وهو باب في الصيام
قال الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. وقال النبي ﷺ: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت). وعنه ﷺ (الصيام جنة حصينة من عذاب الله). وعنه ﷺ قال: (الصيام جنة من النار كجنة أحدكم للقتال). وعنه ﷺ قال: (الصيام جنة ما لم يجرفها). يعني والله أعلم ما لم يفسد الصائم صومه فيكون كالمحتمي إذا خرق حميه، وجاء عنه ﷺ (على كل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصيام). وعنه ﷺ قال: (إسباغ الوضوء شطر للإيمان، والحمد لله تملأ الميزان والتكبير والتسبيح تملأ السموات والأرض، والصلاة نور والزكاة برهان، والصيام ضياء، والقرآن حجة لك وعليك كل نفس تغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها).
وعن أبي ذر ﵁ قال: دخلت المسجد فإذا النبي ﷺ فيه فقال: (صليت يا أبا ذر فقلت: لا، قال: فصليت ثم جئت. فقال: يا أبا ذر، تعوذ بالله من شيطان
[ ٢ / ٣٦٦ ]
الإنس والجن فقلت: يا رسول الله والإنس شياطين قال: نعم ثم قال: قل يا أبا ذر، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإنها كنز من كنوز الجنة. قلت: يا رسول الله ما أعظم ما أنزل الله عليك؟ قال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. حتى فرغ من الآية. قلت يا رسول الله، ما الصلاة؟ قال: خير موضوع من شاء أقل ومن شاء أكثر. قلت: فما الصيام؟ قال: فرض مجزي فما الصدقة. قال: ضعف مضاعف عند الله مزيد. قلت فأيه أفضل؟ قال جهد المقل أو سر إلى فقير. قلت: يا رسول الله، أي الأنبياء كان قبل؟ قال: آدم. قلت: ونبينا كان؟ قال: نعم. قلت: فكم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وخمسة عشر) وعنه ﷺ: (صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر تذهب وغر الصدر) وجاء عنه ﷺ: (سافروا تصحوا وصوموا تصحوا وأغزوا تغنموا).
وقد أبان الله ﷿ بقوله: ﴿لعلكم تتقون﴾ أن الصوم من أسباب التقوى الذي هو خير زاد المؤمن، من تزوده بين دنياه لآخرته. قال الله ﷿: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾. سماه الله. ويقول الله بالأسماء الخمسة التي ذكرتها: أحدها أنه جنة، والثاني أنه زكاة الجسد، والثالث أنه ضياء، والرابع أنه فرض مجزى والخامس أنه صبر. وهذه الأسماء الخمسة إبانة لمنزلة الصيام من العبادات. ثم إبان بقوله (صوموا تصحوا) أن فيه وقاء لعبادة منفعة أخرى، وهو أنه سبب لصحة البدن. فأما أخبار الله ﷿ بأن فرض الصيام على المؤمنين ليتقوا، وهو نظير قوله ﷿ في الصلاة ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾. لأن الانتهاء عن الفحشاء والمنكر هو التقوى. وحقيقة التقوى فعل المأمورية والمندوب إليه. فاجتناب المعنى فيه والمكره المنزه عنه، لأن المراد من التقوى وقاية العبد نفسه النار، وهو إنما يقي نفسه النار بما ذكرت. فبان أنه التقوى والصلاة أحد شقيها كما وصفها به الكتاب، لأن من حب الله تعالى إليه الصلاة ووفقه لها، ودلل أعضاؤه وجوارحه بها، لم يكن منتهيًا عن الفحشاء
[ ٢ / ٣٦٧ ]
والمنكر، وكذلك الصيام من تبعها، لأن الممتليء من الطعام والشراب رأس البواعث على الفواحش والمناكير، ولذلك قالت العرب في أمثالها التي شهدت العلماء بأنها حكم، وتلقوها عنهم ودونوها وجلدوها دبرت به البطنة، أي يملأ ويتبع. فجملة ذلك على أن يغمض ويثبت بمثل هذا لمن حسنت حاله واستجمع أمره، فصار لذلك يشغل بطلب ما لا يعنيه، ويتعرض لما لا ينبغي له.
ومثلها في العادات أن الجائع أو العطشان لا يجد في نفسه من باقي الشهوات ما يجده منه المملي من الطعام والشراب، ولكن كل شهوة هاجت وتحركت في نفس واحد. فإنما يهيج ويتحرك بعد سكون ثائرة الجوع والعطش، وحقيق أن يكون كذلك، فإن الحاجة إلى الطعام والشراب ضرورة لا قوم للأبدان إلا بهما، والحاجة إلى ما ورائهما من الشهوات زيادة ولا شك إذ ألهم بالزوائد إنما يحدث بعد تقضي الهم بالأصول والأركان.
وإذا كان كذلك فقد حصل من الصيام والتقوى إذا كان يجاب إلى الصيام من الجوع والعطش ما يخمد به شهواته فينقطع به ولا يأتي في فضلها ما لا يرضاه الله تعالى. ولهذا قال النبي ﷺ: (عليكم بالباءة، فمن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء). فأمر بالنكاح ليكثر المؤمنون وعباد المسلمين، ثم أمر من لا يقدر عليه للفقر وسوء الحال أن يصوم. وأخبر أن صومه له وجاء. أي يقطع شهوته، فلا ينادي بها وفي ذلك صحة ما وصفت وبالله التوفيق.
ولمعنى الآية وجه آخر: وهو أن يكون المعنى: لعلكم تتقون الكفران والتغافل، فصدوا النعمة عن شكرها. وذلك أن الناس كانوا مملئين طول الدهر ليلًا ونهارًا من الأكل والشرب، فنسوا الجوع والعطش، وغفلوا عن شدتها، ويحسب ذلك يحملون موقع نعمة الله عليهم بالطعام والشراب، ويغفلون عن شكرها. ففرض الله عليهم مدة من المدد ليستشعروا أن المتمكن من الأكل والشرب لا يقع بمجرده وجود الطعام، لكن يحتاج مع الموجود إلى إطلاق المولى وإباحته، فيكون ذلك أطرأ لإيمانهم، ثم يكفوا
[ ٢ / ٣٦٨ ]
عنهما لوجه فيكون ذلك عبادة، ثم يجدوا خلاء الكف توخانا إليهما ويصبروا، فيكون ذلك أذكارًا لقدر النعمة التي كانت عليهم طول الدهر بالإطلاق والإباحة، إذا أردت اليهم شكروها وأدوا حقها. ولاشك أن هذا من أبواب الفتوى، وهو نظير ما قيل في الأمراض والأسقام، إنما ممن يمتحن الله بها عباده ليصروا عليها في أزمانها فيأخذهم بها وينسهم، ويذكروا عندها النعمة التي كانت عليهم بالصحة والقوة من قبل، حتى ان عادت عليهم شكرها، ولم يغفلوا عن حقها.
وفيه وجه آخر: وهو أن يكون المعنى: لعلكم تتقون البخل وإهمال المحتاجين والتغافل عنهم، وذلك أن الجوع والعطش أمران حيل الناس عليهما، وأنهم أغنياء يهكففون وضعفاء محتاجون، فإذا استمر للواجدين الأكل والشرب سهوا أو غفلوا ولم يدنها بالجوع. وإذا لم يدركوه لم يذكروا أهله والمبتلين به، فقص عليهم الصوم مدة حتى إذا أحسنوا من تأخر الطعام عنهم، وفيه المعهود من الضحى وانتصاف النهار إلى الماء من الجهد يذكروا لذلك حال من يطوي يومًا بلياليه أو أكثر من ذلك لاظمأ ولا طاعمًا لشدة ضره وفقره وفاقته. فيصير ذلك قبسًا لعطفهم وإحسانهم إليهم، وشكرهم نعمة الله عندهم، وفضله له بهم. وقد جاء عن يوسف ﵇ أنه كان يجوع، فقيل له: أتجوع وخزائن الأرض بيدك يراد خزائن مصر فقال: إني أخاف أن أشبع فأنسى الجياع، وهكذا الناس كلهم إذا استمر بهم التمكن من الطعام والشراب، نسوا الجياع، فامتحنوا بالصوم مدة ليجوعوا، فيذكرهم جوعهم جوع غيرهم. فيرحموهم ويواسوهم، ولا يستبدوا بالنعم التي أتوها ويشركوا غيرهم فيها، فيما أعطوها. ولا شك أن المواساة والعطف والإحسان من التقوى، وليس بين هذه الأوجه مناف. فقد يجوز أن تكون جميعها مرادًا بالآية والله أعلم.
فأما ما جاء عن النبي ﷺ من قوله: (إن لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصيام) فهو والله أعلم إخراج شيء من المال لوجه الله تعالى. وهذا والله أعلى رتب الصيام على الزكاة. فلما حد أركان الإسلام وذكره على أثرها، فإنه كان داخلًا في معناها. وإنما فرق بينهما أن الزكاة حق المال، والصيام حق البدن.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
وقد يحتمل قول الله ﷿ ﴿لعلكم تتقون﴾ على هذا المعنى، لعلكم تتقون أنفسكم النار، بأن ينقص من أجسادكم بعضها بالجوع والعطش، وترك اللذة لوجه الله تعالى. فيصير ما ينقصونه منها بهذه الأسباب عوضًا مما كانت النار تأخذها منكم لو وافيتم القيامة وأبدانكم بترك صحة الترف وجيوبكم من السرف والله أعلم.
وإنما قوله ﷺ: (الصوم جنة). فقد يجوز أن يكون هذا معناه أيضًا. ويجوز أن يكون الصائم أدل المهجة في سبيل الله. لأن الله ﷿ جعل قوام الأبدان بالطعام والشراب، فمن تركهما بأمره فقد استسلم للهلاك، إلا أن يعصمه الله منه، ومن يفعل ذلك فقد صار في جنة من العذاب، لأنه لا شيء أعز على أحد من نفسه، فإذا سمح بها، فقد جاء بأقصى ما يقدر عليه من يطلب مرضاة الله تعالى، فقضي حق العبودية من نفسه، وكان الله تعالى أكرم من أن يعذبه.
وأما قوله ﷺ: (الصوم ضياء). فيحتمل أن يكون معناه أنه ضياء للقلب. لأن الشهوات إذا انفرقت به انجلى عن القلب الظلام الغاشي إياه، باستيلاء الشهوات على النفس، فأبصر الصائم مواقع النظر له من عبادة الله تعالى بأثوابها وابتدر إليها، ومواقع الضرر الذي يلحقه من معاصي الله تعالى، فاعتزلها وكف عنها.
وأما قوله ﷺ (الصيام فرض مجزى). فيحتمل أن يكون معناه كالزكاة، لأن الزكاة إخراج شيء من المال على التراب الموعود. والصيام بعض شيء من الجسد على التراب الموعود، فكل آخذ منها فرض مجزى.
وأما قوله (شهر الصبر). فيحتمل أن يكون بمعنى تسمية الصيام صبرًا، لأن الصبر في لسان العرب الحبس، والصيام يحبس نفسه عن أشياء جعل الله قوم بدنه بها. فكان مستحقًا لاسم الصبر، وقد قيل في قوله ﷿ ﴿استعينوا بالصبر والصلاة﴾. وقد يجوز أن يكون المراد جميع جهات الصبر والله أعلم.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
وقد جاء وراء ما ذكرنا من تعظيم ذكر الصوم أخبار منها عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الصوم نصف الصبر). وهذا والله أعلم -أن جميع العبادة فعل أشياء وكف عن أشياء، والصوم يقمع الشهوات، فييسر به الكف عن المحارم، وهو ينتظر الصبر، لأنه صبر عن الشهوات. ويبقى وراءه للصبر على الأشياء وهو يتكلف الأفعال المأمور بها، فلما كان الصبر أن يتحير عن الأشياء، وصبر على الأشياء والصوم يعين على أحدهما، فهو إذًا نصف الصبر والله أعلم.
ومحمد ﷺ قال: (أن لكل شيء بابًا، وباب العبادة الصيام) وهذا -والله أعلم -معنى راجع إلى معنى ما تقدم. وعنه ﷺ: (الصائم لا ترد دعوته). وجاء عن بعض السلف في قوله ﷿: ﴿كلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية﴾ قال الصوم روى أن عبد الله أتى بشراب فقال: أعطه لقمة، فقال: إني صائم، فقال: أعطه مشروبًا فقال: إني صائم، فقال أنهم ﴿يخافون يومًا تنقلب فيه القلوب والأبصار﴾.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (كل حسنة يعملها ابن آدم تضاعف عشرًا إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم، فإن الله ﷿ يقول: (الصوم لي وأن أجزي به. للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره وفرحة يوم القيامة، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك). وفي بعض الروايات: (وفرحة عند لقاء ربه). وفي بعضها: (فإنه لم يترك الطعام والشراب لأجلي). وفي بعضها (بترك شهوته لأجلي). وفي بعضها (كل عمل ابن آدم كفارة، والصوم لي وأنا أجزي). أي أن كل عمل يعمله ابن آدم من الطاعات فإنما هو ينو ولا ينقص من بيته شيئًا، فإني لم أفرض عليه عبادة تعرضه للنقصان، ولا يؤمن أن تكون سببًا لهلاكه، إلا الصوم. وذلك أن الله ﷿ حيل الناس على أن تكون أبدانهم دائمة التحلل بالبخارات التي تخرج من المسام والعروق والتنفس، فهي
[ ٢ / ٣٧١ ]
كذلك تحتاج في البقاء إلى أن يعوض منها الطعام والشراب، فإن حبسها عنها آذاها لتحلل إلى الضعف الذي لا تفارق مثله الجنابة، والصائم يحبسهما عن نفسه فهو إذا تأذى منه مدة طويلة وأيامًا متتابعة يعرض نفسه لضعف بهذا، أو يفرط عليه فيقتله. ولولا أن الصوم إذا اتصل خيف منه على الصائم، لم يرخص للمسافر والمريض في الفطر، فإذا رخص لهما فيه لأنه سبب لضعف البدن، المرض سبب له، والرفت سبب له. فلا يؤمن أن يكون من اجتماع شيء مكف عاجل. وليس هذا أيضًا مما يخفي، لأن صيام اليوم الواحد يضعف في العيان فإذا تواتر انهال وانحل، والنقصان بالصائم يتعجل. ثم قد يصير النهول والنحول إلى حد لا يرجع منه إلى الصلاح، ولا يزال يتزايد حتى يكون منه الهلاك فصار إلا يسأل في هذا بمنزلة هذه، وهو الأكل والشرب، فإن الواحد قد يأكل أكلة في غير وقتها فيبلط به فيموت، وقد يجد في مرض منه فلا يزال يثقل عليه حتى يهلكه، فصح أن الأمر على ما وصفنا، بدءًا من أن الصيام تعريض من الصائم نفسه للنقصان الذي قد يقف، وقد يؤدي إلى الهلاك، كالصائم إذًا بصيامه مؤثر الرجوع إلى الله تعالى، مستسلم لذلك منشرح الصدر له، وكان صومه له عز اسمه من هذا الوجه.
فأما سائر الأعمال المفروضة على العبد فليس في شيء منها هذا المعنى، وإنما كلها أعمال تؤدي مع بقاء النفس وسلامتها، فصار ذلك فرقًا بينه وبينها. وأما قوله (وأنا أجزي به). فمعناه -والله أعلم -وأنا القائم بجزائه، والمالك له وليس ذلك مما أخبرتكم به من أن الحسنة بعشر أمثالها. فإن مثل النفقة في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. لكن جزاء الصوم يجل عن هذا كله وأنا أعلم به وإلي أمره. فإن ذكر ذاكر الجهاد في سبيل الله، فليعلم أن الجهاد غير مود إلى الهلاك الذي يؤدي حبس الطعام والشراب عن البدن، لأن الله ﷿ أخبر أن الأمر بخلاف هذا، ونهانا أن نقول لمن يقتل في سبيل الله أنه ميت، ووصفه بأنه حي عنده يرزقه، وأنه فرح مستبشر، ثم يرحو أن يلحقه من إخوانه. ولم يخبرنا ﷿ عمن كان الصوم سببًا لهلاكه بمثل هذه الحال. فعلمنا أنه كسائر الأموات الذي ينقطع عنهم رزق الدنيا، فلا
[ ٢ / ٣٧٢ ]
يصلون إلى رزق الآخرة -يعني يوم القيامة -وينقضي الحساب ويصارون إلى الجنة، فكانت المقارنة بالجهاد متناقضة من هذا الوجه.
فإن قيل: كيف يجوز أن يقال: أن الصوم مؤد إلى الهلاك وهو منهي عنه إذ خيف الهلاك؟
قيل: هو منهي إذا كان يريد الصوم مجهودًا بمرض أو سفر أو كبر، فيكون الهلاك إذا حدث حادث من مجموع الجهتين: الصوم وغيره. وليس إذا كان التعرض للهلاك بمجرد الصيام قرينة، وجب أن يكون التعرض له بكل شيء مثله. فإن تعريض المال للنقصان بالصدقة قرينة، ولا يجب أن يكون تعريضه بكل شيء قرينة. فإن هذا الذي ورد به الكتاب من وضع الصوم عن المريض، والمسافر والشيخ الكبير يبين ما يجري في تقريره. لأن المريض والمسافر لما رخص لههما في الفطر أمر بالقضاء، ولو لم يكن تعريض البدن للهلاك أو النقصان بالصوم من جملة حقوق الله تعالى على عباده، لأسقط الصوم لا إلى قضاء، كما أسقط الركعتين من المسافر لا إلى قضاء، وأسقط عن المريض القيام لا إلى القضاء. ولما لم يسقط علمنا أنه وضع عنه الصوم وحده لئلا ينقصهما أو يتبعهما اجتماع الصوم وغيره، فلا يكون ما يحدث عليهما من ذلك من الهلاك عن الصوم وحده وهكذا الشيخ الكبير لما وضع عنه الصوم ألزمه الفدية. فكان المسكين للحياة بطعام يؤتيه مقام ما يتركه من تعريضه نفسه للهلاك بالصوم، لأنه لو صام وهلك لم يكن يهلكه الصوم بانفراده هو القاتل له. ولو لم يكن ذلك في معنى المستحق لسقط عنه الصوم بالفدية كالصلاة إذا عجز عنها، ولما كان الصوم إذا عجز عنه سقط إلى الفدية، علمًا أن ذلك إنما كان من الوجه الذي ثبت والله أعلم.
وأما قوله ﷺ: (كل عمل ابن آدم كفارة، والصوم لي). فمعناه ما ذكرت أن جميع الطاعات كفارات، والصيام أيضًا كفارة، لكنه أخص لي لأنه تعرض للجوع كما مضى بيانه.
وأما قوله ﷺ: (للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة يوم القيامة).
[ ٢ / ٣٧٣ ]
فمعناه -والله أعلم -فرحة عند إفطاره لما يجب له من الثواب الذي لا يعلمه إلا الله ﷿ في فرحة يوم القيامة بما يصل إليه منه. فإن ما وجب له من فضل الله لن يخلفه الله إياه.
ويحتمل وجه آخر: وهو أن للصائم فرحتين: إحداهما عند الإفطار، وهو أن يصدق الله تعالى بنفسه عليه عند انسلاخ النهار. ولم يأذن له في وصل الليل بالنهار فيتعجل هلاكه، لكنه زال يعرض بالقيام للهلكة، فقد وعي الله تعالى منه بما دونها أو مثله ليزداد خيرًا وبرًا في أيام مهلته، فله بهذا البر الوارد عليه من الله تعالى فرحة، وما يرد عليه ويوم القيامة من الثواب فرحة.
ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن له فرحة عند إفطاره. وجاء في الحديث من أن للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة، وله يوم القيامة فرحة بالثواب والجزاء وأما ذكر الخلوف، فإنه أطيب عند الله من ريح المسك، فقد يجوز أن يكون معناه أنه ليس في حكم الله تعالى أذى كالخلوف الذي يحدث في غير الصوم، فيأمر بإزالته بالسواك، ولكنه في حكم الطيب الذي يستدام. فقد يدخل في هذا المعنى أن الله تعالى يأمر الصائم عليه لأنه في الطباع من باب الأذى الذي لو خلي المرء فيه واختاره، لكان بر عليه، وإذا صبر عليه ولم يزله أماته الله تعالى به والله أعلم. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس في الصوم رياء) وليس معنى هذا أن المراءاة الصوم لا تمكن، لأن من صام ليقال: قد صام، ثم أخبر الناس بصيامه، فقد رأى به. وإنما معناه أن الصلاة قد لا تكون رياء. ولكن المصلي يرائي بالتخشع فيها وتطويلها وتحسينها. والصدقة قد لا تكون رياء، ولكن المتصدق يرائي بكثرتها وتحسنها ومناولتها السائل بيده ونحو ذلك. والحج قد لا يكون رياء، ولكن الحاج يرائي الإحرام قبل الميقات، والأول أشهر الحج، وإطالة الدعاء وإدمان الوقوف والاستكثار من الطواف بالبيت ونحوه. والجهاد قد لا يكون رياء. ولكن المجاهد يرائي بفضل حذر ظهره في القتال فوق ما يفعله غيره. وأما الصوم كان كله كف وإمساك معقود بالسنة، فإذا سلم أصله من المراءاة سلم عن أن يكون فيه وما بعد ذلك والله أعلم.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
ومما ميز عظيم قدر الصوم أن جفنه الصوم التعرض لإتلاف النفس وإثارة الجنس أعيى النفس أن تقوم بالطعام والشراب، والحبس يبقى بالسائل وإذا وقع امتناع الأكل والشرب والمباشرة فقد وقع القصد إلى إتلاف النفس وإثارة الجنس، فلم يكن في العبادات أشد إداء لحق العبودية منه، واستوجب بذلك أن يكون من أركان الإسلام.
فإن قيل صيام يوم الأحد ليس منه واحد من هذين المعنيين، قيل: الصيام معناه ما ذكرت والصائم يدخل في الصوم معتقدًا أنه كان عنده ما عنده، والله تعالى عليه، فإن كان الليل إذا حضر تصدق الله عليه بإباحة ما كان حظره عليه، فلذلك لا يخرجه من أن يكون فداء، وقد وفي من نفسه الطاقة بتسليم النفس والحبس، فطاب نفسًا عنهما كمن أحضر ما لا يؤتيه مستحقه ليتصدق به عليه، ولا يخرج بذلك من أن يكون منتهيًا إلى ما كان عليه من حقه والله أعلم.
فصل
ثم أن الصوم الذي ذكرت بمنزلة من العبادات إذا فرض الله ﷿ في السنة شهرًا واحدًا وهو شهر رمضان. فأما تقريره شهرًا، فلأن الصوم فيما دونه لا يبين كثيرًا في قمع الشهوات، وتقرير موقع النعمة بالطعام والشراب وفيما فوقه يتدرج ويسبق ويخرج الشهر عدل بين ذلك، لأنه ليس من المدة التي لا يجعل غرض الصوم فيها لغيره، ولا من المدد التي تجمع إلى تحصيل غرض الصوم فيها الإخراج والتسبق، فقصر الغرض على شهر لهذا المعنى إن شاء الله.
ثم جعل ذلك الشهر شهر رمضان، لأنه هو الذي أنزل فيه القرآن، الجامع للأمر والنهي والوعد والوعيد، فكان أولى بأن يكون تعظيم النفس ورياضتها فيه ليكون إلى العمل بما جاء به القرآن أساسًا. وعليه أحرص، قال الله ﷿: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، أيامًا معدودات﴾. ثم أبان أنها
[ ٢ / ٣٧٥ ]
شهر رمضان، ثم أشار إلى معناه، فقال: ﴿الذي أنزل فيه القرآن﴾. ومعنى أنزل القرآن فيه: بأنه ينزل في كل ليلة قدر من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ما ينزل إلى مثلها من الغمام. ثم كان جبريل ﵇ ينزله تخوفًا إلى النبي ﷺ طول السنة، فأنزل القرآن كله من اللوح إلى بيت العزة في عشرين ليلة من عشرين سنة، بهذا جاءت الرواية والله أعلم.
وشهر الصوم له أسماء: احدها شهر رمضان. وقد جرت العادة بأن لا يقال رمضان كما يقال رجب وشعبان، وإنما يقال: "شهر رمضان" والآخر: شهر الصبر، والثالث حطة، والرابع: سيد الشهور.
وأما قولهم، شهر رمضان، فلأن الله ﷿، هكذا ذكر في كتابه. وأغلب ما جاء عن النبي ﷺ من ذكره فعلى هذه الصفة. ويقال: أن من السلف من كان يكره أن يقال: جاء رمضان، وذهب رمضان، ويقول: لا يدري، لعل رمضان اسم من أسماء الله تعالى، تأويل هذا القول يلزمه أن يقول في رجب وشعبان وشوال وصفر مثل قوله في رمضان وإلا فهو متناقض واشتقاق الاسم يدل على أنه لا يجوز بأن يكون من أسماء الله تعالى، لأنه من الرمض، وهو القلق من شدة الحر. وقد روى عن النبي ﷺ ذكر رمضان، وعن أصحابه لذلك مجردًا عن ذكر الشهر، لكن الأغلب أنهم لم يذكروه إلا مفردًا باسم الشهر تحريًا لموافقة الكتاب، وهو قول الله ﷿ ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾. وليس معنى قول الله ﷿ "شهر رمضان" أن في ذكره رمضان بلا شهر، معنى من معاني القبح، وإنما هو أن الله ﷿ ذكر أنه كتب علينا الصيام أيامًا معدودات، وما دون الشهر يلحقه هذا الاسم. فلما أراد أن يبين أنه شهر كامل فعرفنا أي شهر هو، قال: "شهر رمضان" ليعلم تلك الأيام المعدودات ليست بمطلقة، ولكنها من شهر مخصوص. وأن ذلك الشهر مستوفي الإقتصار على بعضه غير جائز. وليس هذا ما يمنع من أن يقال: رمضان من غير أن يذكر الشهر معًا، والله أعلم.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
وأما تسميته شهر الصبر، فقد روينا فيما تقدم عن النبي ﷺ أنه قال: (صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر تذهب وغر الصدر). ويثبت معنى هذا الحديث ما فيه الكفاية.
وأما تسميته حطة، فقد روى أن أبا هريرة ﵁ سأل كعبًا ﵁ كيف تجدون رمضان عندكم؟ نجد في كتاب الله حظة تحطيه الخطايا. فقد يجوز أن يكون كعب أراد بهذا: أنه وجد في التوراة مما جرى فيها من ذكر النبي ﷺ وأمته أنه يفرض عليهم صيام شهر يدعي رمضان، ويجعل ذلك كحطة لهم.
ويجوز أن يكون أراد به، وجد أيام الصوم في كتابهم شيء خطه، فلما كانت أيام صوم المسلمين شهر رمضان أي أنه مستحق لهذا الاسم. وأما تسمية سيد الشهور، فإنه روى عن النبي ﷺ أنه قال: (سيد الشهور شهر رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة) ويحتمل تسمية هذا الشهر سيد الشهور وجهين: أحدهما أنه شهر القرآن الذي هو جامع الشريعة، لأن فيه اتزان. والآخر: أن ليلة القدر إحدى لياليها وهي كما قال الله ﷿ ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾. واستحق من هذين الوجهين أن يدعى سيد الشهور. وأعظمها حرمة ذو الحجة لأنه من أشهر الحرام، وليس رمضان منها.
فصل
وجاء عن النبي ﷺ في تعظيم قدر هذا الشهر أخبار: منها ما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب. وصفدت الشياطين، ونادي منادي باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله في ليلة عتقاء من النار). فأما انفتاح أبواب الجنة، وتغليق أبواب النار،
[ ٢ / ٣٧٧ ]
فقد يجوز أن يكون على ظاهره. ويجوز أن يكون مثلًا. فإن أجرى على ظاهره، وجهه: أن أبواب الجنة تفتح فيقال لأصحابه من قبل الله تعالى الجنة. ولا مدخل للمؤمنين غيرها فلا تكتلوا ولا تقتروا فإنكم تصلون إلى الجنة في هذا الشهر اليسير من العمل الذي لا يصلون لمثله إليها في غيرها. وينحنون من النار ما لا ينحنون فيما سواه، فإنكم إن أخلدتم إلى تقصير في العبادة وجريتم في المعاصي على عادتكم، كنتم الممتنعين من دخول الجنة بعدما فتحت لكم. والمعرضين لفتح باب النار بعدما غلقا دونكم.
فإن قيل: أن ذلك مثل، وجهه: أن الله ﷿ وعدني هذا الشهر تضعيف الحسنات، وجعل فيه ليلة خير من ألف شهر، فصارت الجنان كأن أبوابها فتحت، ونعيمها أتيحت. وصارت النيران كأن أبوابها غلقت وشدائدها أبطلت. لأن الحسنات إذا ضعفت في عامة الشهر، ثم كانت ليلة القدر كألف شهر. فالغالب أن أحدًا من المؤمنين لا يبلغ ساقه من الكثرة أن لا يعم بها هذه الحسنات المضاعفة حتى تصير كأنها لم تكن. وإذا اتفق ذلك، فلا مؤمن إلا وقد استوجب الجنة وحرم على النار. فصارت الجنات كأنها أتيحت للمؤمنين في هذا الشهر والنيران كأنها رفعت عنهم. فإن قصر مقصر فجرى في هذا الشهر على عادته في التثاقل عن الطاعات والدوام على المعاصي والسيئات، فإنما أوتي من قبل نفسه، وهو الذي أراده الرسول لقوله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم.
وأما تصفيد الشياطين، فقد يجوز أن يكون أراد بذلك آياته خاصة، ويكون وجهه أن القرآن كان ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة، قدر ما يكفي لتلك السنة إلى مثلها من العام القابل. فكانت الشياطين تصفد في رأس الشهر لئلا يتمكنوا من السرقي في أسباب السماء لاستراق السمع، مبالغة في حراسة القرآن يشهد، أو شيئًا منه، أو يعلم ما يراد تنزيله منه، أو مقداره، قبل أن يبلغ النبي ﷺ ذلك غيره. وإن كانت الحراسة قد رفعت الشهر والحراس، فيكون ذلك نظير قوم يحنثون في موضع، ويوكل بهم جماعة تحرسهم تنفق وقت يراد به المبالغة في حفظهم، فيراد ما كان أمنه أن يقيدوا. فكذلك هذا والله أعلم.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
وعلى هذا كان تصفيد الشياطين في شهر رمضان مقصورًا على زمان النبي ﷺ خاصة. ويدل عليه أنه قال في بعض ألفاظ هذا الحديث سلسلت مردة الشياطين، فخص المردة بالذكر. وقال الله تعالى ﷿ في قصة لمسترقة ﴿وحفظًا من كل شيطان مارد﴾. فالأغلب إلا شبه والله أعلم، أن يكون التصفيد لمسترقة السمع الذين لهم فضل قوة، وفيهم فرط خبث، فلاجتماع الأمرين لهم يعدون صعود السماء للسماء، للوقوف على ما فيها، فيصفدون في هذا الشهر لئلا يقدروا على الرقي، فيكون ذلك أحسم لشرهم وأبلغ في حراسة الوحي من أن يحلها الصعود، حتى إذا حصلوا في مقاعدهم أو أحفظ منهم حفظه رمي ببعض الشهب والله أعلم.
وقد قيل: أن تصفيد الشياطين مثل لتطهير أنفس الصيام من البواعث على المعاصي في هذا الشهر واشرابها حب الطاعات، والحرص على العبادات، وذلك لما ينقمع من شهواتهم، ويقبلون عليه من قراءة القرآن، والاجتماع مع العلماء وأشراعهم إلى الذكر، فإنهم إذا حسموا أطماعهم في هذا الشهر من الملاذ التي هي محللة في غيره، أو محللة في أمثاله كانوا لها عن الملاذ التي هي محرمة في الشهور غيره أشد حسمًا. وإذا وطنوا أنفسهم على قراءة القرآن ومجالسة العلماء لم يجمعوا إليها ما لا يليق بهما، ولم يقبلوا عليهما إلا ليكون عملهم بحسب ما يتلون في القرآن ويسمعونه من أهل العلم.
وإذا قاموا النوم، واحتاجوا إلى صيام الغد ويبيت النية له من الليل، وعلموا أنهم مندوبون إلى قيام الليل، ورأى بعضهم بعضًا وهم يصلون في المساجد وفي البيوت، كان المنهمكون في الفساد قبل الشهر بين حالين: أما أن تقيدوا بالصالحين فيصلوا كما يصلون. وأما أن يرتدعوا في الشهر عما كانوا يأتونه في غير الشهر، وما منعه الله تعالى من محق السرور، وأسباب الفساد فيه يتصفيد الشياطين، لأنهم هم الذين يغرون الناس بالمعاصي ويوسوسون إليهم بها. فإذا ضعفت آثارهم وذهبت مكائدهم في هذا الشهر، صاروا كأنهم صفدوا، فصاروا لا يصلون إلى اختلاط بالإنس، وحملهم ما كانوا يحملونهم عليه من قبل والله أعلم.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
ومن قال هذا، قال: ليس بأكثر مما جاء في القرآن من قوله ﷿ الكفار: ﴿لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون، إنا جعلنا في أعناقهم أغلالًا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون، وجعلنا من بين أيديهم سدًا، ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾.
ومن قوله ﷿: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم﴾. ومن قوله ﷿: ﴿صم بكم عمي﴾.
فإذا جاز أن يكون الله قد شبه الكفار، وأعراضهم عما يسمعونه ويرونه من آيات الله وبيناته ونزولهم منزلة من لا يسمع دعاء، ولا يرى آية ولا يعقل حجة مقبولة المعلول، الممنوع بعله، يراود عنه مما يمتنع العل عن مثله. فكذلك يجوز أن يكون تصفيد الشياطين عبادة من قلة تمكنهم في هذا الشهر من هذا الناس عن الطاعات وإغوائهم بالمعاصي والسيئات والله أعلم.
وقيل: إن ذلك حقيقة وليس بمثل، والمعنى أنه حال بينهم وبين السلطان الذي لهم على نفوسهم اليأس في هذا الشهر بأصفاد تليق بهم، فلا يتهيأ لهم معه الخلوص إلى النفوس، وإحضار الفساد للقلوب، وإن اجتماع المسلمين على الصلاة والصيام في الشهر مع تكاسل بعضهم على الصلوات المكتوبات في غيره، والسماحة بالصدقات مع التحل بالزكاوات فيما سواه. والإقبال على القرآن مع التغافل عنه في أكثر الأوقات، والميل إلى مجالسة أهل العلم ومساءلتهم هذا الإعراض عنه، وترك الإشتغال به من قبل، وتركهم شرب الخمور مع الحرص عليها طول السنة، ليس الإنقطاع مكائد الشيطان عنهم، ولا ذلك لم يكونوا في هذا الشهر إلا كما يتكاسلوا عن الصلوات في أوقاتها. فإن صيام يوم من أوله إلى آخره أشق من ركعتين أو أربع ركعات، فلما كان ذلك لا يقع منهم، علمنا أن الشياطين قد سمعوا عنهم، فمن ذلك ينتشروا للطاعة والعبادة والله أعلم.
فإن قيل: ليسوا مع ما وصفتم لا يخلون من وجوه من المناكير، والعظائم منهم، نحو قطع الطريق، وقتل النفوس والرق، فهلا علمتم بذلك أن الشياطين غير ممنوعين عنهم إن كانت هذه المعاصي لا تقع من الناس إلا باعوا الشياطين.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
فالجواب: أن الشياطين وإن صفدوا في هذا الشهر، فإن الإناء التي علقت بنفوس الصائمين من تسويل شر لهم، وتحبيب باطل إليهم لا يخلع عنها بتصفيدهم، ولا يفارقها بل يلزمها فيكون بحالها وجود ما ذكرتم لها ومن قبلها. فأما حدوث مادة جديدة لشر مستأنف لم يكن خطر بالقلب قبل الشهر ولا تتهيب النفس عليه. فهذا لا يكون في الشهر.
فإن قيل: وماذا يعني تصفيدهم في الشهر إذا كانوا قد قدموا من الإناء ذي الفتحة، ما لزمت نفوس الآدميين، فصاروا يعملون بها في الشهر مثل ما يعلمون بها في غيره.
قيل: أن تلك الآثار تزداد بانقطاع المواد عنها ضعفًا ورضاء، ولولا ذلك لكان الناس كلهم في الشهر، كما يكون قبله أو بعده. وليس كذلك بل تباين أحوالهم في غيره مباينة شديدة. ثم المكائد المبتدأة لا تقع أصلا، فلا يحل التصفيد من أن يقع ويفيد وبالله التوفيق.
وأما قوله: (وينادي مناد يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر أقصر)، فقد يجوز أن يكون مثلا لترغيب الله تعالى الموصل في زوائد الخيرات والحسنات في هذا الشهر حتى يجازوا كأنهم ينادون كل ليلة، فيقال لهم: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. وقد يجوز أن يكون حقيقة لا مثلا، وأن يكون ملك ينادي بذلك ليزداد العباد حسدًا في الخير، وبعدًا من الشر.
فإن قيل: ما معنى هذا النداء وهم لا يسمعونه؟
قيل: ليس كذلك، لأن الصادق قد أبلغهم إياه وأخبرهم، فصاروا سامعين له، وليس كل نداء يسمع من المنادي. ولكن من سمعه من صادق فبلغه عنه، فكأنما سمعه منه، فكذلك هذا والله أعلم.
وجاء عن النبي ﷺ: (تعظيم قدر هذا الشهر فلم يغفر) فقال انس: (رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما الكبر عنده، فلم يغفر له، فقال: آمين. رغم انف امريء
[ ٢ / ٣٨١ ]
ذكرت عنده فلم يصل عليك. فقال: آمين).
ومعنى هذا -والله أعلم -رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما الكبر عنده وأدرك هذا الشهر، وذكرت عنده فلا هو صلى عليك فعرف حقك، ولا عمل في هذا الشهر ما يتوصل به إلى المغفرة، فعرف حقه. ولا بر والديه. أو الذي أدرك مثلهما فعرف حقه، فإن الأمر إن لم يكن على هذا وجب أن يكون من ترك الثالثة وعمل بالآخرين غير مغفور له. وهذا غير جائز، لأن الله تعالى أخبر أنه لا يضيع عمل عامل من المؤمنين، فقال: ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا﴾. فصح أن معنى الحديث ما ذكرت. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿إذا سلم رمضان سلمت السنة كلها). ومعي هذا ما جاء في حديثه من قوله: (الشهر إلى الشهر كفارة لما بينهما). أي أن شهر رمضان إذا سلم كان كفارة لما بعده إلى الشهر القابل، فتصير السنة سالمة بسلامة الشهر والله أعلم.
ومن عظم قدر هذا الشهر اختصاصه بليلة القدر، قال الله ﷿: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾. وقال: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾. فظهر بذلك أن ليلة القدر في شهر رمضان. معنى ليلة القدر التي نقل الله تعالى لملائكته جميع ما ينبغي أن يجري على أيديهم من تدبير بني آدم محياهم ومماتهم إلى ليلة القدر من السنة القابلة، وكان يدخل في هذه أيام حياة النبي ﷺ أن يقدر منها ما هو منزله من القرآن إلى مثلها من العالم القابل، وإنما قيل ليلة القدر، لم يقل ليلة الكذب، وأن المعروف من قرينة القضاء وتحديده ليكون ما يلقى إلى الملائكة في السنة مقدار بمقدار يحضره عليهم. وما قال على هذا المعنى فهو كالقدر - بتسكين الدال - يقال: قدرته أقدره قدرًا، كما يقال: حذرته أحذره حذرًا. ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾. من هذا. لأنه مجاوزًا لمعنى ما عظموه حق تعظيمه، وما عرفوه حق معرفته. وقال الله ﷿ في
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وصف هذه الليلة: ﴿إنا أنزلنا في ليلة مباركة، إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم﴾. فأخبر أنها مباركة. أي مبارك فيها لأولياء الله ﷿، فإنها جعلت خير من ألف شهر أي إذا أحبوها وقدروها حق قدرها، فظلوا بالصلاة وقراءة القرآن والذكر، ولم يلهوا منها، ولم يلغوا، كانوا كأنهم فعلوا ذلك شهرًا وأكثر: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾. أي كل أمر مبني على السداد. والحكيم بمعنى يتحكم.
وقد جاءت في هذه الليلة أخبار مجمعة، المعنى فيها: أنها أوتار العشر الأواخر. وروت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (تحروا ليلة القدر في الوتر في العشر الأواخر من رمضان). ثم فيها وجهان:
أحدهما: ما روي عن أبي قلابة ﵁ من أنها تحول في ليالي العشر، أي تكون سنة إحدى ليلة غيرها.
والآخر: أنها إحدى الأوتار بعينها كلها، فإن كانت ذلك، فينبغي أن تكون ليلة خمس وعشرين، إن كان ما روى أن القرآن أنزل لأربع وعشرين من رمضان صحيحًا. فإن وهبًا ذكر أن صحف إبراهيم أنزلت أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة بعد ذلك لسبعمائة عام لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان. وأنزل الفرقان بعد ذلك بستمائة وعشرين عامًا لأربع وعشرين ليلة مضت من رمضان. وإن لم يثبت هذا فهي ليلة مشكلة. وسأل أبو ذر عنها رسول الله ﷺ، وأقسم عليه ليخبرنه بها حتى أعطيه، وقال: (لو أذن الله تعالى أن أخبركم بها لأخبرتكم، إلا أمر أن يكون أحد التسعين). يعني في العشر الأواخر لسبع خلون منها، أو لسبع بقين منها، وهو ليلة ثلاث وعشرين، أو ليلة سبع وعشرين. ودلت الأخبار على أن النبي ﷺ كان يعلم هذه الليلة وقتًا، غير أنه لم يكن ما دون في الأخبار يردها ثم أنسيها. فأما أنه لم يؤذن له في الأخبار بها، فلئلا يتكلون على عملهم بها، صحبوها دون سائر الأوتار، بل يخفوا الأوتار كلها فعصوها في
[ ٢ / ٣٨٣ ]
جملها. وكان عبد الله يؤيد الناس على هذا، فيقول: من يقم الحول يصبها. فقال أبي بن كعب، والله لقد علم ابن عبد الرحمن أنها في رمضان، لكنه أراد أن يعمي على الناس لئلا يتكلون. وأما أنه انسبها قليلا يسأل عن شيء من أمر الدنيا فلا يخبرنه، أو لأنه كان محيولًا على أكرم الأخلاق وأحسنها، وعلم الله تعالى من قلبه الرأفة نبأ منه، وأنه ليس عليه أن يسأل شيئًا مما عنده، فيبخل به، فأنساه علم بهذه الليلة حتى إذا سئل عنها لم يخبر بها، لم يكن كأنما علم عنده.
وذكر النبي ﷺ أنه رأى هذه الليلة ثم أنسيها. ورأى أنه يسجد في صبحتها في ماء وطين. فقال أبو سعيد الخدري ﵁: كان ذلك ليلة ثلاث وعشريين، قال عبد الله بن أنيس: مطرنا ليلة إحدى وعشرين، فصلى بنا رسول الله ﷺ - يعني من صبحتها -فانصرف، وإني أرى الماء والطين على أنفه وجبهته، ثم جاء مع هذا عن النبي ﷺ قال: (ليلة القدر ليلة أربع وعشرين).
وروى ابن عباس ﵁ أن رجلا قال: يا نبي الله، أتي رجل شيخ كبير، يشق علي القيام، فمرني بليلة، لعل الله تعالى يرقبني فيها ليلة القدر، فقال: (عليك بالسابعة) بهذا يدل على أنها ليلة سبع وعشرين. ولابد من تأويل هذه الأخبار بعد أن قال النبي ﷺ: (رأيت هذه الليلة ثم أنستها).
فنقول -وبالله التوفيق -: وقد يجوز أن يكون أبو سعيد تنبأ له عن ليلة القدر وقد مضت من تلك السنة. فقال: هي ليه ثلاث وعشرين، أي كذلك لا شك، ثم لا يدري أن تكون في القابلة فيها أو في غيرها.
وكذلك قوله لثلاث: فأما قوله للسائل (بالسابعة). فيحتمل أنه كان الأغلب على ظنه في تلك السنة أنه ليلة سبع وعشرين. فلذلك أمره بها. والرجل لم يسأله عنها قطعًا، وإنما سأله عن ليلة لعلمه يوافق فيها ليلة القدر. وحاصل هذه الليلة يمكن أن
[ ٢ / ٣٨٤ ]
يوافق فيها ليلة القدر. ولعله سأله وثلاثة أوتار قد انقطعت، ولم يكن عنها ليلة القدر، وبقي وتران أغلبهما أن تكون هذه الليلة السابعة، فحثه عليها، وليس ذلك من القطع بسبيل والله أعلم.
وفي تسمية هذه الليلة -ليلة القدر وتعظيمها وجه آخر: وهو أن كل ذلك لتقدير ما ينزل من القرآن فيها إلى مثلها من السنة القابلة. ومعنى قول الله ﷿: ﴿يفرق كل أمر حكيم﴾. أي يفضل آخر القرآن، ويقصر أن يكون ذلك الفضل، وذلك الفرق أمرًا حكيمًا
ويحتمل إذا ميز ما يراد تنزيله في السنة ذلك المميز أيضًا، وجعل نحو ما ينزل كل نجم منه عند وقته، فذلك فرق كل أمر حكيم، فأما سائر الأمور التي تجري على أيدي الملائكة من تدبير أهل الأرض، فإنها تبين ليلة النص من شعبان، فقد وردت فيها أخبار كثيرة، وسميت ليلة الهل، وليلة الإجلال والأرزاق، وليلة ذل العاني ونصرة المظلوم إلى غير ذلك من أسماء كثيرة، فيكون تعظيم ليلة القدر لأجل القرآن، وأن تنزيله فقد انقطع. كما يفضل يوم عاشور، بأن الله تعالى نجي موسى ﵇ من فرعون، وذلك لأنه اختص به يوم بعينه، وقد مضى. وكما يفضل ولد المهاجرين بأن أبا لهم كان هاجر ولد الأنصاري، بأن أباه آوى ونصر.
وقد اتبعت القول في عامة هذه الأبواب في كتابي المجرد لذكر خصائص شهر رمضان وأوردته في هذا الكتاب مع فصل تقرير تكلفه، ليكون أسرع إلى الإلهام إن شاء الله.
ومن جملة ما عظم الله به قدر صيام شهر رمضان أن جعل أول يوم يليه عيدًا، وحرم صيامه. وأوجبت فيه صدقة الفطر، وأمر الناس بالتكبير ليلة العيد ويومه إلى وقت منه معلوم.
وأما جعل اليوم الذي ذكرنا يوم عيد، فهو من الإعلام الموروثة لا يخفي شأنه على أحد، ونقلي الحديث فيه تكلف، ومعناه -والله أعلم -أن مبنى أركان الدين على الشهر والإعلال. لأن الصلاة تقام جماعة ثم يكون في كل جمعة اجتماع الجماعات، وخروج
[ ٢ / ٣٨٥ ]
الوالي بالخطبة. والزكوات أيضًا يأخذها الإمام أخذًا ظاهرًا يبعث السعاة عليها، وتدون الدواوين لها، ويفرقها تفريقًا ظاهرًا. والحج والجهاد يجتمع عليهما أهل البلدان المتفرقة طبقات الناس المختلفة، فلا يكاد أمر أعلى منها. والصيام يخفي لأن مبناه على العزم والكف، وهما أمران لا يعلمها من الصائم إلا الله، ثم الصائم نفسه، منشرح عند انقضائه، التكبير في العيد بما من الله تعالى من إشهاد الشهر، والتوفيق بصيامه، وقدر من استكماله غلاله، وإذا أخفه فيعيد بذلك أمر الصيام، ويلحق نظرائه من العبادات والله أعلم.
وأما تحريم الصوم في يوم العيد، فلأنه يوم يلي انسلاخ شهر رمضان، فكان كالليالي المتخللة لأيام الشهر، فإن كل ليلة منها تلي التي قبلها وقت الصيام، فلما لم يكن في ليلة منها صوم، فكذلك لا يكون في يوم العيد صوم والله أعلم.
وأما وجوب صدقة الفطر، فإن ابن عمر ﵄ قال: فرض رسول ﷺ بصدقة الفطر من رمضان على كل حر وعبد، ذكر وأنثى، صغيرًا وكبيرًا من المسلمين صاعًا من تمر وصاعًا من شعير. ومعنى ذلك -والله أعلم -شكر نعمة الله فيها أباح من الطعام والشراب في النهار بعد أن كان حظرهما ما وجب على الناس أن يطعموا كما يطعمون، ويتصدقوا على المحتاجين بما لا يجدون. ثم بين رسول الله ﷺ مقدار الإطعام والجنس الذي يكون منه، وعلم ذلك موجود في كتب الأحكام. فأما الشراب فلم يأمر أن يتصدق به لأنه على الوجوه يعيش الناس في مساكنهم ومما خص به هذا الشهر ما يرجع إلى تعظيم قدرة أن رسول الله ﷺ قام لياليه وقدم القول فيه في باب الصلاة ويقول هاهنا: (إن الجماعة من سنن القيام). فينبغي للذين لا يحفظون القرآن أن يقدموا إمامًا يحفظه، فيؤمهم في المسجد. وتزين المساجد التي يقام فيها الجماعات بالقناديل كما فعل أيام عمر ﵁.
وقال علي ﵁: نور على عمر قبره كما نور مساجدنا، ويتحرى أن يكون الإمام حسن القراءة لا يمله القوم. ونبخر المساجد عند القراءة، وإن لم يفارقه الطبيب حتى تنقضي صلاته فهو أحسن.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
وأما القراء وحملة القرآن فإنهم جمعوا بين حضور الجماعات، ثم الانفراد في بيوتهم بالصلاة فهو أحسن. فإن لم يطيقوا بالانفراد بالصلاة أولى بهم لأنه شهر القرآن، فالقراءة ممن يحسنها أفضل من الاستماع إلى قراءة غيره والله أعلم.
فصل
وينبغي للصائم أن يصوم بجميع جوارحه، كما لا يأكل ولا يشرب ولا يباشر أهله، فكذلك ينبغي له أن يصوم ببشرته فلا يقض بها إلى بشرة أهله بشهوة، وبعينه فلا ينظر إليها بشهوة، وبقلبه فلا يتفكر في محاسنها، لئلا تساوره الشهوة فيكون منه ما يفسد الصوم أو تبور منه الجنابة، فيكون قد قضى شهوته، ويطيل ببذل الصبر أجره، وبلسانه فلا يغتاب ولا يسب ولا يخاصم ولا يكذب، ولا يرجى زمانه بإنشاد الأشعار ورواية الأسماء والمضاحك، والثناء على من لا يستحق الثناء والمدح، والذم بغير حق وغير ذلك. وبيده لا يمدها إلى باطل، وبرجله لا يمشي بها إلى باطل، وبجميع قوى بدنه فلا يفسدها في باطل.
قال النبي ﷺ: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه). وقال النبي ﷺ. (ما صام من ظل يأكل لحوم الناس). وقال: (إذا كان أحدكم صائمًا، فلا يرفث ولا يفسق، ولا يجادل. فإن أحد جهل عليه فليقل: إني صائم). ومعنى ذلك -والله أعلم -فليقل في نفسه إني صائم، فلا ينبغي أن أساور وأخاصم.
وبما يستحب في هذا الشهر الجود والإفضال، وقد مر القول فيه بعض الأبواب المتقدمة، وأفضل ذلك كفاية المحتاجين، أم فطرهم. جاء عن النبي ﷺ: (من فطر صائمًا فله مثل أجره، ولا ينقص من أجر الصائم شيء). ومعنى ذلك -والله أعلم -
[ ٢ / ٣٨٧ ]
إن الملقي شغل فطر (إنما يصوم بمعرفة الكافي، فكان صيامه واقعًا منه. فلهذا كان له مثل أجره ولا ينقص من أجر الصائم شيء، لأن صومه لنفسه وما عند الله واسع. فإذا أفطر الصائم فينبغي أن يفطر على تمر، فإن لم يجد فالماء. هكذا روى عن النبي ﷺ.
ويستحب أن لا يفطر على شيء مسته النار، ولا بأن لا يتبع موضع الهزم أثر النار. وكما ينتهي أن يتبع الجنازة بحمر أنفا، ولا للميت بإبعاد النار عنه. وقد جاء عن أنس أن النبي ﷺ كان يفطر على ثلاث تمرات، أو على شيء لم تمسه النار. وإذا أفطر الصوام عند رجل، فحسن أن يدعو لنفسه ولأهل بيته ولجماعة المسلمين بالمغفرة، وما يهمه من كرب إن كان به، وهو يبغي الفرج عنه، أو ما يجري مجراه، لأنه يروي عن النبي ﷺ أن للصائم عند فطره دعوة مستجابة، وروى عنه ﷺ أنه كان إذا أفطر قال: (ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله).
ويستحب للصائم أن يفرق طعامه فلا يمتلئ منه قبل القيام، ثم يصيب منه حاجته عند السحر، لأنه روى عن النبي ﷺ قال: (فرق ما بيننا وبين أهل الكتاب أكله السحر). وكان يقول: (تسحروا فان في السحور بركة). فإن أصاب صاحبه عند الإفطار، واستغنى عن السحر لأنه لم ير في الأكل فوق السبع والله أعلم.
فصل
ثم أن الصيام كالزكاة من أنه لا مسنون من جنسه إلا أن منه ما قد رغب وندب إليه وجاءت في فضله أخبار، فمنها: صيام ستة أيام من شوال. قال النبي ﷺ: (من صام رمضان واتبعه ستًا من شوال، فكأنما صام الدهر كله).
وجاء في بعض الأخبار: اقرأوا إن شئتم، ﴿ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾
[ ٢ / ٣٨٨ ]
أي صوم الشهر بصيام ثلاثمائة يوم، وصوم ستة أيام بصيام ستين يومًا. فذلك ثلاثمائة وستون يومًا. وهذا الحساب موضوع على تبين الشمس دون القمر، لأن السنة الشمسية هي التي تكون أيامها ثلاثمائة وستين. فأما القمرية فإن أيامها ثلاثمائة وأربعة وخمسون، لأن شهرًا منها يتم وشهرًا منها ينقص.
وقد يجوز أن يكون المعنى: أن الله ﷿ وأن نقص من الشهر يومًا، فإنه يكمل له أجر شهر تام والله أعلم.
ومنها: صيام البيض. روى عن النبي ﷺ أنه قال: (من كان صائمًا فليصم من الشهر ثلاثًا البيض، ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة). وأما ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر).
قال أبو ذر: صدق الله ورسوله في كتابه ﴿ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ فليس المراد به ثلاثة أيام سوى البيض، لكن ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، وإن كانت هذه الثلاثة البيض فهي أفضل. ألا ترى أن النبي ﷺ قال: (من كان صائمًا من الشهر فليصم الثلاثة البيض).
وقال لإعرابي دعاه إلى طعام. فقال: إني صائم فقال: (أفلا جعلتها البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة). وقال رجل: قلت لابن عباس: أصوم ثلاثة أيام من الشهر، فأي الأيام أجعلها؟ قال: الأول: صم العشر البيض ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر، فمن لم يصم البيض صام من أول الشهر الاثنين والخميس الذي يليه.
هكذا روت أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ. وقالت عائشة ﵂ ولم تفسره: صم من الشهر السبت والأحد والاثنين وصم من الشهر المقبل الأربعاء والخميس والجمعة، وفي هذا إخراج الثلاثاء من الصوم. وليس لذلك معنى يعرف.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
وجاء في فضل هذا الصيام أن النبي ﷺ قال: (ألا أنبئكم بما يذهب وخز الصدر صيام ثلاثة أيام من كل شهر). قال علي ﵁: وخز الصدر علة دائمة. وقال مجاهد: علة وحسرة. وأما صيام الاثنين والخميس وتخصيصهما، فذلك من أيام الشهر. فقد روي عن النبي ﷺ أنه كان يصوم الاثنين والخميس. روى قتادة قال: سئل رسول الله ﷺ تعرض الأعمال يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر الله الذنوب إلا ما كان من متشاحن أو قاطع رحم، فإنهما يؤخران، فكان علي ﵁ يصوم الاثنين والخميس وكان أسامة بن زيد يصومهما ويقول: إلا أحب أن يعرض عملي إلا وأنا صائم، ويحتمل عرض الأعمال أن الملائكة الموكلين بأعمال بني آدم يتناوبون، فيقيم معهم فريق من الاثنين إلى الخميس ثم يعرضون. وفريق من الخميس إلى الاثنين ثم يعرجون، فكما عرج أحد الفريقين كافوا ما كتب في الموقف الذي له من السموات، فيكون ذلك عرضًا في الصورة. ويحتسب الله تعالى عبادة للملائكة. فأما هو في نفسه ﷿ فغني عن عرضهم بسبحهم فهو أعلم بما كسبه العباد من العباد، ومنهم أن يكون العرض على كثير من الملائكة تصرفهم بأمر الله ﷿، فرقًا بعد فرق، ليخصوا أعمال بني آدم، ويحفظوها وينسخوها ويرفعوها، أما في كل اثنين، وأما في كل خميس على ما يثبت.
ثم قد يجوز أن يكون ذلك بالملك جبريل صلوات الله عليه، لأن الله ﷿ وصفه بأنه مطاع، وذلك يدل على أنه أمار في موضعه إذا طاعه لا يكون إلا لأمر، فقد يحتمل أن يكون الصرف للملائكة على هذا الشغل جبريل ﵇، وعليه يكون العرض. ويكون العرض أن يؤدي كل فريق إليه ما كان بلغه من العمل بسبب، فيخرج من جهده الطاعة، وإلا فالباريء ﷿ لا يتأخر علمه بأعمال عباده إلى أن يعرض عليه والله أعلم.
وأما صوم الدهر فليس بمستحب، سئل رسول الله ﷺ عن رجل يصوم الدهر، قال: (لا صام ولا أفطر). وهذا القول يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون دعاء عليه لغلوه وإفراطه. والآخر بأن يكون خبرًا عنه لا مجهود بالصوم ولا مترفة بالفطر. لأن من صام دائمًا صار الصوم له عادة، فكان أكله من الليل إلى الليل، كأكل المفطر من
[ ٢ / ٣٩٠ ]
الظهر إلى الظهر، ومن الضحى إلى الضحى، وزالت عنه المشقة، فلم يحس بجوع ولا عطش وإذا كان كذلك، كان كأنه غير صائم، وهو مع ذلك غير مفطر. فقد يجور أن يكون أراد بقوله (لا صام ولا أفطر) هذا والله أعلم.
وروى أن خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون دخلت على عائشة ﵂ وهي متعسفة هشة الهيئة، فقالت لها عائشة: لم تصنعين هذا؟ فقالت: إن صاحبي لا يريد النساء، يصوم النهار ويقوم الليل، وأراد أن يترهب. فذكرت عائشة ذلك لرسول الله ﷺ فقال: (لكن أنا أصوم وأفطر وأرقد وأقوم، وليس في ديننا الرهبانية، فمن رغب عن ملتي فليس مني). وقال عبد الله بن عمر: وقال لي رسول الله ﷺ: (يا عبد الله بن عمر، تصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت: نعم قال: فلا تفعل، فإنك إذا فعلت ذلك هجنت عيناك وتعنف نفسك، لكن صم وافطر، فإن لأهلك عليك حقًا ولجسدك حقًا. صم ثلاثة أيام من كل شهر، وذلك صوم الدهر. قلت: يا رسول الله، أني أجد قوة: قال: لا تفعل، لا صام من صام إلى الأبد، إن كنت لابد صائمًا فصم صوم داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقى).
وجاء عن النبي ﷺ: (في صيام داود أربعة ألفاظ: أحدها الحكاية والجن، والآخر الترغيب وللأمر، والثالث: أن قال: أفضل الصيام والرابع: أنه أعدل الصيام، فأما الجن فهو ما روى أن رجلًا قال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال: (ذاك صوم أخي داود، قال: فرجل يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال: وددت أني أطيق ذلك. قال: أرأيت رجلًا يصوم يومين ويفطر يومين؟ قال: ومن يطيق ذلك)
فأما الترغيب فهو ما روى عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (صم صوم داود، صم يومًا وافطر يومًا). وأما أن ذلك أفضل الصيام، فقد روي
[ ٢ / ٣٩١ ]
عن عبد الله بن عمر، وأيضًا أن النبي ﷺ قال: (أن أفضل الصوم صوم أخي داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا) ولا يقر إذًا لأجل، وأيضًا أنه أعدل. فقد رواه أيضًا عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: (أعدل الصيام عند الله صيام الدهر) معنى هذا -والله أعلم -أن من صام يومًا وأفطر يومًا، لم يألف الصيام قط، ويكون كل يوم -والله أعلم -أن من صام يومًا وأفطر يومًا، لم يألف الصيام قط، ويكون كل يوم يصوم له في اليوم الأول، وهذه مشقة.
ثم أنه من يبق بالفطر مقدار ما يتحمل من جهة الصوم، فلذلك كان هذا أعدل الصيام وبالله التوفيق.
فلا ينبغي لأحد أن يجهد نفسه فيحملها من العبادة فوق طاقتها، فإن ذلك يحول بينه وبين المداومة، ويقطعه من العبادة أصلا في بعض الأوقات، كما جاء عن النبي ﷺ قال: (أن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى). وجاء عنه ﷺ قال: (كلفوا من الأعمال ما يطيقونه، فإن الله لا يمل حتى يملوا، وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلت).
وأما إعادة رسول الله ﷺ في الصيام فهو ما روت عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يصوم الشهر حتى نقول: ما يريد أن يفطر منه شيئًا. ويفطر من الشهر حتى نقول: ما نريد أن يصوم منه شيئًا، وكان يستاء أن نجده مصليًا من الليل إلا رأيته أو نائمًا إلا رأيته). أرادت أنه كان لا يصوم شهرًا كله ولا يفطر شهرًا كله، ولا يقوم ليلة كلها ولا ينام ليلة كلها. وروى عن أنس نحو ذلك.
وعن أنس ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى أزواج رسول الله ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ، فلما أخبروا بها كأنهم تعالوها. فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال أحدهم: فأصلي الليل أبدًا. وقال الآخر:
[ ٢ / ٣٩٢ ]
أنا أصوم الدهر كله لا أفطر. وقال الآخر: أنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء النبي ﷺ فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا، إما والله، أني لأخشاكم الله، واتقاكم له، لكني أصوم وافطر، وارقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
وقد يجوز أن يكون ما روى عنه من صيام الاثنين والخميس أنه كان إذا لم يرد أيامًا، وأراد أن يصوم يومًا، وجده تحرى أن يكون ذلك الاثنين والخميس.
ومن جمله الصيام صيام شعبان، روى عن النبي ﷺ أنه كان يصوم شعبان ورمضان وقالت عائشة ﵂: لم أر رسول الله ﷺ يصوم في شهر أكثر من صيامه في شعبان، كان يصوم شعبان إلا قليلا، ما كان يصومه كله.
وجاء عنه ﷺ أنه قال: (إذا انتصف شعبان فكفوا عن الصوم). ويحتمل أنه كان يصوم ويأمر أمته أن يكفوا عند انتصافه عن الصيام، كما كان يواصل. ونهى أمته عن الوصال، فإنه ربما خشي على أمته الضعف وكان آمنًا في نفسه، لأنه قد قال في الوصال: (إني لست كأحدكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني). فقد يحتمل أنه كان يطعمه ويسقيه على الحقيقة، بأن يخلق في جوفه طعامًا وشرابًا فيشبعه ويرويه. ويحتمل أنه كان يدفع عنه الجوع ويقويه ويغنيه عن الطعام والشراب، ويصرف عنه شهوتهما، فيكون كالطاعم الشارب والله أعلم.
وأما صيام رجب. فاني لم أجد لها في الأصول المعروفة ذاكرًا، سوى ما روى أن النبي ﷺ سئل صوم رجب قال: (فأين انتم عن شعبان). وهذا يحتمل أن معناه أن رجب قد ظهر فضله فإنه من الأشهر الحرم، وكان معظمنا في الجاهلية يدعى شهر الله الأصم. فلا يحمل فيه السلاح ولا تسمع قعقته، فلا تسألوني عنه، واسألوني عن شعبان. فإن كان هذا. فقد يجوز أن يكون صومه مستحبًا، ويحتمل أن يكون معناه أن رجب مفضل عن شهر رمضان فهو كالأشهر التي قبله، وإنما المتصل بشهر رمضان والمبشر به،
[ ٢ / ٣٩٣ ]
والشبه من بعض الوجوه به شعبان، فإن فيه ليلة الصكاك كما في شهر رمضان ليلة القدر، فاسألوني عنه لا عن رجب. وهذا أشبه، لأن ذا القعدة من الأشهر الحرم، وما ورد في صيامه خير.
وجاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يصرف أكف الذين يرفعونها عن الطعام في رجب حتى يأكلوا. وكان عبد الله بن عمر ﵄ يقول: صوموا منه وافطروا.
وجاء عن النبي ﷺ قال عند دخول رجب: (اللهم بارك لنا في رجب وشعبان) وبلغنا رمضان. فقد يحتمل أن يكون رجب بدلالة هذا الخير، قرينة شعبان، فيستحب الصيام، ويكون صرفًا لأكف الذين كانوا يكرهون من شدة تعظيمهم هذا الشهر أن يفطروا فيه، فقد روى أنه كان فيهم من إذا أفطر فيه قضاه. ونهاهم عن ذلك عبد الله بن عباس والله أعلم.
ومنها صيام المحرم، يروى أن رسول الله ﷺ قال لرجل: (إن كنت صائمًا بعد شهر رمضان، فصم المحرم، فإنه شهر الله).
وفي رواية أخرى أنه سئل: أي الشهور أفضل بعد رمضان؟ فقال: (شهر الله الأصم المحرم).
ومنها: صيام عاشوراء، وهو اليوم العاشر من المحرم. وجاء عن النبي ﷺ: أن صيامه كفارة سنة، وجاء عنه ﷺ قال: (تكفر السنة التي قبلها). وعنه ﷺ: (من وسع على عياله يوم عاشوراء، أوسع الله عليه سائر سنته). وقال سفيان بن عيينة: جربناه فوجدناه كذلك، ويستحب أن يصوم التاسع قبله. قال الحكم بن أعرج:
[ ٢ / ٣٩٤ ]
سألت ابن عباس عن صوم يوم عاشوراء، فقال: إذا رأيت هلال المحرم فأعد تسعًا ثم أصبح صائمًا، فقلت: أفعله رسول الله ﷺ؟ فقال: نعم.
وقد اختلف في صيام عاشوراء فقيل: أنه كان فرضًا، قبل أن تنزل فريضة رمضان فلما نزلت نسخت ما كان قبلها من الصيام. وقيل: لم يكن فرضًا، وإنما كان صيام شكر صامه رسول الله ﷺ لتخليص الله تعالى عبده موسى من فرعون فيه.
فصل
وقد ذهب بعض السلف إلى أن عاشوراء هو اليوم التاسع. واحتج بالحديث الذي رويته عن ابن عباس وادعى أن رسول الله ﷺ قال: (أن سلمت لأصومن العاشر التاسع). وأن من أثبت الواو من العددين فقد غلط وأن معنى الحديث: لأصومن مكان العاشر التاسع. والأمر عندنا بخلاف هذا، لأن الواو محفوظة في هذه الرواية عندنا، والغلط في حذفها أمكن منه في إثباتها. وتأويلهم هو الغلط لأنه جاء الجمع بين التاسع والعاشر مفسرًا، وفي ذلك سقوط ما ظنوه.
ومعنى ما روي عن ابن عباس في قوله، فأصبح في تاسعة صائمًا أنابه أو بهذا الصيام، وأنه لا يتقرب إلى الله ﷿ بصيام يوم فرد كما يتقرب إليه بركعة من الصلاة. فكما يستحب في الصدقات الأزواج، وجاء فيها من الأخبار ما قد عرف فكان من أداء ابن عباس الأمر بصيام التاسع لا الاقتصار عليه من العاشر والله أعلم.
وكيف يظن عظم اليوم الذي كان عبدًا لموسى ﵇ فسواء صام أو غيره أو لم يصم لذلك يومًا أصلا والله أعلم. وقال أبو رافع: من أراد أن يصوم عاشوراء فليصم التاسع والعاشر.
ومنها صيام يوم عرفة. روى أن النبي ﷺ قال: (يوم عرفة كفارة ستين يومًا قبلها وسنة بعدها).
[ ٢ / ٣٩٥ ]
فإن سأل سائل فقال: رويتم أن النبي ﷺ قال: (الصلوات الخمس كفارة كفارات لما بينهن ما اجتنب الكبائر). وأنه قال: (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما ببينهما ما اجتنب الكبائر). وأنه قال: (شهر رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما). وأنه قال: (صوم يوم عرفة يكفر سنتين: سنة قبلها وسنة بعدها). وأنه قال: (صوم عاشوراء كفارة السنة التي تقدمتها). وقال الله ﷿ قبل هذا كله: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾. فأخبرونا عن هذه الأخبار كيف تلائم هذه الآية؟ وكيف يلائم بعضها بعضًا، فإن اجتناب الكبائر إذا وجب غفران الصغائر، لم يبق من الصغائر ما تكفرها الصلوات الخمس إن كفرت لم يبق وراءها ما يكفرها للجمعات ثم أن كفرت لم يبق وراءها، يكفرها صيام رمضان، ثم أن كفر لم يبق وراءها ما يكفر صوم عرفة، ثم أن كفر لم يبق وراءها ما يكفره عاشوراء. فمن أي وجه يثبت أن تكون هذه الأعمال كفارات؟
قيل له: -وبالله التوفيق -وقد يجوز أن يكون معنى هذه الأخبار أن كل واحد من الصلوات الخمس ثم الجمعات، ثم صيام رمضان ثم صيام عرفة ثم صيام عاشوراء له من القدر عند الله أن يعفي على أثر السيئات كلها بالغة ما بلغت، وكائنة ما كانت، ما لم تكن كبائر. وإذا كانت هذه المنزلة وقع بها تكفير ما يصادفه من السيئات، وما لم يصادف منها سيئات فيكفر بها انقلبت زيادة في درجات أنفسها، وهذا كما يقال: الوضوء طهارة، أو أنه رافع للحدث. أو يقال: العتق كفارة، أو الإطعام كفارة، فيكون المعنى أن هناك ما يتطهر به، أو كان ما يكفر. فإن لم يكن كان عبادة وفضلا وبرًا يوجب كصاحبة الثواب. ولولا أن هذا هكذا لما صح أن يتوضأ من لا حدث منه، فلا يعتق أو يطعم أو يكسو من لا حيث عليه، ولو حب إذا أعتق الرجل عن كفارته ولا كفارة عليه، أن لا يعتق عنده. ولما لم يكن هذا هكذا، بل كان الوضوء طهارة لم
[ ٢ / ٣٩٦ ]
يحتاج إليها وقربة وبرًا، فإن لم يكن هناك حدث يرفعه أو العتق، وما ذكرنا معه كفارة لم يحتاج إليها وبرًا لا كفارة إذا لم يكن هناك ما يكفر، وإن لم يكن، فإنما هي درجات يريد الله فيها من يشاء، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كذلك. وصيام عاشوراء كذلك أن صادق سيئات سنن كفرها، وإن لم يجد فإنما هو فضل يرفع الله درجات من يشاء.
وصيام عرفة أن صادف سيئات سنين رفعها، فإن لم يجد فإنما هو فضل يزيد الله فيه درجاته ما يشاء. فإنما أريد بالحديث أن كل عبادة من هذه العبادات فلها هذا القدر في هذا المحل، فإن أنفق أيامًا يكفرها، وإلا فهي حسنات تزاد ودرجات ترفع والله أعلم.
وينبغي للحاج أن لا يصوم يوم عرفة بمعرفة، لأن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة. ومعنى ذلك أن يتقوى بالفطر على الوقوف الذي من مناسك الحج، وإنما فضل هذا اليوم بالنسك، فما أضعف عنه لم يكن لاستجابة فيه معنى.
وفي هذا الباب صيام تسعة من أوائل ذي الحجة. روى أن النبي ﷺ ما صام العشر قط، ومغنى ذلك عندنا نه كان يفطر فيها ليجد في العمل. فقد روى عنه: (ما من أيام العمل فيهن أحب إلى الله من أيام العشر). فيحتمل أنه كان يستكثر فيها من الصلوات وقراءة القرآن ليلًا ونهارًا. فلذلك نزل صيامها كما نزل صيام يوم عرفة بعرفة، لأجل الوقوف والدعاء، فمن كان غافلًا مثل ذلك فليفطر. ومن لم يفطر عليه، فالصيام فيه عمل، فهو أحب إلى الله تعالى أن يتقرب العبد إليه به، من أن يكون معطه والله أعلم.
فصل
وينبغي أن يعلم من أصول الصيام أن فيه الكراهية كما فيه الاستحباب، وفيه التحريم كما فيه الإيجاب، فصيام شهر رمضان واجب، وصيام العيدين وأيام التشريق حرام ولا ينعقد فيهن صيام. وجاء في إجازة صيام أيام التشريق للمتمتع بالعمرة إلى الحج خير.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
وبيان ذلك في كتب الأحكام. وصيام الاثنين والخميس مستحب، وصيام الجمعة وحده، أو صيام السبت وحده مكروه نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم الجمعة وحده. لا ومعنى ذلك والله أعلم: أنه إذا حضر فإنما يقصد ما فيه من المعنى الذي هو مختص به، وليس ذلك إلا أنه يوم عيد. وليس حق العيد أن يصام، أو يقال: أن ذلك العيد تعطيل للجماعات كلها للرواح إلى المسجد، والاجتماع فيه لسماع الخطبة والصلاة والتكبير إلى الجمعة أفضل من التهجد. وقد جاءت الأخبار بالحث عليه والأمر بالمسارعة إليه، ومن بكر فإما أن يصلي وأما أن يقرأ، وكل ذلك يدل على طول الشغل. فينبغي أن يستعان عليه بترك الصيام كما قلنا في يوم عرفة.
قال إبراهيم: إنما كرهنا صوم يوم الجمعة فلتبقوا على الصلاة، وأما صوم يوم السبت وحده، فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تصوموا يوم السبت إلا ما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجرة فليمضغه). ومعنى ذلك: إن الصيام إمساك، والإمساك عن الإشغال والأعمال في هذا اليوم عادة اليهود، فلا ينبغي أن يشاكلوا في شيء من صنيعهم الذي لم يشرك بيننا وبينهم فيه.
وأما إذا صام صائم الخميس والجمعة، أو الجمعة والسبت، أو السبت والأحد فلا كراهية، لأن تخصيص اليوم بقصد صيامه دون ما سواه إذا زالت الكراهية بزواله.
وفي هذا الباب ما جاء عن علي ﵁: أنه كره قضاء رمضان، وأحب إلى الله ﷿ منه في غيرها. والآخر أن يكون كرهه لمن أن عليه من قضاء رمضان أكثر منها، لأن لا يتفرق القضاء عليه، فإن المتابعة أولى به، وإن كان تقديمه جائز. والثالث أن يكون كره تأخير القضاء إليها، فإن القضاء فيها منع من صيامها لنفسها. وقد جاء عن عمر ﵁ في قضاء رمضان تطوعًا لما فاته منها، خلاف ما جاء عن علي ﵁. فقد يجوز أن يقال أنه إذا لم تكن أيام العمل فيه أحب الله ﷿ من هذه الأيام، وكان القضاء عملًا، فوضعه فيها أحسن منه في غيرها. ولكن ذلك لا يكون إلا بترك صيامها لقضائها وليس ذلك بما يكره، وإن كان الصوم مستحبًا. لأن صيامها لا فرض ولا سنة وإنما هو تطوع والله أعلم.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
فإن صاحبها من عليه قضاء رمضان تطوعًا، فإنه روى عن عكرمة أنه قال، مثل الذي يتطوع، وعليه قضاء رمضان، كمثل الذي يسبح وهو يئن بصوته المكتومة، يعني بالتسبيح التطوع.
وهذا الشبه إنما يصح إذا أخر قضاء رمضان حتى لم يبق إلى رمضان إلا قليل من الأيام بمقدار ما عليه صيامه، فلا يقضي ويتطوع. فأما إذا تطوع في العشر وآخر القضاء، فليس يخشي قضاء، ولكنه يريد الجمع بين التطوع والفرض في وقت. فهو كمن يركع سنة الفجر قبل فرضه أو سنة الظهر قبل فرضه، أو يتطوع بين الآذان والإقامة بما شاء والفرض أمامه والله أعلم.
ومما يدخل في هذا الباب اعتياد صوم بعينه كالاثنين والخميس. وقد روى في هذا الباب عن ابن عباس ﵄ أنه سئل صوم يوم الاثنين والخميس فقال: كره أن بوقت يومًا بصومه.
وقال حصين بن الحر: دخلت على عمران بن حصين يوم الاثنين وهو يأكل فقال: هلم فقلت: إني صائم، فقال: لا تجعل عليك حتمة بصومه. وعن حفص بن جابر فقال: كنا نأتي أنس بن مالك، فجاء بحفنة من ثريد وجمع بينه فيجيب، فقال بإذن: يا حفص فأطعم: فقلت: إني صائم، فقال: إياك أن تكون أنيسًا أو خمينًا أو رديًا. وقال إبراهيم: كانوا يكرهون أن يفرضوا على أنفسهم شيئًا لم يفترض عليهم.
وعن مجاهد أنه كان يصوم الاثنين والخميس ثم تركه، وهذا لأن في تخصيص يوم أو شهر دائمًا بالصيام، ويومين في الإفطار فيه تشبيه له برمضان، ولا ينبغي أن يشبه ما لم يشبهه الله تعالى، وهذا وجه الكراهية فيه.
وأما ما تقدم من الأخبار في ذكر الاثنين والخميس، فهو على معنى: أن من أراد صيام يوم أو يومين، فهذان أولى به مما سواهما، أو على أنه يديم صومهما ما لم يدع إلى طعام أو شراب به صنف ويجب أن يؤاكله ويدخل على ذي حرمة، فيقدم إليه طعامًا، فإما أن يتوقى الفطر فلا، وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
ومما يدخل في هذا الباب صوم اليوم يشك في أنه رمضان أو ليس منه، وهو الثلاثون من شعبان. روى عن النبي ﷺ أنه قال عن صيام ستة أيام عن صيام العيدين وأيام التشريق واليوم الذي يشك فيه أنه رمضان. وهذا على أن يصام غير موصول بصوم معزوز تقدمه، فيصير مقصودًا بالصوم لأجل رمضان، فإن صيام رمضان قبل رمضان محال لا معنى له. ومن يفعل ذلك فعسى أن يفطر آخر يومين من رمضان على أنه شوال، وعسى أن يراه غيره صائمًا فيرى أنه لم يصم إلا بحجة فيصوم، فينبغي أن يتنزه عن هذا إلا أن يصوم مع المسلمين حجة والله أعلم.
فصل
وينبغي للناس أنه إذا دنا رمضان أن يفرحوا به ويستبشروا به، ويدعوا الله ويسألوه أن يبلغهم ويوفقهم لصيام أيامه، وقيام لياليه، ويجنبهم فيه الفسوق والعصيان والتمرد والطغيان، ويوطنوا نفوسهم على أن يأمروا بنواهيه، ولا يأخذوا بالهوينا في أمره، منشرحي الصدر طيبي الأنفس بذلك كله غير متحضرين منه، ولا صائبين به، وأن يراقبوا هلاله ليلة الثلاثين من شعبان، فعل من يستعمل لقدوم غائب كريم، ويقولوا إذا ما روي عن النبي ﷺ أنه كان يقول عند رؤية الهلال: (اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله). وروى أنه كان يقول: (الله أكبر) ثم يدعو وفي بعض الروايات زيادة قوله: (والتوفيق لما تحب وترضى).
وروى أن عليًا ﵇، كان لا يستشرق لهلال رمضان، فكان إذا نظر إليه قال: اللهم ادخله علينا بالسلامة والإسلام والإيمان والصحة من الأسقام، والفراغ من الأشغال، ورضاء فيه بالسنة من النوم، ولا ينبغي لمن رأى الهلال أن يقوم في وجهه ويدعو، بل يعرض عنه ويقول ما يقول وهو لا ينظر إليه أميط كفا عنه.
قال علي ﵁: إذا رأيت الهلال فلا ترفع له رأسًا وقل: ربي وربك الله،
[ ٢ / ٤٠٠ ]
وقال ابن مسعود الأنصاري: لأن أقع من فوق هذا القصر أحب إلى من أن أصنع كما يصنع هؤلاء إذا رأوا الهلال كأنهم يرون ربهم.
عن ابن عباس ﵁ أنه كان يكره أن ينتصب للهلال انتصابًا، ولكن يعرض ويقول: الله أكبر، الحمد لله الذي ذهب بهلاله كذا، وجاء بهلال. وعن عضبة بن عمرو: إذا رأى أحدكم الهلال فلا يرفع به رأسًا، فإنما هو آية من آيات الله، والله لأن أقع من هذا القصر أحب إلى من أن أقول فيه ما يقول رجال إذا رأوه، قال أحدهم: لا إله إلا الله، كأنما يرى ربه. ولكن ليقل الرجل -إن أحب -ربي وربك الله.
قال مجاهد: إذا رأيتموه فلا تستقبلوه فتكبروا، ولكن قولوا: الحمد لله الذي أذهب شهر كذا وجاء شهر كذا. وكره مجاهد الصوت والإشارة عند رؤية الهلال.
وعن إبراهيم أنه كان يكره إذا رأوا الهلال أن يستشرقوا له ويرفعوا رؤوسهم، وقال عبد العزيز بن أبي داود: كان المسلمون يقولون عند حضرة شهر رمضان: اللهم أطل شهر رمضان وقصره، فسلمه لنا وسلمنا له، وارزقنا صيامه وقيامه صبرًا واحتسابًا، وارزقنا منه الجد والاجتهاد والقوة والنشاط، واعدنا من البترة والكسل والنعاس، ووفقنا فيه لليلة القدر، واجعلها لنا خيرًا من ألف شهر، ثم يستقبلوا العمل، فيجتهدوا في أن ينقضي عنهم، وقد أحرزوا حظوظهم من خيره وبركته، ويقدموا فيه إلى الله تعالى بموجبات رحمته ومغفرته، ولا يكونوا كمغفل فرصة، قد أمكنه انتهازها، ومضيع خطوه تيسر إجراؤها وبالله التوفيق.
فصل
وقد ذهب بعض السلف في الصوم إلى ما ليس بمذهب. روى عن إبراهيم أنه قال: بلغني أن من أقل الأعمال أجرًا الصوم، وعنه أنه كان يقال: الصوم أقل الأعمال تضعيفًا، وهذا خلاف ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له
[ ٢ / ٤٠١ ]
ما تقدم من ذنبه وما تأخر). وخلاف ما أخبر به من تضعيفه لأنه قال أثرًا عن الله ﷿: (كل حسنة يعملها ابن آدم تضاعف له إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإني لي، وأنا أجزي به) فأبان أنه يزيد الصوم على سبعمائة ضعف، فكيف يجوز لأحد مع هذا أن يقول أنه أقل الأعمال تضعيفًا.
وأيضًا فإن الصوم زكاة الجسد، وليس يجوز أن تقصر زكاة الجسد عن زكاة المال، لا في التضعيف ولا في غيره، وبالله التوفيق.
* * *
[ ٢ / ٤٠٢ ]