وهو باب في قبض اليد على الأموال المحرمة ويدخل فيه تحريم السرقة وقطع الطريق
قال الله ﷿:﴾ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ﴿. فحرم دفع المال إلى الحاكم ليأخذه بحكمه ما لا يستحقه إثما يأخذه، عالما بالإبطال من نفسه.
وقال في الأخذ باليمين الفاجرة:﴾ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، ولا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم ﴿. وقال في ذم اليهود وأخذهم الربا، وقد نهوا عنه:﴾ وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما ﴿. فذمهم بأكل أموال الناس بالباطل، كما ذمهم بنقض المواثيق، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير الحق، وعظم أمر التطفيف﴾ الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، فإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ﴿. وقال:﴾ وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ﴿. وقال:﴾ ولا تنقصوا المكيال والميزان ﴿إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى.
وقال في القمار:﴾ وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق ﴿. وقال:﴾ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ﴿وقال في السرقة:
[ ٣ / ٤٢ ]
﴾ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا، نكالا من الله ﴿.
وقال في المحاربة:﴾ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ﴿.
وقد جاء عن النبي ﷺ: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه). وقال: (ألا إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا). وقال: (ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) وقال: (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قطعت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه، فإنما أقطع له من النار). وقال: (من غضب شبرا من أرض طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين) وقال: (من حلف على يمين فاجرة ليقطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان).
وقد حكم الله بالقطع على السارق، على أن السرقة من الكبائر كالقتل، وإن كان التورع عنها من الإيمان، إذ كان بعض جوارح المؤمن مستقص من أهلها، فتفوته إقامة حقوق الله تعالى بها، كما كان استقصاص نفس المؤمن بالقتل دليلا على ان التجرد من القتل ظلما من شعب الإيمان، وعلى أن الإدمان اخو القتل. فإن النبي ﷺ كما قال: (من قتل قتيلا فله سلبه، كان من قطع يدي مشرك ورجليه وهو مقبل كمن قتله). ووجدنا اليدين والرجلين تستحق من الواحد متابع السرقات منه، كان ذلك كقتله. ودل ذلك على قرب منزلة السرقة من القتل. ودل خبر رسول الله ﷺ على أنها من الكبائر، فإنها ذكرت مع ما ذكر منها في حديث واحد.
[ ٣ / ٤٣ ]
فأما المحارب فقد تلوت في الآية. ومعناها: أنهم إن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، فإن عادوا بعد ذلك قطعت منهم الأيدي والأرجل الباقية فيعرضوا. وكان الحكم الأول من السارق الجلد. قال النبي ﷺ في حرمته: (الجلد غرامة مثلها وجلدات نكال). ثم نسخ الجلد وشرع القتل مكانه، ونسخ تضعيف الغرامة، وأقرت غرامة المثل. كما أقر به المسروق إذا كان قائما بعينه.
فأما الغصب والاختلاس والنهب فمحاربة ولكنه لا قطع فيها، إنما القطع من إخراج المال المحرز من خرزه عن جميع الدار إلى الطريق أو عن دار المسروق منه إلى غير داره وغير بيته.
فأما ما لم يكن محرزا أو لم يوجد محاربة فلا قطع فيه. وإذا كانت المحاربة فالبدو والحضر فيها سواء لعموم الآية. وأن أخذ المال محاربة إن كان أغلظ من أخذه سرقه لما فيه من المجاهدة، فهي إذا كانت في الأمصار مجاهدة. فوجب أن يكون مما يجاب الحد أولى منها إذا وقعت خارج المصر، ولا تكون كالغصب والاحتلاس، كما لا تكون المحاربة في المفازة بمنزلة الغصب والاختلاس. وإنما سموا محاربين لأنهم يأخذون السلاح لدفع المانعين والله هو المانع، فكأنهم قصدوا محاربته. وليس في الغصب والاختلاس هذا المعنى، فكذلك لما يكن فيها حد والله أعلم.
وأيضا فإن قطع الطريق ليس فيه أخذ المال فقط، ولكن هذا قد سد سبيل الكسب على الناس، لأن أكثر المكاسب وأعظمها التجارات، وعمادها وتركيبها الضرب في الأرض كما قال الله ﷿:﴾ وآخرون يضربون في الأرض ويبتغون من فضل الله ﴿. فإذا أخيف الطريق انقطع الناس عن السفر، واحتاجوا إلى لزوم البيوت، وانسد باب التجارة عليهم. وانقطعت أكسابهم. فشرع الله تعالى على قطاع الطريق الحدود المغلظة ردعا لهم عن سوء أفعالهم، وفتحا لباب التجارة لمن أرادها منهم.
فأما السرقة فليس فيها أيضا أخذ المال فقط، ولكن إشاعة الحزن على صاحبه، وإذا
[ ٣ / ٤٤ ]
لم يردع السراق، بطلت فائدة البيوت، والأكناف على الناس، وضاعت الأموال فصارت كلها تعرض للأخذ، فشرع الله تعالى عليهم الحد ودعا لهم على فعلهم، وأبقى على الملاك في أموالهم. والغصب ليس فيه إلا أخذ المال، والأغلب أنه يمكن استرجاعه بالسلطان، أو الحاكم أو بعين المغصوب عليه، ففارق ذلك المأخوذ سرقة أو محاربة. لأن الأغلب أن السارق والمحارب لا يلحقان ولا يمكن استرجاع المال منهما بسلطان ولا حاكم، فسلك به مسلك الخيانة ودرئ القطع عن فاعله، والله أعلم.
فصل
وإذا غصب الرجل من رجل مالا، فعليه رده. فإن مات، فقيمته أكثر مما كانت قيمته من يوم غصب إلى أن مات، وسواء خاصمه المغصوب أو لم يخاصمه إلى أن يبرئه، فتسقط تبعته عنه.
وإن غصبه ماشية فأنجبت أو جارية فولدت، فعليه رد الأصل وما تفرع عنه، وأيهما هلك في يده ضمن له قيمته، سواء طالب به مالكه أو لم يطالبه وهو ضامن المنع لأن مال المغصوب، وحق إمساك المال لمالكه ما لم يطلب نفسا عنه. كما أن حق التصرف فيه له، ما لم يأذن لغيره. وليس السكوت عن المطالبة إذنا له في الإمساك، كما ليس السكوت عن المتصرف في ماله بغير إذنه رضى منه بتصرفه. وإن وقع مال رجل في يد آخر لا بإرادته فاجترئ عليه وذلك أن تدخل دابة رجل اصطبل رجل، أو عند رجل دار رجل أواه، خرج من سطح رجل عن شيء، عن ماله، فهوى في دار رجل أو تهب ريح فيلقي ثوب رجل في حجر رجل، فيحتوي من صار إليه المال من بعض الوجوه التي ذكرتها على المال. فإن كان يعلم صاحبه ففرض عليه أن يعلمه حال ماله، فيرى فيه رأيه من إقرار أو نقل، فإن لم يعلم صاحبه كان عنده على حكم الأمانة إلى أن يعلم. وإذا وجد لقيطة فأراد أخذها فلا يحل له أن يأخذها لنفسه ولا يسعه أن يأخذها إلا لربها، ولكن يحفظها ويعرفها، فإذا ظهر صاحبها ردها. وينبغي له إذا أخذها أن يشهد عليها، ثم يقوم على تعريفها هو، لا حيث وجدها، وفي السوق والمسجد وحيث يرجو أن يكون
[ ٣ / ٤٥ ]
طالبها فيه. وليقل: من الذي ضاع له مال، أو أسقط مالا، أو ضل له مال؟ أو ما يشبه ذلك.
فإن جاءه من يعرف اللقيطة، وذكرها ووصفها، فوقع في قلبه أنه لها، دفعها إليه. وإن رأى أن يحتاط لنفسه أو يسأل البينة، فذلك له.
وإذا ستعار من رجل مالا، فلا يسرف في الانتفاع وليشفق على مال غيره كماله، فإذا استغنى عنه أو طالبه به مالكه، فليردده. فإن النبي ﷺ لما ستعار من صفوان دروعه، قال: أغصبا يا محمد؟ قال: (لا بل عارية مضمونة مؤداه). فإن هلكت عنده من العمل المأذون فيه، فلا شيء عليه.
وإن هلكت لسبب ضمنها لربها إذا باع الرجل ماله وقبض ثمنه، وكان الثمن مؤجلا، فليس له منعه على المشتري، وعليه تسليمه إليه، وليس للمشتري حبس ثمن البائع، إذ كانت السلعة حاضرة يتهيأ قبضها، وكل بيع فسد وجب رفضه، ولم يجز العمل به.
فإن قبض المشتري ما اشتراه لم يملكه، وعليه رده إلى البائع، طالبه ولم يطالبه. وإذا رهن الرجل مالا بدين عليه وسلمه إلى المرتهن، فالمرتهن أمير فيه.
وإذا قبض حقه وجب عليه رده، طالبه الراهن به أو لم يطالبه، لأنه إنما رضي بيده ما دام مرتهنا وقد أقيل الرهن، وإن هلك الرهن لم يكن للراهن أن يمنعه دينه، وكان عليه أن يقضيه.
إن ادعى رجل على رجل ما لا بباطل، وأقام عليه شهود زور، ولم يعرف الحاكم أمرهم، فقبلهم وحكم للمدعي بالمال، فلا يأخذ به، فإنه حرام. وسواء كان ادعى عليه بيعا أو هبة أو ميراثا، كل ذلك سواء، والله أعلم.
وإن وجبت لرجل على رجل شفعة فيها اشترى، وأحسن طلبها، كان عليه تسليمها إذا أعطاه الثمن الذي اشتراه، ولم يجز له حبسها، ولا يحل لمن أعطى زكاة وليس من أهلها أن يقبلها.
[ ٣ / ٤٦ ]
فإن قبلها وتملكها، وكان عليه ردها إلا أن يكون المعطي علم أن الزكاة لا تحل له فتكون صدقة تطوع، ويحل له قبولها، ولا يحل لأحد أن يأخذ من أحد مالا على دفع ظلم عنه، أو على رد مال في يده عليه.
فلو أن الملتقط زاه من صاحب المال شيئا ليرد عليه ماله، أو أراد المودع أو الغاصب أو السارق أو المرتهن، لم يحق لواحد أن يأخذ.
فأما صاحب المال إذا اضطر وعم أنه لا يصل إلى ماله إلا بشيء يرضخه لمن هو في يده فله أن يعطى، ولا يحل لمن هو عنده أن يأخذ. وهكذا المدعي عليه البرئ إذا أراد أن لا يحلف، فله أن يفتدي لنفسه بشيء يعطيه المدعي ولا يحل للمدعي أخذه.
ومن أعظم المحرمات الربا، قال الله ﷿:﴾ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ﴿. وذلك- والله أعلم- شعار لهم يعرفون به يوم القيامة، والعذاب من وراء ذلك. وقد جاءت الأخبار في بيان الربا، وعلم ذلك موجود في كتب الأحكام.
ومن المحرمات القمار: وصنف منه الميسر، وقد مضى ذكره، وجاء في السبق من أدخل فرسا بين فرسين، هو لا يؤمن أن يسبق فلا بأس له وإن كان مؤمنا أن يسبق فذلك القمار، فإذا تسابق رجلان بفرسيهما والمال من إحداهما على أنه إن سبق فله ماله، ولا شيء له غيره. وإن سبقه صاحبه أخذ ماله، وهذا جائز. وإن أخرج كل واحد منهما مالا على أن أحدهما إن سبق كان له ماله ومال صاحبه، فهذا قمار. وإن أراد أن يحرز ويزول معنى القمار عنه، أدخلا بينهما محللا، ولا يخرج المحل شيئا، ويستفتون على أن أحدهما إن سبق أحرز ماله، وأخذ مال صاحبه الذي أخرجه، ولم يكن على المحلل شيء. وإن سبق المحلل أحرز المالين جميع. وإن جاءا مستويين أحرز كل واحد منهما ماله. ولم يكن لواحد منهما غيره.
[ ٣ / ٤٧ ]
وإن كان الفرس المحلل ضعيفا يؤمن أن يسبق له يقع به التحليل، وكان وجوده وعدمه سواء، والله أعلم.
ولا يجوز اللعب بالشطرنج والنرد بشرط المال، ولا اللعب بالجمار على شرط المال، وذلك قمار.
وأخذ الأجر على إطراق الفجر حرام. وكذلك مهر البغي وصلوات الكاهن، وثمن الكذب، ويكل ذلك جاء الحديث عن النبي ﷺ، ولا يحل أن يتراهن رجلان على تخيرانهما من أنفسهما على عمل فيقول أحدهما: إن قدرت على رقي هذا الجبل فلك كذا، وإن قفزت من جانب هذا النهر إلى ذلك الجانب فلك كذا، وإن أقللت هذه الصخرة فلك كذا، وإن أكلت كذا وكذا من شيء يذكره فلك كذا، فإن هذا كله من أكل المال بالباطل، وكله حرام. وبالله التوفيق.
[ ٣ / ٤٨ ]