يقتصر على ذلك حتى خر فسجد، وقد تظاهرت الأخبار إنه سجد وأطال عندما استشعر بالخطيئة فدل ذلك على أن المعنى بالآية هو السجود والله أعلم.
وأما نبينا محمد ﷺ فقد جاء عنه أنه رأى نقاشًا يقال له رتيم، فقرأ فخر النبي ﷺ ساجدًا، وقال: (الحمد الذي لم يجعلني مثل رتيم) هذا على أنه لم يكن رأى خلقًا في نقصان خلق رتيم، فلما رآه حمد الله تعالى على ما أكمل من خلقه، فكان كمال خلقه حتى لا يكون كرتيم نعمة خافية عليه، فلما ظهرت له سجد.
وقال أبو بكر: كان النبي ﷺ: (إذا أتاه فبشره خر ساجدًا). وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إني لقيت جبريل ﵇، فبشرني، وقال: إن الله ﷿ يقول: (من صلى عليك صلاة صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكرًا).
وعن حذيفة ﵁ قال: سجد رسول الله ﷺ فقال: (إن ربي قال لي: لمن أجرتك في أمتك، وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا من كل سبعون ألف، ليس عليهم حساب. ثم أرسل إلي ربي ادع نجب جبل يقظه. وإنه أعطاني إني أول الأنبياء دخولًا الجنة، ولم يجعل علينا من حرج، فلم أجد شكرًا غيرهما).
وجاء عن معاذ بن جبل ﵁ قال: أقبلت إلى النبي ﷺ وهو قائم يصلي، ثم سجد سجدة ظننت إن نفسه قبضت فيها. فقلت: يا رسول الله، سجدت سجدة ظننت أن نفسك قبضت فيها قال: (إني صليت ما كتب لي ربي ﷿، فقال: يا محمد ما أفعل بأمتك. فقلت يا رب، أنت أعلم قال لي: إني لن أحرمك في أمتك، فسجدت لربي ﷿ بها شاكرًا).
[ ٢ / ٥٥٣ ]
وجاء عن أبي بكر ﵁ إنه قال لما بلغه فتح اليمامة وقتل مسيلمة: لعنه الله، وخر ساجدًا شكرًا لله ﷿). وعن علي ﵁ إنه لما وجد ذا الندبة مقتولًا خر ساجدًا. وعن كعب بن مالك ﵁ إنه سجد حين أتاه البشر بالتوبة، ورمى بردائه إلى الذي جاءه.
وأيضًا فإن حدوث النعمة تقتضي الشكر، والشكر يقرب إلى الله ﷿. وجاء في الحديث (أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدًا) فاستحب أن يتقرب بالسجود إذا كانت النعمة الحادثة من غير جنس النعم الدائمة المألوفة، ليكون قد قابلها بشكر من غير جنس الشكر الدائم المألوف، والله أعلم. والمسألة في موضعها من كتب الأحكام.
فصل
وإذا ظهر أن النعمة تقتضي الشكر، وظهرت وجوه الشكر، فمعلوم أن النعم متفاوتة في مراتبها فأولاها بالشكر نعمة الله تعالى على العبد بالإيمان، والإرشاد إلى الحق، والتوفيق لقوله، لأنه هو الغرض الذي ليس بتابع لما سواه، وكل فرض سواه، فهو تابع له، فهو ممن جاء به، وثبت عليه شكره لفقره من النعم، والتيسير له نعمة عظيمة يقتضي الشكر لها بالإنهاء على المعاصي، وإتباع الإيمان حقوقه، لأن الإيمان بالله عهد بينه وبين العبد ولكل عهد وفاء. فالوفاء بالإيمان إتباعه ما بعده.
فإن قيل: إلا قلتم إن أولي النعم أولاها بالشكر، هو الحياة ثم العقل والبيان.
قيل: لأن هذه النعم كلها لتكون من المنعم عليه بها الإيمان، فصح إن أفضل النعم الإيمان، فمن شكر لله تعالى تيسيره للإيمان، فقد شكر عامة ما كان الإيمان به، فصارت هذه النعم التي ذكرتها ذا صلة في الشكر والله أعلم.
ثم إن على هذا، كل عبادة تتلو الإيمان من فعل شيء أو كف عن شيء فهو شكر لنعم
[ ٢ / ٥٥٤ ]
الله تعالى. ثم التيسير لها نعمة يجب شكرها بالقلب واللسان، فمن جملة شكرها الاغتباط بها، وسيأتي ذكرها في باب مفرد إن شاء الله.
فصل
ومن جملة الدلائل على ما مضى من وجوب الشكر، قول الله ﷿ في ذكر يوم الجمعة: ﴿ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾. ومعلوم إن المسألة عن النعيم هي المسألة عن شكرها، لأن الله ﷿ جعل هذه الأموات وغيرها من كفايات الأبدان، وما يزيد على الكفاية مما يزاد به النعم، والتلذذ أسبابًا لقوام الأبدان، وبهجة النفوس وانبساط القلوب حتى تتأتى عبادة الله تعالى بباطن البدن وظاهره على التمام، فلا يقع من خارجة بها نجس، ولا يلحقها بسبب من الأسباب وكسر. فصارت إذا أعواضًا إلا إنها أعواض معجلة.
ومعلوم أنه ليس في تعجيل العوض ما يسقط الحساب عن كاهله لسببين: إنه خرج من عهده ما كان يلزمه في معاملة المقبوض، أو لم يخرج. فصح إن كان من أنعم الله ﷿ عليه نعمة مما ذكرنا، فجعله بها متهيأ لنوع من العبادة التي خلقه لها، وأمره بها. فإنه يسأله عما قابل تلك النعمة من تلك العبادة. وإن السؤال عن ذلك حقه، إلا أن يعفو عنه وبالله التوفيق.
وقد ذهب بعض السلف إلى أن الله ﷿ لا يسأل العبد عما لا تقوم الأبدان بأقل منه. وتجل ذلك عن سفيان بن عيينة زعم أن الله تعالى أسكن آدم الجنة، فقال له: إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى، وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحي، فكانت هذه الأشياء الأربعة ما يسد به الجوع، وما يدفع به العطش، وما يسكن له الحر والبرد، ويستر به عورته لآدم صلوات الله عليه بالإطلاق، بأن لا حساب عليه فيها، لأنه لا بد له منها. وقد يحتمل تأييد ما قال، بأن الله ﷿ أباح آدم ما زاد على هذه الكفارات، فصح إنه لم يخفض أدنى الكفاية بالذكر، إلا ليؤمنه من حسناتها. وليس هذا بالدين لما سبق
[ ٢ / ٥٥٥ ]
ذكره، ولأن الآية يحتمل أن يكون أريد بها الامتنان على آدم بما جعل دافعًا لضروب الأذى التي لا تقوم عليها الأبدان، لأن موضع النعمة أعظم منه بما لا يكون وقاية للأبدان وإنما هو لذة ونعمة. فذكرت هذه الأشياء لهذا لأنه لا حساب عليه بها. ويحتمل وجهًا آخر بين هذا، وهو أن يكون المعنى: إن ذلك أن لا تتأذى بالجوع والعطش لما تحتاج من المصابرة عليها إلى أن تجد ما تدفعها عنك. ولا مصابرة الهواء أو الحر إلى أن تجد ثوبًا تلبسه، أو كنًا تأوي إليه، لكن عليك في عامة هذه الأبدان مزاجة، فلا عليك منها أذى من جوع ولا عطش، ولا من عري ولا ضحي قط، ولا طرقه، فإنما ذكرت هذه الأشياء على هذا المعنى لا نيل ما ذهب إليه سفيان.
فصل
قد ذكرنا من حكم نعم الله تعالى، وما يجب على العباد من شكرها ما يسره الله بفضله لنا. ونقول: إن شكر المنعم أمر لم يختلف العقلاء من المبتدئين وغيرهم في استحسانه، فكل منعم فله من أنعم عليه أن يشكر نعمته. قال النبي ﷺ: (من أولت إليه نعمة فليشكرها فإن لم يقدر فليظهر ثناء حسنًا). وهذا يدل على أن الشكر المذكور في هذا الحديث أريد الفعل. ولولا ذلك لم يقل (إن لم يجد) أو (فإن لم يقدر فليظهر ثناء حسنًا).
فقد يجوز أن يكون شكر النعمة إذا كانت النعمة فعلًا، إحسانًا مكان إحسان حتى إذا لم يتيسر قام الذكر والثناء والبشر مقامه. وإذا كان الذكر والثناء جزاء فالدعاء الصالح إلى ذلك أقرب وبه أحق. روى أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله، إن الأنصار فضلونا، فإنهم آوونا وفعلوا كذا، وفعلوا كذا فقال النبي ﷺ: (تعرفون ذلك لهم، قالوا: بلى: قال: فإن ذلك شكر، لأن التحدث بالنعمة شكر لمسديها ومصطنعها).
[ ٢ / ٥٥٦ ]
ويروى أن رجلًا سمع الديك يصرخ فيه، فقال رسول الله ﷺ: (لا تسبوا الديك، فإنه يدعو إلى الصلاة) ومعنى هذا إن العياذة جرت بأنه يصرخ صرخات متتابعة عند طلوع الفجر، وكذلك عند الزوال، فطرة فطره الله عليها، فيذكر الناس بصراخه، إلا أن بالحقيقة يقول الناس بصراخه قد جاءت الصلاة، أو يجوز لهم أن يصلوا بصراخه من غير دلالة سواها، إلا من امتحن منه ما لا يخلف، فصار ذلك إمارة. وفي نهي النبي ﷺ عن سب الديك ما في صراخه من هذه الفائدة، دليل على أن كل مستفاد منه خير، فلا ينبغي أن يسب ويستهان، بل حقه أن يكرم ويتلقى بالإحسان والله أعلم.
نجز الجزء الثاني بحمد الله ومنه وخفي لطفه وكرمه. ويتلوه في الجز الثالث- إن شاء الله تعالى- الرابع والثلاثون من شعب الإيمان- وهو باب في حفظ اللسان عما لا يحتاج إليه. وكان الفراغ من نسخه في العشر الأول من شهر جمادي الآخر سنة ست وأربعين وسبعماية. أحسن الله نفعها في خير وعافية. نفع الله به من أمر بنسخه، ومن نسخه، ومن نظر فيه، وقرأه، وغفر له، ولهم ولجميع المسلمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. الحمد لله رب العالمين.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر بخير