وهو باب الاقتصاد في النفقة وتحريم أكل المال بالباطل
قال الله ﷿:﴾ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ﴿. وقال:﴾ وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين، وكان الشيطان لربه كفورا ﴿. وقال في صفة الذين سماهم عباد الرحمن:﴾ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ﴿.
فاشتملت هذه الآيات كلها على الأمر بالاقتصاد والنهي عن الإسراف، وكان موافقا للنهي عن الإسراف في الأكل والشرب. لأن الله ﷿ يقول:﴾ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين ﴿. فإذا كان الإسراف في الأمل والشرب ممنوعا وجب أن يكون الإسراف في الإنفاق ممنوعا، لأن ذلك إنما يكون بصرف المال في أكثر ما يحتاج إليه من المأكول والمشروب، وذلك للأكثر ممنوع من أكله، فينبغي أن يكون صرف المال في الممنوع ممنوعا، وجد السرف في الأكل أن يجاوز الشبع ويثقل البدن حتى لا يمكن معه أداء واجب ولا قضاء حق إلا بتحمل على البدن. وليس السرف في الإنفاق كله ما ذكرنا، ولكن في المسكن والملبس والمركب والخدام من السرف مثل ما في الطعام والشراب. فإنما الإنفااق فيما يبقى وينمو، فليس بسرف كشري الضياع والمواشي للنسل، لأن هذا يغل وينمو فيزداد بما يصرف فيها أضعافه. ومما يدخل في جملة الإسراف والتبذير أن لا يبالي الواحد فيما يشتري ويبيع بأربعين أربعين فيبيع بوكس ويشتري
[ ٣ / ٩٩ ]
بفضل، لأن الإسراف ليس يقع في الثمن قط، ولكنه إذا أعطي من السلعة ما لا يبلغه الثمن فقد أسرف في البيع وبذر، كما أخذ منها ما لا يبلغ الثمن وينقص عن مقداره، فقد أسرف في الثمن وبذر. قال ابن عباس في قول الله ﷿:﴾ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴿قال: الرجل يشتري المتاع فيرده، ويرد معه دراهم، وكل هذا ممنوع. وهذا الوجه هو الموجب للحجر. وكذلك الإنفاق في الملاهي والشهوات المحرمة من التبذير الموجب للحجر والوقف.
وأما الوجه الذي قبل هذا، وهو أن يشتري الرجل طعاما أكثر من حاجته أو لباسا أو خادما أكثر من حاجته، فليس هذا من السرف الموجب للحجر والوقف، لأنه يستبدل بالملك ملكا يوارثه. وإنما يقع الإسراف منه في الانتفاع بما ملكه. فأما التملك فإنه قصد بغي فيه ولا سرف.
وجاء في الاقتصاد في الإنفاق: (نهى رسول الله ﷺ أن يشتري الخدر). وقد يحتمل أن يكون الإسراف فإن وجه الأرض إنما يشتري لأن الأقدام قد تنقل إليه ما يحتاج إلى التحرز منه. وقد يصر فيتعلق غباره بالثوب فينسج منه. وليس ذلك في الجدار، لأن الأقدام لا تبلغه، ولا يكون في الغالب عليه من الغبار اللاصق بالثوب ما يكون على وجه الأرض. فكان يتميزه داخلا في الإسراف إن كان لا يزاد إلا بالتنعم دون الحاجة.
ويحتمل الحديث وجه آخر، أرى أنه أولى من هذا، وهو أن يكون النهي عن ستر ظواهر الحدود دون البواطن التي تلي موضع الشكر. ويكون وجه النهي إن هذا شيء خصت به الكعبة تعظيما لها لأنها بيت الله فلا تشبه غيرها بها. ولا يسرك غيره فيما هو حقها فيذهب بذلك تكريمها وتعظيمها. وعن الحسن قال: بينما مجاشع في المسجد إذ جاءه رسول من عمر ﵁: أما بعد فإنه قد بلغني أن الحصير قد سترت، فإذا جاءك كتابي هذا، فلا تضعه من يدك حتى تهتك ستورها. فقال لمن حوله: قوموا فانطلقوا، فتلقته امرأته. فقال لها: إليك عني إمضينني أمضك الله، ثم قال لمن معه: هتك رجل ما يليه. قال: فهتكت ستورها حتى وضعها إلى الأرض.
[ ٣ / ١٠٠ ]
وعن عائشة ﵂ قالت: صنعت للنبي ﷺ فراشين، فأبي أن يضطجع إلا على واحدة. وقال رسول الله ﷺ: (فراش للرجل وفراش لامرأته، وفراش للضيفة والرابع للشيطان).
وعن الحسن ﵁، أن عمر ﵁ دخل على عاصم وهو يأكل لحمًا فقال: ما هذا يا عاصم؟ قال: قرمت إلى اللحم، فاشتريت! قال: كلما قرمت إلى اللحم اشتريته، كفى بذلك سرفًا. فقال رسول الله ﷺ: (ما أنفقتم على أهليكم من غير إسراف ولا إقتار فهو في سبيل الله). وقال عمر بن الخطاب ﵁: للخرق في العيشة أخوف عندي عليكم من العوز، لا يبقى مع الفساد شيء ولا يقل مع الإصلاح شيء. وقال رسول الله ﷺ: (كيلوا طعامكم يبارك لكم). وارتقى رجل إلى أبي الدرداء وهو في غرفة له، فذهب يدخل فإذا هو به يلقط الحب، فاستحى منه فرجع.
فإن قيل: ما معنى قول الله ﷿: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملومًا محسورًا، إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾. والذي سبق إلى القلوب أن العلم بأن الرب مالك الأرزاق وهو الباسط المقدر يتعب العبد على التوسع في الإنفاق على الاقتصاد، بأن الاقتصاد خوف على المال. فإذا لم يكن تدبير الرزق على العبد، بل كان إلى ربه لم يعنه الاقتصاد. فكان التوسع الذي هو أطيب لقلبه وأنعم لعيشه أولى به.
فالجواب: أن معنى ذلك أن ربك ليس يبسط الرزق لكل أحد، ولا يقدره على كل أحد. ولكنه قد يبسط وقد يقدر، فلا تجعل يدل مغلولة إلى عنقك، ولا تنفق شيئًا خيفة الأعسار. فإن ربك قد يبسط الرزق ما نفق، وأمسك أن يبسط رزقك، ثم قال: ﴿ولا تبسطها كل البسط﴾. فتنفق ما تحتاج إليه فيما لا يحتاج إليه، فإن ربك قد يقدر
[ ٣ / ١٠١ ]
الرزق فلا تأمن إن استهلكت المال أن تكون ممن يقدر عليك. وفي هذا ما يبعث على الاقتصاد، ومنع من التقتير الذي دونه الإسراف الذي فوقه والله أعلم.
فإن قيل: ولم كان الاقتصاد في النفقات من الإيمان؟ وهذا من باب تدبير المال! قيل: لأن الإسراف إذا كان ممنوعً كان نزله مما يتقرب به إلى الله ﷿: والقرب كله إيمان. ولأن الاقتصاد يؤدي إلى معرفة حق المال الذي هو من أصل نعم الله تعالى. والإسراف جهل بقدر نعمة. ولأن المقتصد يجمع بين قضاء حاجته ومن حفظ ماله حتى إذا احتاج إلى مواساة غيره، قدر على مواساته. وإن وقع نفير قدر على الجهاد والإعانة عليه، وأي شيء عرض مما يكون الإنفاق فيه برًا كان منه بما عنده متمكنًا، كان ذلك من باب الاستعداد للبر والتقوى، فذلك في نفسه بره، فلهذا كان من الإيمان والله أعلم.
والاقتصاد في كل أمر أفضل وأجمل من البغي فيه حتى في الحب والبغض، فإنه يروى عن علي ﵁، وقد رفعه الناس إلى رسول الله ﷺ.
أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما
وابغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما
[ ٣ / ١٠٢ ]