وهو باب في حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم إلى المواقف الذي بين لهم من الأرض فيقومون ما شاء الله ﵎، فإذا جاء الوقت الذي يريد الله (به) محاسبتهم أمر بالكتب التي كتبها الكرام الكاتبون، تذكر فيها أعمال الناس، فأتوها. فمنهم من يؤتي كتابه بيمينه، أولئك هم السعداء. ومنهم من يؤتى كتابه بشماله، أو وراء ظهره وهؤلاء هم الأشقياء.
قال الله تعالى في المطففين: ﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون لوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾. فأخبر أن الناس يكونون يوم القيامة واقفين على أقدامهم. وأبان أن لا حال لهم سوى القيام من قعود واضطجاع. قال: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه، ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾.
وقال: ﴿وإن عليكم لحافظين، كراما كاتبين، يعلمون ما تفعلون﴾.
وقال ﷿: ﴿عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾.
وقال: ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾.
وأخبر أن الذين يقرأون كتبهم يقولون: ﴿مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾.
وإن من أوتي كتابه بيمينه يقول: ﴿هاؤم اقرؤوا كتابيه، إني ظننت أني ملاق حسابيه، فهو في عيشة راضية، وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول: ﴿يا ليتني لم أوت كتابيه، ولم أدر ما حسابيه، يا ليتها كانت القاضية﴾.
[ ١ / ٣٧٩ ]
وقال: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا﴾.
فإذا وقف الناس على أعمالهم من الصحف التي يؤتوها حوسبوا، قال الله ﷿: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه، فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا﴾.
فدل ذلك على أن المحاسبة إنما تكون إيتاء الكتب، ولعل ذلك- والله أعلم- لأن للناس إذا بعثوا لا يكذبون ذاكرين لأعمالهم، فإن الله ﷿ يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا، أحصاه الله ونسوه، فإذا ذكروها وقفوا عليها: حوسبوا بها، ولا يمكن أن يقطع في صفة المحاسبة بشيء لأنها لا تدرك إلا بتوقيف.
غير أن جاء في خبر عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من أحد إلا وسيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان).
وسمعت منهم من يقول: إن الملائكة يحاسبون بأمر الله والمحاسبة حكمة، فلذلك يضاف إليه كما أنه أضاف الحكم إلى نفسه. فقال: ﴿ألا له الحكم﴾، وقال: ﴿وهو خير الحاكمين﴾ ألا أنه جعل مع ذلك إلى العلماء عباده أن يحكموا بين الناس، فالحكم له والعباد يتولونه بإذنه. كذلك المحاسبة حقه وحكمة، غير أن الملائكة يتولونها بإذنه، والله أعلم.
وقد قيل أن الله ﷿ لما قال: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾.
فخص هؤلاء بأن الله لا يكلمهم يوم القيامة، دل ذلك على أن من لم يكن في معناهم فإنه- تعالى جده- يكلمهم، فإن كان هكذا فإنه سيكلم المؤمنين ويحاسبهم حسابا يسيرا بنفسه من حيث لا يكون بينه وبينهم ترجمان إكراما لهم.
كما أكرم موسى ﵇ في الدنيا بأن كلمه تشريفا له وتفضيلا، فإن المغضوب
[ ١ / ٣٨٠ ]
عليهم من الكفار وغيرهم، فإنه لا يكلمهم، ويأمر الملائكة بمحاسبتهم ليميزهم بذلك عن أهل الزلفة والكرامة والله أعلم، ما هو فاعله.
وقد وصف الله تعالى نفسه في كتابه بأنه أسرع الحاسبين وأنه سريع الحساب وقال: ﴿وكفى بنا حاسبين﴾، فقيل: إن معناه محاسبة الخلائق لا يعتاص عليهم لكثرتهم وكثرة أعمالهم كما يحتاج المحاسب من البشر إلى مدة مديدة إذا كثر الذين يحاسبهم، لكنه حاسبهم جميعا بنفسه لمحاسبة أحدهم ومحاسبة أحدهم لا يتطاول عليه لكثرة عمله، فيحتاج منها إلى وقت أمد من وقت محاسبة غيره، ممن هو أقل عملا منه، لكن مدته تتسع لمحاسبتهم معا وإن كثروا، وكان بعضهم أكثر عملا من بعض.
وإن كان المعهود من محاسبة الناس بعضهم من بعض خلاف هذا، ألا ترى أن مدته تتسع لأحداث خلائق كثيرة معا كما تتسع لأحداث أحدهم، وقدرته على أحداث الخلق العظيم، كقدرته على أحداث خلق صغير، وقد بين جل ثناؤه ذلك في كتابه فقال: ﴿ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة﴾، أي إلا لخلق نفس واحدة، وليس هذا للعباد، ولأن أحدا منهم لا يقدر على الجمع بين بناء دارين وركوب دابتين، وقطع ثوبين وخياطة قميصين.
وإذا تعاطى أحدهما لم يفعله إلا شيئا فشيئا، واحتاج لأكثرهما شغلا إلى زمان أطول، لذلك تتسع قدرة الله تعالى لمحاسبة الخلق كلهم معا ولا يحتاج لمحاسبة أكثرهم عملا إلى زمان يطول هذا إن حاسب نفسه، فأما أن أمر الملائكة بالمحاسبة، فإنه يقتص لكل واحد منهم ملكا بحسابه، فيقتضي محاسبتهم في وقت واحد من هذين مما لا يقدر عليه غيره على مثله، فيستحق في الوجهين أن يكون أسرع الحاسبين وبالله التوفيق.
فصل
وقد أخبر الله جل ثناؤه، أن المحاسبة تكون بمشهد النبيين والشهداء، فقال ﷿: ﴿وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون﴾.
[ ١ / ٣٨١ ]
وقال: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾. فالشهيد في هذه الآية النبي ﷺ. وشهيد كل أمة نبيها، وأما الشهداء من قبلها فالأظهر أنهم كتبة الأعمال بحضرة الأمة ورسلها، فيقال للقوم: ما أجبتم المرسلين؟ فيقول الرسل لله تعالى: ﴿لا علم لنا إنك علام الغيوب﴾، وذلك إما لأنهم نسوا ما أجيبوا به، وإما لأن الهيبة تأخذ بمجامع قلوبهم، فيذهبون في تلك الساعة عن الجواب، وإن كانوا ذاكرين له من قبل. ثم إن الله تعالى ينبئهم ويحدث لهم ذكرت فيشهدون بما أجابتهم به أممهم، فهذا فيما بين كل نبي وقومه.
فأما كل واحد من القوم على الانفراد فالشاهد عليه صحيفة عمله وكاتباه، فإنه قد أخبر في الدنيا بأن عليه ملكين موكلين يحفظان أعماله وينسخانها، وأعلم أن جميع ما ورد عليه قبل أن يرد، وعرف أن الملائكة أمناء لا يعصون الله ما أمرهم، وأنهم من خشيته مشفقون، فريق بذلك كله، واعتقد واعترف بأنهم لا يزيدون ولا ينقصون ولا يحرفونه ولا ينتمون ولا يغلطون ولا ينسون، فلا حجة عليهم في موقف العرض والحساب أولى بأن يقام عليهم من شهادتهم وما كتبوه لهم وعليهم.
وليس هذا لأن الله ﷿ غير محتاج في تثبيت الذنب على العبد ليعاقبه به إلى حجة وبينة، ولكن الناس يردون القيامة، وقد تباعد عهدهم بأعمالهم ونسوها وأغفلوا عنها. فقد كانوا في الدنيا ينسبون ما يكون منهم بأخف من هذه العوارض التي عرضت لهم.
فإن تلك الحوادث إذا قوبلت بالموت والبلى، ثم الإعادة والبعث ومشاهدة أهوال يوم القيامة، كانت هباء.
ولذلك قيل لهم: كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: ﴿لبثنا يوم أو بعض يوم﴾ فإذا عرضت عليهم الصحف الناطقة بأعمالهم وشهد عليهم كتبتها بما فيها، ووقع لهم العلم بما كان منهم ضرورة، وتبين لهم من الصواب والخطأ وفيما كان منهم ما كانوا في الدنيا جاهين أو مستكينين فيه، وذلك مما وعدهم الله ﷿ أن يفعله بهم، لأن الله ﷿ خبر في غير آية أنهم يردون إليه فيثيبهم بما كانوا فيه يختلفون. فدخل من دخل
[ ١ / ٣٨٢ ]
النار منهم عن بصيرة باستحقاقه إياها. ودخل من دخل منهم الجنة متحققا بفضل الله تعالى عليه، بما أهله له من الكرامة التي أورده إياها يوم القيامة والله أعلم.
وأما أخبار الله ﷿ عن شهادة الجوارح على أهلها بقوله تعالى: ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾.
وقوله تعالى: ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم، ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون، وقالوا لجلودهم: لما شهدتم علينا، قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾.
وقوله ﷿: ﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون﴾.
ومما جاء عن النبي ﷺ من قوله: ﴿إنكم مقدمون يوم القيامة، فأول ما يتكلم من أحدكم فخذه﴾.
وإن ذلك والله أعلم- يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون زيادة على ما ينطق به كتاب بعض العصاة، يريد الله تعالى به فضيحة يوم القيامة، لأنه في الدنيا كان يجاهر بالفواحش ويخلو قلبه عندها من ذكر الله ﷿ فلا يفعل خائفا مشفقا.
لكن فعل من لا يرى عليه تقية بحال، فيجزيه الله تعالى بمجاهرته إلا ساعة تفحشه وفجوره على رؤوس الأشهاد، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون﴾. أي فعلتم فعل من يظن هذا.
كما قال في قصة يونس ﵇: ﴿فظن أن لن نقدر عليه فنادى﴾. أي فعل من يظن أنه لا يقدر عليه والله أعلم.
والآخر أن يكون هذا، فيمكن أن يقرأ فلا يعترف بما ينطق به على هذا. أنهم يقولون لجلودهم: لم شهدتم علينا. فهذا يدل على أن الذين يشهد عليهم جوارحهم،
[ ١ / ٣٨٣ ]
بلغوا غاية التمرد، فلم يذعنوا لشهادة الصحيفة، ولا كاتبيها، فاستحقوا من الله تعالى الفضح والإجزاء، نعوذ بالله منها والله أعلم.
فصل
والحساب وإن كان لله تعالى ذكره جملة، وكذلك جاء ذكره في كثير من الأخبار، فإن في بعضها دلالة على أن كثيرا من المؤمنين يدخلون الجنة بغير حساب وهم المتوكلون. فصار الناس إذا ثلاث فرق: فرقة لا تحاسب أصلا، وفرقة تحاسب حسابا يسيرا، وهاتان الفرقتان من المؤمنين، من يكون أدنى إلى رحمة الله فيدخله بغير حساب. وليس يبعد أن يكون من الكفار من يكون أدنى إلى غضب الله فيدخل النار بغير حساب. فتكون الفرق أربعا.
وقد جاء في الحساب اليسير عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اللهم حاسبني حسابا يسيرا، قلت: وما الحساب اليسير؟ قال: ينظر في كتابه ويتجاوز عن سيئاتهم، وأما من نوقش الحساب عذب، قلت: فأين قول الله ﷿: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾. قال ذلك العرض.
وقيل في معنى العرض: هو أن يقرأ كتابه ليقرأه ويعرف ما كان منه من حسنة وسيئة ثم يتجاوز عن سيئاته من غير أن يقال: لم فعلت هذا، ولم تركت هذا. فيسأل عن الحجة إذا سئل عنها لم يجدها، فكان العذاب يحق عليه. ومناقشة الحساب أن يقول: هلا فعلت هذا؟ أم هلا تركت هذا؟ ولم تركت هذا؟ ويطالب بالحجة، فإذا لم يجدها عذب والله أعلم.
فصل
فأما الكفار فإن الله ﷿ ثناؤه قال: ﴿أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم، وقفوهم إنهم مسؤلون﴾.
[ ١ / ٣٨٤ ]
وقال في سورة أخرى: ﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾ وقال في ثالثة: ﴿فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان﴾، ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾. ﴿يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام﴾.
وفي آيات العدل التي ذكر بعد الفراغ من ذكر الحساب إبانه بالغة عن محاسبة الكفار وهذه الآيات لا اختلاف فيها تناقض لأنها آيات عامة الألفاظ واللفظ العام قد يطلق والمراد به بعض من يشملهم اللفظ اعتمادا على أصل قد يفرد مما إذا رجع المخاطب إليه وجد فيه دلالة الخصوص فيكون الموجود في تلك الدلالة، اللفظ عام بمنزلة الاستثناء المقترن باللفظ.
وإذا كان هكذا احتمل الجمع بين هذه الآيات من وجهين: أحدهما من الكفار يحاسبون بالكفر الذي كان طول العمر شعارهم ودثارهم.
وكل دلالة من دلائل الإيمان خالفوها وعاندوها وذهبوا عنها، فإن ينكثوا عنها يسألون عنها ويسألون عن الرسل وتكذيبهم إياهم وذهابهم عن الدلائل الدالة على صدقهم.
فأما تعاطيهم وتصرفهم، فكل شيء أتاه على مما كان ممنوعا من الملك أو معطلا وكان قبيحا في العقول فإنه يسأل أيضا عنه ويحاسب به. فأما ما فعله على مما كان مطلقا في قلبه وغير مطلق في الإسلام فهو إنما يسأل عن ملته التي كان يعتقدها بعد أن تميل عنها، ويسأل عن ذلك الذنب نفسه كما يسأل المسلم عن ذنوبه كلها، لأن سؤال المسلم عن ذنوبه، أن يقال له: إذا كنت مسلما وكان الإسلام لا يطلق لك هذه الأعمال، فلم عملتها، وما الذي هون عليك تعاطيها ويبعد أن يقال لمعتقد ملة من الملك، إذا كنت تعتقد ملة كذلك، وكانت الأعمال مما يطلقها لك ملك الملة، فلم عملتها وما الذي هون عليك تعاطيها؟ لأنه يقول: هونها علي أن ملتي كانت توحيها، وتمنعني من خلافها.
ولو قال هذا لكان يقال له: ولم اخترت تلك الملة وقد كان تعالى نسخها ودعاك إلى غيرها. وبعث بذلك الغير إليك رسولا، وانزل بك كتابا وأمد ذلك الرسول من الدلائل بكذا وكذا، فبان بهذا الرسول لهؤلاء إنما يكون عن كفرهم.
[ ١ / ٣٨٥ ]
وما احرموا من الذهاب عن الحق ودلائله لا عن الذنوب، إلا أن تكون الذنوب بالصفة التي ذكرتها وإذا كانت هذه الجملة معقولة وجب أن يرجع إليها في تبين منازل الألفاظ التي وردت بها تلك الآيات، فيقول- يعني قول الله ﷿: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾ عن الله ورسله صلوات الله عليهم، وعن الإيمان في الجملة، وهو معنى قوله ﷿: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ ومعنى: ﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾، أي لا يسألون عما فعلوه مما كانت مللهم وتقتضيها وتوجبها لما ذكرت.
وله وجه آخر: وهو أنهم لو فعلوا خلاف ما كانت تلك الملك توجبه، لم يكن في ذلك بر ولا قربة لهم مع تمسكهم بالملك الفاسدة، فكيف يقال لهم: ألا خالفتم ما كانت مللكم تدعوكم إليه، ولو كانوا فعلوا ذلك لم يكن ذلك بانفراده برا ولا قربة لهم. وأما المسلم فإنه يقال له: لم فعلت ما كان دينك لا يقتضيه، لأنه لو فعل بخلاف ذلك، لكان لزوم ما يوجبه دينه عليه برا له وقربة، فهذا فرق ما بينهما والله أعلم.
والوجه الآخر: أن الكفار يحاسبون بتعاطيهم كما يحاسبون بأصل دينهم، ومعنى قول الله ﷿: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون﴾، أي محاسبون. ومعنى: ﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾ ومعنى ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ سؤال التعرف لتمييز المؤمنين من الكافرين، أي أن الملائكة لا تحتاج إلى أن يسأل أحد يوم القيامة فيقول: ما كان دينك، وما كنت تصنع في الدنيا حتى يتبين له بأخباره عن نفسه، أنه كان مؤمنا أو كافرا، لكن المؤمنين يكونون ناضري الوجوه، منشرحي الصدور، والمشركون سود الوجوه زرقا مكروبين، فهم إذا كلفوا سوق المجرمين إلى النار، أو تمييزهم في الوقف عن المؤمنين كفتهم مناظرهم عن تعرف أديانهم والله أعلم.
ومن قال هذا فيحتمل أن يقول: أن الأمر يوم القيامة يكون بخلاف ما هو كائن قبله على ما وردت به الأخبار من سؤال الملكين الميت إذا دفن وانصرف الناس عنه، يسأل عن ربه ونبيه ودينه، أي إذا كان يوم القيامة، لم تسأل الملائكة عند الحاجة إلى
[ ١ / ٣٨٦ ]
تمييز فريق عن فريق عن هذا لاستبقائهم بمناظرهم عما وراءها والله أعلم.
ومن رأى بهذا الرأي فعسى أن يحتج بقول الله ﷿: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾. فأخبر أنهم يسألهم عن أعمالهم، وهذه الآية في الكافرين. ولمن ذهب المذهب الأول أن يقول: إذا سألهم عن أصل كفرهم ثم تحديهم إياه في كل وقت باستهزائهم بآيات الله ورسوله، فقد سألهم عما كانوا يعملون، وذلك هو المراد بالآية والله أعلم.
فصل
وإذا انقضى الحساب، كان بعده وزن الأعمال للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة فإن المحاسبة لتقرير الأعمال والوزن لإظهارها معانيها دبرها ليكون الجزاء بحسبها قال جل ثناؤه: ﴿ونضع الموازين القسط يوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئا﴾، ﴿والوزن يومئذ الحق، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون﴾.
وقال: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، تلفح وجوههم النار، وهو فيه كالحون﴾.
وقال: ﴿فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هيه، نار حامية﴾.
وفي هذه الآيات كلها أخبار بوزن أعمال الكفار، لأن غاية المعنيين بقول الله تعالى: ﴿خفت موازينه﴾ في هذه الآيات هم الكفار. فإن في أحديهما، ﴿أولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون﴾ والظلم بآيات الله للاستهزاء بها وترك الأذعان لها.
وفي الثانية: ﴿فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون، ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون﴾.
[ ١ / ٣٨٧ ]
وفي الثانية: ﴿فأمه هاوية وما أدراك ما هية، نار حامية﴾. فهذا الوعيد بالإطلاق لا يكون للكفار فإذا جمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾.
إن الكفار يسألون عن كل ما خالفوا فيه الحق من أصل الدين وفروعه، إذ لو لم يسألوا عما وقفوا فيه أصل دينهم من ضروب تعاطيهم ولم يحاسبوا لم يعيدوها في الوزن أيضا، وإذا كانت موزونة في وقت الوزن، دل ذلك على أنهم محاسبون بها في وقت الحساب والله أعلم.
ومن قال بالوجه الآخر بقي أن يقول: إنما وصف الله تعالى ميزان الكافر بالخفة، وذلك يقتضي أن يكون له وراء كفره، معاصي توزن معه، لأنه وإن لم يوزن من أعماله إلا الكفر وحده، فليس ذلك بدافع الخفة عن ميزانه، فبطل الاستشهاد بهذه الآيات، على أن فروع كفره موزونة، فأما قوله ﷿: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها﴾، فإنما هو في أن اليسير من الطاعة لا يضع لفاعل ليكون قد ظلم.
فأما السيئة إذا لم يؤت بها فليس في ذلك ظلم يلحق صاحبها، فدل أن ذلك يعزل عما أريد بالآية والله أعلم.
فإن قيل: فإن معاصي الكافر لا توزن مع الكفر، فهل يعاقب عليها؟ قيل: من قال بهذا القول فينبغي أن يقول: يعاقب الكافر المنهك في السيئات على كفره عقوبة أغلظ مما يعاقب به الكافر المجرد للكفر عن تلك السيئات، لأن كفره هو الذي حمله على ما اقترفه وجناه، ولا يعاقب على سيئة عقوبة مفردة، هو الذي يليق بأن الكفار مخاطبون بالشرائع.
وأما القول الآخر: فإنه إنما يليق بأن يكونوا غير مخاطبين بالشرائع حتى يؤمنوا، وفي القرآن ما يدل على أنهم مخاطبون بها مسئولون عنها، محاسبون مجزيون على الإخلال بها، لأن الله ﷿ يقول: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾، فتوعدهم على منعهم الزكاة، وأخبر عن المجرمين أنه يقال لهم: ﴿ما سلككم في سقر﴾، فيقولون ﴿لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين، وكنا
[ ١ / ٣٨٨ ]
نكذب بيوم الدين﴾، فبان بهذا أن المشركين مخاطبون بالإيمان بالبعث، وبإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأنهم مسئولون عنها محاسبون بها، مجزيون على ما أخلوا منها والله أعلم.
فصل
أن قال قائل: أما وزن أعمال المؤمنين فظاهر وجهه لأنه قد يكون للمؤمن حسنات وسيئات، فإذا قوبلت أحداهما بالأخرى وجدت حقيقة الوزن، والكافر لا يكون له حسنات فما الذي يقابل بكفره وسيئاته وأنى يتحقق في أعماله الوزن؟
فالجواب: أن ذلك على وجهين: أحدهما أن الكافر يحضر له ميزان فيوضع كفره، أو كفره وسائر سيئاته في إحدى كفتيه، ثم يقال له: هل لك فن طاعة تضعها في الكفة الأخرى، فلا يجدها فيشال الميزان فترتفع الكفة الفارغة، وتبقى الكفة المشغولة، فذلك خفة ميزانه، وهذا ظاهر الآية، لأن الله جل ثناؤه إنما وصف بالخفة الميزان لا الموزون، وإذا كان فارغا فهو خفيف.
والوجه الآخر: إن الكافر قد تكون منه صلة الأرحام ومواساة الناس ورحم الضعيف وإعانة الملهوف والرفع عن المظلوم وعتق المملوك ونحوها، مما لو كانت من المسلم لكانت قربا وطاعات، وهي تقع حسنات في أنفسها، وإن كانت لا تسلم له عبادة وطاعة، كما أن من المباح من الطعام والشراب واللباس، إذا تعاطاه وقع ذلك منه مباحا، فهذه الخيرات من الكفار فإنها تجمع وتوضع في ميزانه، غير أن الكفر إذا قابلها رجح بها، ولم يخل من أن يكون الجانب الذي فيه هذه الخيرات من ميزانه خفيفا ولو يكن له الأخير واحد وحسنة واحدة لا حضرت ووزنت كما ذكرناها.
ومن قال بالوجه الأول، قال: لو احتسب جزاؤه حتى يوزن لجوزي بها جزاء مثلها، وليس له منها جزاء، لأن رسول الله ﷺ سئل عن عبد الله بن جدعان وقيل له أنه كان يقري الضيف ويصل الرحم ويعين في الثواب، فهل ينفعه ذلك؟ فقال: لا، إن عبد الله ابن جدعان لم يؤمن يوما قط رب أغفر لي خطيئتي يوم الدين، أي لم يكن يؤمن بالله
[ ١ / ٣٨٩ ]
والبعث والحساب، فيدعوه ذلك إلى الاستغفار وسأله عدى بن حاتم عن أبيه مثل ذلك، فقال: (إن أباك طلب أمرا فأدركه) ويعني الذكر.
فدل ذلك من أن خيرات الكافر ليست بخيرات له، وإن وجودها وعدمها سواء. ومن قال بالوجه الآخر قال: قد قال الله جل ثناؤه: ﴿فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾ وليس في الآية فصل بين نفسين، فبخيرات الكافر تحضر وتوزن ويجزى بها، إلا أن الله تعالى حرم عليه الجنة فيجزي بها أن يخفف عذاب الكفر عنه.
وقد أخبر النبي ﷺ: ﴿إن أبا طالب في صحصاح من نار وعليه نعلان من النار تغلي منه دماغه، ولولا مكانة لكان في الدرك الأسفل من النار﴾، فقد بان إحسان أبي طالب إلى النبي ﷺ ينفعه من حيث يخفف عذابه فكان كل ذي حساب وخيرات من الكفار في هذا مثله.
وأما ما قال النبي ﷺ في عبد الله بن جدعان وحاتم طي فإنما هو في أنهما لا يدخلان الجنة ولا ينعمان بشيء من نعيمها والله أعلم.
وهذا الثاني وجه فاسد، لأن الله ﷿ إذا خفف عن الكفار العذاب الذي ذكره جزاء الكفر كان ذلك مغفرة منه لبعض الكفر، وقد أخبر الله ﷿ في كتابه أنه لا يغفر أن يشرك به، فلو جاز مع هذا الخبر أن يغفر بعض الشرك، لجاز معه أن يغفره، وذلك ممتنع.
وفي هذا بيان خبر أبي طالب صحيح، لا يجوز إثباته عن النبي ﷺ إلا أن يكون معناه: إن جزاء الكفر من العذاب واصل إليه، ولكن الله تعالى وضع وراء ذلك عنه ألوانا من العذاب على جنايات جناها سوى الكفر تطيبا لقلب النبي ﷺ، وثوابا له في نفسه لا لأبي طالب، ولا في هذا القول احتسابا بحسنات الكافر، وتلك ليست بحسنات منه في الحقيقة.
[ ١ / ٣٩٠ ]
ولا لقائل أن يقول: وجود الحسنات منه كوجوه السيئات من المؤمن لأن الحسنات طاعة والكافر لا يثب الجنة دار المطيعين والكافر لا طاعة منه، وأما السيئة فهي معصية المؤمن، فثبت الأمر الذي يتصرف العصيان إليه، فصحت السيئة منه ولهذا جاز أن يستوجب بها النار.
وإذا كان كذلك صح أن حسنات الكافر لا يجوز أن توزن ليجزي بها خيرا، وأقصى ما يكون أن يقال فيها: إنها توزن قطعا بحجته، وعلى معنى أن يقال: إن كانت خيرا بلى هذه فقد وزناها إلا أن الكفة لما قابلها رجح بها وأحبطها، فما ذلك بعد هذا فأما على غير هذا الوجه فلا يمكن أن يكون موزونة والله أعلم.
ولا يصح لأصحابنا من هذا الوضع قول سوى هذا، لأنهم إن قالوا: إن تثبت حسناته كما تثبت سيئات المؤمن، وإنها تحبط بقدرها من سيئات الكافر كما تحبط سيئات المسلم بقدرها من حسناته، فماذا تهيأ لهم أن يقولون إذا لم يبق للكافر سيئات وخلص الأمر إلى كفره.
فإن قالوا: لا تحبط حسناته من أصل كفره شيئا، فماذا ثواب حسناته وقد حرم الله عليه الجنة، وإن قالوا تحبط، لزمهم أن يقولوا أن حسناته إذا ترادفت لم ترك يحيط من أصل كفره الشيء بعد الشيء حتى يحيط جميعه.
فإذا قالوا: كذلك يكون، قيل لهم: أن يكون هذا الكافر بعد ذلك ولا دار إلا الجنة أو النار، ولاحظ في واحد منهما، فيضطرون عند ذلك إلى ترك هذا القول، ولا يعرض لهم مثل هذا في سيئات المؤمن، لأن الله تعالى لم يحرم النار على المسلمين، ما حرم من الجنة حتى على الكافرين فهم يقولون: إن سيئات المؤمن تحبط حسناته التي هي دون الإيمان، فإذا لم يبق منها شيء أزهقت نفسه بالنار، ومن أجاز من المتقدمين أن تحبط السيئات ثواب أصل الإيمان. قال: إذا لم يبق من ثوابه شيء فإن كانت له مع ذلك مسيئة باقية خفت عليه النار إلا أن يعفو الله تعالى عنه، وإن لم تكن عليه سيئة باقية، فإن الله تعالى يحسن إليه فيدخله الجنة إما بشفاعة النبي ﷺ، وأما ابتداء بالتفضيل عليه ولا يمكن أن يقال في الكافر إن خيراته أحبطت سيئاته كلها أدخل الجنة، فيتبين بهذا تباين الفرقين وبطلان التسوية بين الطبعتين وبالله التوفيق.
فإن قيل: إن كان الكافر مثلما يعمل الخيرات بالأمر الذي يسجله في الكتاب الذي يدين الله تعالى به، فلم لا يكون فعله لها طاعة كما تكون السيئة للمؤمن معصية؟
[ ١ / ٣٩١ ]
قيل: لأنه مأمور بتلك الخيرات بالأمر الذي بلغه النبي ﷺ عن الله جل وثناؤه، فإذا لم تثبت له طاعته، وأما الأمر المتقدم فقد تناهى وزال قيام الحجة به، ولولا أن هذا هكذا لكانت بعض رسالة رسل المتقدمين باقية، ولكان الرسل إلى بني إسرائيل في بعض محمد ﷺ وحده، فمن لم يثبت الأمر الذي بلغه على لسانه لم تثبت له طاعة الأمر، ولم يكسب بما يفعل بر ولا قربة.
فإن قيل: أرأيت إن كان للكافر إنما يفعل هذه الحسنات لأنه يجدها حسنة في عقله، ويجد الإحسان حسنا، والعقل داعية من دواعي الله تعالى، فلا تزول على حكمه طاعة.
قيل: إن الأمر المقرون بالوعد والوعيد هو السمعي، فمن لم يفعل ما يفعله من الخير لأمر يثبته فلا طاعة منه تستحق به الجزاء.
فإن قيل: قفوا، إن لم يثبت الأمر لم يثبت له عصيانه كما قلتم، إن من لم يثبت الأمر لم تثبت له طاعته، فلزمكم على هذا أن لا يكون المعطلة عصاه.
قيل: إن العصيان إنما هو مفارقة الأمر وترك العمل به، وجحد الأمر من أعظم الدواعي إلى ترك العمل به، فاستحال أن يقال: إن لم يثبت الأمر لم يؤخذ منه عصيانه وأما الطاعة فهم العمل بالأمر وجحد الأمر ليس من الدواعي إلى العمل لكنه من الموانع، فاستحال أن تثبت طاعة الأمر ممن لا يثبت، لأن الشيء لا يوجد مع مواقعه، وإنما يوجد عند وجود دواعيه وبالله التوفيق.
ومما يدل على صحة هذا القول، قول الله جل ثناؤه: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾، فإن أعمالهم الصالحة في أنفسها لم تنفعهم، وخفف عنهم العذاب لأجلها لما كانت هباء منثورا. وقال جل ثناؤه: ﴿عاملة ناصبة، تصلى نارا حامية﴾، وذاك أيضا إشارة إلى نصيب الكافر في عمله الذي يرى أنه طاعة له وقربة لا تجدي عليه شيئا، ولا تدفع عنه من شدة حمى النار شيئا والله أعلم.
[ ١ / ٣٩٢ ]
فصل
فإن سأل سائل عن وزن الأعمال كيف يكون، فإنما الأعمال حركات الناس وهي أعمال لا بقاء لها، وقال: كيف تبقى الأعمال إلى يوم القيامة وكيف يمكن وزنها؟
قيل له: قد تكلم الناس في ذلك فقالوا: ما يكون المراد من الوزن مقابلة الأعمال، ويتبين ما ينبغي أن يعامل به بيانا ظاهرا للملائكة والنبيين والشهداء، أو قد تدعو الحاجة في الدنيا إلى أن يعرف مقدار عمل، كالذي يحتاج إلى أن يعطي آخر مثله، فيقابل عمله ذلك بأمثاله من غير ميزان يكون التعديل به.
وقد استعمل الناس ذكر الوزن في الشعر، وفي كل كلام مستحال، ولم يريدوا به إلا الاعتدال، واستوى بعضه ببعض عند المقابلة بين فصوله، فقيل إن وزن الأعمال يوم القيامة من هذا.
وقال آخرون: أنه تكون هناك موازين بالحقيقة، لكل ميزان كفتان، أحداهما من نور والأخرى من ظلمة، كما جاءت به الأخبار، فالكفة المنيرة للحسنات، والكفة المظلمة للسيئات.
ثم إن الناس يومئذ ثلاث طبقات: إحداهما المؤمنون المتقون، وهم الذين يوافون يوم القيامة بلا كبائر الذنوب. والثانية المؤمنون المخلطون وهم الذين يوافون القيامة بالفواحش والكبائر. والثالثة الكفار.
فأما المتقون فإن حسناتهم توضع في الكفة النيرة، وصغائرهم- إن كانت لهم- في الكفة الأخرى، فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزنا، وتثقل الكفة النيرة حتى لا تبرح، وترفع المظلمة ارتفاع الفارغة الخالية، وأما المخلطون فإن حسناتهم أيضا توضع في الكفة النيرة، وآثامهم وسيئاتهم في الكفة المظلمة.
فيكون يومئذ لكبائرهم التي جاءوا بها ولحسناتهم ثقل، إلا أن الحسنات تكون بكل حال أثقل لأن معها أصل الإيمان، وليس مع السيئات كفر، ويستحيل وجود الإيمان والكفر معا لشخص واحد، فيوزن أحد بالآخر، ولأن الحسنات لا يراد بها إلا وجه الله تعالى، والسيئات لم يقصد بها مخالفة الله تعالى، وإشفاق من غضبه فاستحال أن
[ ١ / ٣٩٣ ]
توازى السيئات وإن كثرت حسنات المؤمن، ولكنها عند الوزن لا تخلو من ثقيل يقع بها للميزان حتى يثقلها كبعض ثقل الحسنات، فيجزي أمر هؤلاء على ما يثبت في باب زيادة الإيمان ونقصانه.
وأما الكفار فإن كفرهم ومعاصيهم التي دعاهم إليها، وهو بها عليكم، كفرهم في الكفة المظلمة ولا يوجد لهم حسنة توضع في الكفة الأخرى، فتبقى خفيفة لفراغها وخلوها من الجزاء، فيأمر الله تعالى جده بهم إلى النار، ويعذب كل واحد منهما بقدر أوزاره وأيامه.
وأما المتقون فإن صغائرهم باجتنابهم الكبائر تغفر، ويؤمر بهم إلى الجنة، ويثاب كل واحد منهم بقدر حسناته وطاعاته. وهذا أن الصفات هما المذكوران في القرآن في آيات الوزن، لأن الله ﷿ لم يذكر حيث ذكر وزن الأعمال إلا من ثقلت موازينه ومن خفت موازينه، وقطع بل ثقلت موازينه بلا فلاح، والعيشة الراضية على الإطلاق. ولمن خفت موازينه بالخلود في النار بعد إن وصفه بالكفر، وقد علمنا أن الناس كلهم لا يكونون هذين الفريقين، لكن يكون معهما فريق ثالث وهم الذين يخلطون الشيء الصالح.
ووردت الأخبار بأن النبي ﷺ يشفع فيهم فيخرجون من النار بعدما صاروا حمما. إلا أن هذا الفريق لم يذكروا ذكرا مفصلا في آيات الوزن، ولكن الله ﷿ قد قال: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئا، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾.
وفيها بيان المخلط توزن حسناته وسيئاته، ولذلك قال ﴿فلا تظلم نفس شيئا﴾، أي لا توزن له سيئة، لأن نقصانها من ميزانه كان لا يحول بينه وبين الجنة، كما لو تركت للمخلط حسنة ازداد ذلك من ثقل سيئاته، وأوجب ذلك زيادة عذاب عليه. فعلمنا أن الطبقات يومئذ ثلاث كما بينا والله أعلم.
فأما أن الوزن كيف يكون، ففيه وجهان: أحدهما أن صحف الحسنات توضع (في) الكفة المضيئة، وصحف السيئات توضع في الكفة المظلمة، لأن الأعمال لا تنسخ في صحيفة واحدة ولا كاتبها يكون واحدا، لكن الملك الذي يكون على اليمين يكتب الحسنات
[ ١ / ٣٩٤ ]
والملك الذي على الشمال يكتب السيئات، فيفرد كل واحد منهما بما ينسخ، فإذا جاء وقت الوزن وضعت الصحف في الموازين فيثقل الله منها ما يحق تثقيله، وخفف ما يحق تخفيفه.
والوجه الآخر: أنه يجوز أن يحدث الله أجساما مقدرة بعدد الحسنات والسيئات، ويميز أحدهما عن الآخر بصفات يعرفونها، كما توزن الأجسام بعضها ببعض في الدنيا، والله أعلم.
فصل
إن سأل سائل: عن الأعمال إذا وزنت ما يعتبر فيها في الوزن فيظهر بها الأخف والأثقل.
قيل له: تعتبر فيها مواقعها من ﵁ تعالى أو سخطه، وذلك أن المؤمن قد يأتي بحسنة لا يريد فيها إلا وجه الله تعالى ولا يحمله عليها إلا حبه لله تعالى ورغبته في تحصيل مرضاته.
وقد يأتي بها خوفا من عقابه، وقد يأتي بها فرقا في حال إتيانه بها من أن لا تقبل منه، وأن لا تكون وقعت من كل وجه على ما يرضاه الله تعالى.
وقد يأتي ساكن العلم إليها معتقدا أنه قد أدلها وخرج عن عهدتها وعلى هذا قد يواقع السيئة غافلا عن نهي الله تعالى لا يخطر بقلبه أن الذي يأتيه سيئة لا يرضاها الله تعالى وذلك لألفة إياها ومرونية عليها وإن كان لو وقف في تلك الساعة وسئل عما يأتيه لأعترف بها سيئة خائفا من تبعتها فرقا من مواجدة الله تعالى إياه بها.
إلا أن ما يغلب عليه من الهوى يحول بينه وبين الكف عنها ثم ذلك الهوى أيضا يختلف فقد يشذ حتى يجد صاحبه إتباعه لذة كثيرة، وقد يخف فلا يجد صاحبه في إتباعه إلا لذة يسيرة.
وكذلك الداعي إلى الحسنة يختلف وقد يقوى حتى يجد صاحبه من إجابته وفعل الحسنة التي دعا إليها فرحا شديدا، إنما تبشره لها، وقد لا يبلغ هذا المبلغ فيكون فرح الفاعل للحسنة بحسنه دون فرح الذي ذكرناه، وكل هذا الوجوه معتبرة في الوزن.
فلذلك يصلي رجلان بصلاة واحدة ويصومان يوما واحدا ويحجان معا، ويكون ما يظهر من أعمالهما سواء إلا أن عمل أحدهما أثقل وزنا وأكبر ثوابا، ويصل واحد ركعتين
[ ١ / ٣٩٥ ]
فرقا وركعتين مثلهما وقتا آخر، فتكون إحدى صلاتيه أفضل من الأخرى.
وكذلك الصيام وغيره، ويشتركان في معصية فيكون ما يظهر من أفعالهما سواء، إلا أن عمل أحدهما يكزن أكثر تبعة، وأظهر في ميزانه من الآخر، فقد قيل في قول الله ﷿: ﴿وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة﴾، معنى اطلاعها على الأفئدة أن تؤلم كل أحد بقدر ما في قلبه من المعصية التي واقعها فصار معاقبا عليها.
فإن محل الدواعي كلها هو القلب، والأفعال إجابة عن الأعضاء لتلك الدواعي مختلف مقاديرها وما يستحق بها بحسب اختلاف تلك الدواعي في أنفسها.
ألا ترى أن العبد قد يدعوه سيده خير فيجيبه إلا أن إجابته غير سعيدة لا يقع منه موقع إجابته سيده، فإنه إنما يجب سيده على أن ذلك واجب عليه لا يسعه خلافه ويجب غير سيده تبرعا في الجملة، فبان بذلك أن الأحكام الأفعال مأخوذة من دواعيها، وهي كذلك في الدنيا وكذلك يكون في الآخرة والله أعلم.
فصل
إن سأل سائل: عن كبائر الذنوب وصغائرها وواجباتها. فقد قال الله ﷿: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾.
وقال: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾.
وقال: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾.
وقال: ﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾.
وقال: ما الفرق بين ما سماها الله تعالى كبائر وما سماها فواحش، وما يجوز أن يقال لها صغائر؟.
فالجواب: أنه ما من ذنب إلا وفيه صغيرة وكبيرة، فقد تنقلب الصغيرة كبيرة
[ ١ / ٣٩٦ ]
بقرينة تنضم إليها وتنقلب الكبيرة فاحشة بانضمام قرينة إليها إلا الكفر بالله ﷿، فإنه أفحش الكبائر وليس من نوعه صغيرة، فأما ما عداه فالأمر فيه ما ذكرته.
وجاء عن النبي ﷺ أنه سئل عن الكبائر، فذكر الشرك بالله جل ثناؤه، وقتل النفس بغير حق والزنا بحليلة الجار، وقذف المحصنات والفرار من الزحف وعقوق الوالدين والسرقة، وقد قال الله جل ثناؤه: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾.
وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾.
وقال: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وإن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق﴾.
وقال: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾.
وقال النبي: ﷺ: (من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر)، والمعنى فقد استحق ما يستحق الكافر وهو القتل.
وإذا تتبع ما في الكتاب والسنة من المحرمات كثر، وإذا أردنا هذه لنبين الصغائر والكبائر بيانا خارجا نأتي على ما يحتاج إليه من هذا الباب بإذن الله تعالى فنقول: إن قتل النفس بغير حق كبيرة، فإن كان المقتول أبا أو ابنا أو ذا رحم في الخلة أو أجنبيا بالحرم فهو فاحشة، وأما الخدشة والضربة بالعصا مرة أو مرتين فمن الصغائر، والزنا كبيرة، فإن كان بحليلة الجار أو بذات رحم أو لا بواحدة من هاتين، لكن يأثم في شهر رمضان أو في البلد المحرم فهو فاحشة.
قال الله ﷿: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾، فالزنا كله
[ ١ / ٣٩٧ ]
كبيرة، إلا أن ما كان منه على وجه مما تقدم ذكره فازداد كثيرا فالتحق بالفواحش، وأما ما دون الزنا الموجب للحد فإنه من الصغائر، فإن مع امرأة الأب أو حليلة الابن أو مع أجنبية إثم لكن على سبيل القهر والإكراه كان فاحشة كبيرة.
وقذف المحصنات كبيرة، فإن كانت المقذوفة أما أو أختا أو امرأة فإنه كان فاحشة كبيرة.
وقذف الصغيرة والمملوكة والحرة المنتهكة من الصغائر، وكذلك القذف بالخيانة والكذب والسرقة والفرار من الزحف كبيرة، فإن كان من واحد أو اثنين ضعيفين وهو أقوى منهما، أو اثنين حملا عليه بالسلاح وهو شاك السلاح، فذلك فاحشة وعقوق الوالدين كبيرة، فإن كان مع العقوق سب أو شتم أو ضرب فهو فاحشة، وإن كان العقوق الاستثقال لأمرهما ونهيهما والعبوس في وجههما والتزم بهما مع بذل الطاقة ولزوم الصمت فهذا من الصغائر، فإن كان ما يأتيه من ذلك ينجيهما إلى أن ينقصا عنه فلا يأمراه ولا ينهياه أو يلحقهما من ذلك ضر فهذا كبيرة، والسرقة من الكبائر، فأما أخذ المال في قطع الطريق فاحشة.
وكذلك قطع يد السارق ويد المحارب ورجله من خلاف وقتل النفس في قطع الطريق فاحشة. وكذلك لا يعمل عفو المولى عنه إذا قدر عليه قبل التوبة وسرقة الشيء التافه صغيرة، فإن كان المسروق منه مسكينا لا عناية عما أخذ منه فذاك كبيرة، وإن لم يكن على السارق الحد وأخذ الأموال بغير حق كبيرة، فإن كان المأخوذ ماله يفتقر أو كان أب الآخذ أو أمه أو كان الأخذ بالاستكراه والقهر فهو فاحشة، وكذلك إن كان على سبيل القمار، فإن كان المأخوذ باقيا، والمأخوذ عنه غنيا لا يتبين عليه من ذلك ضرر، فذلك صغيرة.
وشرب الخمر من الكبائر، فإن استكثر من الشرب حتى سكر أو جاءهم به فذلك من الفواحش، فإن مزج خمرا مثلها من الماء فذهبت شدتها وشربها فذلك من الصغائر.
وترك الصلاة من الكبائر، فإن صار عادة فهو من الفواحش، فإن أقامها ولم يوفها حقها من الخشوع، لكنه التفت فيها أو فرقع أصابعه أو استمع إلى حديث الناس أو سرى الحصى، أو أكثر مس لحيته فذاك من الصغائر، وإن ترك إيتاء الجمعة من غير عذر
[ ١ / ٣٩٨ ]
فذاك من الكبائر، فإن اتخذ عادة فهو من الفواحش، وإن ترك إيتاء الجمعة لغيرها فذاك من الصغائر، وإن اتخذ ذلك عادة قصد به مباينة الجماعة والانفراد عنهم فذاك كبيرة، وإن اتفق على ذلك أهل بلده فهو من الفواحش.
ومنع الزكاة كبيرة ورد السائل صغيرة، فإن اجتمع علة منعه أو كان المنع من واحد إلا أنه زاد على المنع الإشهار والأغلاط فذاك كبيرة.
وكذلك إن أتى محتاج موسعا على طعام فتاقت إليه نفسه، فإن تعاطيه كبيرة وتعاطيه على وجهه يجمع وجهين أو وجها من التحريم كان فاحشة، وتعاطيه على وجه يقصر به عن رتبة المنصوص أو تعاطي ما دون المنصوص الذي لا يستوفي معنى المنصوص الذي نهي عنه، لئلا يكون ذريعة له إلى غيره، فهذا كله من الصغائر، وتعاطي الصغيرة على وجهين أو وجها من التحريم كبيرة.
مثال ذلك أن قتل النفس بغير حق محرم بعينه منهي عنه لمعنى في نفسه، فهو انتهاك حرمة الله ﷿ بانتقاص مخاطب مكلف من الجملة، فذلك إن كان عمدا كبيرة، لأن العامل متسع لاستيفاء من يريد قتله وانتقاصه. فإن احتقار الانتقاص وقتل فقد أراد الخيانة وآثرها فكانت منه كبيرة. وإن وقع ذلك خطأ لم تكن كبيرة، ولأن زوال العمل يقتصر بقتله عن رتبة المنصوص فإنه لا يكون عند ذلك مؤثرا لانتقاص عدد المخاطبين المكلفين من بين الجملة.
فإن كان المقتول أبا أو ذا رحم، أو كان القتل في البلد الحرام أو قطع طريق كانت فاحشة لما في ذلك من انتهاك حرمات كثيرة مضمونة إلى حرمة المقتول، وإن ترك القتل إلى شيء دونه من إيلام بضرب غير منهك أو جرح لا ينقص به المجروح عضوا ولا يتعطل به عليه من منافع بدنه منفعة لم يكن ذلك كبيرة. لأن هذه الجناية لا تستوفي معنى القتل المنصوص وإن وجد فيه بعض معناه. لأن معنى الإيلام أو أنهار الدم وإن وجد، فإن أماته الحي لا يوجد فيه، فيفارق بذلك القتل وقطع الطريق ولا يكون كبيرة.
وإن تعاطي قتل أب أو أم أو ذوي رحم من كان، أو كان ذلك في حرم أو أشهر حرام أو استضعافا لمسلم أو استعلاء عليه، فذلك كبيرة لأنه فعل يجمع إيلام المجني عليه، وإنهار شيء من دمه أو طرفه إليه فصار بذلك كبيرة.
[ ١ / ٣٩٩ ]
وإن دل رجل على مطلوب ليقتل ظلما، أو أحضر المرتد للقتل سكينا فهذا كله محرم لأنه يدخل في قوله: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ لكنها صغائر، لأن المنهي عنه ليس لأنفسهما لكنها ذرائع الظالم إلى التمكن من ظلمه، فأكثر ما في إعانة القاتل بها، أن المعين مشارك له في القصد، والقصد إذا خلا عن الفعل لم يكن كبيرة.
وكذلك سؤال الرجل غيره الذي لا تلزمه طاعته أن يقتل ليس من الكبائر، لأنه ليس فيه إلا إرادة هلاكه من غير أن يكون معها فعل والله أعلم.
فصل
إن سأل سائل عن أصحاب الكبائر عن أهل القبلة إذا وافوا القيامة بلا توبة قدموها، ماذا يكون من أمرهم؟؟
قيل له: -وبالله التوفيق- أمرهم الله تعالى، فإن عفا عنهم مبتدئا وإن شاء شفع فيهم نبيهم، وإن شاء أمر بإدخالهم النار وكانوا معذبين بها مدة، ثم أمر بإخراجهم منها إلى الجنة إما بشفاعة ولا يخلد في النار إلا الكفار.
فإن سأل عن الدلائل على ما قلنا! أما الدليل على أن غبر الكفار لا يخلد في النار فهو قول الله ﷿ ﴿من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾، فأخبر أن التخليد في النار إنما هو لمن أحاطت به خطياته، والمؤمن صاحب الكبيرة والكبائر لم تحط به خطياته، لأن رأس الخطايا هو الكفر، وهو غير موجود منهم، فصح أنه لا يخلد في النار.
فإن قيل: هذا معارض بأن الله تعالى قال بعقب هذه الآية: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾، فوعد الجنة من جمع بين أصل الإيمان وفروعه وصاحب الكبيرة أو الكبائر تارك الصالحات فصح أن وعد الجنة ليس له.
فالجواب: أن التعاطي للكبائر إذا تاب عنها ووافى القيامة تائبا لا يخلو من أن يكون
[ ١ / ٤٠٠ ]
تاركًا للصالحات التي هي أضداد الكبائر، ثم لأنه إذا شرب الخمر فقد ترك العمل بقول الله ﷿.
وإذا زنى فقد ترك العمل بقول الله ﷿: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾.
وإذا فر من الزحف فقد ترك العمل بقول الله ﷿: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾، وعلى هذا جميع الكبائر.
ثم أنه إذا تاب سقط العذاب عنه بالتوبة، وصارت الجنة داره، وإن لم تصر بالتوبة جامعا بين أصل الإيمان وفروعها من الصالحات. لأنه وإن تاب منها اليوم فلا يخلوان من كان من تاركا لها بالأمس وقع بهذا، جاز أن تكون داره.
فلا ينكر أن الذي يوافي القيامة بكبائر لم يتب منها مثله، فإن تقل ليسا سواء، لكن التائب يقيم التوبة مقام السيئات التي قدمها، والمصر ترك الطاعات ولم يقم مقامها شيئا، قيل التائب غير مبدل من الطاعات التي تركها شيئا، لأن التائب هو الذي يندم على ما جنى ولا يعود لمثله في المستقبل. فأما بذمة على ما معنى فإنما هو بكرهه لما كان منه، وقد كان مأمورا من حين: فقيل: إلا أن تاب بأن يكون متكرها له، فلما لم يفعل وآخره إلى الوقت الذي تاب منه كان إيتاء من هذا الغرض ببعضه لا يجمعه.
وأما نزوعه عن الفعل وترك العود لمثله في المستقبل فهو أيضا بعض ما كان عليه، إلا أنه كان عليه أن يكون نازعا عن الفعل أبدا، فإذا قدم عليه وقتا ثم نزع عنه وقتا كان بذلك مبغضا للغرض، وبعض الفرض لا يكون بدلا من جميعه، فصح أن التائب غير مبدل من الطاعات التي تركها بدلا ولا يقيم مقامها خلفا، ومع ذلك جاز أن يدخل الجنة، فليجز أن يدخلها المصر.
فإن قيل: لو كانا سواء لكانت الجنة واجبة للمصر، كما هي واجبة للتائب، ولما كان المصر معذبا كما لا يكون التائب معذبا، دل أنهما لا تستويان.
قيل: إنما أردنا بما أجبناكم به، أن التائب لا يخلو من أن يكون تاركا للصالحات التي
[ ١ / ٤٠١ ]
كانت عليه، ومع هذا يدخل الجنة، فعلم بهذا أن الجنة ليس للجامع بين أصل الإيمان وفروعه دون غيره، وقد ثبت هذا.
فأما قولكم: أن المصر لو كان كالتائب لما كان معذبا، فجوابه أن يقال.
أن التائب إنما لا يعذب لأنه رجع إلى ما كان عليه، وترك ما لم يكن فعله فعفى الله عنه عما لا تمكنه مداركه فيما مضى، فإنه لا يمكنه أن يجعل ما كان منه غير كائن. والمصر مجدد للمعصية في كل وقت يعرض العقوبة إلا أن يمن الله تعالى عليه بالعفو، إما باستغفار يكون منه أو بشفاعة من يشفع له في الآخرة.
ألا ترى أن التائب من الكبائر إذا احتدم من ساعته فقد يفارق المتقي الذي يرد القيامة بلا كبيرة في أن المتقي يجب له من الثواب ما لا يجب للتائي من كبائره، وافتراقهما هذا يستوجب من الإحسان ما لا يستوجبه الآخر، ولا يمنع من أن يمن الله تعالى على التائب بكرامات وخيرات تعدد ثواب المتقين أو يؤته ذلك بشفاعة النبي ﵇.
فكذلك اقتراف التائب والمصر في أن التائب يستوجب الجنة، والمصر لا يستوجبها عاجلا لا يمنع من أن يمن الله تعالى على المصر فيدخله مع التائب الجنة، إما باستغفار أو بشفاعة تشفع له والله أعلم.
والدليل على جواز أن يعفو للمصر باستغفاره قول الله ﷿: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾، وهذا في الصلوات المفروضات إنها كفارات، وإذا كانت الصلاة كفارة للمذنب، والمذنب ليس هو الداعي إليها والباعث عليها، فلئن كان الاستغفار كفارة وهو طاعة تدعو الذنب إليها وتحمل عليها أولى وأحق.
ووجه آخر: هو قول الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، ولا يجوز أن يعرض في خير الله تعالى خلف.
فإن قيل: المعنى أنه يغفر الصغائر لمجتنب الكبائر، ولا يغفرها لمن لا يجتنب الكبائر، كما قال في آية أخرى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾.
[ ١ / ٤٠٢ ]
فأما الكبائر أنفسها فلا يغفرها إلا للتائب. والدليل على ذلك أنه تعالى لما توعد أصحاب الكبار بالنار والخلود فيها لم يستثن منهم إلا التائبين، لأنه ﷿ قال: ﴿ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يعف ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب﴾.
فعلمنا أن يخلص أصحاب الكبائر بالتوبة فإن المغفرة الموعودة لها دون الشرك، إنما هي لأصحاب الصغائر المجتنبين للكبائر.
فالجواب: -وبالله التوفيق- أن هذا الوعيد ينصرف إلى جميع ما تقدم ذكره، فإن الله ﷿ ثناؤه فتح بهذه الآية بذكر الشرك فقال: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا﴾، فانصرف قوله ومن يفعل ذلك إلى جميع ما تقدم ذكره. ولسنا ننكر أن يكون الجامع بين هذه الكبائر مستوجبا هذا الوعيد، وأن لا يخرج منه إلا التائب.
ويدل على أن المراد بالآية هذا، أن الله ﷿ لا يضاعف له العذاب، فبان أن المراد بها أن من جمع بين الشرك وغيره من الكبائر، فيصير العذاب مضاعفا عليه، وذكر الخلود في هذا الوضع، فثبت أنه لاحظ في ذلك لمن اقتصر على الكبائر التي هي دون الشرك، ولم يضم إليها شركا.
ويدل على هذا أيضا أنه ﷿ لما ذكر التوبة قال: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل صالحا﴾، فذكر في التوبة الإيمان العمل الصالح، فثبت أن الوعيد على من أشرك وضم إلى الشرك أعمالا سيئة فكانت توبته، أن يؤمن ويعمل في إيمانه الأعمال الصالحة، فيحبط الإيمان كفره ويحبط إصلاحه في الإيمان إفساد الذي كان في الكفر.
ومثل هذا جاء حديث عن رسول الله ﷺ، وقد أثبتناه في أول الكتاب- وبالله التوفيق- وإن جعلوا دلالتهم على صحة تأويلهم، قول الله ﷿: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها﴾، قيل لهم: جاء الحديث عن رسول الله
[ ١ / ٤٠٣ ]
ﷺ أنه قال: "ذلك جزاؤه أن جازاه"، وكذلك يقول ويذهب إلا أن لا يجازيه لأنه من حكمه أن يغفر ما دون ذلك لمن يشاء والقتل دون الشرك فثبت أنه قد يغفره لمن يشاء.
وأيضا فإنه لم يقل: فجزاؤه جهنم إلا أن يتوب، ولكن حمل المطلق منهما على أنه الاستثناء التي كان تأويلها عندهم إنها في صاحب الكبيرة، كافرا كان أو غير كافر، فلا يدفعونها عن أن تحملها على الآية التي فيها وعد المغفرة، فيقول: "ذلك جزاؤه" لولا أن الله تعالى وعد أن يغفر ما دون ذلك لمن يشاء أن يغفر أصلا، فلا يأخذ فاعله به.
وإذا كان كذلك، علمنا أنه إذا أخذه به لم يخلده النار لأنه لا قائل يقول: إن من القائلين من يعفو عنه، وإن لم يكن قدم توبة فلا يعاقب أصلا ومنهم من يخلد في النار.
فإن قيل: انفصلوا عمن قلت هذا عليكم، فنقول: قد ثبت بقوله تعالى: ﴿ويغفر لمن دون ذلك لمن يشاء﴾ لبعض أصحاب الكبائر، فيجريه مجرى الشك، لأنه قد حكم تائبا ما عدا الشرك، وإذا كان دونه كانت عقوبته دون عقوبته، فصح أن القلب الذي ادعوه، لا يتوجه لهم وبالله التوفيق.
فإن قيل: قالوا عقوبته دون عقوبة الشرك في الخفة والغلظ لا في طول المدة وقصرها.
قيل لهم: انفصلوا فيمن قال هو في الطول والقصر لا في الخفة والغلظ، وإذا لم يكن أحد هذين القولين أولى من الآخر ولم يكن بينهما تنافي وجب أ، يجمع بينهما فيقال: عقوبة بما دون الشرك دون عقوبة الشرك في الخفة وقصر المدة وبالله التوفيق.
وجواب آخر: وهو أن هذا تخصيص الآية بلا دليل، لأن قوله ﷿: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فيه تخصيص كبيره من صغيره ولا دليل يوجب هذا التخصيص فوجب أن يضم هذا في الوعد إلى التوبة فيكون كأنه قال: ﴿من تاب أو شاء الله أن يغفر له﴾.
فإن قيل: أفتقولون أن من أصحاب الكبائر من لا يشاء الله أن يغفر له فيخلده النار. قيل: يقول: إن منهم من لا يشاء الله أن يغفر له، ولا يقول: أن منهم من إذا لم يغفر له
[ ١ / ٤٠٤ ]
خلده النار، لأن الله ﷿ قد أخبر: أن ما عدا الشرك فهو دون الشرك. وقد علمنا أن في عدله لا يسوى بين جزاء من خف ذنبه وجزاء من عظم ذنبه، كما لا يسوي بين المحسن والمسيء، فدل ذلك على أن جزاء المشرك إذا كان التخليد كان جزاء من قصر دينه عن ذنبه مقاما دون ذلك والله أعلم.
وجواب آخر: عن كلامهم في أنه المغفرة، وهو أن يقول: إن كان لا يستثني من الوعيد إلا التائب، فما بال الصغائر تصير مكفرة مغفورة لا حساب الكبائر؟ لم لا جاز أن يغفر الكبائر لاجتناب الكفر؟
فإن قيل: صاحب الصغائر أصلا وصاحب الكبيرة إذا وافى القيامة بلا كفر واخاها، وكبرته مستحقا لأن يعذب عليها. فكيف يستويان؟
قيل له: إن مغفرة الصغائر لمجتنب الكبائر بفضل من الله ﷻ عليه، ومن تفضل الله عليه بشيء لم يجب أن يتفضل، فدل ذلك على أن الله تعالى إذا كان يتفضل على مجتنب الكبائر بالصفح عن صغائره جاز، ولم يمتنع أن يتفضل على مجتنب الكبائر بالعفو عن كبائره، وإن كان ذك غير واجب والله أعلم.
وإن أصبحوا بصحة جمعهم بين الآيتين بقول الله ﷿: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا، إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا﴾، وقالوا: لما وعد الجنة من باب علمنا إن المصر لا حظ له في الجنة.
وقيل: ومعناه إلا من تاب أو شاء الله تعالى أن يجعل أخذ ما تيسير باجتنابه الكفر غفران خطاياه، ووضعها عنه، أو يشفع النبي ﷺ أو كثرت نوافله وخيراته. فأراد الله تعالى أن ينبه منها العفو من كبائره فإن كان مما دلت الدلائل على جواز أن تقابله مغفرة الكبائر من هذه الوجوه يصير كالمقرون بالتوبة نصا، إلا أن يرى الدليل لما دل على أن اجتناب الكبائر يجوز أن يكون سببا لمغفرة الصغائر.
كأن اجتناب الكبائر من يرتكب الصغائر كالتوبة من مرتكب الكبائر.
وكذلك الوجوه التي ذكرتها هي لمرتب الكبائر كالتوبة، ولا فضل وإن احتجوا بقول الله ﷿: ﴿فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى،
[ ١ / ٤٠٥ ]
ويقولون: سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه، ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق﴾، وقالوا: في هذه الآية دليل على أن قولهم المصر على الكبيرة ستغفر في قول غير حق.
قيل لهم: إن هذه الآية في اليهود، والذين وصفهم الله تعالى في أكل أموال الناس بالباطل في آية، وأكلهم السحت، في آية أخرى، وتخويفهم كتاب الله، وقولهم مع ذلك ﴿لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾، ودعواهم إنهم أبناء الله وأحباؤه، أي أنه متجاوز عنهم حيالهم كما يتجاوز الناس عمن يحبونه، ما لا يتجاوزنه عن غيره.
فأخبر الله ﷿ أن قولهم سيغفر لنا قول غير حق، لأن من حكم الله تعالى أن لا يغفر للكفار وهم كفار، وإن احتجوا بقول الله جل ثناؤه، ﴿إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم، يصلونها يوم الدين، وما هم عنها بغائبين﴾.
قيل لهم: إن اله تعالى قابل الفجار بالمتقين في غير هذه الآية فقال: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾، فولت هذه المقابلة على أن الفاجر خلاف المتقي.
ومعلوم أن رأس التقوى هو الإيمان فلا يقال لغير المؤمن تقي. فدل ذلك على أن رأس الفجور المقابل للتقوى هو الكفر، وقابل في هذه الآية: الفجار بالأبرار، ورأس البر الإيمان.
قال ﷿: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر﴾، فعلمنا أن رأس الفجور هو الكفر، وإن الفجار المقابلين بالأبرار وبالمتقين هم الكفار، ولسنا ننكر أن يكون الكفار مرادين بالآية.
وجواب آخر: وهو إن ثبت أن المراد بالفجار أصحاب الكبائر من أهل القبلة، فلسنا ننكر أن يصلوا يوم القيامة النار، ولكن قوله ﷿: ﴿وما هم عنها بغائبين﴾، عن حضرتها فلا يمكن أن يصلوها لكنهم لابد مارون عليها مشاهدوها، والآخر إنهم إذا دخلوها لم يخرجوا منها، فوجب صرفه إلى الوجه الأول للمعاني التي سبق تكريرها.
[ ١ / ٤٠٦ ]
وجواب ثالث: وهو أن الله ﷿ إنما نفى الغيبة عن الجحيم بعد صلتها عن الفجار أجمعين، ولذلك يقول: لا تغيبون عنها حتى لا يبقى فيها أحد منهم، وأما بعضهم فيدعون أن تغيب عنها، وإذا احتملت الآية ذلك، وجب تنزيلها عليه لما سبق ذكره.
فإن قيل: على الجواب الأول: روينا عن النبي ﷺ أنه قال: (إلا أن الصدق يدعو إلى البر، والبر يدعو إلى الجنة، والكذب يدعو إلى الفجور، والفجور في النار)، وإنما أراد بذلك أن التوحيد الذي هو صدق يدعو إلى تحقيق ما صدر منه عن اللسان بالأفعال التي كلها بر، ويوجب لصالحها الجنة، والكفر الذي هو كذب، ويدعو إلى موافقة ما نهى الله عنه أو ذلك فجور يوجب لصاحبها النار. فثبت أن الفجور اسم الإفساد في العمل.
فالجواب: إن الصدق نفسه بر، يقال: في يمينه إذا صدقها، وفجور في يمينه إذا كذبها، واليمين الفاجرة هي الكاذبة، وكان معنى الحديث: (إن الصدق هو يدعو إلى ما يكون برا مثله، والكفر الذي هو فجور يدعو إلى ما يكون فجورا مثله) وذلك ما لا ينكر والله أعلم.
والذي يخالفوننا في هذا، لهم أصول عليها، بنوا قولهم في التخليد إحداهما أن قالوا: إن الوعد كالوعيد، فلما كان أحد الذين وعد الله تعالى الجنة لا يجوز أن يدخلها لأن ذلك إذا كان أخلف بوعد فصار كذبا، والكذب ينفي عن الله، فكذلك أحد الذين أوعدهم الله تعالى النار لا يجوز أن يدخلها لأن (الله) لا يخلف وعيده فيصير كذبا. وهو جل ثناؤه وقد أوعد من غير التائبين النار، فلا بد لهم من أن يدخلوها.
والثاني: قولهم: أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن وإنما هو فاسق، والفسق منزلة بين الإيمان والكفر، والجنة دار المؤمنين فمن لم يكن مؤمنا فلا حظ له فيها. والثالث أنهم يقولون لا يجوز أن يشفع النبي ﷺ لأصحاب الكبائر من وجوه أحدها أن الله تعالى مدح الملائكة ﴿لا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون﴾، دل ذلك على أن الشفاعة لأصحاب الكبائر مخالفة لخشية الله تعالى فلا يجوز وجودها من النبي ﷺ.
[ ١ / ٤٠٧ ]
ووجه آخر: وهو أن الله ﷿ وصف يوم الدين بأنه ﴿يوم لا تملك نفس لنفس شيئا﴾ ولو جازت الشفاعة لأصحاب الكبائر ونفعت لكان قد ملكت فيه نفس لنفس أعظم الأشياء وهو الخلاص من النار وذلك خلاف ما وصف الله تعالى به ذلك اليوم.
ووجه آخر: لما نزل قول الله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، قال رسول الله ﷺ (يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله فإني لا أغني عنكم من الله شيئا)، خص عين واحد منهم بمثل ذلك، حتى قال: (يا فاطمة بنت محمد، اشتري نفسك من الله، فإني لا أغني عنك من الله شيئا).
فدل ذلك على أن الشفاعة يوم الدين لا تقع لأصحاب الكبائر لما جاز أن يخبر بها أمته، ولكان إخفاء خبرها عنهم أولى من إخفاء ليلة القدر لئلا يتكلون، لأن في علمهم ذلك تجزئة الشقاق، وحملانهم على أن يغرموا بضروب الفسق وينهمكوا فيها، متكلين على الشفاعة.
وفي ذلك بطلان حكم الله تعالى في الوعيد، وتنزيل النبي ﷺ منزلة من يقول: إن الله تعالى يوعدكم بالنار، ولكن لا يأمن عليكم فإني أشفع لكم، وهذا غير جائز على أن يخرجه وينقصه. والدليل على ذلك أنه إذا ثبت لم يحتج أن تجريد الإقرار، فلو كان خارجا من الإيمان لم يعد إليه بعقد جديد. وفي اجتماع الأمة على أنه محتاج في ثبوت الإيمان له إلى عقد جديد، وما دل على أنه خارج من الإيمان.
ووجه آخر: وهو أن إجماعهم على أنه لا يكفي، والله ﷿ يقول: ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن. فقسم هذي القسمين. فلما لم يكن صاحب الكبيرة كافر أظهر أنه مؤمن.
ووجه ثالث: وهو أن إيمانه أكبر طاعته، وكل ذنب طول الكفر، فليس بأكبر معاصيه، فلم يجز أن يحبط الأصغر الأكبر، كما لا يجوز أن يقال: الصغائر تحيط الإيمان، أو ما يتفرع عنه من فرائض الطاعات.
[ ١ / ٤٠٨ ]
ووجه رابع: وهو أن المعاصي دون الكفر. لا يوجد من مسلم على سبيل مضادة الإيمان، لأن المسلم لا يريد بها الخلاف والعباد، وخلع رباق الطاعة من عنقه، وإنما يتبع الهدى ويريد قضاء شهوته، فهي إذا توجد منه مضادة لما كان علي مكانها، ولا توجد مضادة لأجل الإيمان، فلم يجز ارتفاعه بها كالصغائر، وأما معاصي الكافر فإنها توجد منه مضادة الإيمان لأن الكفر هو الذي يحرك عليها، ألا ترى أنه لا يعتقد فيها أنها معاصي، وإن الله تعالى وصفها فكانت كمحسنات المؤمن التي تكون إيمانا. لأن أصل الإيمان هو الذي يحرك عليها، ألا ترى أنه يقطعها على أنها طاعات تقربه من الله تعالى.
فأما معاصي المسلم، فإن هواه يحركه عليها لا الكفر، فكانت كبائره من هذا الوجه كصغائره، ولم يجز أن يرتفع بها الإيمان وبالله التوفيق. وتدل على هذا حسنات الكافر لا تخرجه من الكفر، لأن الإيمان ليس هو يحركه عليها لأن التكريم وطلب الذكر وشبه ذلك ممالا يرجع في الحملة إلى المدين، فكذلك سيئات المؤمن لا تخرجه من الإيمان، لأن الكفر ليس هو المحرك لها عليها، لكن الهوى والشهوة، وبالله التوفيق.
وأما الجواب عن تشبيه الوعيد بالوعد، فهو أن العفو عن صاحب الكبيرة لا يوقع حفلا في الوعيد، لأن الله ﷿ إذا قال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، فما أخذه بوعيد مع هذا إلا ويصير ذلك الوعيد مقرونا بشرط المشبه، فيكون قوله ﷿: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾، فإنه قرن به الاستثناء.
فقيل: إلا أن يكون ممن سبقت له مشيئة الله تعالى بأنه يدخله الجنة، أو إلا أن يشفع له رسول الله ﷺ، أو يكون المعنى هذا جزاؤه، ولكنه قد لا يجزيه بل يعفو، فمن عفا عنه لم يلحق خبره من ذلك خلف والله أعلم.
وجواب آخر: هو أن خطاب الله ﵎ في القرآن عباده عما وقع بلغة العرب لأن الرسول ﷺ كان منهم ومن ظهرانيهم فلذلك خابطهم بحسب عاداتهم عن حكم العادة فيما تتفق فيه عاداتهم، وعادة غيرهم.
[ ١ / ٤٠٩ ]
ومعلوم من عادات الناس أجمعين أن وعيدهم يكون باتا ووعيدهم معلقا، فمن قال عنهم لغيره: لأعطينك كذا، لم يقله على خيار، ومن قال: لاضربنك قاله على خيار. وذلك لأنهم يعلمون أن الإحسان والعفو أولى بالمدح من العقاب والمؤاخذة، فإن العقاب ينزع إلى استيفاء الحق والعفو ينزع إلى التصديق بالحق.
ولا يخفى بعد ما بين الأمرين. وتفاوت ما بين الفعلين. فمن وعد آخر خيرا فمنحه كان تاركا للفضل إلى ما لا فضل منه. ومن يرعد آخر بشر فلم يفعله، كان تاركا لما لا فضل فيه إلى ما هو الفضل.
وإذا كان كذلك صح أن الوعد يصدر من صاحبه باتا، لأنه يريد الإحسان الذي هو سبب المدح والثناء عليه في الدنيا وسبب المثوبة في الآخرة، فلا يليق الخيار بكلامه الذي كان لهم في تخاطبهم.
وإذا كان خطابه لهم فيما تختلف فيه عادتهم وعادة غيرهم بحسن عادتهم وإن الوعيد يصدر معلقا، لأن الوعد قد يرى أن يدع غير الفض إلى الفضل، فلا يليق مع هذا بوعيده الثبات، بل يكون المعلق أولى به، فيكون عند قوله: لأفعلن بك كذا وكذا، كأنه يصر على الاستثناء فوصله به. وقال: إلا أن يشفع شافع، أو إن شئت.
وإذا كان هذا عادة الناس في وعدهم ووعيدهم، وجب أن يكونوا من الله تعالى محمولين على قبضته، العادة المعروفة التي نزل القرآن بها بين ظهرانيهم، ووقع الخطاب به لهم، فيصير الوعد كأنه نص على بته، والوعيد كأنه نص على تعلقيه، فلا ينقلب الوعيد بالعفو كذبا وبالله التوفيق.
فإن قيل: لو كان هذا هكذا، لوجب أن أحلف الرجل: ليضربن عبده اليوم مائة، ثم عفا عنه ولم يضربه حتى انقضى اليوم، أن لا يجيب، لأنه لو صرح فقال: لأضربنه اليوم إلا إن شاء العفو عنه فعفا عنه ولم يضربه حتى انقضى اليوم ولم يحنث، قيل: إنما حنث لأن كلامه يحمل على التعليق الذي ذكرنا إذا صدر منه مطلقا، فلم يظهر لنا أنه أراد خلاف ما هو العادة في مثله.
وأما إذا أكد وعيده باليمين التي يراد بها في العادات أيضا تأكيدا للأمر المحلوف عليه، والاحتراز من وقوع الحلف منه كان البت أغلب عليه وأولى بظاهره من التعليق وصار
[ ١ / ٤١٠ ]
الحالف لذلك كأنه قال:"لأضربنك اليوم شئت أو كرهت "شفع شافع أو لم يشفع. ولو قال ذلك فانقضى الوقت ولم يضربه يحنث. وكذلك إذا أكد قوله باليمين، ثم خالف ما قال حنث والله أعلم.
وأما الجواب: عما قالوه في الشفاعة، فهو أنه قد جاء عن بينا ﷺ أنه قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". وأنه ﷺ قال: "لكل نبي دعوة مستجابة، وإني خبأت دعوتي لأمتي يوم القيامة". ووردت الأخبار المتواترة فلا عذر في ردها والذهاب عنها.
وأما قول الله ﷿ ولا تشفعون إلا لمن ارتضى أن تشفعوا له، كما قال: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ ولا يحتمل أنه غير ذلك. لأن المرتضين عند الله لا يحتاجون إلى شفاعة ملك ولا نبي. فصح أن المعنى ما قلنا، ولا يجوز أن يقال: إن الله ﷿ لا يرتضي أن يشفع لصاحب الكبيرة لأن المذنب هو الذي يحتاج إلى الشفاعة، حائلا بينه وبين الشفاعة.
فإن قيل: ما جزاء الشفاعة للكافر؟ قيل: امتناع الشفاعة للكافر لأن ذنبه كبير، تعالى الباري المشفوع إليه جل ثناؤه، أو الرسول الشافع صلوات الله عليه، أو لأن الله ﷿ أخبر أنه لا يشفع فيه أحد، فهذه المعاني كلها معدومة في صاحب الكبيرة من أهل القبلة، فجاز أن يشفع له عند النبي ﷺ، وليس ذبك بمخالف خشية الله ﷿ لأن الشفاعة لا تكون إلا بعد الإذن من الله تعالى فيها. وإذا جاء الاستئذان والتوقيف إلى أن يكون الإذن، فقد وفيت الخشية حقها والله أعلم.
وأما قول الله ﷿: ﴿يوم لا تملك نفس لنفس شيئا﴾. فإنه لا يدفع الشفاعة لأن المراد بالملك، الدفع بالقوة، كما يكون في الدنيا أن يدفع الناس بعضهم عن بعض وعن أنفسهم بالقوة، ولا يكون ذلك يوم الدين. والشفاعة ليست من هذا الباب
[ ١ / ٤١١ ]
لأن ذلك من ذي الشفاعة للمشفوع عنده، وإقامة الشفيع بذلك من المشفوع له، فلا يوم أليق به وأشبه بأحواله من بيوم الدين.
فأما قول النبي ﷺ: "يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله، فإني لا أغني عنكم من الله شيئا". فقد يخرج على أن يكون نهاهم عن التقصير في حقوق الله اتكالا على أنهم عترة رسول الله ﷺ، ولعلهم لا يسألون عما يعملون لأجله. فأخبرهم أن أفضالهم به لا يسقط عليهم تقلب أعمالهم، وإنهم مسئولون ومحاسبون كغيرهم، وأمرهم بعد ذلك إلى الله تعالى إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم، ولم يرد به أن لا يشفع لهم، وليست الشفاعة أغنى عنهم من الله شيئا، لأن الشفاعة فيما بينا ليس بمرحبة، فكيف يتوهم أن تكون الشفاعة عند الله تعالى مرحبة وبالله التوفيق.
وأما قولهم أن الشفاعة ولكنات واقعة لأصحاب الكبائر فيه لما جاز أن يخبر بها لما في ذلك من تجربة الخاطئين في خطاياهم. فجوابه: أنه ليس في إخبارهم بذلك إلا ما في أخبارهم بأن من قضى شهواته كلها دهرا طويلا ثم تاب إلى الله تعالى توبة صحيحة، صحت بتلك الميزة عنه في تلك الساعة جميع الأوزار، وصار كيوم ولدته أمه. فإن كان هذا جائزا، والأخبار به جائزا مثله، فلم لا جاز أن تكون الشفاعة والأخبار بها جائزين؟.
فإن قال: لا تجزئه في منزل التوبة وإحباط الخطايا، لأن الخاطئ لا يعلم من نفسه أن التوبة تنفعه له أو لا تنفعه: فيل له: والخاطئ لا يعلم أن الشفاعة تناله أو لا تناله. فإن الخاطئين كلهم لا يسلمون من النار إنما يسلم منها بعضهم وبالله التوفيق.
فإن قال قائل: الشفاعة حق، ولكنكم تضعونها في غير موضعها، وإنما هي لصاحب الكبيرة، والمنهك في الخطيئة إذا مات، قم أخبرهم، من قريب توفي في القيامة، وليس وراء الإيمان عمل صالح فيشفع النبي ﷺ له إلى الله تعالى ليحسن إليه منتدبا أن كان لا يستحق أن يحسن إليه جازيا ومشيئا.
فالجواب: أن قول النبي ﷺ: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". تأبى هذا
[ ١ / ٤١٢ ]
التأويل، لأن فيه أن المشفوع له يكون أهل الكبيرة حتى يشفع له، والتائب في الدنيا لا يوافي القيامة بكبيرته، فلا تكون الشفاعة كما ذكرت شفاعة لصاحب كبيرة لأنه لا كبيرة له يحاسب بها يوم القيامة.
وأيضا فإن الروايات قد نطقت بإبطال هذا التأويل لأن ابن عباس قال: قيل لرسول الله ﷺ: شفاعتكم للمتقين! فقال: إن المتقين في غناء، إن الله ﷿ يقول ﴿إن للمتقين مفازا﴾، إنما شفاعتي للهلاك من أمتي. ومعلوم أن التائب لا يكون هالكا، فصح أن المراد به المضر على الكبيرة والله أعلم.
وأيضا فإن التائب إذا دخل الحنة أثبت بالإيمان، فلو جاز أن يشفع لكل مقصر به عن غيره ليبلغ درجة من فوقه إلى أن يستوي أهل الجنة كلهم في نعيمها، ويزول التفاضل من بينهم. ومعلوم أن ذلك لا يكون، فالذي قاله مثله وبالله التوفيق.
وأيضا فإن الذي في العادات، إن الشفاعة لمن عظم ذنبه بعد ما عفي عنه ليخلو بمن لا ذنب له إحسانا إليه أعظم من الشفاعة له ليعفي عنه. فإن كانت أعظم الشفاعتين جائزة، فلم لا تجوز دونها؟ وبالله التوفيق.
وإذا بطلت هذه العلل كلها صح أن يخلو أصحاب الكبائر من أهل القبلة في النار، وكان مما بيناه أنهم مؤمنون بما يوجب أن يكون لهم في الجنة نصيب، وأن وافوا القيامة غير تائبين، لأن الله ﷿ في قضائه، فلا يجوز أن يستوفي بتعذيب صاحب الكبيرة حقه ولا يوفيهم من عذاب الإيمان حقه. وإذا كان ذلك غير جائز، وكان من أدخل الجنة للثواب لا يخرج منها أبدا، دل على أنه إذا عذب لم يعذب دائما، ولكن إلى وقت، ثم يخرج إلى الجنة، وبالله التوفيق.
فإن قيل: الدار داران: الجنة والنار، وقد أجمعنا على أن من أدخل الجنة للثواب لم يخرج منها، ومن يدخل النار ولم يكن كافرا لم يخرج منها أيضا، كما لا يخرج المؤمن من الجنة، وإن كان غير كافر لم يجز أن يخلد فيها، لأن ذلك يؤدي إلى حرمانه أجر الإيمان، وذلك غير جائز، وبالله التوفيق.
قال قائل: ما أنكرتم أن يكون جزاء إيمانه تخفيف العذاب عنه في النار، فقال:
[ ١ / ٤١٣ ]
بما يفضل ممن قال: لا يدخل النار أصلا بل يدخل الجنة ويجعل جزاؤه بكباره حطة عن بعض الدرجات، وحرمانه بعض ما نواه، لو كان في إيمانه مجانبا للكبائر، فإن كنت لا تجيز هذا، فالذي قبله مثله فلا يجزه وبالله التوفيق.
فصل
إن قال قائل: أخبر الله تعالى عن الناس أنهم محاسبون مجزون. وأخبر أنه يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولم يخبر عن ثواب الجن ولا عن حسابهم، فما القول في ذلك عندكم؟.
فالجواب: أنه قد قيل: إن الله تعالى لما أن قال: ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا﴾. وقال ﷿: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾ دخل في الجملة الجن والإنس، فثبت للجن من وعد الجنة بعموم الآية، ما ثبت للإنس.
فإن قال قائل: فما الحكمة في إفراد الجن عن الإنس في الوعيد، وترك أفرادهم عنهم في الوعيد؟
فقيل في جواب ذلك: أنهم قد ذكروا في الوعد لأن الله ﷿ يقول: ﴿أولئك الذين حق عليم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين﴾.
ثم قال: ﴿ولكل درجات بما عملوا﴾، وإنما أراد ولكل من الجن والإنس، فقد صاروا مذكورين في الوعد مع الأنس كما ذكروا في الوعيد.
فإن قيل: أليس قد ذكر يخاطب الجن في النار، ولم يذكر يخاطب الفريقين في الجنة لأن الله ﷿ قال: ﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر أن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم، وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم﴾. وقال: ﴿قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد﴾. ولم يأت عن تعارض الفريقين في الجنة خبر.
[ ١ / ٤١٤ ]
قيل: إنما ذكر في معارضهم في النار أن الواحد من الأنس يقول للشيطان الذي كان في الدنيا قرينه أنه المغاوي وأضلني. فيقول له قرينه: ما أطغيته، ولكن كان ضالا في نفسه غويا، وهذا تخاصم يدعو إليه طاعة الإنس لقرنائهم من الجن وهم الشياطين في الدنيا، ولا سبب بين الفريقين يدعو أهل الجنة منها إلى التفاوض، فلذلك سلب عنهما.
وأيضا فإن الله جل ثناؤه، أخبر الناس إن عصاتهم يكونون قرناء الشياطين يخاصمون في النار ليزجرهم بذلك عن التمرد والعصيان. وليس في إجبار الأخيار باجتماع الجن معهم في الجنة ما يحرضهم على الازدياد من الطاعات ولاستكثار من الخيرات، إذ لا معنى فيهم يسوق الإنس إليهم ويحثهم على مجاورتهم. فيحتمل أن يكون ذكرهم مع الإنس في الوعيد، والسكت عن ذلك في الوعد لهذا، والله أعلم.
ووجه آخر: وهو أن السكت عن ذكر الجن وإدخالهم الجنة يحتمل، لأنهم لا يخالطون الإنس فيها، ولا يجاورنهم مجارة الإنس بعضهم بعضا، ولكنهم مع الإنس في الجنة كما يكونون معم في الأرض، لا يرى هذا ذاك، ولا ذاك هذا ولعل ذلك لا يجاوز الأشكال أنس ويجاوز الأضداد وحشة، والجن أضداد الإنس. فإن الجن مخلوقون من النار، والإنس مخلوقون من الماء والتراب. والماء ضد النار، وفي التراب أيضا بعض المضاد لأنه يطفئ النار كما تطفئها الماء.
فالتضاد بين الفريقين في أصل الجملة، ولأن الجن في الدنيا إنما كانوا يعيشون بروائح الأطعمة دون أجسادها، فلذلك في الجنة يتنعمون بنسيم الجنة وطيب روائحها، وروائح الأطعمة والأشربة التي تكون فيها، فتكفيهم من المكان في الجنة مثل ما كان يكفيهم منه في الدنيا، فيكونون لاختبائهم عن الأبصار كالمعدومين، فتشبه أن يكون أفرادهم بالذكر بما لم يقع لهذين المعننين أو لأحدهما والله أعلم.
فأما الذين يوردون النار من الجن، قد يجوز أن يكونوا أيضا غير مرئيين للأنس، ولا تطهر لهم فيرونهم، ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم، يلقون السمع وأكثرهم كاذبون﴾. فكذلك أهل النار من الفريقين، وإن تخاصموا فذلك لا يقتضي أن يرى بعضهم بعضا، والله أعلم.
[ ١ / ٤١٥ ]
وأما المحاسبة فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أن في الجنة يسألون، لأنه تعالى قال جزاءا عما يقال لهم يوم القيامة يا معشر الجن والإنس: ﴿ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا؟ قالوا: بلى﴾. وهذا سؤال، وإذا ثبت بعض السؤال ثبت كله، والله أعلم.
فصل
فإن سأل سائل عن الملائكة، هل تكتب أعمالهم يحاسبون ويثابون؟.
قيل له: أما كتبة أعمالهم فما يشبه أن تكون؟ لأن الملائكة هم الذين يكتبون أعمال الناس، ولو كتبت أعمال الملائكة لاحتاج كل ملك إلى كاتب أو اثنين، وذلك الكاتب إلى مثل ذلك إلى ما لا يتناهى. والقول بذلك فاسد.
والمحاسبة أيضا لا معنى لها، لأنهم لا يخلطون الحسنات بالسيئات، وما أكثر من لا يحاسب من بني آدم، فلا تكون الملائكة أولى ولا أدى منزلة منهم.
وأما الإثابة فقد قيل: يرفع التكليف عنهم فيتنعمون بالراحة ويتلذذون بالخفض والدعة، وليسوا من أهل المطاعم والمشارب فيوردون موارد بني آدم من الجنة، ويحتمل أن يكون قد أوضع التكليف غيرهم نعمة أعدها الله لهم ولا تبلغها أفهامنا وعقولنا، فإنه تعالى يقول: (أعددت لبعادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر). وإذا جاز أن يعيد للناس مثل هذا الثواب المغيب، فأولى أن يكون ذلك للملائكة والله أعلم.
فصل
إن سأل سائل: عن قول الله ﷿: ﴿ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار يتعارفون بينهم﴾ فقال: التعارف بينهم يكون بالكلام. وقد قال الله ﷿
[ ١ / ٤١٦ ]
في آية أخرى: ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما﴾ وفي آية ثالثة أنهم يقولون ﴿من بعثنا من مرقدنا هذا﴾. وهذا كلام وهو مضاد إليكم. والتعارف تخاطب وهو مضاد للصم والبكم معا.
وقال ﷿ ﴿وقفوهم أنهم مسئولون﴾. وقال جل ثناؤه: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾. والسؤال لا يكون إلا بالسمع والناطق يتسمع للجواب.
وقال. ﴿ونحشر المجرمين يومئذ زرقا، يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا﴾ وهذا كلام، والأبكم لا يستمع له.
وقال في آية أخرى: ﴿فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون﴾ وفي آية أخرى: ﴿يوم يخرجون من الأجداث سراعا، كأنهم إلى نصب يوفضون﴾. والنسلان والإسراع مخالفان للخبر على الوجوه فما وجوه هذه الآيات عندكم؟
فالجواب- وبالله التوفيق-: إن الناس إذا أحيوا وبعثوا من قبورهم، فليست حالهم واحدة، ولا موقفهم ومقامهم واحد ولكن لهم مواقف وأحوالا.
واختلف في الأخبار عنهم لاختلاف مرافعهم وأحوالهم.
وجملة ذلك أنها خمسة أحوال: أولها حال البعث من القبور، والثانية حال السوق إلى الحساب، والثالثة حال المحاسبة، والرابعة حال السوق إلى دار الجزاء، والخامسة حال السوق إلى مقامهم في الدار التي يصارون إليها.
فأما الحالة الأولى: وهي حال البعث من القبور، فإن الكفار يكونون فيها كاملي الحواس والجوارح لقول الله ﷿: ﴿يتعارفون بينهم﴾ وقوله: ﴿يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا﴾ أو قوله: ﴿كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم. فاسأل العادين، قال: إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون، أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾.
[ ١ / ٤١٧ ]
والحالة الثانية. حال السوق إلى موضع الحساب، وفي هذه الحال أيضا أبحواس تامة يقول الله ﷿: ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فأهدوهم إلى صراط الجحيم، وقفوهم إنهم مسئولون﴾. ومعنى فأهدوهم دلوهم عليه، ولا دلالة للأعمى الأصم، ولا سؤال الأبكم، فثبت أنهم يكونون بأسماع وأبعاد وألسن ناطقة.
وأما الحالة الثالثة: وهي حالة المحاسبة فإنهم يكونون فيها أيضا كاملي الحواس ليسمعوا ما يقال لهم، ويقرأوا كتبهم الناطقة بأعمالهم، وتشهد عليهم جوارحهم بسيئاتهم، فيسمعوها، وقد أخبر الله ﷿ أنهم يقولون: ﴿مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾، وإنهم يقولون لجلودهم لم شهدتم علينا وليشاهدوا أهوال القيامة وما كانوا مكذبين في الدنيا به من شدتها، ويصرف الأحوال بالناس فيها.
وأما الرابعة: وهي السوق إلى جهنم، فإنهم يسلبون فيها أسماعهم وأبصارهم وألسنتهم وعلى ذلك يوردون جهنم، لقوله ﷿: ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما، مأواهم جهنم﴾ ويحتمل أن يكون قوله ﷿: ﴿يعرف المجرمون بسيماهم﴾. فيؤخذ بالنواصي والأقدام، إشارة إلى ما يشرعون به من سلب الأسماع والأبصار والنطق.
والحالة الخامسة: حال الإقامة في النار، وهذه الحالة تنقسم إلى بدء ومآل. قيدوها أنهم إذا قطعوا المسافة بين موقف الحساب وشفير جهنم عميا وبكما وصما بإذلالهم وبشيرا عن غيرهم ردت الحواس إليهم ليشاهدوا النار وما أعد لهم فيها من العذاب، ويعاينوا ملائكة العذاب، كل ذلك مما كانوا مكذبين به، فيستقرون في النار ناطقين سامعين مبصرين.
ولهذا قال الله ﷿ ﴿وتراهم يعرضون علها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي﴾.
وقال ﷿: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين﴾.
[ ١ / ٤١٨ ]
وقال ﷿ ﴿كلما دخلت أمة لعنت أختها، حتى إذا أدركوا فيها جميعا، قالت أخراهم لأولادهم﴾.
وقال ﷿: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهم ألم يأتكم نذير؟ قالوا: بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء﴾.
فأخبر الله ﷿: أنهم ينادون أهل الجنة فيقولون: ﴿أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله﴾ وإن أهل الجنة ينادونهم ﴿أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا، قالوا، نعم﴾.
وإنهم يقولون: ﴿يا مالك! ليقض علينا ربك، قال: إنكم ماكثون﴾.
وإنهم يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب﴾، فيقولون لهم: ﴿أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات؟ قالوا: بلى، قالوا فادفعوا، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾.
وأما العقبى والمال، فإنهم إذا قالوا، ربنا أخرجنا منها، فإن عدنا فإنا ظالمون. فقال ﷿: ﴿إخسأوا فيها ولا تكلمون﴾.
وكتب عليهم الخلود بالمثل الذي يضرب لهم. وهو أن يؤتى بكبش يسمى الوزح، ثم يذبح على الصراط بين الجنة والنار، وينادوا: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت. سلبوا من ذلك الوقت أسماعهم وقد يجوز أن يسلبوا الأبصار والكلام، ولكن سلب السمع بين لأن الله ﷿ يقول: ﴿لهم فيها زفير وهم لا يسعون﴾.
وإذا سلبوا الأسماع صاروا إلى الزفير والشهيق، ويحتمل أن تكون الحكمة في سلب الأسماع أنهم إنما أوتوا من قبل أنهم سمعوا نداء الرب ﷿ على السنة رسله فلم يجيبوه بل جحدوه وكذبوا به بعد قيام الحجة عليهم بصحبته، فلما كانت حجة الله تعالى عليهم في الدنيا للأسماع عاقبهم على كفرهم في الأخرى، فسلب الأسماع تبين ذلك أنهم
[ ١ / ٤١٩ ]
كانوا يقولون: ﴿وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب﴾.
وإن قوم نوح كانوا يستغشون ثيابهم يتستروا منه لئلا يروه ولا يسمعوا كلامه.
وقد أخبر الله ﷿ عن الكفار في وقت نبينا ﷺ بمثله فقال: ﴿ألا أنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾، وبالله التوفيق. وإن سلب أبصارهم فلأنهم أبصروا بالعين فلم يعتبروا، أو النطق فلأنهم أوتوه فألحدوا وكفروا والله أعلم.
وأما الحشر على الوجوه: فالمراد به حال السوق إلى جهنم، فيجمع عليهم فيها بين الحشر على الوجوه وبين سلب الحواس والمنطق، وقد بين ذلك في آية أخرى فقال: ﴿الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا﴾ فبان الحشر على الوجوه، إنما يكون حال السوق إلى النار.
فأما حال البعث: فإنهم يبعثون قياما، لقول الله ﷿: ﴿فإذا هم قيام ينظرون﴾ وأما حال السوق إلى موضع الحساب، فإنهم ينسلون فيها ويسرعون ﴿كأنهم إلى نصب يوفضون﴾. فهذا وجه الجمع بين هذه الآيات عندنا والله أعلم.
وقد يحتمل قول الله ﷿: ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما﴾. على ما ذكرنا في أن هذا يكون في حال سوقهم إلى النار وجها آخر، وهو أن يكون ذلك مثلا مضروبا لهم: وهو أن الله ﷿ وصفهم في هذه الدار بأنهم صم وبكم وعمي، ثم كان معنى ذلك لأنهم صم عما يسمعونه من دعاء الداعي إلى الله ﷿، بكم عن الإجابة عمي عن البينات والحجج.
فكذلك وصفهم الله تعالى في الآخرة، عندما يحشر المتقون إلى الرحمن وفدا أو يساق المجرمون إلى جهنم وردا، بأنهم يكونون عميا بكما صما على السنة، وهو أنهم صم عن تحيات الملائكة وبشارتهم، بكم عن المعاذير والحجج، كما قال الله ﷿: ﴿هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ أي لا يكون لهم كلام يجري عليهم فيتكلمون به،
[ ١ / ٤٢٠ ]
ولا عذر فيؤذن لهم في تركه عمي عن طريق الجنة لأن الله ﷿ قد قال: ﴿فأهدوهم إلى صراط الجحيم، وقفوهم إنهم مسئولون﴾ فهم لا يهتدون إلى غيره.
وهذا أيضا كما قال الله ﷿: ﴿لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم﴾ وقال: ﴿لا بشرى يومئذ للمجرمين﴾. فدلت هذه الآيات على أن المراد بهذه الآيات الصم والبكم والعمي في الآخرة ما ذكرنا والله أعلم.
وأما قوله الله ﷿: ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم﴾ فيحتمل أن يكون المراد أنهم من مر الذلة يكونون ناكسي رؤوسهم، لا يبصر أحد منهم إلا موضع قدمه، فهو كذلك كأنه يمشي على وجهه قصد قدميه لا قصد نفسه، وقد وصفهم الله تعالى بذلك فقال: ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم﴾.
فيحتمل أن تكون إشارة إلى حشرهم على وجوههم، لأن وجوههم إذا كانت على الأرض، كانوا ناكسي الرؤوس، ويكون الدليل على هذا ما روى أنس ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله، الكفار يحشرون على وجوههم. قال (أليس الذي امشاه على رجليه في الدنيا قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة).
فهذا الحديث ينبئ أن ذكر الحشر على الوجه تحقيق وليس بمثل للخشوع، وليس ذلك بمستنكر، فإن الله تعالى جعل الجنة التي هي عدو بني آدم يمشي على بطنها، فإن ألحق الكفار والذين هم أعداء المؤمنين في الآخرة بها فجعلهم مشاة على بطونهم ووجوههم لم يبعدوا والله أعلم.
فصل
إن سأل سائل عن كيفية انتهاء الحياة الأولى وابتداء الحياة الأخرى، وصفة يوم القيامة، وما يكون قبل المحاسبة، قيل له- وبالله التوفيق-:
[ ١ / ٤٢١ ]
أما انتهاء الحياة الأولى فإن له مقدمات تسمى أشراط الساعة، وهي أعلامها: منها خروج الدجال ونزول عيسى صلوات الله عليه وقتله الدجال، ومنها خروج يأجوج ومأجوج، ومنها خروج دابة الأرض ومنها طلوع الشمس من مغربها، فهذه هي الآيات العظام.
وأما ما تقدم هذه من قبض العلم وغلبة الجهل واستعلاء أهله وتتبع الحكم، وظهور المعارف، واستفاضة شرب الخمور، واكتفاء النساء بالنساء والرجال بالرجال، وإطالة البنيان وزخرفة المساجد وإمارة الصبيان، ولعن آخرة الأمة أولها وكثرة الهرج، فإنها أسباب حادثة، ورواية للأخبار المنكرة بها بعدما صار الخبر عيانا، إلا أنها في الجملة أعلام للساعة، وقد مضى من هذا القول في هذا ذكر اليوم الآخر.
وأما الدجال فإنه رجل من بني آدم كأعظمهم وأجسرهم، أعور كأن إحدى عينيه عنبة طافية، وقد أنذر النبي ﷺ أمته ووصفه لهم، ولكنه لم يبين لهم وقت ظهوره. وأخبرهم عن تميم الدرامي: أنه رآه في جزيرة في البحر، مغلولة يداه إلى عنقه، مصفدا بالحديد عن ركبتيه إلى عقبيه.
وإنه سأل عن النبي ﷺ العربي، وطاعة العرب له. فأخبروه أنه قد خرج وأنه قد أذعنت له العرب وأطاعته، فقال: ذلك خير لهم أن يطيعوه، وأنه قال له فيما قال: يوشك أن أطلق، فلا يبقى بلد وأرض إلا وطئتها ما خلا طلبة. فأخبرهم النبي ﷺ: أنه أراد بذلك المدينة التي سماها طلبة، وأن عليها ملائكة يمنعونها عنها، وأن مكة محرمة عليه، فلا يدخلها، وأنه كان في حديث تميم: أنه في البحر الذي في المغرب، فإنه لا يأتي الناس إلا من قبل المشرق.
وأخبرهم أن الناس يقحطون قبل خروجه بثلاث سنين، فتحبس السماء في السنة الأولى ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها. وتحبس السماء الثانية ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها. وتحبس السماء في السنة الثالثة جميع قطرها والأرض جميع نباتها، ثم يكون خروج الدجال.
وأخبرهم أن عيسى بن مريم صلوات الله عليه ينزل بيت المقدس وقت صلاة الفجر، والمؤمنون يومئذ قليل، وشيعة الدجال اليهود، فيصل ﵇ ويتوجه نحو الدجال
[ ١ / ٤٢٢ ]
والمؤمنون معه فينصره الله تعالى عليه، فيقتله ولا يبقى بعده كافرا إلا ويقتل أو يسلم، فيكون الدين كله يومئذ لله تعالى، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويفيض المال في زمانه حتى لا يقبله أحد.
وأخبرهم أن الدجال إذا بلغ ظاهر المدينة، رأى بها رجلا من خير الناس. فيقول له أشهد أنك الدجال الذي قد حدثنا رسول الله ﷺ حديثه. فيقول الدجال: أرأيتم لو قتلت هذا ثم أحييته، هل تشكون في الأمر، فيقولون لا: فيقتله ثم يحييه، فيقول له: ما قتل، أشد بصيرة مني اليوم، فيزيد الدجال قتله، فلا يتسلط عليه.
ومعنى إحيائه ذلك القتيل أنه يعالج منه أمرا ما فيحييه الله تعالى هو فتنة للناس، كما يحيي الموتى المسيح صلوات الله عليه دلالة للناس على صدقة في دعوته. فيظن بعض من يراه أنه هو المحيي له، وأنه صادق فيما يدعيه من أنه رب الناس والههم. ويتمسك بالحق من يوقفه الله تعالى.
فإن قال قائل: إذا كان لا يجوز أن يمد الله تعالى مدعي النبوة باطلا بالمعجزات فمن أين جاز أن يحيي الميت ليدعي الربوبية عند حاجته إلى ذلك.
قيل له: هذا لأن مدعي الربوبية غير منفك في نفسه من دلائل الحديث، وإمارات الخلق والصنعة، لأنها به محيطة وعليه بالكذب شاهده، فلا يؤدي إحياء الميت له إلى تبيين حاله، فيمكن أن يكون إلها، لأن من راجع عقله علم انه لا فرق بينه وبين سائر المحدثات من الناس وغيرهم من الشواهد المحدثة عليه. ولم يسأل مع ذلك بأنه ليس بإله، إذ المحدث لا يكون إلها. ولو جاز أن يكون محدث إلها، لجاز أن يكون كل محدث، فتكون الموجودات كلها آلهة وذلك فاسد محال.
وأما مدعي النبوة، فإنه مدعي أمرا ممكنا بالا أنه مغيب ولا شاهد من نفسه على أنه محق أو مبطل فيه. وإنما يحتاج إلى علم ذلك بدليل يفرح من جهة أوصافه وأحواله المعهودة. فإذا كان كاذبا وأمد بالمعجزات كما يمد الصادق لم يكن الفرق بينهما أبدا وصار ذلك سببا للشك في كل مدعي النبوة، أو الكفر بالصادق والإيمان بالكاذب، وذلك خارج من الجملة، فلهذا أنكرنا أن يمد الله تعالى بآياته وبيناته إلا من كان صادقا عليه في أنه رسول والله أعلم.
[ ١ / ٤٢٣ ]
فصل
إن سأل سائل: عن وجه إنزال عيسى صلوات الله عليه لقتل الدجال دون نصرة المؤمنين الذين يكرمون يومئذ عليه، فيكونوا هم الذين يقتلونه.
قيل له: يحتمل أن يكون ذلك لأن اليهود همت بقتل المسيح ﵇ وصلبه. وجرى أمرهم معه على ما بينه الله تعالى في كتابه، وهم أبدا يدعون أنهم قتلوه، وينسبونه إلى السحر وغيره، إلى ما كان الله تعالى يراه، ونزهه منه.
وقد ضرب الله تعالى عليه الذلة، فلم تقم منذ أعز الله تعالى الإسلام وأظهره راية، ولا كان لهم في بقعة الأرض سلطان ولا قوة ولا شوكة.
ولا يزالون كذلك إلى أن تقرب الساعة فيظهر الدجال، وهو أسحر المسيح، ويتابعه اليهود فيكونون يومئذ حيرة مقديرين أنهم ينتقمون به من المسلمين، فإذا صار أحدهم إلى هذا أنزل الله تعالى المسيح ﵇ إلى عندهم أنهم قتلوه، وأبرزه لهم ولغيرهم من الموافقين والمخالفين حيا، ونصره على رأسهم وكبيرهم المدعي الربوبية فقتله، ويهزم جنده حتى إذا فرغ منه اتبع بمن معه من اليهود المؤمنين اليهود فلا يجدون مهربا وأن توارى أحد منهم بشجرة أو مدرة أو حجر أو جدار ناداه:
يا روح الله ها هنا يهودي حتى يوقف عليه، فإما أن يسلم وإما أن يقتل. فكذلك كل كافر من كل صنف فلا يبقى على وجه الأرض كافر ويدرك المسيح صلوات الله عليه من أعداؤه، عندما رفعوا رؤوسهم وظنوا أن الأمر قد عاد إليهم تارة، ويشفي الله تعالى منهم صدره ويذيقهم ما هموا أن يذيقوه، وظنوا أنهم فعلوه.
ويظهر للمسلمين أن ما بلغهم نبيهم ﷺ من أمره عن الله تعالى كان حقا كما عرفوه واعتقدوه، فيقع العلم به عيانا، ويصير ذلك دلالة باهرة على موته، بعدما قبضه الله تعالى إلى كرامته والله أعلم.
ووجه آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون إنزال عيسى صلوات الله عليه وسلم لا لقتال الدجال، ولكنه لدنو أجله، لأنه رفع إلى السماء فبقى فيها ما أراد الله تعالى، إلا أنه قد جعل له أجلا إذا جاء أدركه من الموت ما يدرك أمثاله، ثم لا ينبغي للخوف من التراب
[ ١ / ٤٢٤ ]
أن يموت في السماء ولكن أمره يجري على ما قال الله تعالى: ليقره في الأرض مدة يراه فيها من يقرب منه ويسمع من ناب عنه، ثم يقبضه الله تعالى بتولي المؤمنين أمره، ويصلون عليه، ويدفن حيث دفن بقية الأنبياء الذين أمهم مريم من نسلهم، أعني الأرض المقدسة فينشر إذا نشر معهم.
هذا سبب إنزاله غير أنه يتفق في تلك الأيام من بلوغ الدجال باب الدماء قد وردت به الأخبار، فإذا اتفق ذلك، كان الدجال قد بلغ من فتنته أن ادعى الربوبية، والمؤمنون قلة لم يكن أحد لينتصب لقتاله ويتوجه نحو لخوف منه، ولا أحد بأن يظفر عليه، ويجري قتله على يده أولى منه، إذ كان ممن اصطفاه الله تعالى لرسالته، وأنزل عليه كتابه، وجعله آية، وأنه فعل هذا الوجه ليكون هذا الأمر لا أنه ينزل لقتال الدجال قصدا، والله أعلم.
وقد ورد الخبر بما ذكرنا من أنه يموت ويلي أمره المسلمون، ويصلون عليه، فمن هناك وقع الاشتقاق، بهذا الجواب وبالله التوفيق.
فصل
لئن سأل سائل: عن منزلة عيسى صلوات الله عليه إذا نزل أنه يكون نبيا أو غير نبي وإنه إذا كان حكما كما قال النبي ﷺ: "لينزلن فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير" فبماذا يحكم وكيف يكون مع المسلمين أمره؟.
قيل له: -وبالله التوفيق-: أن عيسى صلوا الله عليه قد تناهت رسالته عندما بعث الله تعالى نبينا محمدا ﷺ، وأنزل عليه القرآن، فإن عامة قومه لزمهم أن يدخلوا في دين محمد ﷺ، وينتقلوا إلى دعوته وشريعته، فيرفضوا مما تقدم بخلافها ويعلموا بها يوافقها على أنه شريعة محمد ﷺ إلا أنه شريعة موسى وعيسى صلوات الله عليهما.
وإذا كانت رسالته قد تناهت في ذلك الوقت، وقد أخبر الله ﷿ أن محمدا نبينا ﷺ خاتم النبيين، لم يجز أن يتوهم أن عيسى صلوات الله عليه إذا نزل نزل رسولا،
[ ١ / ٤٢٥ ]
فصح أن يكون يومئذ من أتباع محمد ﷺ، كما أخبر به عن موسى ﵇، حيث قال لهم: لو كان حيا ما وسعه إلا أتباعي.
وجاء في بعض الأخبار أنه إذا نزل صلوات الله عليه صلى خلف الأمام ببيت المقدس ولم يتقدمه، وإنما صار حكما، فإنه لا سلطان له يومئذ للمسلمين، ولا إمام ولا قاضي ولا مفتي قد قبض الله العلم وخلا الناس منه فينزل، وقد علم بأمر الله ﷿ في السماء قبل أن ينزل ما يحتاج إليه من علم هذه الشريعة للحكم به بين الناس والعمل به في نفسه فيجتمع المؤمنون عند ذلك إليه، ويحكموه على أنفسهم، أو يكون له أن يحملهم على أن يحكم بينهم، لأن تعطيل الحكم غير جائز، ولا أحد يصلح لذلك يومئذ غيره.
ولا يبعد على هذا أن يقال أن قتاله الدجال يكون من هذا الوجه، وذاك أنه إذا حصل بين ظهراني الناس وهم مفتونون، فدعم فرض الجهاد أعيانهم، وكان أحدهم لزمه من هذا الغرض لم يلزم غيره، فلذلك يقوم به، وذلك داخل في أتباع نبينا ﷺ وبالله التوفيق.
فصل
وأما دابة الأرض، فإن الله تعالى ذكرها في القرآن: ﴿وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون﴾.
فيحتمل أن يكون معنى وقوع القول عليهم: أي وجب الوعيد عليهم لتماديهم في العصيان والفسوق، وإعراضهم عن آيات الله ﷿ وتركهم تدبيرها والنزول على حكمها، وانتهائهم في الطغيان إلى ما لا تنجع فهيم موعظة، ولا تصرفهم عن غيهم تذكره بقول عز من قائل فإذا صاروا كذلك ﴿أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم﴾. أي دابة تعقل وتنطق، وذلك- والله أعلم- ليقع لهم العلم بأنها آية من قبل الله تعالى ضرورة، فإن الدواب في العادات لا كلام لها ولا عقل، فإذا خرجت لهم دابة تعقل وتكلم، ولم تكن مع ذلك من الدواب المعهودة، لكن دبة مباينة لأصناف الدواب، انبثقت عنها الأرض وكانت منفردة بنفسها لا يتعلق أمرها بمدعي نبوة أو أحد من الناس.
[ ١ / ٤٢٦ ]
فيقال: إنه سحر وتخيل، انبثقت إليهم عنها من كل وجه، ولم يشك أنها آية أراها الله تعالى عباده والله أعلم.
وأما الأمر الذي لم يخرج الدابة، فهو تمييز المؤمن والكافر والمنافق، ورسم كل فريق من هؤلاء الفرق في وجهه بما يعلم الله تعالى منه، وهي وإذا تعقل ذلك بإلهام الله ﷿ إياها، لا باختيار وامتحان يقع فيها للناس، ووردت الأخبار بعد القرآن بذكرها، وفي بعضها أنها تخرج بمكة بين الصفا والمروة.
وجاء عن عبد الله بن عمر أنه قال وهو يومئذ بمكة: لو شئت لاخترت بشيء به هاتين، ثم مشيت حتى أدخل الوادي الذي تخرج منه دابة الأرض، فإنما تخرج، فتلقى المؤمن فتسمه في وجهه وكفيه، فيبيض بها وجهه، وتسم وجه الكافر وكفيه فيسود بها وجهه. وهي دابة ذات رغب وريش، فيقول: ﴿إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون﴾ وهذا والله أعلم، إنما نذكر الناس بهذه التلاوة، إنها الدابة التي أخبر الله تعالى عنها في القرآن، فقال: ﴿وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون﴾.
وعن ابن عباس ﵄: أن دابة الأرض تخرج من بعض أودية تهامة ذات زغب وريش، لها أربع قوائم، فتكتب بين عيني المؤمن بكتة يبيض منها وجهه، وتكتب بين عيني الكافر بكته فيسود منها وجهه. والبياض في هذين الأثرين بياض من غير سوء، يشبه أن يكون ذلك عبارة عن النور والإشراق والله أعلم.
وأما ظهور يأجوج ومأجوج فغنه يكون في أيام عيسى صلوات الله عليه بعد قتله الدجال بذلك. ووردت الأخبار، وفيها أنهم إذا خرجوا لم يأتوا على أحد إلا أهلكوه فتهرب الناس، ويأتون عيسى ﵇ مستغيثين منهم، فيدعو الله عليهم دوابا يقال لها النغف فتأخذ بأقفيتهم فتقتلهم، فتتبين الأرض منهم، فيأتي الناس صلوات الله عليه ثانية فيدعو الله عليهم، فيبعث الله عليهم الماء فيذهب بهم فيقذفهم في البحر.
وأما طلوع الشمس من مغربها، فقيل في قول الله ﷿: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة، أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا
[ ١ / ٤٢٧ ]
ينفع نفسًا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾.
أن المراد بطلوع الشمس من مغربها. وجاء ذكره نصا عن النبي ﷺ، وفي بعض الأخبار أن تلك الليلة تطول فلا يعلم بحالها إلا المجتهدون أصحاب الأوراد، فغنهم يفرغون من أورادهم، والليل بحاله، فيعودون لمثلها.
فإذا فرعوا منه ولم يصبحوا قاموا ظنا ولم يستفتوه حتى يعودوا لأورادهم، فإذا فرغوا وجدوا الليل لا يجلى استفتوا، وفرق الناس فصاحوا وفرغوا إلى ذكر الله تعالى والصلاة والبكاء، فإذا طلع الفجر رأوه من قبل المغرب ثم طلعت الشمس من مغربها فيشاهدونها لا نور لها، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها.
وفي بعضها أنها تطلع من قبل وتبقى الدنيا حتى يلتقي الشيخان الهرمان، فيقول أحدهما للآخر: متى ولدت؟ فيقول: أخبرتني أهلي أني ولدت ليالي طلعت الشمس من مغربها.
فصل
فأما أول الآيات ظهور الدجال ثم نزول عيسى صلوات الله عليه ثم خروج يأجوج ومأجوج ويبين ذلك أن الكفار في وقت عيسى ﵇ يفنون، لأن منهم من يقتل ومنهم من يسلم، وتضع الحرب أوزارها، فيستغنى عن القتال على الدين بذلك أخبر رسول الله ﷺ، فلو كانت الشمس طلعت قبل ذلك من مغربها لم ينفع اليهود إيمانهم أمام عيسى صلوا الله عليه، ولو لم ينفعهم لما صار الدين واحدا بإسلام من يسلم منهم.
فأما الآيتان الباقيتان فالذي نسبه أن عيسى صلوات الله عليه، إذا قبضه الله تعالى دخلت الأرض منه، وتطاول الأيام على ذلك أخذ الناس في الرجوع إلى عاداتهم وأحدثوا الأحداث من الكفر والفسوق كما أحدثوه بعد كل قائم نصبه الله تعالى حجة عليهم، ثم قبضه فيخرج الله تعالى دابة من الأرض كما تقدم وصفه، فيميز المؤمن من الكافر، ليرتدع بذلك الكفار عن كفرهم والفساق عن فسقهم ويستبصروا وينزعوا أعمالهم فيه من الفسوق
[ ١ / ٤٢٨ ]
والعصيان ولا يتجاوزون الأمر في ذلك الوقت هذا الحد، وتغيب الدابة عنهم ويمهلون ويصيرون إلى طغيانهم.
أطلعت الشمس من مغربها لم تقبل بعد ذلك لكافر ولا فاسق توبة، وأزيل الخطاب بها والتكليف عنهم. قم كان قيام الساعة على أثر ذلك قريبا لأن الله ﷿ يقول: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. فإذا قطع التعبد عنهم لم يقرهم بعد ذلك في الأرض زمانا طويلا، إلا أنه لا يعلم متى تقوم إلا الله تعالى.
وروي أن رسول الله ﷺ، كان يكثر السؤال عنها حتى نزلت: ﴿فيم أنت من ذكراها، إلى ربك منتهاها﴾. فأمسك عن السؤال بعد ذلك.
وقال ﷿: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها، قل إنما علمها عند ربي، لا يجليها لوقتها إلا هو، ثقلت في السموات والأرض لا يأتيكم إلا بغتة، يسألونك كأنك حفي عنها، قل إنما علمها عند الله﴾.
وسئل النبي ﷺ فقال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل".
وقال رسول الله ﷺ: "لتقومن الساعة، وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما ولا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن نعجته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها".
وجاء عن النبي ﷺ: "لا تقوم إلا نهارا، وأنها تقوم يوم الجمعة" والله أعلم. وفيما ذكر أنه يكون في زمان عيسى صلوات الله عليه أن الضريح يأتيه إن ذا السويقين الحبش قد سار إلى البيت ليهدمه، فيبعث عيسى صلوات الله عليه طائفة من بين الثماني إلى التسع.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: "يوشك أن يحشر الفرات عن جبل من ذهب، فمن
[ ١ / ٤٢٩ ]
حضر فلا يأخذ منه شيئا) فيشبه أن يكون هذا الزمان الذي أخبر النبي ﷺ: "إن المال يفيض فلا يقبله أحد" وذلك في زمان عيسى صلوات الله عليه. ولعل سبب هذا الفيض العظيم، ذلك المثل مع ما يغنمه المسلمون من أقوال المشركين والله أعلم.
فإن قيل: فما المعنى في نهي النبي ﷺ: "من حضر ذلك الجبل لا يأخذ منه شيئا".
قيل: يحتمل أن يكون ذلك لتقارب الأمرين، وظهور اشراطه، فإن الركون إلى الدنيا والاحتشاد لها، مع ذلك جهل واغترار. ويحتمل أن يكون لأنه مجرى المعدن، فإذا أخذه، ثم لم يجد من يخرج حق الله تعالى إليه، لم يوفق بالبركة من الله تعالى فيه، فكان الانقباض عنه أولى والله أعلم.
وفي بعض الأخبار ما يدل على أن أول الإشراط نار تظهر بالحجاز، فتضيء منها أعناق الإبل ببصرى. وفي بعضها: لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قطحان يسوق الناس بعصاه. وفي بعضها عن النبي ﷺ قال: "لن تذهب الأيام حتى يملك رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا لما ملئت جورا".
وفي بعضها: أنه يفتح القسطنطينية وجبل الديلم، ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد يطول الله ذلك اليوم ففتحها على يده) وفي بعضها: لا تقوم الساعة حتى يقتتل فتيان عظيما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة، وحتى يخرج دجالون كلهم يزعم أنه نبي.
فأما قول الله ﷿: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾. فقد روى أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ آية فأراهم القمر منشقا بنصفين والجبل بينهما، فقال: أشهد وأومن. قال معناه: ينشق كما قال: (أتى أمر الله فلا تستعجلون) معناه يأتي.
فإن كان هذا هكذا فقد أتى. ورأيت ببخارى الهلال وهو ابن ليلتين منشقا بنصفين عرض كل واحد منهما كعرض القمر ليلة أربع أو خمس، وما زل انظر إليهما حتى اتصلا، ثم لم يعودا كما كانا ولكنهما صار في شكل اترجة ولم أمل طرفي عنها إلى أن غابت،
[ ١ / ٤٣٠ ]
وكان معي ليلتئذ جماعة ما بين شريف وفقيه وكاتب وغيرهما من طبقات الناس، وكل رأي ما رأيت.
وأخبرني من وثقت به، منطان خبره عندي كعيان: أنه رأى الهلال وهو انب ثلاث منشقا بنصفين، وإذا كان هذا هكذا، ظهر أن قول الله ﷿: ﴿وانشق القمر﴾ إنما هو على الانشقاق الذي هو من أشراط الساعة دون الاشتقاق الذي جعله الله تعالى آية لرسوله ﷺ وحجة أهل مكة وبالله التوفيق.
فصل
وإذا انقضت الأشراط وجاء الوقت الذي يريد الله تعالى إماتة الأحياء من سكان السموات والبحار والأرضين، أمر إسرافيل وهو أحد حملة العرش وصاحب اللوح المحفوظ ينفخ في الصور. وفي بعض روايات العرب، يروى أن رسول الله ﷺ قال: كيف أنعم الله أو قال كيف أضحك، وصاحب القرن قد التقمه، وحتى ظهره ينتظر متى يوم ينفخ، فإذا نفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض، إلا من شاء الله).
وجاء عن ابن عباس ﵁ أن الاستثناء لأجل الشهداء فإن الله ﷿ يقول: ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ وهذا مما لا تحتمل الأمة غيره، لأن من خالف هذا القول زعم أن الاستثناء لأجل الشهداء وحملة العرش وجبريل وميكائيل وملك الموت. أو زعم أنه لأجل موسى صلوات الله عليه، فإن النبي ﷺ قال: (أنا أول من تنشق الأرض عنه، فأرفع رأسي، فإذا موسى متعلق بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي إذ كان ممن استثنى الله تعالى). وشي من هذه الأقوال يصح.
أما الأول فلأن حملة العرش وجبريل وميكائيل ليسوا من سكان السموات ولا من سكان الأرض، لأن العرض فوق السموات كلها، فكيف يكون حملته في السموات.
[ ١ / ٤٣١ ]
وأما جبريل وميكائيل فمن الصافين المسبحين حول العرش، فإذا كان العرش فوق السموات لم يكن الاصطفاف حوله في السموات.
وكذلك القول الثاني لأن الولدان والحور في الجنة والجنان، وإن كانت بعضهما أرفع من بعض فإن جميعها فوق السموات دون العرش وهي بإنفرادها عالم مخلوق للبقاء فلا شك أنها بمعزل عما خلف للفناء والله أعلم.
وأما صرف الاستثناء إلى موسى صلوات الله عليه فلا وجه له، لأنه قد مات بالحقيقة، فلا يموت عند نفخ الصور ثانية، فلهذا لم يعد في ذكر اختلاف المتأولين بالاستثناء بقول من قال: إلا ما شاء الله، أن الذي موتهم قبل نفخ الصور، لأن الاستثناء غنما يكون لمن يمكن دخوله في الجملة. فما من لا يمكن دخوله فيها فلا معنى لاستثنائه منها، والذين ماتوا قبل نفخ الصور ليس بغرض أن يصعقوا، فلا وجه لاستثنائهم، وهذا في موسى صلوات الله عليه موجود، فلا معنى لاستثنائه والله أعلم.
وقد جاء عن النبي ﷺ في ذكر موسى ما يعارض الرواية الأولى وهو أن قال: "إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، وإذا أنا بموسى أخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أو جرى بصعقة الصور".
فظاهر هذا الحديث أن هذه صعقة عيسى يوم القيامة لا صعقة الموت الحادث عن نفخ الصور. فإذا حمل الحديث عليها، فذاك. وإن حمل على صعقة الموت عند نفخ الصور وصرف ذكر القيامة، إلى أنه أراد أوائله، قيل المعنى أن الصور إذا نفخ فيه أخرى كنت أنا أول من يرفع رأسه، فإذا موسى أخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أو جرى بصعقة الصور، أفلا أدري أن بعثة قبلي كان برسالة، وتفضيلا من هذا الوجه كما فضل في الدنيا بالتكلم، أو كان جزاء بصعقة الطور، وقدم بعثه على بعث الأنبياء الآخرين بقدر صعقته عندما تجلى به الجبل إلى أن أفاق ليكن بهذا جزاء له بها، وما عداها فلا يثبت والله أعلم.
فأما الملائكة الذين ذكرناهم فإنا لم ننف عنهم الموت وإنما أثبتنا أن يكونوا هم
[ ١ / ٤٣٢ ]
المرادين بالاستثناء من الوجه الذي ذكرناه. قد رودت الأخبار بأن الله ﷿ يميت حملة العرش وملك الموت وميكائيل، ثم يميت آخر من يميت جبريل ﵇ ويحييه مكانه ويحيي هؤلاء الملائكة الذين ذكرناهم.
وأما أهل الجنة فلم يأت عنهم خبر، وكما ظهر أنها دار الخلد، فإذا كان الذي يدخلها لا يموت فيها أبدا مع كونه قابلا للموت، فالذي خلق فيها أولى أن لا يموت أبدا. وأيضا أن الجنة دار لذة وسرور، لا خوف فيها ولا حزن، وإن من فيها لا يمرض ولا يموت.
وأما أهل السماء فإنهم خائفون وجلون، وأهل الأرض بالبلايا والمصائب منتحبون. فلا ينكر أن يكون هؤلاء يموتون وأولئك لا يموتون.
وأيضا فإن الموت إنما هو لقهر المكلفين ونقلهم من دار إلى دار وأهل الجنة لم يبلغنا أن عليهم تكليفا، فإن اعفوا عن الموت كما اعفوا عن التكليف لم يكن ذلك ببعيد.
فإن قيل: إن الذين يدخلون الجنة إنما لا يموتون ولا يخافون ولا يحزنون، جزاءا لهم بأعمالهم، والولدان والحور لم يربوا في الجنة، جزاءا لهم بعمل صالح قدموه فإن ماتوا فذلك، ولا يبعد من أمرهم.
قيل: لو صح هذا لجاز على قياسه أن يمرضوا بالمجاعة والجهد والخوف من الذين يحرمونه من أهل الجنة، فإن كان شيء من هذا لا يلحقهم، وإن لم تكن الجنة جزاءا لهم، فلا ينكر أن لا يكتب عليهم الموت، وإن لم تكن الجنة جزاءا لهم، وبالله التوفيق.
فإن قيل: فإن الله ﷿ يقول: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾. وفي هذا دليل على أن الجنة يفنيها ثم تعاد ليوم الجزاء. فما أنكرتم أن الولدان والحور يموتون ثم يحيون!
قيل: يحتمل أن يكون معنى كل شيء هالك إلا وجهه، أي ما من شيء إلا وهو قابل للهلاك. فيهلك إن أراد الله ذلك إلا وجهه أي إلا هو، فإنه تعالى قديم والقديم لا يمكن أن يفنى، وما عداه محدث والمحدث إنما يبقى قدر ما يبقيه محدثه، فإذا حبس البقاء عنه هلك، ولم يبلغنا في خبر صحيح ولا معدل، إنه يهلك العرش ويبقيه، فلتكن الجنة مثله والله أعلم.
[ ١ / ٤٣٣ ]
فصل
وقد سمى الله ﷿ الصور بإسمين: أحدهما الصور والآخر الناقور، وذلك قوله تعالى: ﴿فإذا نقر في الناقور، فذلك يومئذ يوم عسير، على الكافرين ليس يسير﴾. وقول المفسرين أنه الصور. والظاهر أن الصور وإن كان هو الذي ينفخ فيه النفخات جميعا، فإن الإصعاق يخالف صحية الإحياء.
وجا في الأخبار: إن في الصور ثقبا يعد الأرواح كلها، وإنها تجمع فيه النفخة الثانية، فيخرج عند النفخ كل روح من إحدى الثقب نحو الجد الذي نزع منه وحتى يرجع إليه، فيعود الجسد حيا بإذن الله تعالى، فيحتمل أن يكون الصور يجمع الآيتين، ينقر في أحدهما، وينفخ في الأخرى، فإذا فيه للأصعاق جمع بين النقر والنفخ لتكون الصيحة أهل وأعظم. وإذا نفخ فيه للأحياء لم ينقر فيه، واقتصر على النفخ، لأن المراد إرسال الأرواح في ثقب الصور إلى أجسادها لا ينفرها من أجسادها. والنفخة الأولى للتنفير، وهي نظير صوت الرعد الذي قد يقوى فيموت وبالله التوفيق.
فصل
فإذا مات الأحياء كلهم تركوا أربعين سنة، ثم نفخ في الصور نفخة الأحياء واتفقت الروايات على أن بين النفختين أربعين، وقال العلماء: هي أربعون سنة، وذلك- والله أعلم- بعد أن يجمع الله تعالى ما يفرق من أجساد الناس من بطون السباع وحيوانات الماء وبطن الأرض، وما أصاب النيران منها بالحرق، والمياه، وما ابلته الشمس وذرته الرياح.
فإذا جمعها وأكمل كل بدن منها ولم يبق إلا الأرواح، جمع الأرواح في الصور، وأمر إسرافيل صلوات الله عليه. فإن سلها بنفخة من نفث الصور، فرجع كل روح إلى جسده بإذن الله تعالى.
وجاء في بعض الأخبار: ما يبين إن كل شيء أكله طائر أو سبع حشر من جوفه أو هو ما رواه الزهري عن أنس ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ بحمزة يوم أحد، وقد جدع
[ ١ / ٤٣٤ ]
ومثل به فقال: (لولا أن نجد صفته في نفسها لتركتها حتى يحشره الله تعالى من بطون السباع والطير).
فإن سأل سال عن كافر أكل لحم مؤمن، أو مؤمن أكل لحم كافر، كيف يحشر هؤلاء؟
قيل له: الله أعلم بذلك، لكن الذي تبلغنا علمه فيه، هو أن الكافر إذا أكل لحم مؤمن لم يرجع لحمه من بدن الكافر إلى بدن المؤمن، إذا كان قد بقي في جوف الكافر، وصار غذاءا له. فأما إن أكله فمات أو قيل: قبل أن يصير غذاءا له، فإنه يرجع منه عند البعث إلى بدن المؤمن، وإذا لم يرجع في الحال الأولى عوض المؤمن مثله، وأكمل جسده، ونفخ فيه روحه فقام بإذن الله تعالى حيا.
وعله هذا- والله أعلم- إن تلك الأجزاء التي انقلبت بدن كافر، بعد أن كانت من بدن المؤمن، فقد وجد منه الكفر والمعاصي بها، فلو أعيد إلى بدن المؤمن فأدخل الجنة لكان قد أدخل الجنة أجزاء من كافر، وليست الجنة دار الكفار. فصح إذا أنها تصار إلى النار ويعوض المؤمن من أمثلها اختراعا يخترعه الله ﷿.
فإن قيل: وكذلك إذا قلتم إنها لا تعاد إلى بدن المؤمن، قلتم إنها تصار إلى النار، وفي ذلك إبطال ما عمل المؤمن بها من الطاعات أيام حياته.
فالجواب: إن ذلك الثواب لا يبطل عمل المؤمن، وإنما يبطل بنعم تلك الأجزاء التي انقلبت فصارت من بدن الكافر بالثواب، وذلك لأن الثواب إنما هو لنفس المدين، ولكن أيضا من بدنه إذا سلمت له وصلت نعمة الثواب إلى نفسه من أماكن شتى، فإذا مات بعضها وصلت هذه النعمة إليه مما بقي من عرض ما فات.
وأما الأجزاء الفانية التي صارت من بدن الكافر، فإنها لا تنعم بشيء، فإن ذلك لو كان يفرح به الكافر ولم يشعر به المؤمن الذي كانت هذه الأجزاء من بدنه، وذلك غير جائز والله أعلم.
وأما المؤمن إذا أكل لحم كافر واغتذى به، فالقول فيه على ما وصفت أيضا، وهو إن أجزاء الكافر لا ترد من بدن المؤمن إلى بدن الكافر، إنها أجزاء وجدت من المؤمن
[ ١ / ٤٣٥ ]
الطاعات بها فلو أعيدت إلى بدن الكافر لكانت أجزاءا من المؤمن فدخلت في النار، وإنما الخلود في النار للكافر وأما عذاب الكفر كاملا فإنه واقع بالكافر لا ينقص منه شيئا لما فات من أجزائه.
فإن قيل: فكيف يبعث: يجوز أن يقال أن الله ﷿ يعوضه مما أكل المؤمن من لحمه مثله، فيكمل جسد الذي كان.
فإن قيل: افيخلص العذاب إلى هذا العوض، أو يكون الألم كله على البدن القديم؟ فإن قلتم إن العذاب يخلص إلى العوض الحادث اجزتم تعذيب ما لم يكن له نصيب في الذنب. وإن قلتم: إن الألم يحل كله على البدن القديم، أوجبتم نقل حصة الأجزاء الفانية من العذاب إلى الأجزاء الباقية، وذلك غير جائز.
قيل: وما في هذا إن قلنا إن العوض الذي كمل به جسمه يتألم بالعذاب، فإن الله ﷿ قال: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها، ليذوقوا العذاب﴾ فليس هذا مثله وإن قلنا أن الألم كله يخلص إلى باقي البدن القديم، فإن عذاب الكافر القتل وعذاب الكافر القتل قد يجوز أن يكون سواء، فأمكن هذا مثله، وليس ما قالوا من نقل العذاب من بدن إلى بدن في شيء، لأن العذاب كله على النفس الكافرة فإن كملت أبعاض البدن خلص الألم إليها من أماكن شتى، وإن نقصت أبعاض البدن خلص الألم إليها فيما بقى لمقدار في الحالين واحد والله أعلم.
وأما المؤمن يأكل لحم مؤمن فإن المأكول لحمه يعوض من لحمه ما يأكل به بنيته، ويبعث ويجزى بما عمل من الطاعات، ويوصل إليه ثوبا كاملا لا يبخس منه شيئا. فأما الأجزاء التي كان عمل بها عمل الطاعات، ثم صارت من بدن غيره فإنها لا تفرد بثواب. لأن الثواب للنفس المؤمنة، فلو كانت تلك الأجزاء الباقية مع ما بقي من بدنه لكانت نعمة الثواب تأتي نفس المؤمن من قبل جميعها، ولكنها إذا ماتت لم تنعم بنعمة لا يشعر بها المؤمن الذي كان قربها منه ولا يجدها في نفسه.
وأما الكافر يأكل لحم كافر، فالقول فيه على هذا أيضا، وهو أن المأكول لحمه يعوض ما يكمل به بنيته ويجزي بها علم من السيئات جزاء كاملا ولا تعود الأجزاء التي صارت
[ ١ / ٤٣٦ ]
من بدن غيره لجزاء، لأن ذلك لو كانت بتألم به الكافر الذي كانت هذه منه. وإنما الجزاء له، فكيف يجزي بما لا يجده في نفسه ولا يشعر والله أعلم.
فإن قيل: فما الفرق بين ما أكله السبع وحوت الماء والطير؟ يقولون أنه يرد إلى الأبدان التي أكلت منها، وبين ما أكله الناس بعضهم من بعض يقولون أن شيئا منه لا يرد إلى أصله لكن صاحبه يعوض منه.
قيل: الفرق بين الناس ما أكله الناس من بعضهم من بعض، فقد انقلب من مكلف إلى مكلف، فلا بد للمكلف في الدنيا من معاد وجزاء في العقبى. والمعاد إما جنة وإما نار، أوجبنا أن يكون الأكل أحق بأن يبقى له ما أكل من المأكول منه، لأن ذلك إن لم يكن كذلك يؤدي إلى إدخال جزء من الكافر الجنة أو جزء من المؤمن النار، وقد بينت في أكل المؤمن لحم الكافر، وأكل الكافر لحم المؤمن، وإذا وجب هذا الحكم من هذين، كان أكل المؤمن لحم المؤمن وأكل الكافر لحم الكافر في معناها. لأن كلا من ذلك أكل مكلف من لحم مكلف.
فقلنا: إن ما أكله الآكل فمتروك عليه والمأكول لحمه يعوض عنه. وأما ما أكله سبع أو طائر أو حوت، فهو في معنى ما أكلته الأرض نفسها فلما كان ما تأكله الأرض لا يترك ترابا، لكنه يعاد كما كان فكذلك ما يأكله حيوان لا تكليف عليه. فإنه يعاد كما كان أولا يترك على ذلك الحيوان والله أعلم.
فإن قيل: إذا أجزتم أن يخلو الجزء الذي أكله الكافر من لحم المؤمن عن التنعم بالثواب الذي يصل إلى المؤمن، فلم لا أجزتم أن يخلو بدنه من التنعم أصلا، وأن يكون ثواب نفس المؤمن والسرور الدائم والراحة دون المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، فيصير بذلك إلى قول غيركم.
قيل: إنما أجزنا أن يخلق الجزاء الفائت من بدن المؤمن عن التنعم بالثواب الذي يصل إلى المؤمن على شرائطه أن يعوض الله ﷻ المؤمن منه عوضا فيكون وصول نعمة الثواب إلى النفس من قبل البدن قديمة وحديثة، فإنما يقام وصوله إليها من قبل الأول لو كان باقيا بحالة لم يفت منه شيء.
فكيف يلزمنا عن هذا أن نجيز خلو البدن من التنعم بالثواب أصلا، وانفراد النفس
[ ١ / ٤٣٧ ]
به دونه، بل الأصل أن نفس المؤمن لما لم تنفرد باكتساب الطاعات عن البدن، لكن جهد العبادة خلص إلى النفس من قبله، فلذلك ينبغي أن تخلص نعمة الثواب إليها من قبل البدن. فإن كان البدن المكتسب للطاعات فإنما تخاله معرضا للإبانة بتنعم الثواب. وإن كان أو بعضه فانيا، قام المثل الذي يبتدئ الله ﷻ خلقه المؤمن مقامه والله أعلم.
فإن قيل: كيف يجوز هذا، والعوض المبتدأ خلقه ليس هو الذي كان اكتساب الطاعات به.
قيل: يجوز، لأن الذي كان اكتساب الطاعات منه لم يتفق ذلك إلا بحلول النفس المؤمنة إياه، وتصريفهما له، فإذا انقلب بعد، فصار من بدن كافر، وكان إيراده الجنة فتجاوز كل ما يخلق للنفس من مثله ليحله ويخلص من قبل ما يناله من الثواب والنعمة واللذة إليها، فذلك قائم مقام الفائت وعامل عمله.
فإن قيل: فما تقول في كافر قتل مؤمنا ومزقه وقطعه ولم يدع منه لحما ولا عظما ولا شيئا قط إلا أكله، كيف يبعث؟
قيل: الأصل الذي ذكرنا، يقتضي أن يخلق الله تعالى لنفسه بدنا جديدا ويصرف الثواب الذي استحقه عليه، فيكون هذا الخلق الجديد عوضا له من بدنه الفائت والله أعلم.
فإن قيل: فإن كان هذا هكذا، فأجزاء يحدث الله تعالى عند النشأة الثانية. لكل نفس بدنا جديدا أو لا يعيد البدن الذي كان؟
قيل: ولا هذا يلزمنا لأنا لم نقل أن ما فات من بدن المؤمن، فإن صار بدنا للكافر ولا يعاد، فيلزمنا عن ذلك إجازة أن لا يعاد شيء أصلا.
وأما التعويض فإنما يليق بما فات، لأن ما هو قائم بعينه، فكلما أكلته الأرض فإنما هو البدن غير أن أغراضه تبدلت بإعادة الأعراض التي كانت له حتى يصير بدنا كما كان، أولى بها من خلق بدن جديد لينال بالثواب ما أجهده العمل بعينه، حتى إذا كان اتصال الثواب إلى ما أجهده العمل مجالا لانقلاب ما كانت الطاعة اجهدته بدن كافر، كانت إقامة مثله مقامة ما عدل وأمثل، فإنه لم يقم مقامه مثله حلت النفس، ولم تتبع وحدها لتنعم أصلا، ففي ذلك اتصال الثواب وإبطاله يضيع الحسنات.
[ ١ / ٤٣٨ ]
وقد أخبر الله ﷿: ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا﴾ وإن كان يتسع للحياة، والاستئناس بمثلها، والفرح بمكانها الذي فيه، ففي ذلك تقليل الثواب، لأنها لو كان معها بدن طاعم وشارب لابس يتمتع بالشهوات، ويتقلب في اللذات لكان بنعمها مما يخلص إليها من النعمة واللذة من قبل البدن أكثر. فعلمنا أن التعويض من الفائت أقرب إلى الإنابة بالحسنات لا عن تعويضه.
فإن قيل: النفس العاقلة لا تنتعم بالشهوات.
قيل: إنما لا تتنعم بها إذا كان في أتباعها إغفال للطاعات والحسنات والخيرات، والتوغل في المفاسد والسيئات، وهذا إنما يكون في الدنيا. فأما الدار الآخرة فلا تكليف فيها، وإنما هي دار فراغ، والتنعم فيها بالشهوات واللذات هو الخير المحض لن من فاته لا يرجع منه إلى ما يكون له خيرا منه. فبطل قول من قال: إن النفس العاقلة لا تتنعم بالشهوات والله أعلم.
فصل
فإذا أكمل الله تعالى جسده للأجساد على ما هو أعلم به من صفة إكمالها، إلا أنها بعد تراب. ففيه بعض الأخبار: إن الله تعالى يمطر عليهم من تحت العرش فتنموا به أجسادهم.
فقد يحتمل أن كان هذا ثابتا إنه ينبتهم بهذا الطين الذي ينزل عليهم حق يجعلهم بشرا كما روى في قصة الذين يخرجون من النار. وقد صاروا حمما أنهم يغتسلون من نهر يأتي الجنة فينبتون به كما تنبت الحبة في حميل السيل، حتى إذا لم يبق إلا أن يحيوا، أمر إسرافيل ﵇ بنفخ الصور، فإذا وصل ما في الصور إلى هذه الأجساد وصار فيها عادوا أحياء بإذن الله تعالى، وتكون هذه الأجساد من هذا الوجه كالحسل في بطن أمه، ينقلب حالا حتى إذا صار في هيئة البشر فعند ذلك ينفخ فيه أحد الملائكة الروح بأمر الله تعالى. فأما نفخ جبريل ﵇ في مريم، فإنه يحتمل وجهين:
أحدهما يحتمل أن يكون الله تعالى وحده، اخترع عند مخاطبة جبريل مريم بأن يكون
[ ١ / ٤٣٩ ]
عيسى بشرا سويا في رحم مريم، ثم أمر جبريل فنفخ الروح فيها. لكن إذا وصل الروح المنفوخ إلى عيسى يحيى، فكانت فضيلة عيسى بأن الله تعالى جده خلقه لا من تراب. ثم بأن نفخ فيه الروح، كان من الروح الأمين الرسول الكريم، لا من بعض الأملاك الموكلين بالأرحام.
والوجه الآخر: إن جبريل ﵇ نفخ في مريم ﵍، وهي غير حامل فحملت عند وصول نفخته إلى رحمها، وتكون نفخة جبريل في هذا الوجه كالرياح التي وصفها الله تعالى بأنها لواقع، فإذا جاز أن تلقح الريح الشجر، فيكون لها منه حمل، جاز أن يجعل الله بنفخة ملك وهي في الحقيقة ريح لاقحة، لا نبيا من ولد آدم، فتكون منها لها حمل.
ومن قال هذا، قال: ألا ترى أن الله ﷿ قال بعد اقتصار هبوط جبريل عليها، ومخاطبته إياها فحملته. فدل ذلك على أنها من قبل لم تكن حاملا، فيكون أثر جبريل نفخ الروح في الحمل فقط. ومن قال بالوجه الأول، قال: إنما قال: ﴿حملتهن فانتبذت به مكانا﴾ فأراد إنما حملته من ذلك المكان إلى مكان آخر لأنها حملته وهو في رحمها ولم يرد به الحمل الذي هو المعلق والله أعلم.
فصل
وإذا أحيى الله ﵎ الناس كلهم، قاموا بمجلس ينظرون ما يراد بهم، لقوله: ﴿ثم نفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون﴾ وقد اخبر الله ﷿ عن الكفار إنهم يقولون: ﴿يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا﴾ وإنهم يقولون: ﴿يا ويلنا هذا يوم الدين﴾ فتقول الملائكة: ﴿هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون﴾. ثم يعرض الجميع إلى موقف العرض والحساب وهو الساهرة.
قال الله ﷿: ﴿فإنما هي زجره واحدة، فإذا هم بالساهرة﴾. وجاء
[ ١ / ٤٤٠ ]
عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿عليكم بالشام أرض المحشر والمنشر﴾ ويقال: إن الساهرة أرض معروفة عند بيت المقدس. والساهرة عند أهل اللغة وجه الأرض. ومعنى فإذا هم قد صاروا على وجه الأرض بعد أن كانوا في جوفها. قيل الساهرة صحراء قرب شفير جهنم والله أعلم.
وقد جاء في صفة الحشر في قول الله ﷿: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا، ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا﴾. أخبر منها ما روى النعمان بن سعد عم علي ﵁ عن النبي ﷺ في قوله ﷿: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) قال إما أنهم ما يحشرون على أقدامهم ولا يساقون سوقا، ولكنهم يؤتون من فوق ينظر الخلائق إلى مثلها، رحالها الذهب، وزمامه الزبرجد، فيعقدون عليها حتى يقرعوا باب الجنة.
وسمي المتقون وفدا لأنهم يسبقون سائر الناس إلى حيث يدعون إليه، فإنهم يكونون على نجائب تسرع بهم، ومع ذلك لم يعلموا أن قدومهم على ما يسرهم فهم المتبطئون، لكنهم يجدون ويسرعون، والملائكة تتلقاهم بالبشارات. كما قال ﷿: ﴿وتتلقاهم الملائكة، هذا يومكم الذي كنتم توعدون﴾ فيزيدهم ذلك إسراعا.
وإنما فسرنا الوفد إذ ذكرنا لأن الوافد في الإبل والقطا وغيرها مما سبق سائر الصنوف في طيرانه ووروده. قال كثير من أهل العلم باللسان: وحق للمتقين أن يكونوا سابقين إلى المحشر، لأنهم كانوا يسبقون المخلطين في الدنيا إلى الطاعات، ويفوتون الظالمين فينبغي لهم أن يشعروا إذا خرجوا من قبورهم بشعارهم، فيكونون هم السابقين إلى موضع الحساب والجزاء.
كما أخبر النبي ﷺ: إن المحرم إذا مات يبعث يوم القيامة ملبيا ليكون إحرامه الذي عنده لله تعالى على نفسه شعارا له وجمالا في دار الجزاء والله أعلم.
وجاء عن النبي ﷺ: "يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين راهبين، إثنان على
[ ١ / ٤٤١ ]
بعير، وثلاث على بعير، وأربع على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، يقيل منهم حيث قالوا، ويبيت منهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث مسوا" فيحتمل أن يكون قول النبي ﷺ: "يحشر الناس على ثلاث طرائق" إشارة إلى الأبرار والمخلصين والكفار.
فالأبرار هم الراغبون إلى الله تعالى مما أعد لهم من ثوابه، والراهبون الذين هم بين الخوف والرجاء، فأما الأبرار فإنهم يؤتون بالنجائب كما روي في الحديث الآخر. وأما المخلطون فهم الذين ارتدوا في هذا الحديث. وقيل: إنهم يحملون على الأبعرة. وأما الفجار فهم الذين تحملهم لنار، بأن الله تعالى لا يمهلهم بأن يبعث إليهم الملائكة فيقبض لهم نوقهم، ولم يرد في الحديث إلا ذكر البعير.
فأما أن ذلك من إبل الجنة أو من الإبل التي تجيء وتحشر يوم القيامة. فهو مما لم يأت بيانه والأشبه أن لا تكون من نجائب لجنة، لأن من خرج من جملة الأبرار المخلصين كان مع ذلك من جملة المؤمنين، فإنهم بين الخوف والرجاء، لأن من هؤلاء من يغفر الله تعالى له ذنوبه، فيدخل الجنة مع الداخلين، ومنهم من يعاقبه بالنار، ثم يخرجه منها ويدخله الجنة.
وإذا كان كذلك لم يلق أن يوردوا موقف الحساب على نجائب الجنة، ثم ينزل عنها بعضهم إلى النار. لأن من أكرمه الله تعالى بالجنة مرة، لم يهنه بعد ذلك بالنار.
وفي حديث آخر عن ابن هريرة ﵁ قال: "يحشر الناس ثلاثة أصناف، ثلاث ركبان وثلاث على أقدامهم مشاة، وثلاثة على وجوههم" إلا أنه قال بعد هذا: قلنا يا رسول الله: فكيف يمشون على وجوههم، فقال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، ألا أنهم يتقون بوجوههم خدد وشوك" وهذا إن ثبت مرفوعا، ففيه أن الناس يكونون أثلاثا، ومعنى أصناف ثلاثة إلا أنهم أثلاث
[ ١ / ٤٤٢ ]
متساوية. أحدهم الركبان وهم المتقون السابقون الذين يغفر الله تعالى لهم ذنوبهم بعد الحساب، ولا يعذبهم، إلا أن المتقين يكونون على نجائب الجنة.
والصنف الثاني الذين يعذبه الله تعالى بذنوبهم ثم يخرجهم من النار إلى الجنة وهؤلاء يكون مشاة على أقدامهم، فقد يحتمل على هذا أن يمشوا وقتا ويكونون ركبانا. فإذا قاربوا المحشر نزلوا فمشوا ليتفق الحديثان والله أعلم.
والصنف الثالث المشاة على وجوههم، وهؤلاء هم الكفار، وقد يحتمل أن يكونوا ثلاثة أصناف: صنف وكلهم ركبان لكن على من أتت لهم. وصنفان من الكفار: أحدهما العتاة وأعلام الكفر، فهؤلاء يحشرون على وجوههم، وآخرون الأتباع وهم يمشون على أقدامهم.
وقد ذكرت فيما مضى أن مشي الكفار على وجوههم إنما يليق أن تكون حالهم في سبقهم من موقف الحساب إلى جهنم، لأن الله تعالى قال: ﴿الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا﴾ لأن الله تعالى خص أبصارهم فوصفها منهم بالخشوع في حال المعنى إلى موقف الحساب. فقال: ﴿يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون، خاشعة أبصارهم﴾.
وقال: ﴿خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر﴾. فلو كانوا في هذه الحال مشاة على وجوههم لم يكن الخشوع من أبصارهم وحدها.
وفيما ذكرت دليل على أن المشي من القبر إلى موقف الحساب فيكون على الأقدام. ومن المواقف إلى جهنم تكون على الوجوه.
ويؤكد هذا أن الله ﷿ قال فيما وصفهم به: ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم﴾. فلو كان ذلك حالا بهم من حين يبعثون إلى أن يدخلوا جهنم لم يكن لتخصيص حال دخولهم النار.
فهذا الوصف معني، إلا أن هذا، وإن كان كما وصفت، فإن حديث أبي هريرة الثاني رويناه، يدل على خلافه، فقد يحتمل أن يخرج ذلك على الكفار بعضهم أغنى من
[ ١ / ٤٤٣ ]
بعض لأن منهم من جحد ربه أصلا، ومنهم من جحد رسله كلهم، ومنهم من أقر بهم إلا بواحد منهم، ولا شك أنهم متفاوتون في العذاب، ولولا ذلك لم يقل الله ﷿: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ فلما قال: علمنا أن للنار دركات، كما أن للجنة درجات.
وقد يجوز أن يكون بعض أهلها يحشرون مشاة على الأقدام، وبعضهم مشاة على الوجوه، وجاء شرهم وسابقهم في الحالين النار والله أعلم.
وقد قال الله ﷿ فيما ذكرهم به: ﴿ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا﴾ فقيل في تفسير: عطاش.
وقيل في تقريب هذا المعنى: إن الإبل لا تورد الماء إلا بعد أن تعطش، فكأنه قال: ونسوق المجرمين إلى جهنم أو زاد الإبل لشدة ما بهم من العطش. وقد يجوز أن يكونوا سموا أورادا، لأنهم يشربون الحميم في جهنم شرب الهيم.
وأما العطش الحادث عليهم فهو بشقيق من الله ﷿ عليهم، والأخبار تدل على أن العطش يعم الناس، ذليل كلهم في ذلك اليوم إلا المتقون، يسقون من حوض نبينا محمد ﷺ، ولذلك قال في صفة من شرب منه شربة لم يظمأ أبدا.
وأما الكفار فلا يسكن عطشهم، ولكن يزداد عطشهم فوق عطش المؤمن، لأن عطش المؤمن إنما هو تعريض من الله تعالى إياهم، لا يكرمهم بالسقي من حوض المصطفى ﷺ، فيجدوا لذة الماء وطيبه، إذ كان الريان لا يستلذ كما يستلذ العطشان.
وعطش الكافر تشديد وتفسير ذلك المشي والوقوف عليهم وتعويض الله تعالى المؤمنين ما ذكرنا زيادة في التشقيق على الكافرين، فإنهم إذا علموا أن هناك ما يمكن منه المؤمنون، ولا يمكن منه الكافرين، كان ذلك أشق عليهم من أن يكون عندهم إلا ما يرده أحد مؤمنا كان أو كافرا والله أعلم.
وقد يحتمل أن تكون شدة عطش الكافر يومئذ للجهد الذي يلحقه من المشي على قدميه أو على وجهه مسرعا، من دنو النار العظيمة منه، لأنه سابقة وحاشرة على ما ورد به الحديث عن النبي ﷺ والله أعلم.
[ ١ / ٤٤٤ ]
فصل
إن قال قائل: لم أخبر الله أن الكفار يكونون يوم القيامة مهطعين مقنعي رؤوسهم وقد علم أن اقناعها دمعها، وأنه لا يرتد إليهم طرفهم. وقال في غير هذه الآية: ﴿خاشعة أبصارهم﴾ وقال: ﴿خشعا أبصارهم﴾ فكيف يكون الرافع رأسه، الناظر نظرا طويلا، حتى أن طرفه لا يرتد إليه، خاشع البصر.
فالجواب: -وبالله التوفيق-: أنهم يكونون في حال المشي إلى الموقف خاشعة أبصارهم. وفي هذه الحال، وصفهم الله تعالى بخشوع الأبصار وأما إذا توافوا، وضمهم الموقف، وطال القيام عليهم، فإنهم يصيرون من الجناة، كأن لا قلوب لهم، ويرفعون رؤوسهم فينظرون النظر الطويل الدائم فلا يرتد إلهم طرفهم، كأنهم قد نسوا الغمض أو جهلوه، وذلك داخل في جملة التشقيق عليهم إلا أنه في غير ذلك الحال والله أعلم.
فصل
إن سأل سائل عن قول الله ﷿: ﴿يوم يسمعون الصيحة بالحق، ذلك يوم الخروج﴾ فقال: إنما تكون الصيحة للخروج وهم أموات، فكيف يسمعونها.
قيل: إن نفحة الأحياء تميد وتطول، فكانت أوائلها للأحياء وما بعدها للإزعاج من القبور، فما كان للأحياء فإنهم لا يسمعونه. وما كان للإزعاج فهم يسمعونه. ويحتمل أن تتطاول تلك النفخة كما ذكرت، والناس يحسبون منها أولا فأولا، وكلما حيي واحدا سمع ما يحيي به لمن بعده إلى أن يتكامل أحياء الجميع والله أعلم.
فصل
وإذا حشر الناس بعد ما نشروا وحشروا حفاة عراة غرلا، لأنهم كذلك بدؤا، والله ﷿ يقو: ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾ فلما كانوا بدئوا غرلا بعثوا غرلا،
[ ١ / ٤٤٥ ]
لئلا يمتد عن الإعادة شيء من أخبارهم، ويحشرون حفاة عراة، لأن الملابس في الدنيا أموال، ولا مال في الآخرة، زالت الأملاك بالموت وبقت الأموال في الدنيا.
ولأن كل نفس يومئذ فإنما تثيبها المكاره ثوابا وجب لها بحسن عملها، أو رحمة مبتدأة بما يمن الله تعالى عليها، فأما الملابس فلا غناء فيها يومئذ، ثم أن الأخبار وردت بأن كثيرا من الناس يكسون إذا خرجوا من قبورهم.
روى عباد بن كثير عن ابن الزبير عن جابر قال: إن المؤذنين والملبين يخرجون يوم القيامة من قبورهم، فيؤذن المؤذن، ويلبي الملبي، وأول من يكتسي من حلل الجنة إبراهيم خليل الله ثم محمد صلى الله عليهما، ثم النبيون والرسل صلوات الله عليهم، ثم يكس المؤذن، وتتلقاهم الملائكة على نجائب من ياقوت أحمر، أزمتها من زبرجد أخضر رجالها من اللهب، ويشيعهم من قبورهم تسعون ألف ملك إلى المحشرة.
وفي رواية أخرى عن النبي ﷺ قال: "إنكم تحشرون حفاة عراة غرلا، فأول من يكس إبراهيم ثم أوتى بحلة لا يقوم بها البشر".
فيحتمل أن يكون تقديم إبراهيم صلوات الله عليه بالكسوة لما يروى أنه لم يكن في الأولين والآخرين لله تعالى عبد أخوف له من إبراهيم فيعجل كسوته ما ناله ليطمئن قلبه ويحتمل أن يكون ذلك لما جاء به الحديث أنه أول من يلبس السراويل إذا صلى مبالغة في السير وحفظا لفرجه من أن يماس فضلا، ففعل ما أمر به، فيخرج بذلك أن يكون أول من يستر يوم القيامة.
ويحتمل أن يكون الذين ألقوه في النار جردوه ونزعوا عنه ثيابه على أعين الناس كما يفعل بمن أراد قتله. وإن كان ما أصابه في ذلك في ذات الله تعالى، فلما صبر واحتسب وتوكل على الله، دفع عنه شر النار في الدنيا والآخرة أو جزاء بذلك العري أن جعله بأول من يدفع عنه العري يوم القيامة على رؤوس الأشهاد والله أعلم.
وإذا بدأ بالكسوة بإبراهيم وثنى بمحمد ﷺ، أتى لمحمد صلى الله عليه مسلم بحلة لا يقوم بها البشر لينجز التأخر بنفاسة الكسوة، فيكون كأنه كسي مع إبراهيم ﵉ ولم يؤخر عنه والله أعلم.
[ ١ / ٤٤٦ ]
فصل
فأما الكوائن يوم القيامة قبل الحساب، فقد قال الله ﷿: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾.
وقال جل ثناؤه ﴿بسم الله الرحمن الرحيم. إذا زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها. وقال الإنسان مالها. يومئذ تحدث أخبارها. بأن ربك أوحى لها. يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾.
والذي يثبت بسياق الآيات وشواهدها أن هذه الزلزلة إنما تكون بعد إحياء الناس وبعثهم من قبورهم، لأنه لا يراد بها إلا إرغاب الناس والتهويل عليهم، فينبغي أن يشاهدوها، ويعلموا أنها لهم ليفرغوا منها، ويهولهم أمرها ولا يمكن المشاهدة منهم وهم أموات.
ولأنه ﷿ قال: ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾ أي تخبر بما حمل عليها من خير وشر، يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم، فدل ذلك على أن هذه الزلزلة إنما تكون والناس أحياء. واليوم يوم الجزاء، ولأنه ﷿ قال: ﴿فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة، فيومئذ وقعت الواقعة، وانشقت السماء، فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها، ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية﴾.
فدلت هذه السورة أيضا على أن اصطدام الأرض والجبال الموجب لابد حال زاويتها وبنيانها، وتلالها وجبالها وأشجارها. إنما تكون يوم القيامة، والعرض لا يكون إلا بعد الأحياء، فثبت أن هذه الكوائن إنما تكون بعد النشأة الثانية، والله أعلم.
وإذا كان ذلك كذلك، فالمعنى- والله أعلم- إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت
[ ١ / ٤٤٧ ]
الأرض أثقالها، وفرغت وتجلت وشهد بذلك قوله ﷿: ﴿إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد﴾.
فنص على أنهم يرونها ويفزعون منها ويصيرون من الخوف إلى الحال التي وصفها، ثم أبان ذلك، لأن عذاب الله شديد، فصح أن الزلزلة الموصوفة بالعظم إنما تكون يوم التقدير والجزاء والله أعلم.
وأما قوله: ﴿تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها﴾.
فإنه يحتمل وجهين: أحدهما. أن يكون ذلك مثلا، أن يكون يوما لا يهم أحدا فيه إلا نفسه، والحامل تسقط من مثله كما تسقط الحوامل من الصيحة الشديدة من طلب السلطان ونحوه. فإنما أريد بذلك على أن الهول يكون عظيما والخوف شديدا.
والوجه الآخر: أن يكون ذلك حقيقة لا مثلا، ويكون المعنى أن من كانت محشورة مع ولد رضيع، فإنها إذا رأت هذه الزلزلة ذهلت عن ولدها، ومن حشرت حاملا وضعت حملها.
ثم يحتمل أن يحيي الله كل حمل كان قد أتم خلقه، ونفخ فيه الروح ويسويه ويعدله، فإن الأم تذهل عنه، ولو لم تذهل ما قدرت على إرضاعه، لأنه لا غذاء لها يومئذ ولا لبن، واليوم يوم الحساب والجزاء لا يقبل من أحد فيه عذر ولا علة، فكيف والاشتغال بالولد ما عليها من الحساب، وهي بصدده من الجزاء.
وأما كل حمل لا ينفخ فيه الروح قط، فإنه إذا سقط صار مع الوحوش ترابا، ولم يبدأ حياة، لأن اليوم يوم الإعادة فمن لم يمت في الدنيا لم يحيى يومئذ والله أعلم.
وقد قال الله ﷿: ﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا، فيذرها قاعا صفصفا، لا ترى فيها عوجا ولا أمنا﴾.
وقال: ﴿ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة، وحشرناهم﴾، ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب﴾.
[ ١ / ٤٤٨ ]
وقال: ﴿وسيرت الجبال فكانت سرابا﴾.
وقال: ﴿وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت﴾.
وقال: ﴿إذا رجت الأرض رجا، وبست الجبال بسا، فكانت هباء منبثا﴾.
وقال: ﴿يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنفوش﴾.
وقال: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾.
وقال: ﴿وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا﴾.
فصل
أنها تبدل، بمعنى أن أعراضها وصفاتها تغير، فإنها ذات جبال وتلال وروابي وأكام، وأودية ووهاد، وغدران وأشجار وبنيان، فتزال هذه كلها، ويسوى بعضها ببعض ثم تمد مد الأديم، فتزيد بذلك سعتها، فتتمكن الخلائق من الأولين والآخرين من الوقوف عليها، وعلى هذا معنى قوله ﷿: ﴿وإذا الأرض مدت، وألقت ما فيها وتخلت﴾.
فيكون ذلك من جملة تبديلها، لأنها إذا كانت مشرفة على أن تضيق بأهلها، فمدت حتى وسعتهم، فقد غيرت. إلا أن ذلك تغيير الأعراض، دون قلب العين.
وأما قوله ﷿: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾ فليس معناه أنها تجعل شيئا آخر سوى الأرض، فكون مكان الأرض مرفقا ليس بأرض. وإنما هو أنها تهيأ هيئة أخرى، حتى تكون المنظر غير هذه التي تشاهدونها، وهو الرجل بغير خلقه وسيرته مع صديقه، فيقول تبدلت وتغيرت، ولست الرجل الذي كنت، والله أعلم.
وأما الجبال فقد وضعها الله تعالى بصفات مختلفة فيما ترجع إلى الجبال منها، ومجتمعة فيما ترجع إلى الأرض، لأنها كلها تعود تفريغ الأرض منها، وإبراز ما كانت تواريه من محلها حتى يبرز وينكشف.
[ ١ / ٤٤٩ ]
فأما تلك الصفة فمنها الاندكاك، ومنها تصير كالعهن المنفوش، ومنها أن تصير هباءا منبثا، ومنها أن تنسف، ومنها أن تمر مر السحاب، ومنها أن تسير فتكون سرابا. فيحتمل- والله أعلو- أن يكون أول أحوالها الاندكاك، وذلك من قبل الزلزلة.
والحالة الثانية أن تكون كالعهن المنفوش، وذلك إذا صارت السماء كالمهل، وقد جمع الله تعالى بينهما في موضع فقال: ﴿تكون السماء كالمهل، وتكون الجبال كالعهن﴾.والحال الرابعة: أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة بارزة في مواضعها، والأرض تحتها غير بارزة، فتنشق عنها لتبرز، فإذا انشقت فبإرسال الرياح عليها،
والحال الخامسة أن الرياح ترفعها هن وجه الأرض، فتذرها شعاعا في الهواء كأنها غبار فمن نظر إليها من بعد حسها ليحسبها أجسادا خامدة، وهي بالحقيقة مارة، إلا أن مرورها مرور الرياح مندكة متنقبة.
والحال السادسة أن تكون سرابا يعني لا شيء، فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئا منها، كما أن من يرى السحاب من بعد إذا جاء الموضع الذي كان يراه فيه لم يجد شيئا، والله أعلم.
فصل
قد وصف الله ﵎ هذا اليوم بأن العشار تعطلت فيه، كما وصفه بأن كل مرضعة تذهل فيه عما أرضعت، ومعنى ذلك- والله أعلم- أنهم إذا قاموا من قبورهم وشهدوا بعضهم بعضا ورأوا الوحوش والدواب محشورة، وفيها عشائرهم التي كانت أنفس أموالهم، لم يعبأوا بها ولم يهمهم أمرها، ويحتمل تعطل العشار، وإبطال الله تعالى أملاك الناس عما كان ملكهم إياها في الدنيا وأهل العشار يرونها لا يجدون إليها سبيلا والله أعلم.
فصل
ووصف الله تعالى هذا اليوم بأن البحار تسجر وتفجر منه، فقال في سورة: ﴿وإذا
[ ١ / ٤٥٠ ]
البحار فجرت﴾. وقال في آية أخرى: ﴿وإذا البحار سجرت﴾. فقيل: إن معنى سجرت وفجرت واحد. وقبل: معنى سجرت أمحيت. فمن قال معنى سجرت وفجرت واحد، قال يحمل ذلك وجهين: أحدهما أن الأرض والجبال إذا حملتا ودكتا فقد يمكن أن تصير فيها أخاديد عظيمة تفجر إليها مياه البحار.
وقيل: معنى فجرت، تفجر بعضها في بعض، وترتفع الحواجز التي بينها اليوم، وأي واحد من هذين، قيل: فإن مرجعه إلى أن البحار إذا أخليت من المياه، أبرز مكانها نار مخلوقة تحتها، ملأت البحار ملء المياه إياها، وذلك هي جهنم. وأرض البحار أطباق لها، فإذا كشف الغطاء برزت، فذلك قوله: ﴿وبرزت الجحيم لمن يرى﴾ وأما من قال: سجرت، أحميت، فإنه يقول: معناه أن البحار تقلب نارا وكذلك عند تكوين الشمس كما سنبينه.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يركبن أحد البحر إلا حاجا أو معتمرا، أو مجاهدا في سبيل الله، فإن تحت البحر نار ثم مجرثم نار حتى عد سبعة أبحر وليس المعنى في السبعة أنها محاذية تحاذي الأطباق، ولكنه أن كل بحر من البحار التي على وجه الأرض تحته نار ثم العطف ها هنا لا للترتيب.
وروى يعلى ابن أمية قال: قال رسول الله ﷺ: (البحر هي جهنم) فقيل له في ذلك فقال: "نار (أحاط بهم سرادقها) ثم قال يعلى: لا تصيبني منه قطرة حتى أعرض على الله، ولا أدخله حتى ألقى الله. وهذا إلى قول من يقول: أن البحر تقلب نارا أقرب.
وقد قيل في معنى قوله ﷿: ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قلبت، وقد يحتمل أن تنشق أرضها الماء، فكان الماء نارا، ويحتمل أن تقلب المياه نيرانا، ويزداد فيها فيزداد أمثلا والله أعلم.
[ ١ / ٤٥١ ]
فصل
وقد وصف الله ﷿ هذا اليوم بأن السماء تنشف منه، وتكور الشمس فقال ﷿: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا﴾.
وقال: ﴿فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان. فيومئذ لا يسأل عن ذنبه انس ولا جان.
وقال: إذا السماء انشقت.
وقال: ﴿إذا السماء انفطرت﴾.
وقال: ﴿وإذا السماء فرجت﴾.
وقال: ﴿وفتحت السماء فكانت أبوابا﴾.
وقال: ﴿إذا السماء كورت، وإذا النجوم انكدرت﴾.
وقال: ﴿إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت﴾.
وقيل أن السماء إنما تنشق لما يخلص إليها من حر جهنم، وذلك إذا بطلت المياه، وبرزت النيران، فأول أنها تصير حمراء صافية كالدهن. وتنشق لما يريده الله تعالى من نقص هذا العالم ورفعه.
وقيل: أن السماء تتلون فتصفر ثم تحمر، أو تحمر ثم تصفر كالمهرة الورد في الربيع إلى الصفرة. فإذا اشتد البرد مالت إلى الحمرة، ثم بعد ذلك إلى الصفرة. والله أعلم.
وقيل: أن الجبال بعد اندكاكها، أنها تصير كالعهن من حر جهنم، كما تصير السماء من حرة كالمهل. وهذا- والله أعلم- لأن مياه البحر كانت حاجزة بين جهنم وبين السموات والأرضين، فإذا ارتفعت وزيد مع ذلك في إحماء جهنم أقرب في كل واحد من السماء والجبال ما ذكرنا والله أعلم.
[ ١ / ٤٥٢ ]
وقد قيل في قوله ﷿: ﴿إذا الشمس كورت﴾ أذهب ضوؤها حتى تصير هي والقمر كالخاسفين، فذلك قوله: ﴿وخسف القمر وجمع الشمس والقمر﴾ وقيل: كورت: لفت. وقيل: تلق ثم تتلقى في البحار، فمنها يحمي وينقلب نارا ويحتمل أن هذا كان هذا هكذا، إن البحار في قوله بين فقد فسر التسجير بالامتلاء. مما هو أن النار حينئذ تكون أكثر ما كان الماء، لأن الشمس أعظم من الأرض مرات كثيرة. فإذا كورت وألقيت في البحار، فصارت نارا، ازدادت امتلاء والله أعلم.
وأما الكواكب بعد انتشارها فليس في شيء من أخبار المسلمين ذكر لها يكون من حالها. وفي بعض كتب الأقاويل أن الكواكب في النشأة الثانية تهبط سفلا وتحيط بالأرض كالدائرة، وتلعب فتتلقاها الأنفس الشريرة. فقد يحتمل أن كان ما وصفوه مأخوذ عن شيء، فإن الكواكب إذا انتثرت سقطت في البحار فصير معها سرابا، وإذا ذهبت المياه برزت الجحيم فتناثرت الكواكب، سقطت في النيران والتهب منها.
وقد أخبر الله ﷿ ﴿أن السموات يوم القيامة مطويات بيمينه﴾ وقال: ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب﴾ ويحتمل أنها إذا وهت كما قال ﷿: وانشقت السماء فهي يومئذ واهية، إن الملائكة يطودنها بأمر الله جل ثناؤه طيبا شديدا لئلا تعود فتنشر، كما يطوي الرجل ما يكون مكتوبا فيه من ذكر حكم مبرم أو غير مبالغة في صيانته عن أن ينشر فيلحقه من الانتشار خلل، ولذلك قال ﷿ بيمينه، فإن كل عمل عمله العامل بيمينه كان أشد وأوفى من الذي يعمله بيساره، إذ اليمين أقوى من الشمال فضربت اليمين مثلا لشدة الطي، والله أعلم.
وكلما طويت سماء نزلت ملائكتها إلى الأرض كما قال ﷿: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام، ونزل الملائكة تنزيلا﴾.
وقيل أن معنى قول الله ﷿: ﴿وفتحت السماء فكانت أبوابا﴾. هو أنها تفرج بعد أن لم يكن لها فرج وتفتح لها أبواب وتنزل فيها الملائكة.
[ ١ / ٤٥٣ ]
وقيل: أنها تصير الفروج لها والأبواب من قبل السقف والله أعلم.
ودل القرآن على أن الملائكة يومئذ يكونون من بين الناس أجمعين، وإنهم يسوقون الكفار إلى النار، ويلقونهم فيها، ويعذبونهم من حيث يرونهم، فإنه ﷿ قال حكاية عنهم: ﴿وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا، لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا، يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين، ويقولون حجرا محجورا﴾ فابان إنهم يرونهم يوم القيامة.
ووردت الأخبار بان الناس في قيامهم يعرفون حتى يبلغ الرسخ نصاف آذانهم ويسيل عنهم سبعين ذراعا، فقيل أن ذلك من شدة الحر. فيحتمل أن يكون ذل بثني الأفلاك وانحلالها. وأجمعت الأقاويل على أن الفلك المحيطة بالأملاك نار محضة.
وفي أخبار المسلمين أن فوق السموات نارا، وإن لم يكن فيها أنه فلك، وإن اسمها الأثير، كما سماه الذين ذكرناهم به، فإن كان ذلك مأخوذا لهم عن شيء، فتلك النار من جملة هذا العالم، لا فرق بينهما وبين سائر الأفلاك وغيرها من أجزاء السموات والكواكب، فلا يخلو من أن يلحقها ما يغيرها عن حالها الأولى، كما يلحق غيرها من أبعاض العالم.
وإذا كانت الكواكب منيرة، فتشبه ولا تبعد بقطع تلك النار وتنزل سفلا، فيجمع بينهما وبين نار جهنم، كما جمع زمن الطوفان، بين ماء السماء وماء الأرض. قال الله ﷿: ﴿ففتحنا أبواب السماء بمار منهمر، وفجرنا الأرض عيونا﴾ فالتقى الماء على أمر قد قدر.
وإن كان هذا كما وصفنا، فقد يمكن أن يكون اشتقاق للسماء من أنها إذا وهت وانحلت تدانت ودنت الغالبة منها بعد أن كانت شديدة البعد حدا فتكون بغيرها من هذا الوجه لا من النار التي تكون في السفل والله أعلم.
ثم تكون الحمله- والله أعلم- في بعث الناس قبل هذه الكوائن، أن يشاهدوها فيكون ذلك اشد لتكذيب الذين كانوا يقولون في الدنيا أن هذا العالم لم يزل على ما هو عليه، فلا يزال على ذلك أيضا .. وتصديق الذين كانوا يؤمنون بانقضائه وزواله، إذا العلم يقع للفريقين
[ ١ / ٤٥٤ ]
بذلك ضرورة ثم يكون حجة للمؤمنين على الكافرين، أمر الله ﷿ ثناؤه نبيه ﷺ أن يقول: ﴿قل اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه مختلفون﴾.
فصل
ووردت الأخبار بأن الناس يطول عليهم القيام في ذلك اليوم، فإنه يوم القيام وقد وصفه الله ﷿ بذلك، فقال: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾. ويحتمل أن يكون معناه يوم القيام صرعة الموت، ويحتمل أن تكون تسميته للمعنيين جميعا.
فإذا ضجروا وجهدوا سألوا أباهم آدم صلوات الله عليه: أن يشفع إلى الله جل ثناؤه، فيقضي فيهم قضاؤه، فيحيلهم على نوح، ونوح على إبراهيم، وإبراهيم على موسى، وموسى على عيسى، وعيسى يحيلهم على محمد ﷺ أجمعين. فيسجد نبينا المصطفى تحت العرش، ويحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ولا يزال ساجدا إلى أن يقال له: ارفع رأسك، وسل تعطى واشفع تشفع. فيسأل الله تعالى أن يحاسب عباده ويقضى فيهم قضاءه. فيأمر الله جل ثناؤه عند ذلك أن يحضر النبيون وكتاب الأعمال، وهم الكرام الكاتبون والمعنيون بالشهداء في قوله تعالى: ﴿وجيء بالنبيين والشهداء﴾، فحوسب الناس، ما تنطق بهم كتبهم ورويت لهم الأعمال، فيقضي بينهم بالحق، وقيل الحمد لله رب العالمين.
فصل
ثم الذي أوجب أن يكون الاعتراف بالحساب من شعب الإيمان أن الله ﷿ ذم الكفار بإنكارهم إياه، وتكذيبهم به، فقال: ﴿إنهم كانوا لا يرجون حسابا﴾ وقال: ﴿إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب﴾ فكان ذلك نظر ذمة جل ثناؤه إياهم بإنكارهم البعث في قوله: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل:
[ ١ / ٤٥٥ ]
بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما علمتم. وذلك على الله يسير﴾.
فلما كان التكذيب بالحساب كفرا، ذلك على أن الاعتراف بالحساب من الإيمان، كما أن التكذيب بالبعث لما كان من الإيمان كان الاعتراف بما كان الخلق لأجله، وهو الطاعة والعبادة والتزام ذلك وتقبله من الإيمان والله أعلم.
وإنما عددت الحساب والميزان بيعة واحدة، لأن المحاسبة تكون بالأعمال، وتميز الأقل والأكثر من الطاعة والمعصية، وإنما يكون بالوزن، فلم أر لتمييز الوزن عن الحساب وجها، فعددتها بيعة واحدة. والله أعلم.
فصل
وقال قائل من السفهاء الملبسين بالحكماء: أخبرونا عن الكرام الكاتبين أين يجلسون، وعلى ماذا يحيطون؟ وماذا يكتبون؟ وإن دخل أحد الخلاء، فهل يدخلون معه؟ وقد رويتم: لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو صورة، فإن كان هذا حقا فليربط من يريد أن لا تكتب أعماله في بيته كلبا، أو يعلق سترا فيه صورة، فيأمن بذلك من أن تنسخ أعماله ولا شيء أحب إلى الأحياء من الحياة، وأنتم تتلون: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم﴾.
فما الذي يمنع أحدكم من اقتناء الكلب في بيته، لينفر به ملك الموت عن نفسه، فيبقى في الدنيا خالدا ولا يخرج منها أبدا!
فالجواب- وبالله التوفيق- أن الملائكة لا يدخلون بيتا فيه كلب أو صورة. هم الذين يدخلون بيوت الأخيار للدعاء لهم والترتيل عليهم والاستماع إلى ذكر يجري فيه، والبيت لقلوبهم في الحال إلى يحتاجون إلى ذلك فيها، فإن هؤلاء إذا وجدوا أخذ من ذكرنا خالف ما يليق بطريقه إلى ما لا يليق بها ازور عنه، ولو وجوده يقني كلبا، وقد نهى عن اقتنائه، لم يدخلوا عليه لأن الكلب فيه شيئان: أحدهما سبع عاد إلى أن يكون
[ ١ / ٤٥٦ ]
معلمًا مطواعًا لصاحبه، واقتناؤه سوء نظر من يقتنيه لنفسه ولجيرانه، ولمن يدخل عليه ويخرج من عنده.
والآخر أنه يحبس لا يؤمن أن ينجس إناء أو بساطا أو لباسا أو طعاما أو شرابا من حيث يشعر به صاحب البيت أو من حيث يشعر به، وكذلك ممن يدخل عليه أو يخرج من عنده من بيوت الجيران، وباب البيت والممر كان إمساكه، وفيه هذان المعنيان. فإذا رأت الملائكة ذلك من أحد اجتنبوه، لأنهم يعدون ذلك حدثا أحدثه صاحب البيت مما لا يرضي الله تعالى. وكذلك الصورة لأن تصوير ذوات الأرواح حرام.
وجاء عن النبي ﷺ: "أن المصورين يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم"، وذلك لأن المصور يريد أن يضاهي بتصويره خلق الله ﷿، وهذا أعظم والملائكة أخوف لله تعالى من أن يصبروا على مثله. فلذلك ينصرفون عن بيت فيه التصاوير ولا يدخلوه لحط من الخير يكون لصاحب البيت في دخولهم إياه.
فأما الملائكة الموكلون بنسخ الأعمال وقبض الأرواح، فإنهم لا يمنعون من دخوله بيت أحد يحدث قبيح يحدثه فيهم، لكنهم ينتهون إلى ما هم ما يتورون به ويبلغون فيه رضي الله جل ثناؤه.
ومثل هذا في ما بيننا ما لا يستنكره أحد من العقلاء موجود، فإن الخير من الناس قد يغشاه الخيار متبركين بمجالسته، متكثرين بصداقته، فإن ظهر لهم منه ما يكرهون، انقبضوا عنه وتركوا غشيانه، ولكن المحسنين وإخوانهم يأتونه بل يهجمون عليه، مقومين إياه ورادعين له عن سوء صنيعه، ويدخله أحوال المسلمين، فيخرجونه ليقيموا عليه حدا عن كان لزمه ليحاسبوه.
فلذلك الملك لئن لم يدخل بيتا فيه كلب أو صورة لينتفع بدخوله صاحب البيت، فقد دخل بيته ليحصي أعماله، أو ينزع روحه، لا يمنع احد به معصية الله باقتناء الكلب أو نصب الصورة الملك من دخوله بيته لأمر يكون عليه، وإن منع من دخوله لحط عن الخير يكون له ويرجع إليه، كما يمنع إفساد صاحب المنزل، فيلجأ الناس من أن يدخلوا
[ ١ / ٤٥٧ ]
منزله مؤاخين إياه، متوددين إليهم. ولا يمنعهم من أن يدخلوه منكرين ومغرين عليه، أو مطالبين بحق ربه وبالله التوفيق.
وأما أن الملائكة لا تصحب رفقة فيها كلب أو جرس، فلأن الكلب سبع عاد محرم الاقتناء إلا لصاحب صيد أو ماشية، لا تدفع لصغرها وضعفها السابع عن أنفسها وهي الغنم.
فأن أراه الناس أن يحترزوا من عوائل بما هذا سبيله، لم يطلبوا من الله تعالى أن يبعث معهم ملائكة يحرسونهم ويحفظونهم. والجرس تسكن إلى صوته الإبل، ويقال أن الجن كلها تميل إلى أمثاله وتجتمع عليه والإبل فيها مغان من الجن ومن ذلك يكون نفارها في كثير من الأوقات بلا سبب ظاهر يعرف، أو من شيء لا يليق بها على ما هي عليه من الشدة والقوة أن تنفر منه.
فإن ما يحمل ذلك منها على أن الشياطين تعرض لها وتستهويها فتنفر وتميل إليها بالمشاكلة التي بينها خاصة دون سائر الدواب.
فإن كان هذا هكذا فإن تعليق الأجراس، كاستدعائهم وتآلفهم وجمعهم، وهم بالحقيقة أحد المسلمين، فمن آثر لنفسه هذا في سفره كان حقيقا لكن لا يقيض الله تعالى لحراسته ملائكته وأولياءه إلا أن هذا لا يمنع الموكلين بهؤلاء السفر من ملائكة الله تعالى أن يكتبوا عليهم أعمالهم، لكنهم في حال المعصية أولى بالتضييق عليهم منهم في حال الطاعة، وإن يقبضوا أرواحهم إذا جاءت آجالهم، فإن المقيم على ما يرضاه الله تعالى أولى أن يمهل ولا يؤجل عن أحد أجله من المتمسك بالطاعة والله أعلم.
فإن قيل: وما فائدة المسلمين في صحبة الملائكة إياهم.
قيل: فائدتهم إذا لزموا الطاعة لله تعالى أن تثبت الملائكة قلوبهم، فلا يحلوا ولا يضيعوا بالحل والترحال والسير بالليل والنهار درعا، ولا تنفر دوابهم لمعارضة الشياطين إياها، ولا يصلوا عن سوار فيه من الهوام والسابع واللصوص، إن حضروا سرا ليعلم بهم، فلا يقدروا على الأضرار بهم أو حضورهم جهدا، فيجهدوا ولا يصلوا إلى مرادهم.
ولعل لهم من الخير في ذلك ما لا يحضر ذكره ولا يعلمه إلا الله تعالى وبالله التوفيق.
[ ١ / ٤٥٨ ]
وأما قول القائل: أن الكرام الكاتبين، هل يدخلان الخلاء بدخول وكلائه إياه؟
فجوابه: أنه لا علم لنا بهذا، ونقول في الجملة: إن كانا مأمورين بالدخول معه دخلا، وإن كان الله تعالى يكرمهما عن ذلك ويطلعهما على ما يكون من الداخل مما سبيله أن يكتباه لئلا يغفلا عنه وينسخاه، فعلا ما يؤامران به. وليس في خفاء ذلك عابنا ما يوجب قدحا في ديننا ومقالتنا.
وأما قوله: أين يجلسان، فإن الله ﷿ يقول: ﴿وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين، يعلمون ما تفعلون﴾. وقال: ﴿عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عنيد﴾.
والمعنى عن اليمين قعيد وقد يعلم في الجملة إن الملائكة حيث هم من السماء والأرض حالا في الاستفزاز يكونون عليها خلاف الحال الذي يكون لهم إذ كانوا مثقلين ذاهبين وحابين أوصافهم حول العرش مستحين قبل الحال التي تكون لهم إذا رحلوا بهم، فيفرقوا في جوانبهم. وتلك الحال إن كان نحوا من قعود الناس، وإلا فأنتم القعود لها، مستعار وبالله التوفيق.
وأما قوله: أنهم بماذا يكتبون وعلى ماذا يخطون، فجوابه: أن لا علم لنا بذلك ونقول في الجملة: إنهم يكتبون على شيء يحتمل الطي والنشر، لقوله الله ﷿ ﴿ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا﴾.
وإن الله الذي خلقهم وخلق غيرهم لا يعجزه أن يخلق لهم بتنوير الجلود والقراطيس وما يكتب عليه الناس شيئا يخطون عليه، أما بقلم يخلقه بتنوير الأقلام التي يخط بها الناس، وأما بشيء كالقلم بمدام أو بغير مداد، والله أعلم بحقيقة ذلك.
[ ١ / ٤٥٩ ]