وهو باب نشر العلم وأن لا يمنعه أهله
فإذا حضر العالم من يسأله عن علم عنده سؤال المسترشد المستفيد، أو يحال ذي الحرج الشديد، وجب عليه إخباره بما عنده، ولم يسعه كتمانه. والحرج في كتمان النصوص أشد منه في كتمان الاستنباط. قال الله ﷿:﴾ وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ﴿.
فأبان الله على المقيمين أخبار النافرين إذا رجعوا إليهم بما حملوا في حال غيبتهم من علم الدين. ليشارك الغريقان في العلم، ولا يستأثر به من حضر دون الذي غاب. وقد قال الله ﷿:﴾ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ﴿فثبت إن علم الدين محمول عن أهله على شريطة الأداء إلى من يعرض له على ألا ينفرد به حامله ولا يرويه غيره.
وقال ﷿:﴾ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴿. فلما أمر من لا يعلم أن يسأل العالم، دل على إن العالم إذا سئل أن يجيب. كما أنه ﷿ لما أمر نبيه ﷺ فقال:﴾ خذ من أموالهم صدقة ﴿. دل ذلك على أن من طالبه بصدقة، فعليه أن يدفعها إليه.
وجاء عن النبي ﷺ قال: (نضر الله أمرء سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها. فرب متبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه). وجاء عنه ﷺ
[ ٢ / ٢٠١ ]
(ألا فليبلغ الشاهد الغائب). وأنه ﷺ قال: (من سئل عن علم فكتمه، جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار). وأنه ﷺ قال: (مثل الذي يتعلم العلم ولا يتحدث به كمثل رجل أعطاه الله مالًا فلا ينفق منه).
ويدل على ما قلنا أن طلب العلم إذا كان فرضًا على الكفاية دل ذلك على أن الطالب طالب لنفسه ولغيره. فأي علم حصل له فهو بمنزلة عنده، فإذا سئلها كان عليه أن يرد بها لقول الله ﷿:﴾ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴿.
وأيضًا فإن الله ﷿ ألزم من ائتمنه مثله على ماله أن يؤدي إليه الأمانة. فقال تعالى:﴾ فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ﴿. فدل ذلك على أن من ائتمنه عالم على علم عنده، بأن ألقاه إليه لزمه أن يؤدي الأمانة فيه. ومن أدى الأمانة فيه إذا طلب منه أن لا يكتمه.
وأيضًا فإن في منع العلم هجر الدين، والتعفية على آثاره، وحمل الناس على ارتكاب العظائم وانتهاك المحارم. فدل ذلك على أنه حرام ممنوع والإثم فيه كبير، وبالله التوفيق.
فصل
وإذا كان في البلد علماء فأي واحد منهم جاءه سائل فسأله عن علم عنده، ليتعلمه فينبغي له أن يخبره به، ولا يكتمه. ولا يجوز له أن يقول: سل غيري، فإن عنده من العلم مثل ما عندي، فإن طلب العلم وإن كان في نفسه فرضًا على الكفاية، فإن الذين حملوا العلم يلزم كل واحد في عينه، إذا ما عنده منه، إذا سئل عنه، كما إن الناس إذا دعوا إلى حمل الشهادة كانت الإجابة لازمة بقدر الكفاية. وإن حضروا جميعًا أو بعضهم فيحملوها ثم سئلوا إقامتها لزم مستشهد في عينه أن يؤديها، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
فإن أغفلت العامة ما يلزمها من سؤال العلماء، عما يفوتهم، وأعرضوا عن العلماء بواحده، وخاف العلماء أن يخلو البلد من العلم أن انقرضوا، ولم تحمل منهم ما حملوه ولا سئلوا عنه فأدوه. ويعفوا إعلام الدين، وتدرس آثاره، كان عليهم أن يدعوا الناس إلى التعلم منه، ويحثوهم على الرجوع إليهم فيما يفوتهم، ويبصرونهم ما في رفض العلم، وقلة الحفل بالحكم من عظيم الضرر والإثم. ويذكروهم ويسمعوهم ما يرجون أن يردعهم فيملأوا أبدانهم بالوعظ والنصح، ويرووا لهم الأخبار ليخرجوا إليهم من عهدتها ويرفعوا أحوالهم إلى السلطان، ليأمرهم السلطان بتعلم الدين، والرجوع إلى العلماء في ثوابهم، وإلى حاكمه في مطالبهم. فإذا لم يفعلوا أمر واحدًا أو أكثر بقدر سكان البلد ليجلس وقتًا معلوم، للتذكير والرواية والفتيا. ثم أمر العامة أن يحضروا المجلس، فإذا حضرت منهم طائفة تدرك ما تسمع وتحسن أن تسأل عما يحتاج إليه وتعي ما يجاب به أمسك عن الآخرين. وإن كان السلطان لا يوثق لما يلزمه بحسن العلماء لهم في مشاهدتهم الأخبار التي يرون إنها أجمل للتذكير، فأسمعوهم منها ما يظنون أنه أنجع فيهم وأحق بحسن الموقع منهم. فإن أصابهم في ذلك مكروه صبروا واحتسبوا كما صبر الأنبياء والمرسلون صلوات الله عليهم أجمعين.
قال نوح:﴾ رب إني دعوت قومي ليلًا ونهارًأن فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا، وأني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكبارًا. ثم أني دعوتهم جهارًا، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم أسرارًا ﴿.
وقال ﷿ لنبيه ﷺ:﴾ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ﴿. وقال:﴾ فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت ﴿.
وحكى جل ثناؤه عن لقمان فيما وعظ به ابنه:﴾ واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ﴿. وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
فصل
وهذا الذي ذكرت عن وجوب نشر العلم على العالم، فإذا أردت به علم الكتاب والسنة، فلا يجوز أن يسأل عن أنه إن يكتمها ولا يخبر بها. ولا أن يسأل عما جاء في تفسيرها، وقد سمع فيه شيئًا أن لا يخبر به. ولا أن يسأل عن حكم نازلة عنده فيها خبر عن رسول الله ﷺ أو أصحابه أن لا يؤديه كما سمعه. وينبغي لمن روى عن رسول الله ﷺ حديثًا، ولم يكن عالمًا متقنًا أن يرويه كما سمعه، ولا يعبر عنه لفظًا، ولا يقدم مؤخرًا، ولا يؤخر مقدمًا. وإن كان عالمًا فطنًا جاز له أن يبدل اللفظ بمثله، فإن أخطأ كان اللفظ محتملًا، أبدله بما يحتمل كاحتماله، ولا يتجاوزه، وإن كان غير محتمل أبدله بما يحتمل غير معناه، ولا يبدل خاصًا بعلم، أو عامًا بخاص، ولا مطلقًا بمقيد، ولا مقيد بمطلق، ولا خبرًا بأمر، ولا أمرًا بخبر، وإن كان الذي يسأل عنه العالم، رأيًا، تأمل، فإن كان عنده به المسلمين فيما وقع السؤال عنه، وأي مجتمع عليه فينبغي أن يخبر به، وإن كان يعلم من العلماء اختلاف رأي أخبر بما يحفظ منه، وإن لم يكن عنده فيه إلا رأيه الذي أداه إليه نظر. فإن كان السائل متفقهًا يسأل عما يسأل العالم، أخبره برأيه. وإن كان عاميًا يسأل للعمل لا العلم، وقد وقع له ما يسأل عنه، أو كان سئل لمن وقع فعليه أن يفيه به. وإن لم يقع ذلك لأحد. فإن شاء أفتاه، وإن شاء لم يفته، والأخبار أن لا يفتيه.
فقد روى أن بعض الصحابة كان إذا سئل على شيء يقول: أوقعت؟ فإن قالوا: نعم أجاب. وإن قالوا: لا قال: فحتى تقع،
وهذا لأن الاجتهاد إنما أبيح للضرورة. ولا ضرورة إذا كان السؤال عما لم يحدث فأشكل حكمه فكان إحباط العالم للفتية في أن يكف عن الاجتهاد إلى أن يحدث ما نظره إليه، ويؤكده أنه قد يجتهد حتى يسأل فيرى رأيًا، فإذا وقع ما يسأل عنه، لم يجز له أن يفتي برأيه المتقدم، لكن لزمه أن يحدث اجتهادًا جديدًا. فإن أداه الثاني إلى غير ما أداه الأول. لم يجز له أن يفتي إلا بالثاني. فعلمنا إن الاجتهاد قبل حدوث الحادثة وبال على صاحبه. وإنما جاز أخبار المتفقة بالرأي السانح في الحال، لأن الغرض تثبيته
[ ٢ / ٢٠٤ ]
وإرشاده إلى طريق النظر والانتباه وتفتيح ذهنه. ألا ترى أنه لا يجوز أن يفتي غيره بما يسمع، فبان في ذلك أنه يخالف لما يسأل العمل وبالله التوفيق.
فصل
ولا يجوز لمن كانت عنده أخبار عن رسول الله ﷺ يسأل عنها أن تمتنع عن روايتها، ليعطي عليها مالًا، لأنه لا يؤدي عن رسول الله ﷺ ما أداه الرسول إلى أمته. ومعلوم أن الله تعالى لم يكن أطلق أحدًا الآخر من أمته على ما يبلغهم إياه عن ربهم، ولذلك لا ينطلق ذلك لأحد من المؤدين عنه وإن رواها وأخبر بها قومًا. ثم رغب قوم آخرون في سماعها فهم بالخيار بين أن يسمعوها من الذين سمعوا قبلهم ولا يمنع أولئك السامعين خبره صاحبهم الذي حدثهم أن يرووا، فيحدثوا. ومن أن يسمعوا ممن سمع منه الأولون.
فإذا أرادوا ذلك، لم يكن للعالم أن يمتنع عن تحديثهم، ويقول لهم: اسمعوا من بعض من قد سمع مني، لكن منزلة هؤلاء الآخرين كمنزلة الأولين، لأنهم يحتاجون إلى ما عندهم مثل حاجتهم، ولو كان الذي سمع منه شريك قيمًا سمع له، لم يكن له أن يحمل الراغبين في روايته، فكذلك لا يكون له أن يحملهم على الذين سمعوا منه
فإن قيل: إنه إذا روى ما عنده فسمع منه، فقد أدى الأمانة، وأراح المحتاجين لعلمه. فإن أبي أن يسمع ممن سمع منه، فإنما يريد على الإسناد والإسناد النازل في إفادة الناس، وإلزام الحجة كالإسناد العالي. فهلا قلتم أنه يلزم العالم أن يجلس للآخرين فيحدثهم كما حدث الأولين.
قيل: لأنه إذا ألزمهم السماع من بعض من سمع منه عرضهم لكلفة ذات خطر، وهي أن يجتهدوا فيمن يسمعون منه لم يروون عنه، ولا يأمنون أن يزالوا عند الاجتهاد، فيرون من ليس بعدل عدلًا فيصدقوه في روايته، ويثقون به في الرواية عنه، فيكونوا قد ائتمنوا الخائن وعدلوا الفاسق، وقبلوا خبر من أوجب الله تعالى التثبت في خبره، ورأوا من هو عدل غير عدل، فيدعوه، وفي ذلك تخوين الأمين، وتفسيق العدو، وإضاعة السنة، فلم يجز له ذلك.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
كما كان لا يجوز له في أول ما سئل عن الحديث أن يكتبه، فيعرض لم يبلغه ولم يسمعه الاجتهاد فيما جاء الحديث فيه. ولعله إذا اجتهد أخطأ وترك وظن ما ليس بحكم حكمًا، وأنزل ما ليس عند الله حقًا. فلما لم يسعه في أول الأمر كتمان الحديث، فلهذا المعنى لم يسعه من بعد ردهم إلى أحد بمن الذين جاءوا أخر وإحالتهم على الأولين والله أعلم.
وإن أخبر العالم بما عنده قومًا فسألوه أن يعيده عليهم مرة أو أكثر ليحفظوه. فإن كانوا فهموه وأدركوا معناه، ولكنهم أغفلوا ألفاظه أو بعضها لم يكن عليه أن يعيده عليهم، وإن كانوا لم يفهموه مع علمهم باللسان، فعليه إعادته، كما عليه تحديث غيرهم به إذا سألوه. لأن حاجة الذي سمع علم يفهم، وهو يرجو إذا أعيد عليه أن يفهم لحاجته من لم يسمع، وهو يرجو إذا سمع أن يفهم، وكذلك لو سمع وفهم ثم نسي واستعاد، فهو كالذي لم يسمع. وعلى الراوي بحديثه إلى ثلاث، فإن جاوزها لم يكن عليه أن يعيده بلا عوض، وينبغي أن يكتبه السامع لئلا ينساه، أو يستكتبه غيره، وهذا إذا نسي الحديث أصلا، فلم يذكر لفظه ولا معناه. فإن استعيد ما روى في مجلس واحد مرات ليحفظ ألفاظه بعدما فهم معناه، كان له أن لا يفعل إلا بعوض، لأن هذا تعليم لا رواية. فإن الحديث قد حصل عند السامعين بما عرفه من معناه، وإنما يريد أن يحتمل ألفاظه بأعيانه لئلا يحتاج إلى أن يكتبوا ما عرف من المعنى ألفاظًا من عنده، إذا أخبر به غيره، وإنما كان على الراوي إذا ما سمع إليه ليشركه في علمه.
فأما إنكاره على إبلاغ ذلك، فليس إليه. ألا ترى أنه لو كان لا يقدر على الحفظ، ولم يكن عنده ما يكتب فيه، أولا لا يحسن أن يكتب لم يلزمه أن يكتب له بغير عوض وكذلك لا يلزمه أن يكرر عليه ما روى عودًا على بدء، وليحفظ فيمكنه أن يؤديه إلى غيره بغير عوض والله أعلم.
وإذا استملى العالم الحديث فعليه إملاءه، وإن كان ما رواه وسمع منه ثم استعيده إملاء، فعلى ما وصفت والله أعلم. وإذا حضر ليسمع منه الحديث، فأذن في القراءة عليه فقالوا: نريد لفظًا كان به أن لا يتكلف القراءة بنفسه إلا بعوض. وإنما يحرم عليه إذا لم يخرج ما عنده، فيقرأ أو يقرأ عليه إلا أن يعوض. فأما إذا أخرجه وأمر بالقراءة عليه فكلف أن يقرأ، فهذا شغل زائد على التبليغ والأداء، فله أن لا يفعله بغير عوض له
[ ٢ / ٢٠٦ ]
وإن أعطى لم يجز له أخذه، وإن حضر من يقرأ عليه، إلا أنه أبى أن يقرأ كغيره بلا عوض. فإذا كان قد سمع عنه ما يريد الآخرون سماعه، كان له أن لا يقرأ، إلا كعوض. وإن كان قد سمعه من غيره ولم يسمعه منه لو لم يسمعه من أحد فلا عوض عليه، وأن يحدث بالحديث أو الحديثين أو الثلاثة ما زادوا فيه، أما بطول به المخبر منقطع به عن البغي على نفسه وعماله، بأن له أن يأخذ على إدمانه الجلوس، وتعريفه نفسه لهم ما يعطونه، ما لم يكن شرفًا، والشرف أن يطالبهم بأكثر مما كان يعود عليه من سمعه، لو لم يجلس لهم والله أعلم.
ومن روى حديثًا سمعه من المروي عنه لفظًا أو جرى عليه فأثر به سواء قال حدثنا فلان، أو قال: أخبرنا والأمثل إذا كان إنما سمع قراءة على من يرى عنه أن يقول: أخبرنا فلان، لأنه لم يقل له ذلك بالحقيقة، ولكنه تأول عليه لأنه قيل حدثك فلان، فقال نعم. والظاهر أمثل من التأويل وأبعد من التحريف والتبديل، وإن يرى على رجل سماعه من كتابه وهو ساكنه، ولم يقل له هذا كاذبًا، وإن دفع صاحب الحديث إلى رجل كتابًا، فقال حدثني فلان عن فلان بجميع ما في هذا الكتاب على ما فيه وقد رأيته وأثبته، هل للمدفوع أن يرويه عنه. وهذا كالسماع.
وإن قال أذنت لك أن تروي ما في هذا الكتاب عن فلان، ولم يذكر سماعه من فلان، لم يجز للمدفوع إليه أن يرويه.
وإن قال لك: إن تروى عني كل ما صح عندك من حديثي، فصح عنده شيء من حديثه لم يجز له أن يرويه عنه، لأن جواز الرواية بالسماع لا بإجازة المروي عنه، فإن السماع منه لو صح وقال: لا ترو عني ما سمعت كان له أن يرويه عنه، ولا سماع لمن وصفت فلم يكن له أن يروي عنه.
وإن قال: قد حدثني بكذا فلان عن فلان، على ما ينطق به كتابي، والنسخ المنسوخة منه، فما ثبت عندك أنه قرئ علي منه أو كتب من أصل أوعورض بأصلي، فاروه عني على ما أخبرتك عدل، بأن هذا أصل الرجل أو مكتوب منه أو مقابل أو معدل به. جاز أن يرويه عنه بشرط أن يخبر من سمع منه تبليغه الحال والله أعلم. ومن سمع حديثًا
[ ٢ / ٢٠٧ ]
فأثبته بخطه في صحيفة، ثم نسي الحديث، ووجده في كتابه من حيث لا شك في أنه كتابه وخطه، جاز له أن يرويه. وليس الخبر في هذا كالشهادة، لأن الشهادات لا تكثر كبيرة أخبار الديانات، فيمكن من حفظ الشهادات لقلتها ما يتعذر من حفظ الأخبار لكثرتها، ولأن أمر الأخبار أوسع من أمر الشهادات.
ألا ترى أنه يقبل في عامتها النساء والعبيد، ويكتفي بالواحد العدل، ويقبلان عن فلان، ولا يقنع في الشهادات بشيء من ذلك. وإن نسي الراوي الذي عد في كتابه السماع فيه، فلم يذكره بقلبه، ولم يتصور في وهمه شيء من أوصافه وأحواله، ولا ينبغي له أن يروي عنه، لأنه أن روى لم يدر عن من روى في الأول، يروي ما يروي، فكذلك الفرقان، والله أعلم.
وإذا سئل العالم عما لا نص فيه عنده، واحتاج إلى تعرف حكمه بالاجتهاد لم يجز له أن يأخذ على الأخبار بما يظهر له أجرًا، كما لا يجوز ذلك له في النص يؤديه، وأن أفادوا منه أن يجلس لهم أوقاتًا يستفتونه فيها، ويسألونه عما لا يقع ليأخذوا عنه رأيه، ويعلموا طريقة فيها، وكان يتضرر بانقطاعه عن كسب يكون له في تلك الأوقات، فجائز له أن يأخذ أجرًا بما يكون منه قصدًا كما قلت في الرواية والله أعلم.
فصل
وينبغي لطالب العلم أن يكون تعليمه، وللعالم أن يكون تعليمه لوجه الله تعالى لا يريد به المتعلم أن يكتسب بما يتعلمه مالا، ويزداد به في الناس جاهًا، أو على أقرانه استعلاء ولاشداده ألمًا.
ولا يزيد العالم بتعليمه أن يكثر الآخذون عنه، فإذا أخذوا وجدوا أكثر من الآخذين عن غيره، ولا أن يكون علمه أكبر في الناس من علم غيره، بل يريد العالم أداء لأمانه تيسر ما حصل عنده وإحياء معالم الدين وصيانتها، من أن يدرس كتبًا.
روى عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: لولا آية في كتاب الله لما حدثتكم. ثم
[ ٢ / ٢٠٨ ]
قرأ. ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا يكتمونه ﴿ويزيد المتعلم عبادة الله تعالى بطلب علم الدين، ليتوصل بما يعلمه إلى العمل بما يرضي الله عنه، وإن يكثر العلماء، فيكون ذلك أحوط وأحرى لبقائه، بل سمع له بما عنده ولا يعامله بما يبقى عنه.
وكذلك إن كان قصد التعلم ما وصفت، فينبغي له أن يصير خفاء العالم وصية بما عنده وامتناعه من إخراجه إليه إلا معيدًا. فإن القليل إذ انضم إلى القليل كثر، فليس الشهر إلا أيامًا تتابعت فاجتمعت، ولا السنة إلا شهور تلاحقت فكملت والصبر يقرب البعيد، ويسهل العسير وبالله التوفيق.
* * *
[ ٢ / ٢٠٩ ]