وهو باب في الإيفاء بالعهود
قال الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعهود﴾. وقال: ﴿يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا﴾. وقال: ﴿ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم﴾. ويعني: ما ألزموه أنفسهم من عقد أمر لهم. وقال: ﴿ومنهم من عاهد الله، لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين، فلما أتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾. وقال: ﴿واوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلًا، إن الله يعلم ما تفعلون﴾.
وقال النبي ﷺ: (المؤمنون عند شروطهم). فكل من عقد عقدًا من العقود التي أثبتتها الشريعة، وجعلت له حكمًا من الله تعالى وبين العبد وبين العباد بعضهم من بعض، فصح ذلك منه وانعقد عليه ولزمه أن يوفي به. وليس له أن يعمل فيما وقع عقده عليه ما يخالف العقد فلا يلائمه.
فأول ذلك أنه إذا تقبل الإسلام وعقده على نفسه، فليس له أن يحدث في إسلامه ما لا يليق به ولا يلائمه، بل يخالفه. لأن ذلك حبس منه لما ألزمه الله تعالى، وألزمه نفسه بإسلامه وتقبله. وإذا افتتح صلاة مكتوبة لم يكن له أن يتحلل منها قبل إتمامها، ولا أن يفعل فيها فعلًا لا يليق بالصلاة، ومن ذلك ما يفسدها. وإنما كان كذلك لأن أفعال
[ ٢ / ٥١٢ ]
الصلاة متوالية، فلا انفراد لبعضها عن بعض، فإذا حللها فلا تكون صلاة لأنه قطع تواليها وإزالها عن نظامها، وخالف بذلك ما عقده على نفسه أولًا، ولأنه أحرم بالصلاة ليتبع إحرامها ما يليه شيئًا فشيئًا إلى أن تنقضي الصلاة، فمن خالف ذلك كان ناقضًا لعقده غير مؤت بواجبه.
وإن عقد صومًا مفروضًا أو حجًا مفروضًا ثم أعرض عنه، ولم يأت بما يقتضيه عقده، كان مخالفًا لما أمره الله تعالى به من الإيفاء بالعقود، وكان إثمًا حرجًا. ألا ترى أن الله ﷿ كما خاطب الناس بفرض الصيام، فكذلك خاطبهم بأيمانه بعد الدخول فيه، فقال: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾. وكما أوجب عليهم الحج خاطبهم بالإتمام فقال: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾. وما ذلك إلا لأن الشروع في المتقبل من الحط في الإلزام، إلا تمام ما للمتقبل منه في إيجاب الابتداء.
وإذا نذر الرجل طاعة ما، كانت من صلاة أو صيام أو صدقة أو حج أو عمرة أو جهاد أو اعتكاف أو تسبيح أو صلاة على النبي ﷺ، أو قراءة قرآن، أو سجود، لزمه ذلك كله. والنذر وجهان: أحدهما: أن يوجب شيئًا مما ذكرنا بلا شرط.
والآخر: أن يوجبه معلقًا بحدوث نعمة من الله تعالى يرجوها، فإذا وصل إليها، لزمه أن يوفي بنذره. وأما إذا أوجب ذلك على نفسه، إن هو فعل كذا، أو إن لم يفعل كذا، فهذا يمين خالصة. فإن خالف قوله فعليه كفارة يمين لا تجزية غيرها، وإن أدى ما كان ألزم نفسه لم تسقط الكفارة عنه. هذا قول الصحابة في هذا الباب، وهذا يمين بالله ﷿ لأن قال: إن فعلت كذا، فعل حج أو صلاة أو صدقة أو صيام فإنما منع نفسه مما قاله إلا شيء يلزمه لله في ذمته، فهو كمن قال: والله لا أفعل كذا، وموضع تقرير ذلك والاحتجاج له كتب الأحكام.
وما يبين وجوب النذر قول النبي ﷺ، قال: (لا تنذروا فإن النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخر، وإنما يستخرج به من البخيل). أي يجعل ما يكون من النذر لأجله
[ ٢ / ٥١٣ ]
شيئًا لاستخراج البر ممن لا تطوع له نفسه في غير حال الخوف والرجاء. فلو كان النذر لا يلزم له يقع به الاستخراج والله أعلم.
ومما جاء في إخلاف الله للوعد ما يروى أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالًا فقال رسول الله ﷺ: (قليل تقوم بشكره خير لك من كثير لا تقوم بشكره) ثم أتاه بعد ذلك، فقال: يا رسول الله، ادعو الله أن يرزقني مالًا، فقال رسول الله ﷺ: (إن لك في رسول الله أسوة حسنة، والذي نفسي بيده لو أردت أن تصير الجبال معي ذهبًا وفضة صارت). ثم أتاه بعد ذلك، فقال يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالًا، فو الذي بعثك بالحق لئن رزقني مالًا لأعطين كل ذي حق حقه. فقال رسول الله ﷺ: (اللهم ارزق ثعلبة مالًا، ثلاثًا). فاتخذ عنمًا فنمت كما ينمو الدود، فتحول إلى أودية المدينة، فكان يصلي مع رسول الله ﷺ الظهر والعصر، ويصلي في غنمه سائر الصلوات ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة فصار لا يشهد إلا الجمعة. ثم كثرت غنمه ونمت فتباعد أيضًا حتى كان لا يشهد جمعة ولا جماعة. فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس يسألهم عن الأخبار. فذكره رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: (ما فعل ثعلبة؟ فقالوا: يا رسول الله، اتخذ غنمًا ما يسعها واد. فأنزل الله تعالى آية الصدقة). فبعث رسول الله ﷺ رجلًا من بني سليم ورجلًا من جهينة وكتب لهم أسباب الصدقة كيف يأخذان وأمرهما أن يمرا بثعلبة بن حاطب وبرجل من بني سليم. فمروا، وقالا لثعلبة: إن رسول الله ﷺ أمرنا أن نمر عليك، ونأخذ صدقة مالك. فقال: أرياني كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أحب الجزية، فارجعوا إلي حتى أرى رأيًا. فخرجا، وسمع به السلمي فاختار خيارًا في أكلها، فتلقاهما بها فقال: يا هذا عليك. فقال: خذاه، فإن نفسي بذلك طيبة فجزاء على الناس وأخذ للصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة.
[ ٢ / ٥١٤ ]
فقال: أروني كتابكما، فقرأه، ثم قال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أحب الجزية. اذهبا حتى أرى برأي. فأقبلا، فلما رآهما رسول الله ﷺ، قبل أن يبلغاه قال: (يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، ثم دعا للسلمي). فأتيا رسول الله ﷺ فقضي عليه القضاء، وأنزلت هذه الآية: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين، فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون، فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾. وعند رسول الله ﷺ ناس من أقارب ثعلبة، فذهبوا إليه فأخبروه بما أنزل الله فيه، فجاء بصدقة ماله، فقال: يا رسول الله، أقبلها مني، فقال: (إن الله منعني أن أقبلها منك). فجعل على رأسه التراب وجعل يقول: يا رسول الله اقبلها مني: فأبى رسول الله ﷺ أن يقبلها منه، حتى توفي رسول الله ﷺ، أتى أبا بكر بعد رسول الله ﷺ، فقال: يا أبا بكر، يا خليفة رسول الله، قد علمت موضعي من الأنصار، وكان رسول الله ﷺ قد عتب علي في شيء فاقبل مني صدقة مالي، فقال أبو بكر ﵁: رسول الله ﷺ ما قبلها منك وأنا أقبلها منك. فتوفي أبو بكر ولم يقبلها منه. فاستخلف عمر ﵁، فأتاه فقال: يا أبا حفص يا أمير المؤمنين، اقبل مني صدقة مالي، فقال: لم يقبل منك رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ﵁ فأنا أقبلها منك، ثم توفي عمر ﵁ ولم يقبلها. واستخلف عثمان ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين، اقبل مني صدقة مالي، فقال: لم يقبلها منك رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر، فأنا أقبلها منك، فأبى أن يقبلها، فرجع. ومات في خلافة عثمان ﵃ أجمعين.
فإن قال قائل: ما وجه الامتناع من قبول صدقته بعدما جاء وأظهر التوبة، وجعل على رأسه التراب.
قيل: إن الكتاب قد نطق بأنه لما منع عامل رسول الله ﷺ، أعقبه الله نفاقًا في قلبه. فيحتمل- والله أعلم- إنه إنما جاء رسول الله ﷺ خيفة أن يبدأ رسول الله ﷺ
[ ٢ / ٥١٥ ]
بالعقوبة، وينفذ إليه من يأخذ صدقة ماله قهرًا. وإنه لما رأى الامتناع من رسول الله ﷺ من أخذ صدقته لم يشق عليه ذلك بل أعجبه، وكان جعله التراب على رأسه نفاقًا، وكان الذي في قلبه أراد أن يثبت النبي ﷺ على الامتناع من قبول صدقته، وأعلم الله تعالى ذلك نبيه ﷺ بأخذ صدقة ماله بعد أن نافق، ولم يشرح صدرًا، بقبول الزكاة وسماه جزية، ويسخطها ويضجر منها. ثم جرى الأئمة بعده ﷺ ورضي عنهم على منهاجه، إذ كان لا يمنعهم أن يخالفوه.
وقد يجوز أن يكون بدء نفاقه أن رسول الله ﷺ قال: (قليل يقوم بشكره، خير من كثير لا يقوم بشكره). فخوفه أن لا يقوم بشكر الكثير أن أوتيه لم يخف من ذلك ما خوفه ولم يتق فيه، ولا يزال عليها، ولكنه أقسم عليه ﷺ في وجهه بالله، لئن أتانا من فضله أتاه مالًا، ليعطين كل ذي حق حقه فكان ذلك نفاقًا فلما رزق المال وفرض الله الزكاة نسخها وضاق منها. ثم نفاقه علم به، فهنى رسول الله ﷺ عن قبولها لذلك والله أعلم.
وأما ما في نكث العهد، قال رسول الله ﷺ: (ما من غادر إلا وله أمرًا يعرف به، ومن نكث سعيه لقي الله يوم القيامة أجذم). قال ﷺ: (من نكث صفقته فلا حجة له يوم القيامة، ومن مات وهو مفارق الجماعة فموتته موتة جاهلية). وقال ﷺ: (ما من احد يعطي بيعته ثم ينكثها غير مكره ولا مجبورًا إلا لقي الله وليست معه).
ثم إن من المعلوم، إن من نذر وبرأ، فإنما يريد إلحاق ما لم يوجبه الله تعالى من ذلك عليه بما أوجبه وفرضه. فلما كان من حكم الله تعالى إن ذلك يبدوا منه، فليكن منه إيجابه، دل به ذلك على أن يخرج بتركه كما يخرج بترك ما أوجبه الله تعالى، إذا كان كل من ذلك ترك واجب لازم والله أعلم.
[ ٢ / ٥١٦ ]
فصل
فأما ما يكون من الناس فكل ما لزم وجب الإيفاء به. فإذا باع رجل ما أوجب البيع بينه وبين المشتري، كان عليه تسليم السلعة، وعلى المشتري تسليم الثمن. وذلك إذا حل في قول الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ لأن العقد وقع لنا قبل الإقلال. فإذا كان الملك لا ير إلا بالقبض ولا يتمكن واحد من المتبايعين من تدبير ما ملكه بجميع ما يراه إلا بزوال يد صاحبه دل ذلك على أن: من الإنهاء بالعقد أن يتناقلا المالين عن أيديهما كما يتناقلاه عن أملاكها. وهكذا كل ما يثبت البيع وإن كان بينهما شرط من خيار، أو أجل أو رهن أو كفيل، فالشرط لازم لهما، لأنهما عقدا عليه والله ﷿ يقول: ﴿أوفوا بالعقود﴾.
ومن أولى ما يلحق بهذا الباب حكم الأمان، فإنه إذا عقد لرجل من المشركين أو أهل البغي أمان لم يجز التعرض له بعد ذلك، لقول الله ﷿: ﴿ثم أبلغه مأمنه﴾. ولقول النبي ﷺ: (أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته، رجل باع حرًا، فأكل ثمنه، ورجل أعطى بي ثم غدر، ورجل استأجر أجيرًا ثم لم يعطه أجره). وهذا أبلغ ما يكون من الوعيد وبالله التوفيق.
وجاء في الوفد بالعهد أن رسول الله ﷺ استسلف من عبيد الله بن ربيعة مائتين وأربعين ألف درهم في بعض مغازيه. فلما قدم قال: (هاك مالك بارك الله في أهلك ومالك، فما جزاؤك إلا الوفاء والحمد). وقال رسول الله ﷺ: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له).
وروى أن عجوزًا دخلت دار رسول الله ﷺ فسألها وأخفى لها، ثم قال: (إنها
[ ٢ / ٥١٧ ]
كانت تأتينا أزمان خديجة وإن حسن العهد من الإيمان). فجعل إتيانها ومواصلتها إياهم موجبًا حقًا كالعهد.
قال (وإن حسن الظن العهد يغني) والله أعلم. وغاية العهد من الإيمان. إذ كان العهد ليرعى لا ليضيع.
وعنه ﷺ إنه كان يهدي إلى صدائق خديجة بعد موتها. ومن هذا الباب كراهية الطلاق إلا من تأسي، قال رسول الله ﷺ: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق، إن الله يتعفر كل مطلاق ذواق).
[ ٢ / ٥١٨ ]