- وهو باب في الإيمان بالنبي ومن تقدمه من النبيين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين بدلائله وحججه-
ويتلو الإيمان بالله جل ثناؤه اعتقادا وإقرار الإيمان برسل الله صلوات الله عليهم عامة اعتقادا وإقرارا، إلا أن الإيمان بمن عدا نبينا صلوات الله عليه هو الإيمان، فإنهم كانوا مرسلين إلى الذين ذكروا لهم، أنهم رسل الله إليهم، وكانوا في ذلك صادقين محقين، والإيمان بالمصطفى نبينا صلوات الله عليه هو التصديق بأنه نبي الله ورسوله إلى الذين بعث فيهم والي من بعدهم من الأنس والجن إلى قيام الساعة.
قال الله جل ثناؤه: ﴿آمنوا بالله ورسوله﴾ فقرن اليمان برسوله بالإيمان به.
وقال: ﴿والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله﴾.
وقال: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله، ويقولن نؤمن ببعض ونفكر ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا، واعتدنا للكافرين عذابا مهينا﴾. وفي هذه الآية أن الله ﷿ جعل الكف ببعض رسله كفرا بجميعهم، ثم جعل الكفر كفرا به.
وقال بعد ذلك: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما﴾.
فثبت أن حسب المآب إنما يكون لمن لم يفرق بين رسل الله تعلى وآمن بجماعتهم.
[ ١ / ٢٣٧ ]
والإيمان برسول الله ﷺ يتضمن الإيمان له، وهو يقول فأجابه من عند الله جل ثناؤه والعزم على العمل به، لأن تصديقه في أنه رسول الله إلزاما لطاعته، كما كان الأمر بالله إلزاما لطاعته إذا أقر أو نهى، وذلك راجع إلى الإيمان بالله تعالى، والإيمان فأما رجوعه إلى الإيمان بالله تعالى فلأنه يستحيل وجود التصديق بأن أحدا رسول الله مع عدم الاعتراف بالله، إذا الرسل تقتضي مرسلا كما تقتضي مرسلا إليه وكان يقضي رسالة، فمن صدق أحدا في أنه رسول الله فقد أثبت الله وصدق به.
وأما رجوعه إلى معنى الإيمان فيه فلان القبول عن رسول الله قبول عن الله، والطاعة طاعة الله ﷿، وإذا كان الله هو المعبود دون رسوله، وهو المرغوب إليه، والمرهوب منه دونه من سواه، فمن ثبت له أنه رسوله وجبت الطاعة لأوامره لأنها أوامر المرسل الذي جب طاعته شكرا للنعمة التي أولاها الإبداع والإخراج من العدم إلى الوجود ثم الحياة ثم العقل ثم البيان، وإجلالا له عن أن يعصى، وهو المالك الذي لا يد فوق يده ولا مانع يرده بوعيده والإيمان برسول الله ﷺ، وإن كان في الجملة تصديقه في الرسالة على الوجه الذي يذكره ويصفه، وأنه يتفرع ويتشعب فروعا وشعبا:
أولها: تصديقا في أن الله ﷿ ثناؤه أرسله فميزه برتبة الرسالة من سائر الناس.
والثاني: تصديقه في أنه عز اسمه، أرسله بما يقول: وأن الذي يؤديه هو رسالة الله التي أرسله بها.
والثالث: تصديقه في أنه أرسله إلى من يذكر أنه أرسله إليهم من خصوص أو عموم.
والرابع: تصديقه في انه خاتم النبيين لا رسول ولا نبي بعده، والشريعة المشروعة له آخر الشريعة وعليها تقوم الساعة.
والخامس: تصديقه في صفة إرساله إذ أثبتها لقومه. فإن قال: أوحي إلي على لسان ملك، صدق في أن الذي يأتيه ملك، والذي ينزل عليه وحي من الله جل ثناؤه ليقع بذلك تنزهه من الكهانة.
وإن قال: ألهمني ربي، صدق في أن ما يجده في قلبه قذف من الله تعالى ليقع بذلك تنزيهه عن الوسوسة. وأن قال: هتف بي، صدق في أنه قد نودي في الحقيقة فاسمع ما.
[ ١ / ٢٣٨ ]
يقول ليقع بذلك تنزيهه عن التخيلات الباطلة والأوهام الفاسدة. وإن قال: رأيت في المنام، صدقي في أن الله جل ثناؤه أراه في المنام ما يقول، ليقع بذلك تنزيهه عن درجة الذين يحملون في منامهم بما لا أصل له والله أعلم.
فصل
ومما يجب معرفته في هذا الباب معنى النبوة وتفسيرها عن النبي ﷺ، أنه قال: "الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة". والفرق بين النبي والرسول فنقول- وبالله التوفيق-: أن النبوة أسم مشتق من النبأ وهو الخبر، إلا أن المراد به في هذا الموضع خبر خاص وهو الذي يلزم الله ﷿ به أحدا من عباده فيميزه بإلقائه إليه عن غيره، ويوقفه به على شريعته بما فيها من أمر ونهي ووعظ وإرشاد ووعد ووعيد، فتكون النبوة على هذا الخبر والمعرفة بالخبرات الموصوفة التي ذكرتها، والنبي هو المخبر بها.
فإن أنضاف إلى هذا التوفيق أمر تبليغه إلى الناس ودعائهم إليه، كان نبيا رسولا. وأن ألقي إليه ما ذكرنا ليعمل به في خاصته، ولم يؤمن بتبليغه والدعاء إليه كان نبيا ولم يكن رسولا، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا.
ثم أن الأنبياء صلوات الله عليهم يخصون وراء ما وصفت بآيات يؤكدون فيها ليتميزوا بها عمن ليس مثلهم كما تميزوا بالعلم الذي أوتوه. فيكون الخصوص وأفعالهم من الوجهين ألا أن ما في حيز التعليم فهو النبوة، وما وقع في حيز التأييد فهو حجة النبوة. والخصوص من قبل التعليم قد يكون في الجهة التي منها يلقون العلم، وبه تكون في العلم التي تلقى فيهم، والواقع من ذلك في جهة العلم وجوه منها وهو أعلاها: درجة تكليم الله ﷿ من كلم منهم، قال الله ﷿: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ وقال: ﴿هل أتاك حديث موسى إذا ناداه ربه بالواد المقدس طوى، إذهب إلى فرعون إنه طغى﴾ وقال:
[ ١ / ٢٣٩ ]
﴿فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين﴾.
ومنها أن يلهم الله تعالى واحدا منهم بالكلام يسمعه على كل شيء فيجده في نفسه من غير موصل يقدمه إلا منه إليه بحس واستدلال.
ومنها أن يوحى إليه على لسان ملك فيراه فيكلمه كما يكلم واحدا من البشر صاحبه فيقع له العلم بما يسمعه منه.
ومنها أن يأمر الملك فينفث في روعه كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أن روح القدس نفث في روحي: فإن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب". وهذا هو الوحي الذي يخص القلب دون السمع وفي كتاب الله ﷿: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين﴾. وقالا لله ﷿: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة إني معكم فثبتوا الذين آمنوا﴾.
وذلك- والله أعلم- أن ينفث الملك في روح المؤمن من الأطماع في الظفر بالعدو، والرغبة في الثواب والأجر والاتكال من القرار، فيحمله ما يجده في قلبه من هذه المعاني في الثبات ويزول عنه ما يسوس به الشيطان من التخويف والإحباط من الظفر، والحمل على اغتنام السلامة بالرجوع إلى الأهل، إذ كان الملك ينفث في روع كل مؤمن. فما الفرق بين النبي وبين من دونه؟
قيل له: لا ينفث في روح من دون النبي ﷺ علم الأحكام ولا علم الكوائن والحوادث المستقبلة، والوعد والوعيد، وإنما ينفث في روعه ما تقدم ذكره وما يشبهه فيكون ذلك مددا للتوفيق يدرأ به عنه وساوس الشيطان عن صدره والله أعلم.
ومنها إكمال عقل النبي وتقويته صيانته عن الخبل والجنون فلا يعرضان له، وبالحر في أن يكون ذلك لا آلة التمييز والعيان على الدلائل كلها هو العقل، فيحق أن يكون من اصطفاه الله تعالى بتكليمه وإرسال ملك إليه بأمره ونهيه ووعده ووعيده أقوى
[ ١ / ٢٤٠ ]
الناس تمييزا وأصحهم إدراكا في كل ما يلقى إليه، وأثبتهم فصلا فيما هو عنده الخطاب والتكليف، ولولاه لم يكن بين الناس وبين البهائم فرق، ول لهم عليها فضل، فإنه إنما يبلغ عن الله يلقى عنه ويتلقى عنه بحسب ما يؤول فيه من قوة الإدراك والقبول.
فإذا لم تكن تلك القوة في نهاية الشدة، ثم أنضاف إلى ذلك خروج للأمر فيما يلقى الله من العرف والعادة، واقتربت به الهيبة والخشية حتى يقيد لهما أحواله في تلك الوقت عيانا، عما كانت تكون عليه في سائر الأوقات عسر عليه ضبط ما يلقى إليه وتثبته على وجهه وحقيقته، فيثبت بما وصفنا أن عقول الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين أكمل العقول وآراءهم أشد الآراء، ولذلك يكملون لقبول الوحي أولا، وتبليغه ثانيا والله أعلم.
ومنها تقوية حفظه وذكره حتى يسمع السور التي لم يسمعها، ولا كلاما مثلها منظوما ينظم خارج عن نظوم كلام الناس، من الملك مرة واحدة فيعيها طويلة كانت أو قصيرة ويحويها قلبه ولا ينس منها حرفا حتى يبلغها الناس كما أخذها من الملك.
ومنها أن يعصم من الزلل في رأيه، فإذا اجتهد في الحوادث رأيه لم يخطئ، ولم يحلم إلا بالصواب والحق.
ومنها إذكاء فهمه حتى يتسع لضروب من الاستنباط بما أوحي إليه لا يبلغها فهم من دونه، وحقيق أن يكون كذلك. وأن العلماء من أمته متفاضلون، فمنهم من يدرك بفهمه ما لا يدركه فهم غيره وان فهمه، فالنبي الذي هو أعلم العلماء أولى بان يفضل أمته فيكمل من الاستنباط لما يقصر عنه غيره. وقال بعض العلماء: أن عامة سنن رسول الله ﷺ راجعة إلى القرآن. ومعلوم أنه ليس كل شيء منها تقف العلماء على أصله، فذلك إذا لأن النبي ﷺ، كان يدرك من معاني الوحي مما لا يبلغه فهم غيره فيحسب ذلك كأن يكون استنباطه والله أعلم.
ومنها إذكاء بصره حتى يدرك الشيء النائي الذي لا يقوى بصره في كل وقت، ولا يصر غيره على إدراك ما بعد ذلك البعد ولا ما دونه كما قال نبينا ﷺ: زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربه وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها. ومعلوم أن البصراء
[ ١ / ٢٤١ ]
يتفاوتون في البصر تفاوتا بعيدا. وقد كانت زرقاء اليمامة تدرك الشيء من مسيرة ثلاث، وقصتها في ذلك مشهورة. فلا ينكر أن تفاوت بين النبي وبين غيره بإذكاء بصره حالا ووقتا ليدرك به ما يفوض له مما يراد توفيقه عليه، ويكون معنى قوله: "زويت لي الأرض" على هذا أي قربت علي إدراك مشارقها ومغاربها، فكانت من إحاطة بصره بي لها كأنها حاضرة إياه والله أعلم.
ومنها إذكاء سمعه: حتى يسمع مالا يقدر غيره على سماعه لبعد المسابقة بينه وبينه، كما روي على نبينا ﷺ أنه قال: "أطت السماء وحق لها أن تئط، ما منها موضع قدم إلا وفيه ملك واضع جبهته ساجدا لله تعالى"، وروي عنه أنه سمع وحيه فذكر أنها هوى بصخرة قذفت في جهنم لم تبلغ قعرها إلى الآن، ولا سبيل للملحدين إلى استبعاد هذا واستنكاره، فإنهم يدعون لفيثاغورس أنه كان يسمع أصوات الكواكب والأفلاك إذا تحركت، وأنه الف الحانه عليها، وهم عندنا في ذلك كاذبون إلا أن يثبت أن فيثاغورس كان نبيا، فيجوز أن يكون اسمع ما ليس في العبادات إمكان إسماعه وتأليفه الألحان عليها أنه يصدقه.
ومنها إحضار النبي: مشاهد لا يبلغ فوق البشر أن يبلغها، كالعروج بنبينا ﷺ، ورفع موسى حيا إلى السماء في قول أكثر المسلمين. ورفع إدريس والياس على ما وردت به الأخبار. وهذا إنما يدخل في باب الإعلام لنبينا ﷺ خاصة لأنه عرج به إلى السماء ليشاهد فيها من الآيات الباهرة للعقول ما لم يكن يشاهد مثلها في الأرض، وليوصي به فرض الصلاة، فيرجع به إلى أمته. فأما عيسى ﵇ وإدريس، فإنما رفع للإسكان، وإخراجهما من بين أهل الأرض لتعليم شيء لم يكونا علماه من قبل والله أعلم.
ومنها إذكاء شمه كما فعله بإسرائيل صلوات الله عليه بأن يوسف ﵇ لما أمر بحمل قميصه إليه وإلقائه على وجهه، وفصلت العير من مصر، قال أبوه: ﴿إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون﴾.
[ ١ / ٢٤٢ ]
ومنها تسييره في مدة يسيرة مسافة طويلة لا يقدر البشر على قطع مثلها في مثل تلك المدة، كالإسراء بنبينا صلوات الله عليه من مكة إلى بيت المقدس، ورده منها إلى مكة في بعض ليلة. قال الله ﷿: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾، ولأنه ﷿ أخبر عن فائدة ذلك والحكمة فيه، قال: ﴿لنريه من آياتنا﴾. دخل في باب الإعلام والتوفيق، وإن كان يدخل من وجه آخر في باب التأييد.
ومنها تعيير العبادة في مخاطبته، فقد روى أنه قيل للنبي ﷺ: "كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟ فقال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيقضي عني وقد وعيت ما قال. وأحيانا تمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما قال" وإنما كان الأول أشد الوحي عليه، لان الملك إذا مثل له رجلا فلقيه في صورة حسنة لم يداخله به روح ولا أمر تحول بينه وبين القبول عنه، وكلمه مع ذلك بلسانه الذي يعرفه كلاما عهد مثله، فلم يبعد مراده من فهمه.
وأما إذا لم ير ملكا وسمع صوتا مثل صلصلة الجرس واضطر إلى علم أنه وحي، فأول ما في ذلك أن مثل هذا الصوت إذا قرع القلب، ثم إذا أقيم مقام الكلام ولم يكن في نفسه معهودا نبا القلب عنه أول ما يرد عليه، ثم إذا العلم بأنه خطاب يحتاج إلى تلقيه وحفظه زاد ذلك في شغل القلب به.
ثم أن المخاطب بمثل هذا الصوت لا يخلو من أن يحول في ذلك الوقت عن طباعه، حتى أنه ربما أثر ذلك في أحواله الظاهرة منه، ليصير كالصحيح إذا مرض، أو الماشي إذا جهد ونصب، أو الصائم إذا جاع أو عطش.
وكان ما يعرض للنبي ﷺ عند نزول الوحي عليه من البرحاء والومضاء من العرق منه في اليوم الثاني، ونقله على الراحلة حتى يكاد بطنها يلتصق بالأرض وينكسر عضداها، من هذا الوجه وقد روى في قول الله ﷿: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم، قالوا ماذا قال
[ ١ / ٢٤٣ ]
ربكم، قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾. أن الله ﷿ إذا تكلم بالوحي سمع أهل السموات مثل صوت الصلصلة على الصنوان، ففزعوا فإذا انقضى الوحي قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم، قالوا الحق، وهو العلي الكبير. فإذا كان الوحي الذي يوحى إلى الملائكة صوتا مثل صوت السلسلة على الصفوان.
فالنبي ﷺ إذا أوحى إليه بصوت مثل صوت الجرس، كان هذا الوحي شبيها بالوحي الذي يوحى إلى الملائكة قبسه، والله أعلم أنه في تلك الحال كان يلزم بأديانه من طباع الملائكة وتمثيله في بعض الوجوه لهم، كما كان الملك في بعض الأحوال يمثل رجلا لتعليمه ومخاطبته فيلقى الوحي الذي يوحي بمثله إلى الملائكة، ويشتد ذلك عليه، إلا أن الله ﷿ يعصمه خلال ذلك من الإغفال والنسيان فكانت تلك الحالة تنقضي عنه. وقد وعى ما قيل له والله أعلم.
ومنها أن يحدث الله تعالى في صيوان قد ذبح وشوى كلاما فيسمعه النبي صلى الله عليه ويلم ليدل به على أمر مغيب عنه، كما روى أن الذراع قالت له في بيت يهودي: إني مسمومة فلاتأ كلني وهذا يدخل في باب التعليم من الوجه الذي بينته، ويدخل في باب التأييد من حيث أن كلام الذراع شيء غير معهودة.
ومنها أن يحدث الله تعالى في الحيوان الذي لا صوت له، صوتا يحضره نبي ويسمعه إياه فتختص بإدراكه، ثم يخبر به غيره، قال الله ﷿ في قصة سليمات ﵇: ﴿حق إذا أتوا على واد النمل، قالت نملة: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون﴾.
وهذا يدخل في باب التعليم، ويدخل في باب التأييد، فأما دخوله في باب التعليم فقد يكون أنه أريد بإقرار النملة على الكلام، واستماعه ذلك منها. ويكون من وجه أن يعلمه عن في طريقه نملا كثيرا ليعدل بجنوده عن ذلك الطريق فلا يحطموها وهم لا يشعرون. وأما دخوله في باب التأييد، فمن وجه انه أمر غيره معهود خص سليمان بأحد آية ونقص الصلاة به لأجله فكان كسائر الآيات والبينات، وهذا مصح إن كان قومه
[ ١ / ٢٤٤ ]
سمعوا للنملة نغمة ما، ثم بين لهم سليمان من مرادها ما لم يعرفوه.
ومنها إنطاق النبات لسليمان صلوات الله عليه، فقد روى إنه كان إذا أصبح كل يوم رأى حشيشة جديدة، قد نبتت بين يديه، فيقول لها: ما أنت ولما أنت؟ فتقول: أنا كذا وأصلح لكذا، فلما كان اليوم نبت فيه الخروب قال سليمان: قد إذن الله في حراب هذا المسجد.
ومثل هذا لا ينكر للأنبياء، صلوات الله عليهم، لأن آياتهم لو كانت من جنس الأمور المعهودة المألوفة لم يكن لهم فيها حجة لأنهم محتاجون إلى ما يميزهم عن غيرهم، والتمييز لا يقع بالأمر المشترك فواجب إذا كان تكون آياتهم كلها مباينة للعادات. وأيضا فإن الذي يقدر على أن ينطق غير النبات لا يعجزه أن ينطق بالنبات.
فإن قيل: إنما ينطق غير النبات بآلة المنطق، والنبات ليست له تلك الآلة!
قيل: إن الذي يسمى آلة المنطق ليس شيئا يقتضي المنطق بكل حال، لأنه لو كان لذلك، لما جاز أن يوجد ذو لسان أخرس، وفي وجودنا ذاك دليل على أن الله تعالى وضع للناس فإجرائهم عليها في أن لفظهم يكون باللسان، وإلا فاللسان والأصبع في جماد أن ينطقه الله فينطق سواء. وكذلك ما له لسان وما لا لسان له في ذلك سواء وبالله التوفيق.
ومنها ما جاء من إفهام الله تعالى نبينا ﷺ كلام الذئب، فقد روى أن نبينا ﷺ جالسا بالمدينة في أصحابه إذ أقبل ذئب فوقف بين يديه، فعوى. فقال رسول الله ﷺ: "هذا وفد السباع إليكم، فإن أحببتم أن تعرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره، وإن أحببتكم تركتموه واحترزتم منه، فما أخذ فهو رزقه. قالوا يا رسول الله ما تطيب أنفسنا بشيء، فأومأ إليه النبي ﷺ، فولى وله عسلان". فهذا يدخل في باب التعليم من وجه أن الذئب لما جاءه فسأله النظر بينه وبين أرباب المواشي، أعلمه الله مراده بعوائه ومحيه، ويدخل في باب التأييد من وجه إن فيه شهادة من الذئب بنبوته.
ومنها ما جاء من إفهام الله تعالى إياه رغاء البعير وحنينه. فيما يروي أن النبي ﷺ
[ ١ / ٢٤٥ ]
دخل حائط رجل من الأنصار، فإذا جمل، فأما رأى النبي صلى الله عليه وسن حن وذرفت عيناه، فاتاه النبي ﷺ فمسح شراته وذفراه. ثم قال: من رب هذا الجمل فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله! فقال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة، فإنه شكا إلى أنك تجميعه وترئبه.
وفي حديث آخر: خرج النبي ﷺ فجاءه بعير يرغو حتى سجد له فقال: أتدرون ما يقول! زعم أنه خدم مواليه أربعين سنة، حتى إذا كبر نقصوا من علفه وزادوا في عمله، حتى إذا كان لهم عرس أخذوا الشفار لينحروه فأرسل إلى مواليه، فقالوا: صدق والله يا رسول الله! فقال: إني أحب أن تدعوه، فتركوه. فهذا يدخل في باب التعليم من وجه، أن الجمل لما تظلم إلى رسول الله ﷺ بحنينه والثاني برغائه، أفهمه الله تعالى مراده، فنظر لذلك في أمره وقضى حاجته، فدخل في باب التأييد من وجه أن فيه شهادة من كل واحد منهما بنبوته.
ومنها إن سمع النبي ﷺ ولا يرى مكلما فيقع له العلم بما قيل له، وذكر وهب في كتابه: إن كان للأنبياء منازل، فمنهم من كان يسمع الصوت فيهمه ويحتمل أن ذلك كان يكون صوتا يحدثه الله تعالى عند سمع النبي ﷺ فيجيبه ويلهمه الله المراد منه فيعرفه، ويحتمل أن يكون ذلك الصوت كلاما معهودا، فإذا حصل إلى سمعه عرف.
ومنها الجمع بين النبي ﷺ وبين الجن، وقد كان نبينا صلوات الله عليه مبعوثا إلى الجن والإنس، فيمكن من مشاهدتهم ومناطقتهم، وبلغهم الرسالة شفاها وعيانا. فقد حل هذا في باب العلم، من حيث أنهم عالم كثير محجوبون عن الأبصار، وفي خلقهم ما يزيد الناظر والواقف عليه بصيرة ويقينا بالله جل ثناؤه، وانبساط قدرته. فإذ ميزت له رؤيتهم ومعرفتهم ازداد علما بالله جل ثناؤه، لما يشاهده من آياته فيهم، ويراه من آثار قدرته الظاهرة عليهم. ويدخل في باب التأييد من وجه أنه يمكن من لقائهم ومكالمتهم وقراءة القرآن عليهم لا تكون إلا مع حجة دعوته وثبوت نبوته.
[ ١ / ٢٤٦ ]
ومنها أن يحتاج إلى جواب مخالفته إلى العلم بشيء غائب عنه، فيمثل له حتى يراه، فيجربه ويدفع بذلك الخصم عن نفسه، كما أنه لما حدث الناس بأنه أسرى به إلى بيت المقدس، وصل فيه ورجع من ليلته احضروا له من كان رأى بيت المقدس وعرفه فاسعد له، فكان يصفه له وتبعته إلى أن كاد يخفى به بعض النعت، فمثل له المسجد حتى نظر إليه فوصفه.
ومنها أن يقصد أمرا متفق عله عند ذلك حال من جنس ما هو كائن، فيعلم به عاقبة ذلك الأمر وحاله، كما أنه لما خرج من المدينة أحد، تعلقت قبضة سيف رجل بشيء من رجل غيره، فانسل من غمده، فنظر إليه النبي ﷺ فقال: "هذا يوم ينتفى فيه السيف". فكان كما قال: وموضع الخصوص في هذا أن ما رأى جعل طريقا له إلى العلم، حتى قطع لأجله الحكم. وأما غيره فإن ذلك أن وقع له لم نعده أكثر من ظن لا يغني من الحق شيئا.
ومنها أن يشاهد من دابته حالا بغير معهود له منها فيستدل بذلك على الأمر الذي قصد تغيير شحها حتى كان منها ما كان، كما روى عن غزوة الحديبية: أن ناقة رسول الله ﷺ تركت، فقال الناس: حلاب ناقة رسول الله ﷺ، فقال: ما حلاب، وما ذلك لها بخلق، ولكل حبسها حابس الفيل عن مكة، فاعلم بترو كما من غير أن كان الحران خلقا لها أو سمع رأيه، ففزعت منه، أو كلال أصابها فأوهى قواها، أن ذلك صد من الله تعالى عن مكة أن يدخلها قهرا لئلا يصيب المسلمين من أهلها بالسوء من لا تحره إصابته له، ثم أنزل قول ﷿: ﴿ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات﴾، وتفسير ذلك موجود في موضعه والله أعلم.
ومنه أن يكون بينه وبين أحد كلام واختلاف في أمر، فإذا جاء منهم من يخاطبه عنهم، استدل باسمه، مما هو كائن من أمره، كما استدل يوم الحديبية بحي سهيل بن عمرو على أن الصلح واقع بينه وبينهم، ويسهل سبيله إلى مكة، فكان كما وقع له ووقع الصلح في الحال، وأمن الناس ثم عاد العام القابل، فقضى عر به وبلغ مراده والحمد لله.
[ ١ / ٢٤٧ ]
ومنها أن يهتم بأمر فيرفع له صورة حسنة، ويجعل له مثلا يعلم به حسن استمرار ذلك الأمر له، ويأتيه على ما يريده، كما روي أن حلفاءه من مكة لما جاؤوه يشكون قريشا إليه، ويذكرون أنهم نقضوا العهد، نظر إلى سحابة بيضاء فقال: أن هذه السحابة لتسهل بنصر بتي كعب، ويحتمل أن تلك السحابة كانت تضيء إضاءة فوق المعتاد من مثلها، وكان في مرها تنجو مكة، فعلم أنها مثل ضرب لمصيبة إليها، وإشراقها بنور دعوته، وحيرة قلوب أهلها بتركه، كما تحيا الأرض بالمطر النازل من السحاب والله أعلم.
ومنها الرؤية وهي تبشير أو إنذار أو تعليم، وربما الأنبياء صلوات الله عليهم يفارق رؤيا غيرهم من أوجه، أحدهما: أن ما استوي منها واعتدل وانتظم بعضها ببعض حتى صار للتأويل بحا محال صدق منهم بكل حال، وأما غيرهم فقد يصدق منهم وقد لا يصدق، ولهذا قال النبي ﷺ: "إذا تقارب الزمان لم نكاد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا. وهذا والله أعلم أن النبي لا يكذب ولا يكذب فلا يكذب أن رؤياهم كانت منهم قبل نفسهم فكذبته نفسه، فإن نفسه معصومة من الكذب ومن الهم به، وليس وراء ذلك إلا أن يقال: أنها من الله ﷿ فهو تبارك اسمه من الكذب أبعد.
والوجه الآخر الذي يجوز أن يعلم للإحكام في منامه، ولا يجوز ذلك لغيره ممن ليس بنبي كما يوحى إليه بذلك في يقظته، ولا يكون ذلك لغير نبي.
والوجه الثالث: يجوز أن يضرب من الأمثال الدقيقة الغامضة ما لا يضرب لغيره لأنه بقوة عقله وذكاء فهمه وسداد رأيه يكمل لإدراكها، ولا يتسع ذلك لمن لا يكائفه في أحواله.
فإن قال قائل: إذا كانت الرؤيا الصالحة جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة، فلم جاز أن يكون للكافر فيها نصيب، ونفسه ليست موضعا للنبوة وقد ذكر جالينوس: أنه عرض له قدم في الموضع الذي يتصل بالكبد منه بالحجاب فأمره الله جل ثناؤه في المنان أن يفصد العرق الضارب من كفه اليسرى ففعل ذلك وبرا!
[ ١ / ٢٤٨ ]
فالجواب: أن الكافر لم يكن موضعا للنبوة، وليس كل مؤمن أيضا موضعا لها، ثم لم يمتنع أن يرى "المؤمن الذي لا يجوز أن يكون نبيا في منامه ما يعود عليه بخير في دنياه. فكذلك لا يمتنع أن يرى الكافر مثل ذلك، ولمعني فيه الرؤيا الصالحة وإن كانت جزءا من النبوة فليس بانفرادها نبوة، كما ليست كل شعبة من شعب الإيمان بانفرادها إيمانا، ولا كل جزء من الصلاة بانفرادها صلاة والله أعلم.
ومنها فراسة الأنبياء وهي لا تخطئ كما رؤى أن البيضاء بنت عبد المطلب كانت تحت كرر فلما ولدت عامرا، أتت به النبي ﷺ فتأمله، ثم قال: "ما في هذا من عبد مناف مولودا أشد حمقا منه". فبلع من حمقه أنه ورد على ابنه عبد الله وهو أمير البصرة أيام عثمان فرآه يخطب. حتى مثل بين يديه فقال: "أيها الناس أن هذا ابني وأنا أسن منه، وخرج من هذا وأشار إلى ذكره".
وأما فراسة المؤمن غير الأنبياء فقد تخطئ وقد تصيب، ومنها ما روي أن النبي ﷺ قال لأصحابه: "إني أراكم من خلفي كما أراكم من أمامي".
وهذا يحتمل أن يكون على معنى أنهم إذ كانوا على حال يريد الله تعالى أن يطلع نبيه عليها ولا يغيب عنه علمها، مثلهم له فرآهم، ووقف على ما هم عليه، ويكون ذل عياله شهادة ليقع العلم به ضرورة، وإذا أخبر الناس به، كان ذلك مما يزيدهم إيمانا، وصار من جملة دلائله وبيناته، ويكون مجاز قوله: "إني أراكم خلفي" أي إني أراكم وأنت خلفي والله أعلم.
ومنها اطلاعه على فعل يكون من الملائكة بأحد من أمته ليبحث عن سيئة، فيعلمه ويخبر بما رأى أصحابه، فيكون ذلك أحد حججه وبيناته، كما روي أن حنظلة الراهب لما أصيب بأحد قال للنبي ﷺ:
"إني رأيت الملائكة تغسله بصحاف الفضة بين السماء والأرض، فسال أبو أسيد عن حاله فذهبنا إليه وأبصرناه: فإذا رأسه تقطر ماء قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ، فأخبرته. فأرسل إلى امرأته وأستخبرها عن حاله، فذكرت أنه واقعها ثم خرج إلى أحد وهو جنب".
[ ١ / ٢٤٩ ]
ومنها تيسيره حلال عرض له وجهد أصابه بآيات يجعلها مثلا لفتوح وخيرا مستقبلة، ويريه إياها ليسلوا بها قلبه، ويوقف عليها أصحابه، فيثبتهم بذلك، ويقوى على الصبر عزائمهم، كما روى أنه: كانوا يحفرون الخندق فعنت صخرة لهم أعيتهم، فرضها رسول الله ﷺ بالمعول ثلاث ضربات، وظهرت من كل ضربة برقة، فذهبت أولاها اليمن والثانية إلى الشام والثالثة إلى المشرق، وكان أصحابه يتبعونها أبصارهم. فقال لهم: "أن هذه فتوح يفتحها الله تعلى عليكم". فهذا يدخل في التعليم من حيث أنه خبر عن كائن هذه، وقد ظهر فيه صدقه، فالتحق بجملة دلائله وبيناته والله أعلم.
ومنها الزيادة في بصيرته بإنطاق الجماد الذي لم يلحق له منطق في أصله، لتنزاح الخواطر عن قلبه ويستيقن حتى يداني المضطر أنه رسول الله ﷺ. كما روي أنه لما استعان له جبريل، لم يكن يمر على حجر ولا مدر إلا ناداه: "السلام عليك يا رسول الله". وإن الجن قالوا له بمكة: "من يشهد أنك رسول الله؟ فقل: تلك السمرة، ثم قال لسمرة منها: من أنا؟ فقالت: رسول الله! ".
فهذه اثنان وثلاثون وجها أحصيها للخصوص الواقع من جهة العلم. وهذه أربعة عشر وجها أحصيها للخصوص الواقع في المعلومات:
منها ما حكاه الله ﷿ عن سليمان ﵇ من قوله: ﴿يا أيها لناس علمنا منطق الطير، وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين﴾، ويحتمل أنه كانت مناطق سيمان بنغمتها وأصواتها فيلهمه الله ﷿ مرادها. وغنما بينا هذا لأن قوله: ﴿علمنا منطق الطير﴾ يدل على أنها كانت لا تفارق عادتها في مناطقته، ولم يبلغنا أنه كان يفارق عادته إذا ناطقها، فكان الأشبه بذلك ما وصفت الله أعلم.
وأما نبينا صلوات الله عليه قد جمع له بين الأمرين فشكى إليه الجمل بحنينه، والعبير برغائه، وعفه ﷿ شكواها، وسأله الذئب بعوائه فأجابه بإيمانه. وأما الطبية فأنها كلمته بكلام الأنس وأخبرته بأنها صديت بالأمس ولها خشف صغير، وسألته أن يأمر بتخليتها لترضع خشفها ثم ترجع. إنما يعرف مثل هذا بالروايات والله أعلم.
[ ١ / ٢٥٠ ]
ومنها اطلاع النبي ﷺ على المعاد الذي يصير الناس إليه في الآخرة، ليعلم عظم نعم الله تعالى عليه وعلى الناس به، وإذا كان بعثه إليهم ليدعوهم إلى النعيم الذي أراه بعضة في الجنة ويستنقذهم من النار التي أراه إياها، ويزداد جدًا وجهدًا الشفقة على الأمة وذلك قوله ﷺ: (دخلت الجنة فرأيت فيها نبقًا كقلال هجر)، وذكره لعمر ﵁ أنه رأى قصرًا من ذهب وسأل عنه فقيل لعمر. ووصفة النار ومن رأى فيها من عمرو ابن يحيى والمرأة المعذبة على حبس الهرة وحبس الطعام عنها حتى ماتت، وغير ذلك.
ومنها تعليمه الرؤيا حتى لم يكن في وقته ولا بعده احد أبصر منه بتأويل الرؤيا. ويقال: أنه لم يكن فيمن خلا أعلم بالتأويل من إبراهيم الخليل صلوات الله عليه. والتأويل وإن كان قد أوتي منه كثير من الناس، فان تأويلهم قد يخطئ وتأويل النبي ﷺ لا يخطئ والله أعلم.
ومنها تعليم الله ﷿ آدم ﵇ الأسماء كلها، وذلك أنه كان خلقه ليحدث النسل وليسكنهم الأرض فيعمروها، وعلى أنه يعرض لهم أحوال لا يستغنى بعضهم فيها عن اطلاع غيره على ما هو عنده، ليتعاونوا على اللف التي هم يحتاجون إليها، وتنزاح عليهم بعضهم لبعض، فعلمه البيان وخلق فيه النطق وعلمه الأسماء كلها، فأخذ من أخذ ذلك من ولده عنه، ثم لم يزل يأخذ كل أحد عن غيره، ولم يبتدئ أحد منهم بتعليم كما ابتدأ اله أبو البشر إلا ما روى عن رسول الله ﷺ أول من قال: الآن حمي الوطيس، وجاء باسم الصلاة والإيمان والإسلام والزكاة والجزية والنفاق.
ويحتمل أن المبعوثين بالشرائع من الأنبياء كان يقع لهم في كلامهم من لغاتهم مثل هذا. فأما الأصل فإنما خص به آدم ﵇ لأنه كان أبا البشر، ومن فيه نشأت الحاجة، فكذلك على لسنه أزيحت العلة ومنها الهداية إلى وجوه العبادات والديانات والهداية للأحكام ووجوه الحلال، أعني العبادات والأحكام جملة الشريعة التي أرادها الله تعالى بقوله: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ﴿وهي التي تتفاوت على السنة الرسل لما يعرض فيها من النسخ والتبديل.
فأما العبادات فان عظم الغرض في إرسال الرسول إلى الناس دعاهم الله تعالى، ودلالتهم
[ ١ / ٢٥١ ]
على ما يستحقه من التذلل له والخشوع والاستكانة والاستشعار للغير واستنفاذ العمر في ذلك دون الركون إلى الجمام والراحة والخفض والدعه.
واما الأحكام فإنها سياسة الله تعالى عبادة، وتدبيره إياهم بما فيه انتظام أمورهم ودفع المكاره والمظالم عنهم. فإن الناس إذا خلوا وأنفسهم لم يهتدوا إلى ما فيه صلاحهم واعتدال الجمهور.
ومنها الهداية إلى تركيب العالم وهيأته وصفاته ماديًا، أو يأتي من حواشيه وأقطاره فإن الوقوف على ذلك مفيد في الاعتبار وكثير من الأمور، وعلم ذلك موجود عند أهله والكتب المنسوبة إلى إدريس ﵇ في هذه الأبواب، والمنسوبة منها إلى الدين، كانوا هذه فورثوا علمه في أيدي الناس بأبيه.
ومنها الهداية إلى مصالح الإيمان، وهي علم الطب الذي حملته حفظ الصحة على الصحيح، ودفع السقم عن السقيمين فإنه لما كان في علم الله تعالى أنه لا يخلص الصحة للناس دائما ولكن يستقيم أوقاتا، وكان خلق في الأرض أشياء إذا استعملوها زالت عوارض الأسقام عنهم، وأشياء إذا تناولوها حلق الأسقام إليهم وقعت لهم الحاجة إلى معرفة المضار والمنافع مما في الأرض على وجهه وحقيقته، واحتاجوا مع ذلك إلى معرفة الإدواء والعلل وأسبابها الجالبة لها وأعراضها التابعة له والدالة عليها، ليستدلوا بمعرفة الأسباب على وجوه التحرز بمعرفة الأعراض على حقائق العلل ثم يتوصلوا بمعرفة الأدوية وطرق استعمالها على دفع ما قد حدث، فتكون للسلامة وتعود الصحة، وإذا كانت الحاجة إلى جميع ما ذكرنا واقعة، وكانت عقول الناس تحسر عن إدراكه لا أخبار مخبر إياهم احتاجوا إلى المخبر عنه، كما أنهم إذا لم يعملوا ما الذي يرضي الله تعالى عنهم.
وما الذي يبيحه أو يكره وقوعه منهم احتاجوا إلى الخير عنه، كما أزيحت هذه العلة لهم بالرسل كذلك أزيحت العلة فيها وصفنا بالرسل، وذلك مذكور في الكتب ولا يمكن للأمر إلا على ما وصفت.
ومنها الهداية إلى الصناعات، قال الله ﷿: ﴿وعلمناه صنعة لبوس لكم ﴿يعني داود ﵇، وقال لنوح ﵇:
[ ١ / ٢٥٢ ]
﴿واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ﴿ولا شك في أن الحاجة إلى الغزل والنسج والطحن والجر والخياطة والبناء وما يجري مجراها ليست دون الحاجة إلى الملبوس المحصن من اللباس، وإن الناس لو أحلوا من الدلالة عليها في أولي الأمر، لم يقفوا عليها، ولم يهتدوا إليها، كما أن كل من لم يجربه اليوم ولم يرشد إليه لم يبلغه علمه ولم يدركه فهمه، فواجب إذاّ أن يكون أولها تعليمًا، كما كان أول علم الأسماء تعليمًا.
ومنها تخصص الأنبياء صلوات اله عليهم بالأخبار عما قد كان مما ليس علمه موجودًا عند الذين هم بين أظهرهم من غير أن يعرف لهم البقاء ممن أخبرهم به، أو قرأوا كتابا من الكتب الناطقة به ليكن علمهم بها وإخبارهم الناس عنها دليلا على صدقهم وإحقاقهم في دعوتهم، إذا كانت الغائبات لا تدرك إلا بالأخبار. فإذا أدركها واحد من الناس لا من قبل أحد يتهيأ إصابة ذلك العلم إليه منهم أثبت أن الله ﷿ هو الذي أنبأ بها.
قال الله ﷿: ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ﴿. وقال: ﴿ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أنهم بكفل مريم، وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴿. وقال: ﴿ذلك من أنباء الغيب نوحيه إلي، وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ﴿.
ومنها تخصصهم بالتوفيق على أسرار الناس ومحباتهم، ودخل في هذا قول الله تعالى حكاية عن عيسى صلوات الله عليه بأن قال لقومه: ﴿وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ﴿.
وأخبار النبي ﷺ العباس: الذهب الذي استودعته أم الفضل. وإخباره كثيرا من الناس بما جاءوه له وبما نالوه في أنفسهم من غير أن يكون سمع سامع ذلك منهم.
ومنها توفيقهم على علم المعاشرة. فإن الحاجة إليه كالحاجة إلى علم الحكم والسياسة، فإن من لا خلق لا ولا آداب له اضطر إلى الانقباض والعزلة، ولم يتسع للانبساط والمداخلة، ودخل عليه الخلل في أحواله وأموره.
[ ١ / ٢٥٣ ]
قال الله ﷿ لموسى وهارون ﵉: ﴿اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولا لينا، لعله يتذكر أو يخشى ﴿.
وقال لنبينا صلوات الله عليه: ﴿خذ العفو وأمر بالمعروف واعرض عن الجاهلين ﴿. وقال: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظم لعلكم تذكرون ﴿.
وقال: ﴿فيما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ﴿.
ثم للنبي تبارك اسمه عليه فقال: ﴿وانك لعلى خلق عظيم ﴿. فسئلت عائشة ﵂: كيف كان خلق رسول الله ﷺ، قالت: كان خلقه القرآن، يعني أخذ نفسه بآداب القرآن فتأدب بها وارتاض عليها، فكان كأنه لا يحسن سواها. وهذا مما لا يكمل إلا لمعصوم. وأما من لا عصمة له فإنه إن ضبط شيئًا أعفل بإزائه غيره.
ومها تعليمهم طرق الاستدلال ومحاجة الخصوم، قال الله عز وحل: ﴿وتلك حجتنا آيناها إبراهيم على قومه ﴿.
وقال: ﴿ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن أتاه اله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويموت، قال أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين ﴿.
وقال لنبيه ﷺ ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ﴿.
ثم علمه الاحتجاج فقال: ﴿لو كان منهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴿.
وأمره أن يقول لمن قال: ﴿من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ﴿إلى غير ذلك مما يكثر إحصاؤه.
[ ١ / ٢٥٤ ]
فإن ما في القرآن من آيات الأعلام والحجج أكثر ما فيه من آيات الأحكام، فمن قدر على شيء من العلوم التي ذكرناها فالاستفادة عن الأنبياء صلوات الله عليهم، أو عن من استفاد منهم. فأما فضيلة الإبداء لهم، وإذا كان هكذا إن علم كل دين وشريعة فإنما يكون جميعه عند النبي المبعوث بها، ويتفرق في الدين يأخذون عنه فلا يؤخذ عند كل واحد من الناس إلا بعضه. وتمت هذه الأقسام أربعة عشر، فبلغت خصائص النبوة فيما مرجعه إلى العلم ستة وأربعين جزءًا من النبوة، ما واحد منها إلا ويليق به أن يكون قريبا للرؤيا الصالحة التي أخبر النبي صلى الله عله وسلم أنها جزء من ستة وأربعين جزءًا وامن النبوة، والله أعلم بما أراد رسوله ﵇.
فصل
وكلما ذكرنا في الباب الأول من الحاجة إلى معرفة آيات الله الدالة عليه على وحدانيته وقدسه وانفراده ما كان إلا مستبصر بها الجاهل فيؤمن، ويستثيب بها المؤمن فلا يغوي ولا يضل، فهو في هذا الباب مثله، ولا غنى عن دراية أعلام النبوة جملة وتفصيلا، مستبصر بها المنكر معترف، ويستظهر بها المؤمن فلا يزيغ. وليفضل بين النبي والمتنبي، وينزل الأنبياء صلوات الله عليهم منازلهم.
ومما يعرف ما لنبينا صلوات الله عليه من الدلائل الراحمة والأعلام اللائحة التي لم يبق معها لمرتاب مقال، لا لسائل سؤال، وقد أرشد الله تعالى النبوة في القرآن كما أرشد إلى آيات الحدث الدالة على الخالق والخلق، فقال عز اسمه: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ﴿. قال: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴿. وقال: ﴿ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ﴿. فأخبر انه بعث الرسل لقطع حجة العباد. وقيل في ذلك وجوه:
أحدهما: أن الحجة التي قطعت على العباد هي أن يقولوا أن الله جل ثناؤه إن كان
[ ١ / ٢٥٥ ]
خلقنا لنعبده، فقد كان ينبغي أن ييسر لنا العبادة التي يريدها ويرضاها لنا، ما هي؟ فإنه وإن كان في عقولنا وجوب الاستجداء له، ولزوم الشكر أيامًا على نعمه التي أنعما علينا، فلم يكن فيها أن التذلل والعبودة منا، بما ينبغي أن نكون، على أي وجه ينبغي ان يظهر، فقطعت حجتهم، بأن أمروا ونهوها وشرعت لهم الشرائع، ونهجت لهم المناهج، فعرفوا ما يراد منهم، وزالت الشبهة عنهم.
والآخر: أن الحجة التي قطعت هي أن لا يقولوا أنا كنا ركب سهو وغفلة، وسلط علينا الهوى، ووضعت فينا الشهوات. فلو أمدونا بما إذا سهونا نهينا، وإذا أمال بنا الهوى إلى وجه قومنا لما كانت منا إلا طاعة، ولكن لما خيلنا ونفوسنا، ووكلنا إليها وكانت أموالنا مما ذكرنا، غلبت الأهواء علينا ولم نملك قهرنا، فكانت المعاصي منا لذلك.
والثالث: أن الحجة التي قطعت هي أن لا يقولوا: قد كان في عقولنا حسن الإيمان والصدق والعدل وشكر النعم، وقبح الكفر والكذب والظلم، ولكن لم يكن فيها. إن من ترك الحسن إلى القبيح عذب بالنار خالدًا مخلدًا فيها، وإن من ترك القبيح إلى الحسن أثيب الجنة خالدًا فيها، لأنه إذا كان يدري بالعقل أن الله ﷻ خلقًا هو الجنة وخلقًا هو النار الفانية. كيف يدرك أن أحدهما معد للعصاة، هو النار الفانية. كيف يدرك أن أحدهما معد للعصاة، والآخر لأهل الطاعة، ولو أنا نعذب على المعاصي وذنوب متناهية عذابا غير متناهي، أو سار بالطاعة المتناهية، وأما غير متناهي لما كان منا إلا الطاعة، ولم يكن منا مجال معصية، فقطع الله ﵎ هذه الحجج كلها نبعث الرسل وبالله التوفيق.
فصل
ثم إذا تاملنا ما في السماء والأرض من أصناف الخلائق، وجدنا في وقوع ما وقع لنابه من العلم ما يدل على الرسل، كما وجدنا فيها أنفسنا وتصاريف أحوالها ما يدل على الباري جل ثناءه. وذلك أنا نعلم أن الكواكب التي نراها بأبصارنا، لما يمكن الوقوف بالنظر إليها على أن منها بروجًا، وكل برج إنما يتم بكذا وكذا كوكبه منها وانها اثنا عشر، لا أقل منها ولا أكثر.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وأن منها كواكب ثابتة وعددها كذا، منها سيارة وعددها كذا، وإن مقادير أجرامها كذا وكذا، وإن أبعادها كذا وكذا، وإن لكل نجم من النجوم السيارة فلكًا على الانفراد. فإن عقل عاقل منها إذا لم يسمع بشيء ما يقوله أهل العلم بهبة السماء، والكواكب في هذه الأبواب.
ثم أعمل فكره في إدراك عملها، وعلم شيء منها لم يزد منه إلا بعدًا، ولم يصل إليه أبدًا أبدا، إلا أن يسمع فيه من عالم شيئًا ويستدل أصلا، فعسى أن يتبع بعد الآن، ينبئ خبره ويتدرج منه إلى ما سواه. فدل ذلك على أن الأوائل لم تقل جميع ما قالته في هذه الأبواب بإزائها من قبل أنفسها، وإنما أدركت الأصول حينا، ثم قاست بعقولها عليه غيره. واستنبط بها ما سواه.
وهكذا الأرض لا يمكن أن يعلم ما فيها، فيميز ما يكون قوتا به الأبدان، وما يختص يجبر الكسر كالمومباي، ثم يميز من الأدوية ما يصلح منها لشيء بعينه، وما يصلح منها بخلافه، ومقدار ما ينبغي أن يتداوى به من كل جزء فيصاب نفعه، ويؤمن ضرورة ألا يجبر فإن أغفل عاقل منا لو لم يسمع في هذه الأبواب من أهل العلم بها شيئًا، ثم أراد يهجم عليها بعقله ويدرك منها ما أردكه البصر بمجرد فهمه لما اتسع لذلك ولا قدر عليه.
فدل هذا على أن الأوائل لم تصل إلى معرفة ما عرفت وادراك ما أدركت مما سبق ذكره بمجرد أفها وعقولها، ولكنها وقعت على الأصول بالخبر بما استنبطت بازائها من تلك الأصول ما وجدت فيها إدلالة عليه، ثم أن النبي أخبرها بأوائل هذه لو كان مثلهم في التجلي بفعله، والانفراد برأيه وفهمه لم يكن الاختراع عاجزًا مثلهم.
فصح أن الأخبار لها أنما كان ممن وفقه الله تعالى عليها وأمره بالأداه إلى غيره، فاولئك المخبرون المؤدون عن الله هم الرسل صلوات الله عليهم، ثم إن وجود الكلام للناس يدل على الرسل، وذلك أن الموجود المعروف فيها شاء أن لم يسمع الكلام أصلا لم يتكلم، فإن من ولد أصم لا ينطق أبدًا وإنما ينطق من يولد سمعًا فيسمع كلام جنسه وينشأ عليه، فلولا أن بشرًا تكلم كان قد علم البيان واستمع الكلام، لكانت حالة حال المولودين من الناس اليوم ولما يكلم.
[ ١ / ٢٥٧ ]
ومن المعلوم أن الصبي لا يتكلم إلا باللغة التي يسمعها، فلولا أن رجلا من العرب ولدت له تركيه ولدًا،، فغاب الوالد عنه ونشأ مع أمه لم ينطق بالعربة التي لم يسمعها وإنما ينطق بالتركية التي سمعها من امه، ولا يسمع غيرها. فبان بهذا أن أصل الكلام سمع وأن أول من يتكلم من البشر تكلم عن تعليم ووحي، كما قال الله ﷿: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها ﴿فاسمعه الأسماء وألهمه علم ما أسمعه، وأقدره على النطق به، فصار متكلما.
ثم أنه لما سمع الكلام منه غير معروف نفس الكلام، وبتلقيه بما ركب الله تعالى في لسانه من التيسير له على المراد باستدلال عقلي رجع أصله إلى العرف والعادة، وهو أن يقف السامع من المتكلم بالعبارة، وأن بنقص الأمارات الحالية على أنه إذا تكلم بكذا أو أراد بكذا وأراد كذا، تدله حال المتكلم على إفادته، كما قد تدل الإشارة التي هي دون العبارة على كثير من الإفادة، فأما أصل الكلام سمع مولا يمكن فيه غير ذلك والله أعلم.
وفي ظهور ما وصفت أن الدلائل الدالة على الرسل دالة على القديم جل ثناؤه لا يمكن أن يكون الذي أرسلهم واحدًا مثلهم، فيصح أنه إنما أرسلهم من لا يشبههم، ولا يجوز عليه الجهل والعجز ما يجوز على الناس، وليس إلا المباري القدم جل ثناؤه وتباركت أسماؤه.
فصل
ثم أن رسولًا أرسله الله إلى قوم فلم يجله من إبداء آية وحجة أتاها إياه وجعل تلك الآية مخالفة العادات إذ كان ما يريد الرسول إثباته بها من رسالة الله تعالى أمرًا خارجًا من العادات، فيستدل بإقران تلك الآية بدعواه، وأنه رسول الله واستظهاره بها على تصحيح دعواه على صدقه واخفائه، فإنه إذا كان لا يتميز عن سائر الناس بأمر يوجب أن ينقص الله تعالى لأجله عادة سوى دعواه أنه رسوله، ولا يعلم لينقص الله تعالى العادة على لسانه أنه أوغل يده، وفي الجملة لأجله ولسببه وجه سوى أن يكون خصه بذل لتخصيصه إياه مما يدعيه من رسالته بغير هذا الوجه للقبول، لم يكن لتوهم غيره مساغ وإن قال لقومه:
[ ١ / ٢٥٨ ]
وإن كنت مفتريا على الله فأتوا بمثل ما افتريت، فعجزوا ولم يؤت الله تعالى أحدًا منهم مثل الذي أتاه مع حاجتهم إليه لمعارضته وتكذيبه، إن كان كاذبًا مفتريا.
وقد شعر بإتيانه ما أتاه وحرمانهم مثله، أنه قد أراد إظهاره عليهم، وقطع حجتهم عنه، إلا ترى أن رجلين لو جاءا قومًا، فذكر كل واحد منهما لهم أنه رسول الله إليهم، فكذبوه، فدعوا الله ﷿ معًا وسألاه آية تدلهم على صدقهما، فوقعت الإجابة لأحدهما، واحد بآية من الآيات التي ليس في قوى البشر الاتيان بمثلها.
وتتابعت العبر على الآخر، لعلم علما لا يلامسه شك، ان الذي اجيبت دعوته صادق، وإن الآخر كاذب، ولم يجز أن يكون كذلك أقل من تقدم بلدًا، فأبدان أو رجلان من كانا يدعى كل واحد منهما أن سلطان المسلمين ولاه ذلك البلد واستدعاه أهله، فلا يصدقا فيكتبا إلى السلطان بخبرهما، ويلتمسا منه دلالة على صدقهما فيخص أحدهما بخلع أخيه، ويعرض للآخر بضروب من الجفاء أولا فأولا، فان ذل لو كان لزال الشك في أمر المكرم وعلى أنه الصادق فيما أدعاء من الولاية دون صاحبه.
وكذلك إذا كانت الدعوى من واحد فكذبه قومه، فسأل الله آية فأجابه إليها وأعجزهم عن مثلها، ثم أجرى العادة بأن كل من أصر على التكذيب بعد مجيء الآية عاقبة وعذبه، وجب أن يعلم أن الذي أمده بالآية صادق عليه، وأن المعجزين عن معارضته كاذبون عليه مبطلون فيما ينسبونه إليه من الافتراء على ربه ولو وقع مثل هذا الأهل بلد مع من يدعي أنه واليهم أنفذه سلطان المسلمين إليهم، فارتابوا به، فسأل السلطان آية، فأنفذ إليه حيًا وجعله في جواب ما استدعاه من الآية التي تدلهم على صدقه، في أنه ولاه عليهم لعلموا عليه بذلك صدقه، فهكذا فليعلم قوم كل رسول، فسأل الله تعالى أنه يعلم بها قومه صدقة، فأمده لعجزه وأرسله، وقد قرن دعواه الرسالة بمعجزة، فلم يعلم لتميزه واختصاصه بها سوى ما ظهر من دعواه وأنه محق صادق، وبالله التوفيق.
وأيضا فلا خفا على ذوي البصائر والعقول أن مدعي النبوة لو سأل الله آية فاخرسه الله مكانه أو سلبه العقل، لكان ذلك دليلا باهرا على أن الله تعالى اراد بما صنع تكذيبه وهكذا لو ادعى انه نبي، أو أنه صرفه أنه يقدر من ادراك المعقولات ووجوه الاستنباط على ما لا يبلغه، فهم احد سواه فسلبه الله العقل مكانه لعلم من يشاهده ويعرف حاله إن
[ ١ / ٢٥٩ ]
شاء الله تعالى لم يفعل ذل به إلا ليكذبه ويجعله نكالا وموعظة لغيره.
فلذلك ينبغي أن يقال: أنه إذا ادعى النبوة وسأل الله أنه إن ما سعف جوابه سؤاله بما تعجز الإنس والجن عن مثله، أو كانت دعواه مقرونة بمعجزة وجب أن يعلم أن الله ﷿ لم يخصصه بها إلا ليدل على صدقه هذا، والكذب على الله والافتراء عليه بدعوى الرسالة من عنده من أعظم الجنايات فلا يليق بحكمة الله أن يظهر على من يعاطى ذلك واجترائه عليه آية ناقصة للعادات، براءة تستظهر بها على كذبه، وبراءة تستظهر بها على كذبه، فيفتتن العباد به، وتظهر في البلاد العبر العظيمة منه، ولا يؤتيه آية إذا سأله قومه إياها، سلبه سمعه أو بصرهن فإن فعل هذا بالصادق في السفير عنه والحث على خلافه لفعل الأول بالكاذب في التسكين إليه والتحريض على اتباعه.
وقد نزل الله تعالى من هذا الصنع نصًا في كتابه فقال- يعني نبيه ﷺ: ﴿ولو تقول لعينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين ﴿. وقال في الدلالة على صدقه: ﴿أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون ﴿.
فثبت أن الله ﷿ لا يمد الكاذب المفتعل بما يكون سببًا لاعتزاز الناس به، كما لا يخذل الصادق المحق ولا يصنع به ما يكون سببا لانحراف الناس عنه، وبالله التوفيق.
وكل آية أتاها الله رسولا، فإنه يقدر بها عن الرسول أولا أنه رسول حقا، ثم عند غيره، وقد يجوز أن يخصه بأ، هـ يعلم النبي بها نبوة نفسه، ثم يجعل له على قومه دلالة سواها. وفي الجملة، فإنما يعلم النبي نبوة نفسه اكتسابا لا ضرورة، ويكون متعبدًا بالإيمان بنفسه، وذلك في الأخبار المروية عن نبينا ﷺ من أول مبعثه إلى أن قوى الأمر وعلا ظاهرًا بينا.
فصل
ومعجزات الرسل صلوات الله عليهم كانت أصنافا كثيرة، ولم يبلغنا عن الذين سبقوا إبراهيم صلوات الله عليهم أن معجزاتهم ما كانت وكيف كانت، ونعلم في الجملة أنهم لم يخلوا من أن يكونوا قد خلوا أقوالهم بما ألزموهم به الحجة.
[ ١ / ٢٦٠ ]
فأما إبراهيم صلوات الله عليه، فإنه على ما قيل كان في زمان لا يؤمن بالله ﷿ على وجه الأرض غيره وكان الغالب على الملك الذي كان في بلده وعلى قومه بالإلحاد والتعطيل، فجعل الله حجته على قومه النظر الثاقب الذي لم يقاوم وهو استدلالة يتعاقب للأحوال على الكواكب التي هي أعلى ما يرى وأنهاها وأنورها على أنها محدثة لم تكن، ثم كانت، وفي ثبوت حدثها وجوب أن يكون لها محدث خارج من المحسوسات خلاف ما كان يعرفونه، أنه ليس سوى المحسوسات، قال الله ﷿ ﴿وتلك حجتنا أتيناها إبراهيم على قومه ﴿. وإنما هي حجته التي أقامها عليه بها وصف لهم، من أن له ولهم ولعامة ما يشاهدون صانعًا.
وكذلك قوله الذي حاجه وادعى القدرة على ما كان يصنعه إبراهيم إلى الله ﵎: ﴿إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ﴿. فأما دلالة نبوته فينبغي أن تكون غير هذه الحجة، ولا شك في أنه لم يخل منها.
فأما عصمة الله تعالى إياه من الإحتراق بالنار، فهي تدل على إخفائه فيما كان يدعيه من الرسالة والنبوة، فكما يدل على الصانع جل ثناؤه إلا أن ذلك أيضا لم تكن آيته التي أيد بها دلالة على نبوته، إذ كان القوم قصدوا بما صنعوا بمكانه معاقبة على ما كان منه من كسر للأصنام لامتحانه، لينظروا هل له إله يدفع عنه أولا، إذ كان ذلك إنما يليق لو كانوا سألوه دلالة، فقال: دلالتي أن النار وإن بغلت ما بلغت في لظى لا تحرقني، وإن ربي من أذاها يعصمني، وهو كما كان قال لهم.
فثبت ان دلالته كانت شيئا سوى عصمة الله إياه من النار إلا أنها لما وقعت لم تخل من هذه الدلالة أيضا، فهدى الله تعالى من هدى وخلى بين نفسه وهواه من خلى إلى اليوم الذي يجري فيه كل ساع بما يسعى.
وقد أخبر الله ﷿ أنه أراه إحياء الموتى عيانا، فإن كان إنما سأل الله تعالى ذلك على أعين الناس ليدل بإجابته إياه على صدقه فيما فعله من ذلك بدعائه له وبينه، وإن كان إنما سأل ذلك لخاصة فهو شيء أرادة ليطمئن قلبه، فكانت دلالته على قومه أمرا سواه وبالله التوفيق.
[ ١ / ٢٦١ ]
وأما موسى ﵇ فإن الله ﷿ أخبر أنه أتاه تسع آيات بينات: العصا، واليد، والدم، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والطمس والبحر.
فأما العصا فكانت حجته على الملحدين والسحرة جميعا، وكان السحر في ذلك الوقت منتشرا، فلما انقلبت عصاه حية تسعى وتلقفت حبال السحرة وعصيهم، علموا أن حركتها عن خبرة حادثة فيها بالحقيقة، وليست من حد بين ما يتخل بالحبل، فجمع ذلك الدلالة على الصانع وعلى ثبوته جميعا.
وأما سائر الآيات التي لم يحتج إليها مع السحرة، فكانت دلالات على فرعون وقومه والقائلين بالدهر، فأظهر الله بها صحة ما اخبرهم به موسى: من أن له ولهم ربًا وخالقًا إذ كانت كلها متجاوزة جدًا لقوة البشرية، وثبت بإمداد الله تعالى إياه بها حاجته إلى تصحيح دعواه أنه نبي الله ورسوله كما يقول وبالله التوفيق.
فأما يوشع ففي الاخبار أن الشمس حبست له لما دعا الله ﷿ وسأله جل ثناؤه أن يحبسها له عند قتاله أهل أريحا وإشرافه على فتحها عشية يوم الجمعة، وإِشفاقه من أن تغرب الشمس قبل الفتح فيحرم عليهم لأجل السبت القتال، ويعلم به عدوهم فيعمل السيف فيهم ويجتاحهم فكان ذلك آيته التي خص بها بعد أن كانت نبوته ثابتة بخبر موسى ﵇ على ما يقال والله أعلم.
وأما داوود صلوات الله عليه، فإن الله ﷿ ألان له الحديد وسخر له الجبال والطير فكانت تسبح معه بالعشي والإِراق، وكان على ما يقال يقرأ الزبور بأصوات مختلفة: منها صوت يطرب ومنها المهم، وتعكف الوحش والطير عليه إعجابًا به واستتابته إليه.
وأما المسيح صلوات الله عليه فإن الله ﷿ خلقة لا من أب، ولكن ذلك إنما علم بخبر الصادق عن الله تعالى، ولم تكن آيته ومعجزاته، وإنما آيته أن الله ﷿ أقدره على الكلام في المهد فكان يتكلم فيه كلام الحكماء وأنه كان يحيي الموتى، ويبرأ بدعائه، أو بيده إذا مسح الأكمه والأبرص، وجعل من الطين كهيأة الطير، فينفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله.
ثم إن رفعه بين اليهود لما أرادوا قتله وصلبه، فعصمه بذلك من أن يخلص القتل
[ ١ / ٢٦٢ ]
والصلب إلى بدنه، وكان الطب عامًا غالبًا في زمانه ووقته فأظهر الله تعالى بدعائه وأجراه على يده من زوال الداء العظيم دفعة واحدة بدعائه وأجراه على يده من زوال الداء العظيم دفعة واحدة بدعائه، وحدوث جارحة لم تكن أصلا، ورجوع الحياة إلى البدن الميت، وعجز الخلائق من الأطباء عما هو أقل من ذلك درجات كثيرة.
إن التعديل على الطبائع وإنكار ما خرج منها باطل، وإن للعالم خالقا ومدبرا لا يتعذر عليه إحياء ميت، ولا إبداع خارجه، ولا إزالة عدمه. ودل بإظهار ذلك له ولأجله وبدعائه وعلى يده وحال حاجته ما يدل على صدقه على أنه محق فيما يدعيه من رسالته وبالله التوفيق.
وأما المصطفى نبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبة وعزته، فإنه كان أكثر الرسل آيات، ذكر بعض أهل العلم أن أعلام نبوته تبلغ ألفا. فأما العلم الذي اقترن بدعوته ولم يزل تزايد أيام حياته، ودام في أمته بعد وفاته، فهو القرآن المعجز المبين، وحبل الله المتين الذي هو كما وصفه به وأنزله، فقال: ﴿وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ﴿.
وقال: ﴿إنه لقرآن حكيم، في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون، تنزل من رب العالمين ﴿. وقال: ﴿بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ﴿. وقال: ﴿إن هذا لهو القصص الحق ﴿. وقال: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه، واتقوا لعلكم ترحمون ﴿. وقال: ﴿كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة، بأيدي سفرة، كرام بررة ﴿. وقال ﷿: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ﴿،
فأبان جل ثناؤه أنه انزله على وصف مباين لأوصاف كلام بشر، لأنه منظوم وليس بمنثور، نظمه ليس نظم الرسائل ولا نظم الخطب ولا نظم الأشعار، ولا هو كأسماع الكهان. وأعلمه أن أحدا لا يستطيع أن يأتي بمثله ثم أمره أن يتحداهم على الإتيان به،
[ ١ / ٢٦٣ ]
وإن ادعوا أنهم يقدرون عليه أو ظنوه. فقال: ﴿قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ﴿. ثم نقصهم تسعا، فقال: ﴿قل فأتوا بسورة مثله ﴿.
فكان من الأمر ما يصفه غير أن من قبل ذلك دلالة: وهو أن النبي ﷺ كان غير مدفوع عند التوافق والتحالف عن الحصافه والمانه، وقوة العقل والرأي من كان بهذه المنزلة، ومع ذلك قد انتصب لدعوة الناس إلى دينه، وذكر لهم أنه رسول الله.
وبلع عن ميله إلى إظهار دينه وحرصه على إدخال الناس في مثله، أن يقاتل ويجاهد ويعاني إلا وابد ويكابد الشدائد، ولم يكن أن يقول للناس ايتوا بسورة من مثلة ما جئتكم به من القرآن، ولن تستطيعوه، فإن أتيتم به فأنا كاذب، وهو يعلم من نفسه أن القرآن لم ينزل عليه وهو الذي تولى وضعه ويعلم أولا ما من أن يكون في قوله من يعارضه وينتتظم له من الكلام، أن صرف إليه همه مثل الذي انتظم له، وإن ذلك إن كان يطلب دعوته وانتفض أمره، وكان أحسن أحواله أن سومح فاستحى، وسوهل فاستبقى أن يصر بين الناس في الكذب آية، ولم يعلم له بعد ذلك عند أحد رأيه، فهذا إلى أن يذكر ما بعده دليل قاطع على أنه لم يقل للعرب إيتوا بمثله إن استطعتموه ولن تستطيعوا إلا وهو واثق متحقق أنهم لا يستطيعون، وليس يجوز أن يكون هذا اليقين وقع له من قبل نفسه، فصح أنه إنما وقع له من قبل ربه الذي أوحى إليه به موثق أجره وبالله التوفيق.
وأما ما بعد هذا فهو أن النبي ﷺ قال لهم: إثنوا بسورة من مثله إن كنتم صادقين فطالت المهلة والنظرة لهم في ذلك ولو أثرت الوقائع والحرب بينه وبينهم فقتلت صناديدهم وسيبت ذراريهم ونساؤهم وانتهبت أموالهم، ولم يتعرض أحد لمعارضته، فلو قدروا عليها فاتدوا بها أنفسهم وأولادهم واهليهم وأموالهم، وكان الإسم في ذلك قريبا منهلا عليه، إذا كانوا أهل لسان وفصاحة وشعر وخطابة، فلو لم يأتوا بذلك ولا ادعوه، صح أنهم كانوا عاجزين عنده في ظهور عجزهم عنه بيان أنهم في العجز مثلهم، إذ كان بشرًا مثلهم، لسانه لسانهم وعاداته عاداتهم، وطباعه طباعهم، وزمانه زمانهم، وإن كان ذلك وقد جاء بالقرآن وجب القطع بأنه من عند الله لا من عنده وبالله التوفيق.
[ ١ / ٢٦٤ ]
فإن قيل: فإن مسيلمة قد ادعى أن يأتي بمثل هذا القرآن، وقال: لقد أنعم الله على الحبلى إذا خرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشاء، وقال: يا ضفدع نقي كم تنقين فلا الشراب تمنعين ولا الماء تكدرين، وقال: الفيل وما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب طويل، وشفر وثيل، وإن ذلك من خلق لقليل، وعارض سورة الكوثر فقال: إنا أعطيناك الجماهر فصل لربك وجاهر، إن عدوك هو الكافر.
فالجواب: إن كل ما جاء به مسيلمة فلا يعدو أن يكون بعضه محاكاة وسرقة وبعضه كأساجيع الكهان وأراجيز الأعراب، وقد كان النبي ﷺ يقول ما هو أحسن منها لفظًا وأقوم معنى وأبين فائدة، ثم لم يقل له العرب ها أنا محداث على الآثات بمثل القرآن، ويزعم أن الجن والإنس لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله لا يقدرون عليه، ثم قد جئت بمثله مفترى أنه ليس من عند الله وذلك قوله ﵇: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب).
وقوله: (والله، لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا، وثبت الأقدام أن لاقينا). وقوله: (اللهم إن العيش عيش الآخرة، فأرهم الأنصار والماجرة).
وقوله: (تعس عبد الدنيا وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي منها رضي، وإن لم يعط سخط وتعس وانتكس، وان شيك فلا انتقش). ولم يدع أحد من العرب أن شيئا من هذا يشبه القرآن وإن فيه كثيرا، لقوله: إن أحدًا لا يقدر على الإتيان بمثله.
وقد جاء أن سيف بن ذي يزن، لما ظهر على الحبشة وقصده عظماء قريش بالتهنئة، وكان رأسهم عبد المطلب خلا سيف به وبشره بالنبي ﷺ. فقال: إذا ولد مولود
[ ١ / ٢٦٥ ]
بتهامه، غلام بين كتفيه شامة، كانت له الأمامة، ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة، وأنه سأله أ، يوضح له قوله، فقال: والبيت ذي الحجب، والعلامات ذي النصب، إنك يا عبد المطلب لجده غير كذب.
وما زالت العرب تسجع وتزجر، فما فطل عنه أحد منهم أنه ادعى أنه يشبه القرآن أسجاعها وأراجيزها، ولو علموا أنه ذلك لا تبدروا إلى المخاصمة والمعارضة، فأنهم كانوا لما قال ﷿: ﴿وتنذر به قومًا لدًا﴾.وقال: ﴿بل هم قوم خصمون﴾.
فلما لم يقل أحد منهم علمنا أنها غفلت فرق ما بين القرآن والبين الاسجاع والأراجيز، ولذلك ضربت صحبها صفحا ولم يشتغل بها أصلا، فلذلك أسجاع مسيلمة هذا سبيلها مع ما فيها من المحاكاة والسرقة والهذر، وكل واحد من الحاكي والسارق مستغنه بما يأخذه من أعيان ألفاظ المعارض وأوصافه كلامه على معارضته، وإذا كان كذلك، لم تخلص منه المعارضة، وأثار كل واحد من الفعلين ظاهرة في كلام مسيلمة:
فأما المحاكاة، فإنه يحاكي نحو قوله ﷿: ﴿والضحى والليل إذا سجى، ما ودعك ربك وما قلى﴾.
وأما السرقة: فإنه أخذ قوله: (لقد أنعم الله) من قوله الله ﷿: ﴿لقد من الله﴾، وقوله: (وإذ يقول للذي أنعم الله)، وأخذ قوله: (إذا خرج منها نسمة)، من قوله ﷿: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم﴾، وأخذ قوله: (تسعى) من قوله ﷿: ﴿فإذا هي حية تسعى﴾، وأخذ جملة ذلك من قوله ﷿: ﴿(ثم إذا أنتم بشر تنتشرون﴾ فسرق المعنى كما سرق اللفظ.
ثم قوله: (من بين صفاق وحشا) ولأن الولد لا يكون من بين الصفاق والحشا، وإنما يثكون في الرحم، والرحم من الحشا.
وقوله: (لقد أنعم الله عىل الحبلى إذ اخرج منها نسمة تسعى) مع ذلك كلام مجيد لأن أنعام الله تعالى على الحبلى إنما هو بتقويته إياها على الحمل وتخليصها إذا جاء وقت الولادة
[ ١ / ٢٦٦ ]
من غير بأس، وأما ما عدا هذا فإنه وإن كان إنعاما عليها، فليس ذلك من حيث أنها حبلى، والإنعام على أن المولودين بالولد أكبر منه على الأم، لأن الولد إليه ينسب، وبه يعرف، وعليه مؤونته وإليه دعوته.
وقوله: (الفيل ما الفيثل وما أدراك ما الفيل) محاكاة لقوله: ﴿القارعة ما القارعة، وما أدراك ما القارعة﴾. والمحاكاة قريبة المعنى من السرقة، وقد يحاكي الشاعر من ليس بشاعر، فيستوي له ذلك، ولو أراد أن يقول بيت شعر من ذي قبل لما قدر عليه.
وقوله: (ذنب طويل وشعر وتيل) من جملة الاسجاع التي قل أحد أن يعجز عن مثله. فإن كان ذلك كالقرآن، فالاسجاع كلها كالقرآن، ومهما بطل أن يكون ما قيل، هذا الكلام معارضة، وثبت أنه محاكاة وسرقة، فقد بطل الاعتداد به.
ولما ثبت لما بعده على الإنفراد حكم، لأن أكثر ما فيه أن يكون كمعارضة بعض السورة، وتلك مما لم يقع التحدي عليها، وهذا مع ما في قوله: (له ذنب طويل) من الخلف، لأن ذنب الفيل ليس بالقياس على مقادير أعضائه وجوارحه طويلا، ولا هو مما ينبغي أن يشار إليه إذا وصف خلقه، لأنه لا فرق فيه بينه وبين البعير، وإنما يقع تمييزه من غيره بالخرطوم والنابين والرأس والأذنين وعظم الجثة، وأكبار المفاصل حتى لا تلس للوقوع بالأرض، وإن وقع لم يقدر على القام، فهذه خصائصه.
ووجدنا قد قال: (ما أدراك ما الفيل) فلما أخذ فيث وصفه لم يعرفه بما استحق تعريفه، فدلنا ذلك على ركاكته وغباوته.
وأما قوله: (يا ضفدع نقي كم تنقين، لا الشراب تمنعين ولا الماء تدركين) فإنه أيضا من ركيك الكلام، المضاهي لترقيص نساء الأعراب وأولادهن من نحو قول إحداهن أشبه أيا أمك وأشبه حمل، ولا تكونن كلهوف، كل يصيح في مضجعة، قد انحدل وأرق إلى الخيرات وأربأ في الحيل، وعنه هقول من ربيب أباها فقال: وابناه، وابن لليل ليس سروب الفيل يضرب بالذيل كمقرن الحبل فإن كان هذا القول من مسيلمة معارضة القرآن، فكل واحد من كلام هاتين المرأتين معارضة وإلا فليعلم أن ليس كل سجع وكل كلام منقطع كالقرآن والله حسبه.
[ ١ / ٢٦٧ ]
فصل
ونقول في الفرق بين فصول القرآن وبين هذه المتقطعات أن الاسجاع وقوله في الأشعار يتحرى لها الألفاظ وجعل المعاني تابعة لها سيف بن ذي يزن لم يقل: إنك يا عبد المطلب لجده غير كذب وترك أن يقول لجده حقا لا لمراعاة اللفظ، وليزدوج آخر كلامه بأدلة، وإلا فليس في العادات أن يقول قائل: إن هذا هكذا غير كذب، وإنما يقول حقا أو صدقا، كما قال ﷿: ﴿فورب السماء والأرض إنه لحق﴾.
وجرى النبي ﷺ هذه العادة لما قصد السجع، فقال: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب). ولم يقل أنا النبي حقا، قال الله ﷿: ﴿فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا﴾ لأن ذلك كان لا يزدوج مع الذي كان في نفسه أن يقوله من قوله: (أنا ابن عبد المطلب) ويجري الاسجاع إتفاق حروف المقاطع نحو ياء وميم وجيم.
وعلى هذا عادة الشعراء ويتوفى فيهما معًا تبيان للفضل والبيت والبيت في الطول والقصر، وليس القرآن كذلك، لأن مقاطع آياته لم تبن على استواء الحروف ولا آياته على التساوي، فعلم بذلك أن المعاني فيها بحق المقصودة، والألفاظ تحتها لم تشبه ما تشبه الاسجاع والأشعار، من تخالف الحروف في مقاطعها، ولا طول آية وقصر التي تحتها.
ألا ترى أن النبي ﷺ لما سجع فقال: (أنا النبي لا كذب) اقتصر بعده، على أن قال: (أنا ابن عبد المطلب) ولم يقل: (أنا ابن عبد الله بن عبد المطلب)، وإن كان كذلك بالحقيقة، لأنه لو قال هذا لزلزلت بهجة السجع وحسن النظام عن هذا الكلام.
وقد دخل هذا المعنى أكثر آيات القرآن فلم يسوءها ولم يعرضها لأن تمجها الأسماع وتنبوا عنها القلوب. فقيل: ﴿الحمخد لله رب العالمين﴾. ثم قيل: ﴿الرحمن الرحيم﴾. وذلك كلمتان، والذي قبله ثلاث كلمات ومقطعها مختلف، ثم قيل بعدها هذا: ﴿إهدنا الصراط المستقيم﴾ وهي ثلاث كلمات ومقطعها الميم، وقيل بعدها: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين آمين﴾ وفي هذه إضعاف
[ ١ / ٢٦٨ ]
التي قبلها ومقطعها النون، فلم يستنكر ذلك احد سمعه من أهل البلاغة والنظم، ولو كان ذلك في شعر أو سجع لا يستهجن ولم يعترف لصاحبه بأن آياته المتفاوتة قصيدة واحدة، فعلم بهذا أن مبنى آيات القرآن على غير مبنى الاسجاع والقوافي.
ومن تأمل كلام مسيلمة على مشاكلته للاسجاع ومباينته آيات القرآن، وكذلك بقصد الهزل، والركيك من اللفظ والغث في المعنى، فيقول: (يا ضفدع نقي كم تنقيثن، لا الشراب تمنعين، ولا الماء تكدرين) فإن هذا من قول يدل على أن اللفظ كان أغلب عليه من قصد المعنى، وإلا فليس في هذا الكلام ما يستحسنه عاقل.
وهكذا قال الصديق ﵁ لما سمعه: (إن هذا لم يخرج من إله) أي لم يخرج من عند الرب، فإن الرب حكيم، الحكيم لا يتكلم بما لا يستجاد معناه، ولا يستفاد لفظه وكذلك قوله: (وقد أنعم الله على الحبلى إذا خرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشا) قد عرض له في الهجنة والركاكة ما لا تفرضه له إلا تجريده قصدًا للفظ وإعراضه عن المعنى.
وكذلك قوله في صفة الفيثل الذي تقدم ذكره، والكشف عما فيه، وإنما عرض له التقصير فيه لإرادته اللفظ وقلة حفله بالمعنى. وآيات القرآن كلها تخل من هذه الصفة، فظهرت بذلك فرق ما بينها وبين غيرها وبالله التوفيق.
فإن قيل: أرأيتم لو تحدى العرب عليه من الإتيان بمثل هذا القرآن، أهو مثله فيث النظم دون غيره أو في النظم أو المعاني، فإن كان في النظم والمعاني، فأنتم تعلمون أنه لا إعجاز في المعاني، وإن كان في النظم وجب أن يكون من تكلم بكلام منظوم مثل نظمه أتيا بمثله، وإن كان ذلك الكلام هدرًا لا معنى تحته، ولا فائدة فيثه، وفي هذا ما يمنعكم من الطعن فيث كلام مسيلمة لما فيه من اختلاف المعاني، وفساد الأعراض.
فالجواب: إن الإعجاز في الفظ القرآن ولكن لا يمنع اللفظ من الإفادة والإجادة، فإن تكلم متكلم بكلام يدل على عرض محتج ومعنى مستقيم منظوم بنظم لا يشبه نظم الشعر ولا نظم الخطب ولا نظم الرسائل ولا الاسجاع، كان معارضًا للقرآن آتيا بمثله، ولكن يكون ذلك أبدا شهادة من الله بذلك حقا، فأما أن نظم هدرًا أو ضاع
[ ١ / ٢٦٩ ]
كلامًا لا معنى تحته، واستوى له من ذلك بقدر سورة من القرآن لم يجز أن يقال أنه عارضه أو جاء بمثله، لأنا وجدنا في الناس من لا يحسن أن يقول بيت شعر.
وقد قال قصيدة صاغها هذرا ونظمها من ألفاظ لا معاني تحتها. ورأيت من يخدم الملوك ويصيب الرغائب منهم ولا سبب له عندهم إلا هذا الصنيع، وشاهدته وهو ينشد قصائده التي وصفها وهم يضحكون منه، ولو أراد يقول بيت شعر مستقيما لما قدر عليه، فعلمنا أن الإعراض عن المعاني وإغفالها مما يسهل السبيل إلى التوسع في الألفاظ الفارغة وبالله التوفيق.
وأما من زعم أنه عارض سورة الكوثر، فهو أضل من حمار أهله، لأن قوله: ﴿إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك﴾. وبعض ما بعده كلها أعيانه سورة الكوثر، وما بعضها محاكاة وسرقة، فأنى يكون ذلك معارضة، لولا قلة المعرفة، ويدل على صحة ما قدمنا ذكره خطباء العرب وفصحاؤهم لما سمعوا القرآن استعظموه، فقالوا لمعرفتهم مباينته جميع ضروب كلامهم: (إن هذا إلا سحر يؤثر). كما قالت سافر الأمم للأنبياء لما رأوا عنه أعلامهم ما يباين الموجودات عندها، قالوا هذا سحر مبين.
وروى أن الولد بن المغيرة جمع قريشًا فقال لهم، ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: هو شاعر، وقال بعضهم: هو كاهن، فقال الوليد: سمعت قول الشعر فما هو شاعر، وسمعت قول كهانه اليمن فما هو مثله! قالوا: فما تقول أنت؟ فسكت ساعة ثم عبس فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر.
وفي رواية أخرى إن الله ﷿ لما أنزل على نبيه ﷺ: ﴿حم، تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير﴾، قام النبي ﷺ في المسجد فقرأها والوليد قريب منه يستمع إلى قوله، فلما نظر النبي ﷺ إلى الوليد يستمع إلى قراءته، أعاد هذه الآية، فقال: حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، في ملكه العليم بخلقه، غافر الذنب لمن تاب من الشرك،
[ ١ / ٢٧٠ ]
شديد العقاب لمن لا يتوب من الشرك، ذي الطول ذي الغناء عمن لا يوجد ثم وجد نفسصه حين لم يوجده كفار مكة، فقال لا إله إلا هو.
فلما سمعها الوليد انطلق حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال: (والله لقد سمعت لمحمد كلامًا أنفًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، إن أسلفه لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه ليعلوا أو ما يعلا ثم انصرف إلى منزله.
فقالت قريش: قد صبأ الوليد، فوالله لتصبون قريش كلها، وكان يقال له ريحانة قريش. فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، فقعد إليه كهيئة الحزين، فقال له الوليد: مالي أراك حزينا؟ فقال: وما يمنعني أن أحزن، وهذه قريش، قد أجمعوا لك نفقة ليعينوك على أمرك، وزعموا أنك إنما رتبت قول محمد لتصيب من فضل طعامهم! فغضب الوليثد وقال: أوليس قد علمت قريش أني من أكثرهم مالًا وولدًا، وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام، فقام الوليد، وانطلق مع أبي جهل حتى مجلس بني مخزوم فقال: يزعمون أن محمدًا كذاب فهل رأيتموه كذب فيكم قط، وكان يسمي قبل النبوة (الأمين)؟ فقالوا: اللهم لا! قال: فتزعمون أنه كاهن! فهل سمعتموه يخبر ما يخبر به الكهنة؟ فقالوا: اللهم لا! فبرأه الله من هذه الثلاثة كلها.
ثم قالت له قريش: فما هو يا أبا المغيرة؟ فيكفر ما يقول له: ثم نظر فيما يقول ثم عبس وبسر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر.
وفي حديث آخر أن عيينة بن ربيعة قال لقريش: خلوا هذا الرجل واجعلوها لي والله لقد سمعت الشعر قرضة وزجره وقول الكهان، فما سمعت مثل قوله، وذلك عنهدما سمعه يقول: ﴿حم﴾. ﴿السجدة﴾، ومن أولها إلى أن بلغ: ﴿فإن أعرضوا﴾ فأقسم عليه أن يسمكه ويصد قريشًا، فقال لهم ما قال: فقالوا سحرك يا أبا الوليد!
[ ١ / ٢٧١ ]
وهذا كله يبين أنه لم يكن يخفي على العرب أن القرآن هو كالاسجاع ولا هوكاراجيز العرب التي كلها أجلى وأنهى وأفصح وأهيأ من اسجاع مسيلمة، فكيف يقبل من مسيلمة، فكيف يقبل من مسيلمة أنه يدعي معارضة القرآن بشيء لولا قصد الحجاج وإزالة الشبهة عنه صدور المستضعفين لجلب نعمة الله على عباده بالسمع أن يصرفوا إليه ويشغلوه به وبالله التوفيق.
والاحتجاج بالقرآن وجه ثالث: وهو أنه كتاب ناقص للعادات من كل وجه، ولأن الناس حين بعث الله رسوله محمد ﷺ كانوا فريقين: معطلين ومبلين.
فالمعطلون لم يكونوا يقولون بأمر ولا نهي ولا تحليل ولا تحريم ولا وعد ولا وعيد ولا تسبيح ولا تقديس ولا عبادة قط.
والمبلون كانوا متمسكين بالشرائع الموروثة لهم عن أسلافهم، المبدلة وغير المبدلة، ولم يكونوا فيث العبادات ولا الأحكام عن المنهاج الذي نهجه القرآن، والمعطلة من العرب لم يكن تعطيلها إلا تقليدًا، ولم يكن لهم من النصر بالحجج وطرق النظر ما كانت لمعطلة الفلاسفة، وكذلك المتدينة منها بنصرانية أو يهودية أو مجوسية ما كانت إلا مقلدة، ولم يكن لها في النظر والحجاج والجدل نصيب.
وكان النبي ﷺ مولودًا بمكة، وبها تربى على عادات أهلها، نشأ لم يجالس النظار ولا حملة الأشعار، إذا لم يكن منهم من يليه أحد ولا أن يحل إلى من كان منهم من غير بلده، فجالسه والتقى به، ولا عرف البحث عن الديانة والخوض عنها من همه ودأبه، وكانه مع هذا الإنفراد لا يكتب.
ثم إنه جاءهم بالقرآن المشتمل على الإثبات والتوحيد والتسبيح والتقديس والتحميد والدعاء والاستغفار والتمجيد، وإثبات العبادات على اختلاف وجوهها وإبانة الأحكام في عامة الحوادث على كثرها ويقين أصولها وفروعها، وكانت جملتها مخالفة في أنفسها لماعليه المعطلة، وفي أوصافها وشرطها لا عليه الملة المتدينة، فدل على وجوه الحجاج وأرشد إلى طرق الجدل والخصام، وكان في جموع ذل كله ثلاثة معاني أخذها القرآن كتاب وخبر وفيه تكرير.
[ ١ / ٢٧٢ ]
وعلى ذلك فقد اشتمل من بيان أحكام الحوادث على ما أفاد بعضها الكفاية ببعضه، وفي بعضها ما يضمنه من المعنى الذي يتوصل به إلى معرفة فيما قصر اللفظ عنه، فلا تخلو حادثة تحدث إلى قيام الساعة عن أن يمكن استدراك حكمها من قبله، ومن وجه فيكون مرجعه إليه ومصدره عنه.
ومن علم النظر والاستدلال على ما لا متجاوز عنه ولا زيادة عليه، ولا تكاد العقول تبصر طريقا سواه، والنظار وإن أمنعوا وبالغوا وجاوزوا وصنفوا وقدموا وأخروا، فإن أصل احتجاجهم إليه يرجع، وعليه يقف: ومن علم العبادات على ما أتى بها وهذا إلى وجوهها وأقسامها.
ومن علم الآداب والشمائل المحمودة على نحو من علم العبادات والمعاملات أحكام الصروف والجنايات. ومن التسبيح والتقديس والدعاء والتحميد ما لا تبلغه بلاغة البلغاء ويعجز عنه علية الفصحاء.
ويضاف إلى هذه الأبواب المواعظ والأمثال والقصص والوعد والوعيد، وما بقي منها إلا اليسير خلا عن العبادة، والتركيز في مواضع كثيرة بالألفاظ مختلفة، والأمر فيها مؤتلف، والقائم به واحد منفرد، فلا يمكن أن يكون استوى ذلك كله له حتى تولى وصعد من تلقاء نفسه، لأن إمكان ذلك مباين للعادات لا يكاد يتفق ذلك لأحد من الناس فيما يحفظ أو يعرف أن جميع هذه ولا سيما على شرطه في الإعادة والتكرير والعبادة عنه كل واحد منهما بعبارات كثيرة، وألفاظ مختلفة في كتاب قدره كقدر القرآن، وجملته كجملته، وفي ذلك ما يدل على أنه إنما جاء به من عند اللطيف الخبير الذي هو على ما يشاء قدير.
والآخر أنه ما من باب من هذه الأبواب التي ذكرناها إلا وهو ناقص بها عادة فرق من الفرق التي عددناها، فإنه بما جاء به من الشرائع والأذكار والدعوات نقص عادة العرب، وخالف طريقة عامة المعطلة، فلا يمكن أن يكون أخذ عنههم ما لم يكن عنهدهم.
وأما أهل الملك فقد خالفهم أيضا، لأنه جاء بغير ما كانوا عليه من العبادات والأحكام وكذبهم في كثير مما كانوا عليه يدعونه دينا وكذبا بالله ﷿، ولعنهم وكفرهم وضللهم وقتلهم وغنهم أموالهم وسبى ذراريهم ونساءهم وضرب الجزية على الذين سالمهم، وأنذر بالنار والعذاب الدائم من مات منهم، ولم يكن أن يكون أحد من يخالف دينهم عنهم.
[ ١ / ٢٧٣ ]
وأما ما يوافق قولهم، فلو كان أخذه عنهم لم يخف ذلك عليهم ولو لم يعفوا عليه في أول الأمر، فقد كانوا يدركونه إذا غلبت يده وظهر أمره ثم كانوا لا يمكنونه عليه، بل يفشونه ويذيعونه حرصًا عليه متتابعين فيه، ولما ذهب علم ذلك على النجاشي الذي كان أصحابه يلحون إليه وهو يومئذ ملك النصرانية، وقد جاءهم بنسخ أحكامها وتبديل شرائعها وتكذيب أكثر الدائنين بها مما كانوا يقولونه في عيسى صلوات الله عليه.
ولما لم يقدر أحد من اليهود والنصارى والمجوس على أن يضيف إليه شيئا مما ذكرت، وإنما قالت العرب عند تخبرها في الأمر، إنما يعلمه بشر، فليشتبه إلى الأخذ عن أعجمخي لا يحسن العربية، وهو عندي لا يحسن الأعجمية، حتى رد الله جل ثناؤه عليها قولها من هذا الوجه فصح أنه لم يأت بالقرآن إلا من عند الله جل ثناءه وبالله التوفيق.
والثالث هو ما أشار إلأيه جل ثناؤه بقوله تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرا﴾. منها عما قد كانه، ومنها عما قد يكون في الدنيا وفي الآخرة ولم يأت به النبي ﷺ جملة وإنما أتاهم به شيئًا بعد شيء، وقد جرت العادة، بأن الكذاب لا يسلم من الناقضة في كلامه، ولا سيما إذا تشتت أخباره وتخللت بينها أزمان متباعدة، وأحوال متتابعة.
فلو كان القرآن وضعا وضعه من تلقاء نفسه، لوجدوا في أخباره من التفاوت ما هو أظهر إمارات الكذب، وأبين ما يميز بين الناس بين الصادق والكاذب، فيقول قائلهم: أما فلان فلا تجري أقواله إلى على نهج واحد، وأما فلان فإنه يقول مرة كذا ومرة كذا، أي أن الأول محق صادق، والآخر مبطلق مخارق.
ولم يوجد ما ذكرنا أنه أمارة الكاذب والكذاب في القرآن، صح أنه إنما جاء به من عند الله ﷿، وهذا كما قال: ﴿أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة﴾. أي الم يقابلوا أحواله وأوصافه بأحوال المتحابين وأوصافهم حتى إذا لم يجدوا شيئا منها له وفيه علموا أنه ليس بمجنون.
فإن قيل: أن أخبار القرآن لا تبلغ في الكثرة أن لا يطلق الاحتراز فيها من المناقضة
[ ١ / ٢٧٤ ]
ولا سيما إذا كان الذي يأتي بما يريد، يتوصل به إلى إثبات الرسالة لنفسه من الله تعالى جده!
فالجواب: أنه ما من مخبر كاذب إلا وله في خبره غرض يريد أن يبلغه بخبره، ويكره أن يظهر المخبر كذبه فيه، ثم ليبين في ذلك ما يحتمل وجود التفاوت في كلامه إذا ردده في عدة مجالس في يوم أو أيام متدانية أو متباعدة، وما ذاك إلا أ، التحرز من الناقضة في براعث العقل والتمييز وحب الذكر الجميل، والإشفاء من الإسم الذميم.
ومن كان بهذه المنزلة لم يكذب ولم يقتصر على أن يكون كذبه معتدلا دون أن لا يكذب أصلا، وإنما يرضى لنفسه بالكذب من ضعف رأيه وخف وزنه أمامه الذي لومه حاله وعرضه القائم في نفسه حين تكلم تكلما يغرب الحال، واختلف العرض بغير كلامه ولم يجعل بما تقدم له منه.
وإذا كان هذا هكذا، مل يكن في إمكان التحفظ من المنا قضة في قدر أخبار القرآن الكريم بما كان يحيل أو يمنع وجود آيات الكذب فيها لو كان الآتي بها صادق وبالله التوفيق.
وفيه وجه آخر وهو أن في هذه الآية: أن القرآن لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه التفاوت والتناقض ولكن ليس يها إن ذلك على أي وجه، وجد من حيث أن الآتي به كان لا يقدر على التحفظ فيه أو من وجه سواه فيقول: بل من وجه سواه، وهو أن الله ﷿ إذا رآه مستظهرا بالتحفظ عىل التلبيس، ويتوصل إلى وضع شريعة وصرف الناس على الشرائع الصحيحة إلأيها، حال بينه وبين همه وسلبه الأوصاف الذي يتمكن بها من الاحتراز وعرضه لما يوقعه في المناقضة وحلاه حلية الكذابين، فلما لم يفعل ذلك بمن جاءهم بالقرآن ولا هو أنزل عليه عذابا ولا سلط عليه عدوا بل كتب له النصر عىل من ناوأه أو خالفه وجب أن يعلم أن من جاء بالقرآن من عنده وبالله التوفيق.
فصل
ومما يدخل في تعظيم قدر القرآن أنه مخصوص: بأنه الدعوه وهو الحجة ولم يكن مثل هذا الرسول قط، إنما كانت تكون لكل واحد منهم دعوة ثم تكون حجة غيرها، وقد
[ ١ / ٢٧٥ ]
جعل الله تعالى القرآن لرسوله ﷺ دعوة وحجة، إلا أنه دعوة لمعاينة حجة لألفاظه ونظمه، وحسب الدعوة شرفا أن تكون الحجة نفسها، وحسب الحجة قوة أن لا تتميز الدعوة عنها.
ومن خصائص القرآن ان الله تعالى جعل معجزة الرسول ﷺ باقية إلى يوم القيامة، وذلك لنفاذ عودته إلى يوم القيامة.
وأما سائر الرسل فكانت إيمانهم تبقى قدر ما تلزم بها الحجة .. لا يوجد منها إلا ذكرها وبناؤها. وهذا مما أكرم الله بها نبينا ﷺ، ثم أن له ﵇ وراء القرآن من الآيات الباهرة إجابة الشجرة إياها لما دعاها، وتكليم الذراع المسمومة إياه، وازدياد الطعام لأجله حتى أصاب منه بأس عظيم، وخروج الماء من بين أصابعه في المخضب حتى توضأ منه ناس كثير، وجبر الجذع وظهور صدفة في معينات كثيرة أخبر عنهها وغير ذلك مما قد ذكر ودون.
وفيث الواجد منها كفاية، غير أن الله ﷿ لما جمخع له من أمرين: أحدهما بعثة إلى الإنس والجن عامة، والآخر ختم النبوة به، ظاهر له بين الحجج حتى شذت واحدة عنه فريق بلغتهم أخرى، وإن لم تنجع واحدة نجعت الأخرى، وإن درست على الأيام واحدة بيقيت أخرى، ولله في كل حال الحجة البالغة، ولله الحمد على نظره ورحمته لهم كما تستحقه.
ذكر الكهانة
قال الله ﷿: ﴿إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر، قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن، قليلا ما تذكرون﴾.
فإن قال قائل: ما الدليل على أن نبيكم لم يكن كاهنا؟ أرأيتم لو قيل لكم: أن الكهانة كانت فاشية في العرب وتحاكمهم إلى ظاهرا وقد علم ان الجن تقدر من الصناعات ما لا يقدر عليه الإنس، وقد وصفهم الله ﷿ بذلك، فقال في قصة سليمان
[ ١ / ٢٧٦ ]
﵇: ﴿ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك﴾.
وقال: ﴿يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفانه كالجواب وقدور راسيات﴾.
وجاء في الأخبار أنهم كانهوا يعملون له في البحر ويبنون البنايات العظيمة التي لا يبني الناس مثلها، فلا يمكن أن تكون قوتهم على نظم الكلام كقوتهم على سائر الأعمال مع ما كان يذكره كل شاعر من كبار شعاريهم، من أن له تابعة من الجن تلقيه وتعينه، وذلك موجود في أشعارهم، وقد ذكروه واعترفوا به بل تبجحوا وافتخروا.
فيكون هذا القرآن من نظم الجن ومن نظم تابعة بينكم، يعنه يأن يكون وحيًا إلأيه على لسان الملك، ويكون القتال الذي ينسبونه إلى الملائكة واقعًا من قبل الجن، وأن يكون مجيء الشجرة لما دعاها من قبل الجن إياها، وزجرهم إليه لها، وأن يكون حنين الجذع صوت جنى عنده، لا صوته بالحقيقة، وكذلك كلام الذراع، أن تكون اخباره عن كثير من المغيبات لأنباء الجنه بذلك، فيكون جميع أمره كهانة لا نبوة!
فالجواب: -وبالله التوفيق- أن هذا باطل، والنبي ﷺ أمرا وأبين حالًا والشواهد على نبوته وصدق دعوته أكثر وأبهر من أن تسوغ هذه المعارضة لأحد في أمره.
فأما ما يختص بالإبانة على أنه لم يكن كاهنًا فعدة أشياء منها يبرأ من الكهانة، فقال فيما قرأه على الناس حاكيًا عن الله في وصف القرآن ﴿إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزل من رب العالمين﴾. وقال: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم، يلقون السمع وأكثرهم كاذبون﴾
فلو كان يأخذ من الشياطين، ثم يسبهم ويشتمهم ويغيبهم ويكذبهم وينسب ما يغيبونه ويمدونه إلى غيرهم من غير أن يريد بذلك سرتًا عليهم وصاينة لهم عن مكروه يخافه عليهم من إظهار أمرهم لما سألوه، ولكان أقل ما يعاملونه به إن لم يضروه أن يهجروه.
[ ١ / ٢٧٧ ]
ألا ترى أن واحدًا من الناس إذا كان يتلقى عن أحد علما مستفيد به في الناس ذكرا أو مالا أو جاها ثم ترك إلى أن ينسبه إليه، لا لغرض سوى الترفع أن يقال: أنه يأخذ عن قلان وينسبه إلى ضده ويخالفه وصار مع ذلك إلى سبه وشتمه وتكذيبه من غير ضرورة إليه، أو عذر يعرف له فيه، كان من أقل ما يعامله به إذا عرف ما يكون منه أن يقطع عنه مادته ويرفض في إرفاده عادته دون أن يتحمل لأجله المشاق والكلف في تحصيل حاجته ثم يعصمها عليه مع ما يعرفه من رفعة عنه، وإساءة القول فيه.
وإذا كان كذلك ثم لم ينقطع عن النبي ﷺ ببراءته من الجن وتكذيبه مسترقة السمع منهم، وذمهم إياهم وتسميتهم بأقبح الأسماء وهو الشياطين، علم ما كان يأتيه، ولقدرت الشياطين على الإضرار به، دل ذلك على أن العلم إنما كان يأتيه من الله تعالى على لسان الملك، دون إن كان شيطان يلقي إليه شيئا، أو يسترق لأجله سمعا، منها: أن نبينا ﷺ ذكر للناس أن الكهانة قد أبطلت ورفعت، وأن الجن قد حيل بينهم وبين خبر السماء، فقال فيما أوحى الله إليه من قول الجن: ﴿وإنا لمنا السماء فوجدناها ملئت حرسًا شديدًا، وشهبًا وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا﴾
وذكر أن فيما أنزل عليه: ﴿إنا زينا السماء الدينا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الى الملأ الأعلى، ويقذفون من كل جانب دحورًا ولهم عذاب واصب ألا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب لاقب﴾.
قوله ﷿: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين﴾.
فلو كان ما يقوله إنما يسمعه من مسترقة السمع وكان الإستراق مجالة، والكهانة حالها الكذب وسائر الكهان، ويكون تابع كل كاهن لصاحبه، إنما يأتي محمد أميا فلان، وإنه واحد منكم، ولأخبر الكهان بذلك للناس ليتمكنوا من كهانتهم، كما كانوا متمكنين منها قبل.
فلما اسكتوا وبطل أمرهم وانقطع التواقع إليهم لعد العلم الذي كان يوجد فيما مضى
[ ١ / ٢٧٨ ]
عندهم ثبت أن الكهانه إنما عجزوا عن الطعن في النبي ﷺ، فلم يدعوا أنه من طبقتهم، وواحد من حلتهم، لأنه لم يكن منهم، وكان صادقًا في قوله: أن الجنهة حجبوا عن السماء، وبطلت الكهانة وجاءت النبوة، ولولا ذلك لقالوا: ما ذكرنا أنهم لم يقولوه وزادوا على ذلك أنهم كانوا يشار كونه فيث مخبراته شياطينهم، يأتونهم بمثل ما كان يأتيه به شيطانهه، لو كان منهم، فكان يظهر بذلك أن الجن لم يحجبوا عن السماء، وإن الكهانة لم تبطل وسيبين للناس أنه منهم ومثلهم.
وفي انقطاع الكهانة وبطلانه امداد الكهان ما دل ان النبي ﷺ كان صادقا في جميع ما قال، وأن العلم كان يأتيه من عند الله عىل لسان الملك، ولم يكن للجن إليه سبيل.
ومنها أن نبينا ﷺ قد ثبت له أعلام لا يمكن أضافتها إلى الجن، نحو الماء ينبع من بين أصابعه فيث المحصب حتى توضأ من ثمانون رجلا.
والشتاء التي أكل منها سباع ماية رجل واكثر، وبقى الطعام مع ذلك بحاله، ونحو اشتقاق القمر وغير ذلك مما لا يمكن أن يكون للجن فيه عمل.
فيثبت بهذه الأعلام صدقه، ولم يجز معها ان يضاف إليها الكهانة أو هو قديرا منها، لأنه لو كان كاذبا في البراء بينها لما أيده الله تعالى بهذه المعجزات، وفي تأييده إياه بها، وجوب حكم للصدق والأمانة له، فصح أن الكفاية عنده مدفوعة والنبوة ثابتة وبالله التوفيق.
ومنها أن استراق السمع خيانة ونجس، وإفشاء ما يجري في الملأ من غير أن يأذن الله تعالى فيه خيانة، كل ذلك فسق ومعصية، فصح أن الشياطين الذين منهم يقع هذا يطرأ على شياطين الإنس الذي تقع منهم السرقات وإفشاء الأسرار وهتك الحرمات. ومعلوم ان هؤلاء إنما يسألون أمثالهم من أسرار الناس، ولا يسألون الصلحاء والبررة والأتقياء ولا يخالطونهم ولا يصحبونهم.
فدل ذلك على أن أمثالهم من الجنه إنم ايساكنون من الإنس الشرار والمردة وأهل الخبث والخلاعة، دون الأخيار وذوي الصلاح والأمانة والعفة.
وقد علم أن نبينا ﷺ، كان أوفى الناس نفسًا وأحمدهم شمائل، وأرضاهم انحاء ومذاهب، وأصدقهم لسانًا وأبينهم أمانة. كذلك كان قبل النبوة، وكان يدعى بينهم
[ ١ / ٢٧٩ ]
الأمين، ثم ازداد فيها حمدا وفضلا، فكان أبعد الناس من أن تؤاتيه مسترقة السمع من الجن، أو تسالمه أو تصحبه.
فثبت من هذا الوجه أيضا بعده عن الكهانة، وهذا هو المعنى الذي أشار الله تعالى إليه بقوله: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم، يلقون السمع وأكثرهم كاذبون﴾. وبالله التوفيق.
ومنها أن أمره لو كان من قبل الكهانة لم يخل الجني الذي كان يأتيه من أن يكون مؤمنا أو كافرا، فإن كان كافرًا استحال أن يأتيه بغرض الإيمان، وعبادة الرب ويحمد الكفر، وقتال جميع طبقات الكفار. فإن كان مؤمنا استحال أن يقول له وهو ليس بنبي نبيًا، وادعى أن الله تعالى أوحى إليك ونباك، لأن من أمر بهذا غيره، أو رضي به كفر! فكيف إذا ظاهره على ذلك بأشياء تشبه في ظواهرها المعجزات ليحيل بها الناس سرفه نحو الحنين عند الجميع، ليرى الناس أن ذلك حنين الجزع، أو قوله عند الذراع: أني مسمومة، ليتوصل القول له ذلك إلى أن يدعي الذراع كلمته.
وإذا كان كذلك، صح أن أمره لم يكن من قبل الكهانة، ولا علمه كان من وجهة مسترقة السمع، فإن ذلك لو كان لم يخل الجني الذي جاء به موسى وعيسى ﵉، وتبرئتهما من الكهانة، فليقل في نبينا ﷺ قوله فيهما، لأن الذي جاء به كان نظير الذي جاء به موسى وعيسى، أنه لا نظير كهانة الكهان.
وإن كان يزعم أن موسى وعيسى كاهنان كذبتهما المعجزات التي آتياها ما لا يجوز ان يكون للجن فيه صنع بوجه من الوجوه نحو انقلاب العصا حية وانقلاب النيل دمًا ثم
[ ١ / ٢٨٠ ]
عودة ماء الطمس على أموال قوم فرعونه كانفلاق البحر، وظهور طرق يابسة فيها بضربة واحدة، وحياة الميت، انقلاب الطين طائرًا حيًا، وبرء الأكمه والأبرص، فإن هذه أمور لا تمكن إلا من الله جل ثناؤه، فإذا ثبت بها نبوة موسى وعيسى عليهما السالم، وكانت دعوة محمد ﷺ مشاكلة لدعوتهما، ثبت أن أمره لم يكن من ناحية الجن كما لم يكن أمرهما من ناحيتهم والله أعلم.
ويؤكد هذا أن الكهنة ما كانت لهم دعوة مستجابة في أحوال الضرورات العارضة للناس، وقد كان منها لنبينا ﷺ ما كان للأنبياء ﵈ مثله. فدل ذلك على أنه كان نبيًا ولم يكن كاهنًا وبالله التوفيق.
فصل
فأما قول ما قال: يجوز أن يكون تابعه محمد وأولياؤه من الجن، هم الذين قاتلوا المشركين ببدر، دون أن يكون الله تعالى أمده بجند من السماء لأجل النبوة!
فالجواب: أن هذا لو كان هكذا لوجب ان يقاتل توابع المشركين وأولياؤهم توابع النبي ﷺ وحزبه، وإن كانت فعلت هذا، فهلا وجد في المسلمين من قتلى الجنه مثل ما وجد في المشركين من قتلى غير الإنس، فقد كانه الكافر يقع بالأرض قبلا، ولا يرى قاتله، وترى أبدان المشركين طعنات لا تشبه طعنات بني آدم، ولم ير بأحد من المسلمين من مثل هذا شيء، فهذا يبين ان مدد المسلمين لم يكن إلا الملائكة .. التي لا يجوز أن تبصر إلا أولياء الله بأمر الله، وبالله التوفيق.
وأما الشجرة التي دعاها رسول الله ﷺ، فأقبلت تجر الأرض حتى وقعت بين يديه، لا يخلو من أن يكون فعلها والأمال بها من الجنة أو فعلا لله جل ثناؤه غير منضاف إلى أحد سواه، فإن كان فعلا لله جل ثناؤه ولا يضاف إلى أحد من خلقة منه شيء، فهذا ما قلنا، وإن كان من قبل الجن، فالدلالة به على صحة نبوة نبينا ﷺ قائمة، لأن ذلك يدخل في باب تسخير الجن له كما سخروا لسليمان ﵇ وذلك أن من المعلوم الذي لا يلبس أن الجنه لم تكن تعمل لأحد من الكهنة عملا، وما كانت تريد على أن تخبرها ببعض الحساب، وما مضى من الكاتبات.
[ ١ / ٢٨١ ]
فأما ما جاوز ذلك فلا، وما كان العمل منها لسليمان ﵇ تسخيرًا من الله ﷿ إياها له. فإن كانت الجن تصحب ﷺ في وسفره وانفراده بنفسه، واجتماعه مع إخوانه، وحين يساو به أو يرد أن يقضي لنفسه حاجة، أو يقي على أحد برهانا ودلالة جتى أن دعا الشجرة قامتها وأحضرتها إلى غير ذلك ما أضافه الطاغون إلى الجن. فقد كانت إذا مسخرة له وتسخيرها لأحد من الإنس خلاف العادة. ولم يكن فيما مضى إلا لنبي، فهو إذًا نبي.
وأيضا فلو كانت جن تفعل ذلك موالاة للنبي ﷺ، وميلا إليه بطبعها، لعلمت جنه آخرون لمخالفته مثلها منها إياها وميلا إليها بطبعها، ألا ترى أن القتال لما وقع بينه (وبين) قريش أعانه من الموافقين من أعانه، وأعانت قريشًا ايضًا من مواقفها من أعانها فهكذا كان ينبغي أن تعمل الجن، فإذا أعانته جن بما يكون له من المشركين أعانت المشركين جن مخالفون له وموافقون لهم مثله، كيلا يجد إني الاحتجاج عليهم سبيلا، ولما لم يكن ذلك، علم أن ما كان من هذه الأمور، فلم يكن للجن فيها عمل وبالله التوفيق.
وأيضا فإن قالوا: علمت النبي ﷺ بعمل لا يقدر الإنس على مثله، ليتوصل بذلك إلى دعوى أنه نبي، كان أقل ما يقدر عليه جن آخرون، أن يخبروا الذين كانوا يأتونهم من الكهان بذلك فتدوم الكهانة، ويعلم الناس من قبل الكهان ما يظهر للناس من الأمور المخالفة للعادة، فهو من قبل الجن، ولما لم يقدروا على ذلك، علم أنه لم يكن للجن إليه سبيل وبالله التوفيق.
وأيضا فإن الشاطين أن قدروا على قلع الشجرة التي لا يقدر الآدمي على قلعها فلا يقدر على إعادتها وركزها وإعلامها حتى تعود في الحال كما كانت، فإن الآدميين قد يتعاونون على القلع أيضا ثم لا يقدرون على أن يعيدوها راسخة ثابتة في الحال كما كانت، والحديث الذي روى فيه دعاء النبوة وإقبالها روى فيه أيضا: أنه لما قضى حاجته أمرها أن تعود فعادت إلى مكانها كما كانت لا يناز منها شيء، فثبت أن ذلك لم يكن من قبل الجنه، وإنما كان من الله الذي لا يعجزه شيء وبالله التوفيق.
وأيضا فإن الأخبار ما دل على أن أمر الشجرة لم يكن عمل الجن لأنه روى عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إني أمرت أن أتلو القرآن على
[ ١ / ٢٨٢ ]
الجن، فمن يذهب معي، فسكتوا، ثم الثانية فسكتوا، ثم الثالثة، فقال عبد الله: أنا أذهب معك يا رسول الله. فقال: أنت تذهب معي! فانطلق حتى إذا جاء الحجون عند بعض الشعاب خط علي خطا، فقال لا تجاوزه، ثم مضى إلى الحجون، فانحدروا عليه أمثال الحجل يحدرون الحجارة بأقدامهم، يمشون يقرعون في دفوفهم، كما تقرع النسوة في دفوفها حتى غشوة فلا أراه، فقمت فأومأ بيده إلى أن أجلس، فتلى القرآن، فلم يزل صوته مرتفع، ولصقوا بالأرض حتى ما أراهم، فقال له: ما أنت نبي، فقالوا: من يشهد لك؟ قال: هذه الشجرة، تعالي يا شجرة، فجاءت تجر بعروقها الحجارة لها معامع حتى عادت، كما كانت، فلما أقبلت إلى النبي ﷺ قال: أردت أن تأتيني، قلت: نعم، قال: ما كان لك ذلك، هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن ثم ولوا إلى قومهم مدبرين).
فثبت بهذه الرواية أن مجيء الشجرة بأمره كان حجة له على خلق كان من الجن يجرونها لم يخف على الجن الآخرين أمرها ولم تكن بذلك حجة عليهم والله أعلم.
ذكر القواعد المجيد: وأما القرآن فإنه أكرم وأمجد وأعظم قدرًا وأرفع ذكرًا من أن ينسب إلى الجن وضعه، أو يتوهم لها قدرة على مثله، بل الجن في العجز عن ذلك كالإنس وأضعف وأعجز، لأن الجن وإن كانت مشاركة للإنس في البيان.
فلم يظهر لنا من اقتدارهم على نظم الكلام خطبة، أو رسالة أو شعر أما ظهر لنا اقتدار الإنس، وليس الجن قديمًا ولا حديثا قصيدة تؤثر عنهم، ولا كتاب يضاف إليهم ويعرف بهم، فليس إذا كان لهم قوة على أعمال شاقة عنيفة لا تقوى الإنس على مثلها، وجب أن يكون حالهم في البيان مشاكلة كذلك، فإن في الإنس من تشتد قوته وتستحكم جريرته حتى يقدر من الأعمال وحمل الأثقال على ما لا يقدر عله غيره على مثله وما يقرب منه، ثم يكون أبعد الناس من البيان، وأعجزهم عن نظم الكلام.
وقد أخبر الله ﷿ عنه الأعمال التي كانت للشياطين تعملها لسليمان صلوات الله عليه، ثم لم يخبر عنه أنه استكتب منهم أحدا واستحفظه، فلو كان عندها من فضل
[ ١ / ٢٨٣ ]
البيان ما كان عندها من فضل الإختيار على شدائد الأعمال، لكان عليه السالم لا يبخس نفسه حظًا من بلاغتها، كما لم يجنبها إياه من حلاوتها.
وفي وقوع السلف من نقلة الأخبار ومبتغى الآثار عنها في هذا الباب دليل على أنه لا حال لهما فيه، فوجب البشر ويقتضي الإشارة والشهر والله أعلم.
وأما ما حكى عن شعر العرب من ادعائهم ان نوابغهم يعينونهم على أشعارهم، فليس ذلك على ذلك على معنى أنهم يلقنونهم الشعر، إذا لو كان كذلك، لكان أولئك هم الشعراء، وهؤلاء وداة لهم، مخبرون عنهم، وإنما هو على معنى أنهم يذكرونه، معنى لا يحصرهم من تشبيه أو مدح أو ذم أو شيء قد اعتاض عليهم. فإنه إذا جاز عليها ان تذكر وقد يمكن أن تقع مثل هذه المعونة من الإنسان غير الشاعر للشاعر، فإن وقعت من حتى غير شاعر لا بشأن شاعر لم يبعد وبالله الوفيق.
ثم نقول: لو كان القرآن من نظم الجن لم يخل الذي نظمه منهم من أن يكون حكيما أو غير حكم، فإن كان حكيما، فالحكم لا يكذب على الله ﷿، ولا يصنع كتابا، ثم يقول هذا كتاب الله، ولا يقدر الإنس والجن على مثله، ولا يأمر من ليس بنبي أن يتنبأ ولا يعينه بما يخيل إلى الناس أنه صادق ليقبلوا منه ويأخذوا عنه، فإن لم يكن حكيما فغير الحكيم لا تجري أفعاله وأقواله، لا على الحكمة، والقرآن مبني على أبلغ الحكمة، فيثبت أنه لا يجوز أن يكون من وضع من ليس بحكيم، وإذا بطل الوجهان، وكانت إضافة القرآن إلى الجن لا ينفك منهما، صح أن هذه الإضافة باطلة، لأن مما لا ينفك عنه الباطل باطل.
وأيضا فإن تكذيب النبي ﷺ في أن القرآن كلام الله أنزله عليه على لسان ملك، وادعى أنه كاهن، فإن القرآن من وضع الجن لا فائدة فيه، لمن يكفر به، وإن تكذيبه من هذا الوجه يؤدي إلى تصديقه، وإذا وجب صدقه لم يجز تكذيبه فيكون التكذيب عائدًا على نفسه بالإبطال.
وبيان ذلك: أن نبينا ﷺ، أن كان أخذ القرآن عن جني فلم يكن يخلو غيره من الجن من أن يقدروا على مثله أو لا يقدروا، فأ، قدروا فقد كان ينبغي لكفارهم أن يعينوا
[ ١ / ٢٨٤ ]
إخوانهم من الإنس بالمعارضة بعد أن يجدوا، وقيل: ﴿لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله﴾.
وإذا لم يفعلوا وأسلموا اخوانهم للقتل والسبي، دل ذلك على أنهم عاجزون عن معارضة صاحبهم، وإذا وجب ذلك، صح أن صاحبهم في العجز مثلهم، وإنه لم يأت به من عند نفسه، فعاد الأمر إلى أنه جني أمده الله بمعجزة فشهد على احقاق رجل من الإنس مما يدعيه من رسالة ربه، فيقبل ذلك منه ويعترف بالصدق له، ولا فرق بين أن يرسل الله رسولا، ويقرن برسالته حجة يتولى اقامتها بنفسه، وهي أن يقيض معجزة ليصدقه في أن تصديقه واحد في الحالين.
فإن كانوا كما قالوا: فالجن الذي أخذ عنه النبي ﷺ القرآن بزعمهم، إذا صاحب معجزة! وقد صدق النبي ﷺ في غير موضع من القرآن وشهد له بالنبوة والرسالة، فوجب القبول منه وتصديقه، فقد بان تكذيبه وإجراؤه في إعداد الكهان عاد موجبًا لتصديقه، ثم الإعتراف له بكل حال.
فإن قيل: ما أنكرتم أن توابع الكفار من الجن كانوا قادرين على معارضته ألا أنهم لم يفعلوا الآن الحرب، كانت بين النبي ﷺ وبين كفار الإنس، وأما الجن فكانوا منه في راحة.
قيل: فالجني الذي وضع القرآن بزعمكم للنبي ﷺ، لما وضعه له؟ أكان غرضه فيه، ولم يكن يرجع اليه من يوجه امره يقع، ولا فائدة!
فان قال: هذا وإن كان هكذا، فقد كان يجوز أن يحمله موالاته إياه واختصاصه به على أن يريد تمكينه وإعلاء أمره، فيكيد له أضداده بمثل هذه المكيدة!
قيل: فهلا حمخل توابع الكفار موالاتهم إياهم، واختصاص كل واحد منهم بواحد من الكفار على أن يريدوا نصرهم والدفع عنهم وإعانتهم مما كان نازلا بهم بمعارضة يكيدون بها صاحبهم الذي كاد الكفار بالقرآن لأجمل محمد ﷺ بعد أن كانوا قادرين عليها يزعمك، وما الفضل؟
ذكر الكلام في شهب القذف: وهي من جملة آيات السماء الدالة على نبوة نبينا ﷺ
[ ١ / ٢٨٥ ]
الداخلة في قوله ﷿: ﴿ويتفكرون في خلق السماوات والأرض﴾
قال قائل: إن الأصل الذي يذكرونه لبطلان الكهانة ليس بذلك البين لأنكم تزعمون أن الجن كانت تتسمع لخبر السماء، فلما بعث نبيكم حرصت السماء ورصدت الشياطين فمن وجد منهم مسترقًا للسمع رمي نجم فأحرقته، لئلا تنزل به الأرض فيلقيه إلى الناس، فيختلط على النبي أمره، ويرتاب الناس خبره، وان سبب انقضاض الكواكب هذا دون غيره ولا يجوز أن يكون ما يذهبون إليه هذا حقًا، لأن انقضاض الكواكب مذكور في أشعار شعراء الجاهلية الذي سبقوا الإسلام.
وقد ذكرته الفلاسفة في كتبهم وزعم الزاعم منهم أن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس، فإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها مكان اللهب الذي يرى غليان ذلك البخار، فإن كانت هناك اجزاء من البخار متجمعة واحترق شيئا فشيئا أرى سهل ذلك اللهب متطاولا، وإن اخترقت دفعة واحدة رئيت كشكل القمر.
وهذا يبين أن انقضاض هذه الكواكب ليس لأجل نبوة نبيكم، ولو أن لأجله، لوجب أ، ينقطع بموته، إذ ليس هناك اليوم ما يخشى أن يسابقوا إليه النبي فيسبقونه.
وقال قائل: إن كانت السماء خرست في عهد النبي ﷺ، أفكانت قبل ذلك ضائعة والشياطين للملائكة في علم ما يجري فيها مشاركة، فإنذ كان ذلك جائزًا فهلا سكنت السماء كما سكنتها الملائكة؟ وماذا أثر اخراج ابليس منها؟ فأنكم تزعمون أن الله ﷿ قال له: ﴿فاخرج منها فانك رجيم﴾ أفكانوا بعد هذا القوم متمكنين من السماء يقفون على إخبارهم، ويعلمون ما يجري فيها.
وقال قائل: كيف تقتع الثقة بما يصفون من هذا الأمر العظيم، وقد عقل أن الجن الطف حواسًا، وأصفى أذهانًا وأثقب إفهامًا، وأقوى على كثير من الأمور من الإنس؟ فكيف يجوز أن يشاهدوا واحدًا أو مائة من جنسهم يسترقون السمع، فيقدمون السمع، فيقدمون بالنار ويهلكون، ثم هم على ذلك يعودون لمثل صنعهم، وليس في العادات أن يستنصر عاقل بأمر فيعلمه سببًا للهلاك يقينًا، فيعترض له، فكيف صارت الجن تعقل هذا وتختاره لأنفسها؟
[ ١ / ٢٨٦ ]
فالجواب: أن أصل الكهانة ما ذكرنا، ولم يكن الكهان يدعون لأنفسهم سببًا غير اختيار الجن إياهم، مما لا يجبرون به غيرهم، وقد عقل أن الجن لا تصل إلى معرفة ما لا يكون في الأرض ولا في الحويل يكون في السماء إلا بان، يخبرهم عنه مخبر، فأما أن يهبط عليهم من السماء من يحدثهم، وأما أن يرتقوا هم إلى السماء فيستمعوا ولما لم يكن يهبط عليه من السماء أحد، دل ذلك على أنهم كانوا ينسبون بالارتقاء إليها إلى معرفة ما يجري فيها، ولا يجوز أن يدخلوا ويتمكنوا فيها، لأنها مكان غيرهم فثبت أنهم لم يكونوا يصلون إلى أكثر من استراق كما وصفه الله تعالى.
ثم أن الذي ذكره الله ﷿ في كتابه من أمر الشهب، فجملة القول فيه: أنه ليس فيما يتلوه من كتاب ربنا ﷿: ان الشياطين ترمي بالكواكب أو بالنجوم وإنما فيه ما يذكره، وهو أنه ﷿ قال حكاية عن الجن: ﴿وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسًا شديدًا وشهبًا﴾. فأخبرت الجن أنه زبد في حراس السماء حتى امتلأت منها ومنهم.
وفي ذلك دليل على أنه كان فيها قبل ذلك حراس وشهب معدة معهم. والشهاب في لسان العرب: النار الموقدة، وقال ﷿: ﴿ولقد زينا السماء الدنهيا بمصابيح وجعلناها رجومًا للشياطين﴾ ويجوز أن تكون المصابيح هي الشهب المعدة مع حراس، دون أن يكون المراد بها كواكب السماء لأن المصباح هوالسراج، فلو كانت الكواكب مصابيح لم يكن لتخصيص الشمس بتسميتها سارجا؟ ً معنى.
فثبت أن المراد بالمصابيح الشهب المعدة للقذف، وإن تزيين السماء بها هو تزيين ما يلي سكانها منها لا تزيين ما يلينا منها. وقال ﷿: ﴿إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب﴾ فمن قرأ بالإضافة والجو فوجهه: أن السماء زينت بمثل زينة الكواكب. وزينة الكواكب النور والإشراق. فكذلك زينت في السماء لأجل الحراسة شعل منيرة مشوقة: كأنها في رأي العين كواكب حسًا وكثرة، ولو كان المعنى غير هذا الأشبه أن يقال: أن السماء الدنيا بالكواكب، دل ذلك على أنها زينت بزينتها لأنها أنفسها، وزينتها كما ذكرنا والله أعلم.
[ ١ / ٢٨٧ ]
ومن قرأ ﴿بزينة الكواكب﴾، والتنوين والجر، جعل الكواكب تفسيرًا للزينة، وذلك ما يدفع ما أوجبته القراءة الأولى، لأن كل نقطة بيضاء هي عند العرب كوكبة.
وكذلك من قرأ ﴿بزينة﴾، فنون الكواكب فنصب، وأراد بزينة جعلنا الكواكب لأنها تصلح أن يكون المراد بالكواكب في هاتين القراءتين الشعل التي أيدت بها الحراس، بل ذلك هو الذي لا ينبغي غيره، لأنه لا يجوز أن يقرأ الآية الواحدة قراءتين متضادتين، فيكون المراد بأحدهما خلاف المراد بالأخرى.
وقد بينا أن قرأ بالإضافة والجر فلا تخرج قراءته إلا على أن يراد بها زينا السماء بالزينة التي هي الكواكب. فلم يجز أن يكون المراد بالتنوين والجر، والتنوين والنصب، زينا السماء بالكواكب أنفسها، لأن زينة الكواكب غير الكواكب كما أن زينة كل مزين غيره، ويدل على هذا أن الله ﷿ ذكر السماء ذكرا مطلقًا والكواكب التي يراد بها النجوم هي في الأفلاك خاصة، وليست مثبوته في السماء كلها، فهذا يدل على أن المراد بها الشعل التي هي أشباه الكواكب، وليست بالنجوم.
وأما قوله ﷿: ﴿وحفظًا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملأ الأعلى﴾ ثم قال: ﴿إلا من خطف الخطفة فأتبعته شهاب ناقب﴾. فإبان أن القذف إنما هو الشهاب الذي هو النار لا يكون من كواكب الأفلاك، ولم يذكر الله ﷿ في موضع من كتابه أن القذف لا يكون إلا بالشهاب وهو النار، فكان ما ذكرنا مفسرًا في عامة الآيات موافقًا لما أحمل في قوله ﷿: ﴿وإنا لمسنا السماء فدجدناها ملئت حرسًا شديدًا وشهبًا﴾ والله أعلم.
ثم أن السلف اختلفوا في أن قذف الشياطين كان مبعث النبي ﷺ، أو كان ذلك امرًا حدث لمبعثه، فروى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عنه ابن عباس ﵃ قال: (بينا النبي ﷺ جالسًا في نفر من أصحابه إذا رمي بنجم فاستنار، فقال: ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟ قالوا: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم! قال: قال: فإنها لا ترمي لموت أحد ولا لإحيائه، ولكن ربنا تبارك اسمه إذا
[ ١ / ٢٨٨ ]
قضي الأمر في السماء سحب العرش ثم سبح أهل السماء وسبح كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويسبحوا أهل السماء حملة العرش، فإذا قال ربكم فيخبروهم ويخبر به أهل السماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويختطف الجنه فيرمون فما جاءوا به فهو حق، لكنهم يزيدون فيه).
قال: قلت للزهري أكان يرمي في الجاهلية؟ قال: نعم! قلت: أفرأيت قوله ﷿: ﴿وإنا كنا نقعد منها مقاعد السمع فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا﴾ قال: غلطت وشدد أمرها حق بعث النبي ﷺ.
وقال آخرون: إن ذلك حدث بعد مبعث النبي ﷺ فروى عن ابن عباس ﵁ قال: كان الجن يصعدون إلى السماء فيستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها سبعًا، فأما الكلمة فتكون حقًا، وأما ما زادوا فيكون باطلا، فلما بعث النبي ﷺ منعوا مقاعدهم، ولم تكن النجوم يرمي بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا الأمر حدث في الأرض، فبعث جنوده فوجد رسول الله ﷺ قائما يصلي، فأتوه فأخبروه، فقال: (هذا الحدث الذي حدث بالأرض).
وفي رواية أخرى عن ابن عباس ﵁ قال: لم تكن قبيلة من الجن إلا ولها مقاعد يستمعون منها، فكان إذا نزل الوحي سمعت الملائكة صوتًا كصوت الحديد ألفتها على الصفا فخروا سجدًا فلم يرفعوا رؤوسهم، فإذا نزل قال بعضهم: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وإن كان مما يكون في الأرض يكلموا به، قال: أيكون كذا وكذا، وتسمعه الشياطين فيقولون به على أولوياتهم قد جدوا بالنجوم، فكان أول من علم بها ثقيف، فكان ذو الغنم منهم ينطلق إلى غنمه فيذبح بعضهم لبعض: لا تفعلوا، فإن كانت النجوم التي تهتدونه بها، فهو من أمر الساعة، فإن كانت النجوم لا تعرف، فهو من أمر حدث، فنظر فإذا نجوم لا تعرف، فكفوا.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لما كان اليوم الذي نبي فيه رسول الله ﷺ، منعت الشياطين ورموا بالشهب.
[ ١ / ٢٨٩ ]
وعن عبد الملك بن سابور قال: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما، فلما بعث محمد ﷺ حرست السماء ورميت الشياطين بالشهب، ومنعت من الدنو من السماء.
وعن أبي كعب ﵁، قال: لم يرم نجم منذ رفع عيسى حتى نبى رسول الله ﷺ فرمى بها، فرأت قريش أمرًا لم تكن تراه، فجعلوا يسيبون أنعامهم ويعتقونه برقابهم، يظنون أنه الفناء، فبلغ ذلك من فعلهم أهل الطائف، ففعلت ثقيف من ذلك، فبلغ عبد قابيل بن عمر، فأصفت ثقيف فقال: فلم فعلتم ما أرى؟ قالوا: رمي النجوم فرأيناها تتهافت من السماء، قال: إن إفادة المال بعد ذهابه شديد فلا تعجلوا وانظروا، فإن تكن نجوم تعرف فهو عيد فيأمن الناس، وإن كانت نجومًا لا تعرف، فهو أمر حدث، فنظروا فإذا هي لا تعرف، فأخبروه، فقال: في الأمر مهلة، فهذا ظهور نبي، فما مكثوا إلا يسيرًا، حق قدم أبو سفيان على أقواله فجاءه عبد بابل فذكراه أمر النجوم، فقال أبو سفيان: ظهر محمد بن عبد الله، يدعي أنه نبي مرسل. قال عبد بابل فعند ذلك رمي بها.
وعن نافع بن جبير، قال: كانت الشياطين في الفترة، تستمع فلا ترمى، فلما بعث رسول الله ﷺ رميت بالشهب.
فهذا القولان من السلف في الظاهر مختلفان، وقد يحتملان التوقيف، فقال: إن الذين قالوا أن الشياطين لم تكن ترمي بالنجوم قبل مبعث النبي ﷺ، ثم رميت، أي لم تكن رمي من جانهب ولا ترمي من جانب.
ولعل الإشارة بقوله ﷿: ﴿ويقذفون من كل جانب دحورًا ولهم عذاب واسب﴾ إلى هذا المعنى، وهو أنهم كانوا يقذفون إلا من بعض الجوانب، فصاروا يقذفون من كل جانب، وكانوا لا يرمون إلا في بعض الأوقات، فصاروا يرمون واصبًا، وإنما كانوا من قبل كالمنجسة من الإنس يبلغ واحد منهم حاجته ولا يبلغها غيره، ويسلم واحد ولا يسلم غيره، بل يقيض عليه فيعاقب وينكل به، فلما بعث النبي ﷺ شدد عليهم، وزيد في حفظ السماء، واعدت لهم شهب لم تكن من قبل ليدحضوا عن جميع
[ ١ / ٢٩٠ ]
جوانب السماء ولا يقعدوا في مقعد من المقاعد التي كانت لهم منها، فصاروا لا يقدرون على سماع شيء مما يجري فيها، إلا أن يختطف أحد منهم بخفة حركته خطفة فيتبعه شهاب ثاقب، قبل أن ينزل إلى الأرض إلى إخوانه فتحرقه فيطلب من فلك الكهانة وخلصت النبوة والرسالة والله أعلم.
ومعنى ما يجري في هذا الأخبار من أسماء النجوم ورميها إلى ما هو في رأي الغير كالنجم لأن ذلك الذي فيضيء لونه لون النجوم، وإلا فليس بنجم على الحقيقة، لأن النجوم لا تكون في جميع السماء، وإنما تكون في الأفلاك.
وقد أخبر الله ﷿ أن شهب القذف قد ملأت السماء فهذا يدل على أنها ليست بنجوم على الحقيقة، ويدل على هذا أيضًا أن الذي يخر لا يكون كوكبًا كالكواكب، ولكنه لا يظهر إلا في حال الانخراز.
فيدل ذلك على أنه شعلة يرمى بها من السماء إلى جهة الأرض، فإذا فارقت حد السماء هاوية ظهرت، وإذا اتصلت بالرمي فاحرقته جمدت، ولو كان ذلك كوكبا بالحقيقة لكان مرتبًا في مكانه قبل القذف، ويعاد إلى مكانه بعد إحراق من يرمي، وثبت في موضعه، وأيضًا فإن انكدار النجوم وانتشار الكواكب في مواعيد يوم القيامة، فلا يسبقه كما لا يسبقه تكوين الشمس ولا طي السماء وبالله التوفيق.
ومعنى ما قيل من أن السماء لم تكن تحرس في قبل هذه الفترة، أي لم تكن تحرس الحراسة الشديدة كما تكون في زمن النبوة إذا بعث نبي وزيد في الحراسة، وأكثر من القذف كان ذلك أنه لبعث ذلك الشيء، فتكون الكهانة الفاشة قبل بعثه منقطعة ذاهبة كمبعثه والله أعلم.
وقد تكون الزيادة في الحرس والشهب عند مبعث النبي ﷺ وجه آخر، وهو أن معجزته الناشئة الباقية كانت القرآن، والقرآن من خبر السماء، فلو لم يحرس السماء حتى لا تصل الشياطين اليها ولا سمع ما يجري فيها أصلا لأدى ذلك إلى اختلاف أمر النبوة ولم يقع القرآن من قبل النبي ﷺ موقع المعجزة. لأن الشياطين كانت تسمع القرآن فينزل به إلى الكهان فيقرأه الكهان على الناس، كما يقرأه النبي ﷺ ويزول حكم الحجة، كما تسمع منه لأنه يصير مشاركًا فيه من ليس بنبي، فكان يقرن حجته
[ ١ / ٢٩١ ]
بالقرآن واعجازه في حجب الشياطين عن السماء لئلا يسمع احد منهم ما يتلى فيها من القرآن، فيسبق به الملك إلى النزول، ويبلغ الكاهن قبل أن يبلغ النبي ﷺ، وقد كان ذلك بحمد الله ومنه قامت المعجزة ولزمت بها الحجة وبالله التوفيق.
وفي هذه الجملة التي ذكرتها ما قطع عنها معارضة من معارضنا بأن الأوائل من الشعراء وغيرهم، ذكربوا انقضاض الكواكب، وإن ذلك يدل على وجود هذا الأمر قبل البعث، وأعيانًا عن تكليف الجواب عنهها بغير ما بينا والله أعلم.
وأما قول بعض الأوائل أن هذه الشهب سببها الأبخرة، ترتفع من الأرض، فإذا بلغت النار التي دون الفلك احترقت فليس بشيء يلزم الاعتراف به، لأن الذي قاله لم يقله الأعلى أغلب ظنه، وتحسب ما وقع عندنا نظر فيه واجب الوقوف على وجه إن كان له بعد أن كان لا يعرف من السماء ما يعرفه رسل الله صلوات الله عليهم بجهلهم وتكذيبه لهم، وكفره بخالقه ورازقه الذي يتقلب ليله ونهاره في نعمه، ولا غنى به في حال من الأحوال عنه.
وليس يجوز لنا أن ندع خبر النبي ﷺ الذي قامت الدلائل على صدقه عن خالق الشهب كظن ظنان ولا توهم متوهم.
وأيضا فإن هذه الأبخرة تتصاعد من جميع الأرض إذا الشمس تنبسط على جميعها، فكان ينبغي إذا وصلت إلى النار التي قالها هذا القائل وأحرقت بها أن ترى ذلك كهيئة المطبق العالي ما بين الأفق، لأنها لا تنأى عن وجه الأرض النائي الذي يصعد منه في المنظر العظيم، ويدق الجليل الجسيم كالكواكب، بل كان مرئي منه الشيء العظيم المبشر الذي كان لا يخفى أنه لو دنا من وجه الأرض أو قريبًا منه، لأن ما يرتفع من وجه الأرض من حين الضحى فيبلغ ما يبلغ، أما في أوائل الليل أو في أوسطه وآخره.
فبين أن مسافته في البعد لا تنهي إلى أن يرى المرتفع منه عن أكثر الأرض، والمنتشر المنبسط بعد ذلك في الهواء يحط محطًا، أو جب فيصير بحرًا، وكان ينبغي أن يرى ذلك من كل وجه لا يرى منه في جانب ما قيد سهم أو قيد قوس، فإن طال حدًا فقدر رمح.
وأيضًا فإن العيان يقضي بأن ذلك قذف ومرمي لأن ما يظهر ذلك في السماء، فهو في صورة ما يشاهد من القذافات فيشعل فيه دفعة واحدة، ولكنه في المشاهدة كشيء يبدو
[ ١ / ٢٩٢ ]
أو يمر مرًا طويلا أو قصيرا ثم يقف فهو أشبه بما يرى من قذافات الأرض، فكيف يجوز أن يترك العيان ويجحد بالأوهام والظنون.
وأيضا فإن الأبخرة التي تتصاعد عن وجه الأرض، أين كانت إنما اكتسبت اليبس من قبل الشمس، فينبغي إذا انقطعت مجاورة الشمس عنها بمجيء الليل وحالت الأرض بينها أن تعود إلى حالتها الأولى، وترطب برطوبة الهواء، ثم تستحيل إليه وتبلغ النار التي يقولونها وهي حارة يابسة، وإن كان البخار الرطب يبلغ من تأثير الشمس فيه أن تجعله مهيأة للاحتراق ولتؤثر هذا الأثر في الهواء نفسه، فيخترق بالنار المجاورة له بزعمه، أو لتؤثر تلك النار نفسها فيما يجاورها من الهواء وتحرقه، في فساد ذلك فساد ما قاله هذا القائل والله أعلم.
ويقال له: أرأيت البخار الحار اليابس إذا احترق بالنار يصير نارًا فلا يمكنه أن يقول أنه يصير رمادًا، إلا أن تلك الأبخرة ليست أجزاء من التراب، وإنما هي من قبل الأنداء المركبة في أشياء الأرض، ولا أن يقول أنه يصير شيئًا ما يشير إليه، فإنما ينبغي أن يقول: أنها صارت في طبيعة النار اتحدث بها، فصارت نارًا، فكيف يرى ما يتصل به ويتحد معها. ومعلوم أن تلك ينبغي أنه تكون أعظم وأبسط وأقوى من هذه أضعافًا كثيرة، فكيف صار هذا الجزء اليسير الذي انقلب نارا ترى، والعظيم والكبير الذي انقلب هذا إلأيه واتحد معه لا شيء؟
فإن قيل: أنه يلزمكم من هذا بل ما ألزمتم غيركم لأنه يقال لكم، والجن الذي ترمي تحرق ماذا يصير، فلا يمكنكم أن تقولوا: أنه يصير رمادًا، وإن قلتم تصير نارًا، فكيف صار هو وما قذف به النار يرى؟ والنار العظيمة التي من فوق لا ترى؟
فالجواب: أن الله ﷿ أخبر أنه ﴿خلق الجان من مارج من نار﴾. فقد يجوز إذا ورد عليها نار أقوى منها أن تأكلها وتبطلها، فأما أن هذا يرى، وتلك النار التي يصفونها إن سلمت لهم لا ترى، فلا يلزمنا منه ما يلزم، لأن هذا عندنا من أعلام النبوة، وأعلام النبوة كلها ناقضة للعادات، ظاهرة للإدراكات، خارجة من حكم المغيبات، والله أعلم.
[ ١ / ٢٩٣ ]
فصل
وأما قول من قال: إن كان هذا القذف لأجل النبوة، فلم دام بعد وفاة النبي ﷺ؟
فجوابه من جوابين:
أحدهما دام لدوام النبوة، فإن النبي ﷺ أخبر ببطلان الكهانة، وقال: (ليس منها من يكهن) فلو لم تحرس السماء بقدرته لعادت الجن إلى سمعها ولعادت الكهانة ولا يجوز أن تعود بعد ما أخبر النبي ﷺ ببطلانها، ولا قطع الحراسة عن السماء إذا وقع لأجل النبوة فعادت الكهانة دخلت الشبهة على ضعفاء المسلمين، ولم يؤمن أن الكهانة إذا عادت لتباهي النبوة، فإنها إنما كانت ارتفعت لأجلها، فلولا النبوة زالت لما عادت الكهانة، فصح أن الحكمة تقتضي دوام الحراسة في حياة النبي ﷺ وبعد أنه يتوفاه الله تعالى إلى كرامته.
والوجه الآخر: أن السماء تحرس بعد وفاته لإقصاء الشياطين عن مشاهدة الملائكة المكرمين سماع كلامهم إذلالا وإهانة، وإن كانت لا تحرس احتياطاُ لما يوحى، إذ كان الوحي قد انقطع، والله أعلم.
فصل
وأما قول من قال: إن كانت السماء حرست في عهد النبي ﷺ، أفكانت ضائعة من قبل؟
فجوابه: أنها لم تكن ضائعة بل كانت محروسة، لكن غلط أمرها شددت حراستها بمبعث النبي ﷺ، وعلى أنها لو لم تكن محروسة، ولا الشياطين عنهها بالقهر ممنوعة لكان في بيعهم وزرجهم عن الصعود والسمع بالنهي كفاية. وقال الله ﷿ لإبليس: ﴿فاخرج منها فإنك رجيم﴾ وقال: ﴿فاهبط منها فمايكون لك أن تتكبر فيها، فاخرج إنك من الصاغرين﴾.
فمن كان من ذريته أو من جده أو من طبقته فهو مثله، وله من الرجم والزجر ماله،
[ ١ / ٢٩٤ ]
فإن أغفلوا أو بعضهم التهى، فليس ذلك يلزم ربنا جل ثناؤه بصنعها ولا إهمالها، فما أكثر ما شرع للإنس وأمر ونهى وأباح وحظر ورغب وحدد ونزه وندب ووعد وأوعد، فضلوا عن شرائعه، وتركوا الطاعة في نواهيه وأوامره، ثم لم يعالجهم بالعقوبة، ولم يلجئهم إلى فعل ما يرضيه عنهم ضرورة، ولم يوجب ذلك إضافة التصنيع والإهمال إليه عن اسمه، فلذلك شأن السماء وما جرى فيها، والله أعلم.
فصل
وأما قول من قال: إن الجن أصفى أذهانا واثقب افهامًا، فكيف يعلم أنها ترصد بالشهب، وتعاين من يحترق من المستمعين منهم، ثم يعود فيجلس تلك المجالس، ويتعرض للإحتراق؟
فجوابه: أن الله ﷿ إذا كان قد قضى على طائفة منها الحرق، لطغيانها وضلالها قيض لها من الدراعي المطمعة في درك المرام المغفلة عن الاختيار ما يقرب عليها بعد الطلب، ويحول بينها وبين سبيل المهرب، ويوردها مواضع حتوفها، فينزل بها قدر الله على رغم أنوفها وبالله التوفيق.
وقد ذهب بعض المتكلفين إلى أن نصب الحرس وإعداده الشهب خارق في وقت النبي ﷺ، وأن ما ينسب إلى الأوائل من وضع الكتب في تأويل الشهب فغير موثوق به. فقد جرب المترجمون كثيرا من كلامهم، ونسبت إليهم كتب لم يضعوها، وأشياء لم يقولها، وأما الأشعار فلم يثبت عن الجاهلين فيها شيء من القصائد التي فيها ذكرها، بعضها من نسبت إليه، والأمر في ذلك أبين، وبعضها شعر من المخضرمين الذين جمعوا بين الجاهلية والإسلام ولا يخالف القرآن بوجه من الوجوه، وخصوصا بخبر لا يعرف أصله ولا يعتمد نقله، وبالله التوفيق.
ذكر فصول في هبوط الملائكة بالوحي على الأنبياء صلوات الله عليهم:
قال قائلون من الطاعنين في النبوءات: أن الإجرام العلوية لا يمكن ولا يجوز أن تنزل إلى الأرض، والأجرام السفلية لا يمكن ولا يجوز أن تعلموا إلى السماء، كالنار التي إذا
[ ١ / ٢٩٥ ]
تحركت لم يمكن أن تتحرك إلا نحو العلو، والماء والتراب اللذين إذا تحركا لم يتحركا إلا نحو السفل!
فالجواب: أن الملائكة أجسام فلا ينكر حركتها في الجهات، لأن ما جازت عليه الحركة نحو جهة، جازت عليه الحركة من كل جهة.
فإن قيل أن الملائكة روح مفردة، والأرواح جواهر، ولا ينكر ذلك أحد منكم، وليس إلا جواهر مؤلفة أو يقال لهم: أن كل الجرم العلوي لا ينزل بطبعه فإنه ينزل بالعسير كالجرم السفلي الذي اثبت لم يفك بطبعه، فقد نقلوا بالقسر كلامهم، والحجر يرمى إلى فوق، فلا يخلو من أن يعلو أو يبلغ من العلو ما يبلغ ثم ينزل، فما أنكرت أن يكونه الملك ينزل بالقسر الذي يلحق من الباري جل ثناؤه، وليكون منه في الأرض ما يريد، ثم يرده إلى مكانه.
ويقال لهم: أن داعيبكم متفقون على أن النفس عالما من فوق، وقلتم مع هذا أن في كل بدن من أبدان الناس نفسا تجاوره مدة ثم تفارقه، وفي هذا أناله النزول على النفس لمجاورة البدن، فلم جاز أن ينزل الملك ليساكن الناس وقتا ثم يرجع إلى مكانه!
ويقال لهم: إذا كانت الملائكة أرواحًا، فهل يخلو حي من روح تجاوره مدة من المدد ثم تفارقه؟ فإ ذا كان وجود الروح في الأرض مستمكنًا على هذا الوجه، فما الذي أحال هبوط الأرواح أو الروحانيين إلى الأرض من غير أن يداخل الأبدان ويسكنها، لولا التسرع إلى القضاء بما يدعو إليه الهوى
فصل
قالوا: إن كان ملك يهبط إلى الأرض على إنسان فيكلمه من حيث يراه، فكيف لا يراه ناس إن كانوا حوله إذ كانوا في قوة البصر مثله؟
فالجواب: أن الله تعالى يخصه بإدراك الملك الذي هو من المدركات بالأبصار في الجملة، ويعجز غيره عن إدراكه كما قد يخص واحدًا بإدراك بعض العقولات، ويعجز غيره عن إدراكه. وقد زعمتم أن فيثاغورس كان يسمع أصوات الأفلاك والكواكب إذا تحركت وما سمع أن أحدًا سواه سمعها، إلا ما يروى عن نبينا ﷺ من قوله:
[ ١ / ٢٩٦ ]
(أطت السماء وحق لها أن تئط) فإذا أخرتم أن تكون الأفلاك والكواكب أصوات عند حركاتها مسموعة، ثم يختص واحد من بين الأولين والآخرين بسماعها، فلم لا أجزتم أن يخص الله تعالى أنبياءه بإدراك الملائكة إذا نزلوا عليهم دون حاضري مجالسهم من الناس تكريمًا لهم وتمييزا عن غيرهم.
فصل
قالوا: زعمتم أن الملك كان ينزل على نبيكم في صورة إنسان، أفكان يكون في تلك الحال ملكًا أو له لسانًا؟ فإن قلتم كان يكون إنسانًا فالملك إذا لم يهبط على أحد قط.
فالجواب: أنه يكون ملكًا لأن التغيير كان يلحق ظاهره دون باطنه، وليس في هذا ما يوجب دخول الشبهة على الناس في تمييز بعضهم بعضًا لأن الملائكة لا تخالط الناس ولا يماشوهم في الأسواق، ولا يجالسونهم في بيوتهم، ولا يصافونهم في مساجدهم، فوقوع العلم لهم بذلك في الجملة تزيح الشك من صدورهم فيمن يرونه، فلا يظنون أنه ملك في صورة بشر والله أعلم.
فصل
قالوا: إن كان الملك ينزل على النبي ﷺ في صورة إنسان، أفكان هو الذي ينقلب في صورة البشر؟ قيل: كلا، بل الله ﷿ كان يغير صورته، لا يقدر على ذلك أحد سواه كما لا يقدر على خلق الإنسان من التراب، ثم إعادته ترابًا، فأما هو جل ثناؤه فلا يعجزه شيء وهو على ما يشاء قدير.
فصل
قالوا: وكيف كان يعلم الذي ينزل عليه الملك أن الذي يراه ملك، وليس بإنسان؟
[ ١ / ٢٩٧ ]
قيل: يجوز أن يعلم النبي بها أنه ملك وليس بإنسان، وهكذا القول في موسى ﵇ حين يسمع النداء، قد يجوز أن يكون علم أن الله تعالى يكلمه ضرورة، ويجوز أن يكون برق بإلهاب النار في شجرة خضراء من غير أن تحرقها، أو تغيرها عن حالتها، وذلك أمر يخالف العادات، إن الله تعالى هو الذي يكلمه، وهذا القول من الملك نفسه، إذا بعث إلى أحد من البشر، قد يجوز أن يعلم أن الله تعالى هو الذي يأمره ويرسله ضرورة، ويجوز أن يعلم ذلك بأنه ينصها الله تعالى فيستدل بها على أنه مبعوث مأمور وبالله التوفيق.
فصل
قالوا: رويتم أن نبيكم كان يغش عليه عند نزول الوحي عليه، فالمغش عليه لا يدرك شيئا من المحسوسات ولا من المعقولات، فكيف كان يرى الملك ويميزه ويتلقى عنه ما يكلمه به.
فصل
قد قال بعض العلماء: أن الله تعالى كان يعرفه الوحي في تلك الحال تميزًا له عمن ليس بنبي، فكان ذل إحدى الكرامات والمعجزات، وقد يجوز أن يكون عقله لم يكن فارقه، فإني لا أحفظ فيما جاء الحديث أنه كان يغش عليه، وإنما فيه: إ، هـ كان يثقل وتأخذه البرحاء، فقد يجوز أنه كان يتغير عن حاله المعهود تغيرًا شديدًا، ولكن العقل لم يكن يفارقه وبالله التوفيق.
ذكر فصول في الإيمان بالرسل:
إن سأل سائل: عمن آمن بمحمد ﷺ، وقال لا أدري، أكان من البشر أو كان ملكًا أو كان حسًا، أيكون مؤمنًا به؟
قيل له: أكان القائل هذا لم يسمع أخبار الله تعالى عن محمد بأنه بشر مثل قومه، وأخبار محمد ﷺ نفسه، وأخبار الناس عنه، وذكرهم نسبه وشمائله ونعوته، فلا وقف
[ ١ / ٢٩٨ ]
على شيء مما ذكرنا لم يضره الجهل مجاله شيئا، كما لو عرف بأنه من البشر، ولم يسمع بأنه كان من العرب أو العجم لم يضره ذلك شيئا، وكذلك لو لم يعلم أنه كان شابًا أو شيخًا أو مكيًا أو عراقيًا لم يضر ذلك إيمانه نبيًا وحجته أنه أيًا ما كان إنما يظن به، فقد يصلح لأن يكون رسولًا، فلم يوجه الجهل بالحق من ذلك إلى الجهل برسالته ونبوته وفارق ذلك أن تقول: آمنت بالله، ولا لتدري أجسم هو أو غير جسم؟ لأن الجسم لا يجوز أن يكون إلهًا، إذ الجسم هو المؤلف، والمؤلف يقتضي مؤلفًا، وما كان محلًا للأعراض قابلًا للأفعال لم يكن قديمًا، ولم يجز أن يكون إلهًا، فلذلك لم يثبت الإيمان بالله مع الشك في أنه جسم أو غير جسم والله أعلم.
فصل
إن قال قائل: أتقولون أن آمن بالله وحده ثبت له أصل الإيمان، وإنما يحتاج إلى الإيمان برسوله لاستكمال الإيمان، واستيفاء شعبه!
قيل له: لا نقول ذلك، بل نقول: إن إيمانه بالله لا يعينه شيئًا ولا يثب له دينًا حتى يؤمن برسله. وحجة ذلك أن الله تعالى نص على أن التفريق بين الله ورسله كفر، لأنه قال: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسوله، ويقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، أولئك هم الكافرون حقا﴾. فأبان أن الفرق في الإيمان بين الله ورسله كفرًا، والفرق بين رسله في الإيمان بهم كفر.
فأما إيجاب الكفر بالتوفيق بين رسل الله، فقد ذكرت وجهه، وأما التفريق بن الله ورسله، فإنما كان كفر بالله، لأن الله ﷿ إنما قرض على الناس يعبدونه بما شرع لهم في ألسنة الرسل، فإذا جحدوا الرسل، ردوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودة التي أمروا بالتزامها، فنزل ذلك منهم منزلة جحد الصانع، وجحد الصانع، كقولنا فيه من ترك التزام الطاعة، فكان ذلك كفر.
فإن قيل: فقد قال الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا بالله﴾. فأثبت
[ ١ / ٢٩٩ ]
الإيمان لهم أولا ثم أمرهم بالإيمان بالرسل، فصح أن اسم الإيمان بالإطلاق واجب ولمن آمن بالله وحده.
قي: لو دلت هذه الآية على أن اسم الإيمان يجب من غير وجود الإيمان بالرسل لدل على أنه يجب من غير وجود الإيمان بالله تعالى، لأنه كما أمر الذين آمنوا أن يؤمنوا يرسل الله، أمرهم أولا أن يؤمنوا بالله فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله﴾. أي أجمعوا إلى الإيمان برسوله، فإن الإيمان به غير متقبل منكم إلا أن تضمنوا إليه الإيمان برسوله.
وقد بين ذلك بما أتبعه هذه الآية من قوله: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسوله، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسوله، ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، أولئك هم الكافرون حقا﴾. فإن في ذلك بيانا أن الفرق بين الله ورسله في الإيمان كفر، وفي ذلك وجود أن يكون معنى الآية ما ذكرنا وبالله التوفيق.
فصل
فإن سأل سائل: عمن آمن بالله ولم يؤمن برسله أن يكون إيمانه بالله إيمانًا ناقصًا يتوقف على ما يصله به من الإيمان برسله، أو يكون فاسدًا غير صحيح، فإذا أراد الإيمان بالرسل احتاج إلى أن يستأنف الإيمان بالله!
قيل له: أن الإعتراف بالله تعالى بعض الإيمان به، لأن الإيمان به هو التصديق به والتزام عبودته وطاعته، فإذا صدق بالله ولم يلزم طاعته وعبودته كان آتيًا بعض الإيمان به فيوقف ذلك على ما يأتي به من البعض للآخر كما أن النصراني إذا لم يكن كفره إلا جحد نبوة نبينا ﷺ، فإنه إذا آمن به تم وإيمانه ولم يحتج إلى استئناف الإيمان بالله وبأنبيائه وعيسى.
فلذلك من آمن بالله ولم يؤمن برسله فإنه إذا آمن بالرسل بعد، تم إيمانه بالله ولم يحتج إلى الإستئناف، علة هذا أنه ليس للإيمان وقت محصور تتعلق صحته، لكن الأوقات كلها وقت الإيمان، فهي على سعتها بمنزله أضيق وقت منها.
[ ١ / ٣٠٠ ]
ومعلوم أن من دعي إلى الإيمان، فأجاب إليه فإنه لا يأتي به إلا شيئًا فشيئًا، لأنه يبدأ مؤمنًا بالله ثم نبيه ﷺ، ثم اتصل ذلك بما ينبغي أن يصل به، وكما يوقف الإيمان بالله على الإيمان بالرسل في المجلس الواحد، فكذلك يتوقف في العمر لأن الإيمان غير محصور بوقت، فالعمر كله بمنزلة المجلس، فإذا انقضى ولكم يكمل حبط الموجود منه ولم يستوجب صالحة به آخر.
ومعنى ما قلت: أن الله ﷿ لما خطاب الناس بالإيمان، وبلغت عنه الرسل صلى الله عليهم صحت الإجابة إليه بمن سمع الدعوة فأجاب إليه في الحال وممن يسمع غيره مالا، أو يستنكح امرأة، فإن إجابه قبل أن يتفرقا أو يحدثا أو أخذهما ما يشبه التفرق صح الجواب، فإن أجابه بعد التفرق لم يصح، وذلك لأن الدعوة إلى دين الحق من حقها أن تدوم، ولا تكون وقتًا دون وقت، وإن كانت الدعوة ولم تختص بمجال دون حال لم تختص للإجابة إليها مجال دون حال، فكذلك قلنا أن بعض الإيمان شيء واحد، أما ربنا ما نفى عليه تراضى عنه أو تدانى منه وبالله التوفيق.
***
[ ١ / ٣٠١ ]