وهو باب في إكرام الضيف
جاء فيه عن النبي ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).
وروى أنه ضاف رسول الله ﷺ ضيف كافر، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة فحلبت فشربه، حتى شرب حلاب سبع شباه. ثم أصبح الغد فأسلم. فأمر له رسول الله ﷺ بشاة فحلبت، فشرب حلابها ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها، فقال رسول الله ﷺ: (المؤمن يشرب من معاء واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء).
وينبغي لمن نزل به ضيف أن يعجل له ما يقدر عليه، فيقدمه في الوقت إليه، لأن الأغلب توقان نفسه إلى الطعام. قال الأحنف بن قيس: ثلاث ليس عندي فيهن أناة، الضيف إذا نزل بي أعجل له ما كان، والجنازة أن لا أحبسها، والأيم إذا عرضت لي رغبة أن أزوجها. وجاء أن رجلًا دخل على سلمان فدعا له بخبز وملح فأكل. قال سلمان: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أولًا، أنا نهينا أن يتكلف أحدنا لصاحبه لتكلفت لك. ومعنى هذا فيما نرى أنه نهاهم أن يرفضوا الضيف إلى أن يدرك ما يتكلف به. ولم ينههم عن التكلف أصلًا، لأنه قد قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).
وليس من الإكراه أن يكون الذي في المنزل مما لا يكرم أحد فيه، فقد يمد إليه فيقتصر الضيف عليه ولا يتكلف له غيره. فثبت أن معنى الحديث ما قلت. وفيه من المعنى أن الضيف ألصق جوارًا من الجار المطلق، لأن ذلك جار بالبدن، فأي إحسان أوجب لأبعد الجارين، فهو لأقربهما أوجب. وفيه أن من نزل به ضيف ثقة، وإحسان
[ ٣ / ٣٥٩ ]
ظن به فقبله، أو كان استضافه، فإن استضافه أمانة، ويدخل في عهده، لأن قبول الضيف لا يكون إلا للقرى، وإذا لم يقره ولم يكرمه كان كمن قبل أمانة ثم ضيعها.
ألا ترى أن لوطًا النبي ﵇ كيف شرح صدرًا بأن يقري الذين قدرهم لضيافة ببناته، فقال: ﴿هؤلاء بناتي هن أطهر لكم، فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي﴾. وقال: ﴿إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تخزون﴾. لو رأى أن الأضياف أمانات لما التزم في بناته ما لا شيء أشد على قلوب الرجال منه.
وفيه أن التقصير في حق الضيف لوم وخشية، والله ﷿ بعث لرسول الله ﷺ بمكارم الأخلاق، وقال: أن يحب معالي الأخلاق وينقص بسفسافها. فدل ذلك على أن معاملة الضيف بغير الإكرام ليست من أخلاق هذا الدين والله أعلم. ثم قد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (الضيافة ثلاثة أيام فإن جاوزها فهو صدقة) وجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه، فهو دين عليه إن شاء اقتضاه).
وقال ﷺ: (الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة وما أنفق عليه بعد ذلك فهو صدقة له ولا يحل له أن يثوى عنده حتى يخرجه). فبان أن الضيف إذا لم يوجد بعد ثلاث لم يكن له الإخلال بحقه في الكراهية له، لو وقع في الثلاث، لأن الصدقة تكون بحسب رأي المتصدق، وكما يمكن ويتسر. وإكرام الضيف أن يلقاه صاحب البيت بالطلاقة والبشر، ويحضر ما يحتاج إليه قبل الوقت الذي يتوقعه فيه، وأحسن وأوفر بما جرت به عادته مع أهله وولده. ويثويه أوسع ما عنده من الأماكن وأنزهها وأشرحها لصدره، وأسنحها في الشتاء، وأدوجها في الصيف، ويفرش مجلسه ومرقده أحسن وأنعم مما يفرشه لنفسه. ويحتمل عنه من مؤن من يصحبه من خدامه ودوابه ما يحمل من مؤونة نفسه. وإذا خرج زوده ما يكفيه يومه، وشيعه ميلًا إن كان عليه خوفًا، فقدر على أن يمده بمن يأمن بمرافقتهم إلى المنازل، وفعل ذلك حسن والله أعلم.
[ ٣ / ٣٦٠ ]