وهو باب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال الله ﷿: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون﴾. فأمر في هذه الآية، حضًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾. وقال في الآية التي وصف بها المؤمنين الذين اشترى الله أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة: ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر﴾ الآية. فجعل من أوصافهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ووصف قومًا لعنهم من بني إسرائيل، فذكر أنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه. أي لم يكن ينهى بعضهم بعضًا. فروى في ذلك عن رسول الله ﷺ أنه قال: لما ظهر النقص في بني إسرائيل جعل الرجل يلقى أخاه على الذنب. فلا يمنعه ذلك من أن يصبح جليسه وأكيله وشريبه ومدعيه، فضرب بقلوب بعضهم على بعض ونزل فيهم القرآن: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانا لا يتناهون عن منكر فعلوه﴾ ثم قال ﷺ: (كلا والذي نفسي بيده حتى تأخذوا على يد الظالم، فتأطروه على الحق أطرًا).
وقوله ﷺ (كلا) يحتمل أن يكون معناه: كاد لا يكونوا مؤمنين مستوجبين، كتب الله تعالى ومدحهم حتى يفعلوا كذا.
[ ٣ / ٢١٥ ]
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تودع منهم). أي أنهم إذا خافوا على أنفسهم من هذا القول فتركوه، كانوا مما هو أشد منه وأعظم من القول. والعمل أخوف، وكانوا أن يدعوا جهاد المشركين خوفًا على أنفسهم وأموالهم أقرب. وإذا صاروا كذلك، فقد ودع منهم واستوى وجودهم وعدمهم.
وجاء عن أبي بكر ﵁ أنه قال: أيها الناس أنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها بأنها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم. وأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أن القول إذا عمل فيهم بالمعاصي ولم يغيروا، أوشك أن يعمهم الله بقضائه). فثبت بالكتاب والسنة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثم أن الله تعالى جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما بين المؤمنين والمنافقين، لأنه جل ثناؤه قال: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف﴾. فثبت بذلك أن أخص أوصاف المؤمن وأقواها دلالة على صحة عقدهم وسلامة سريرتهم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورأسهما الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه. وإنما أفرد هذا الباب عن أبواب الجهاد، لأن الجهاد فرض حدود معلومة وأحكام مخصوصة، وقد جاءت فيه بانفراده آيات وأخبار معروفة، وأما ما عداه فليس بموجب، وإنما هو على ما يكفي ويقتضيه الحال، ويؤدي إليه الاجتهاد، فذلك الذي دعي إلى إفراد بهذا الباب.
ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس يليق بكل أحد ولا يجب أيضًا على كل أحد، وإنما هو من المفروض التي ينبغي أن يقوم سلطان المسلمين (بها)، إذ كانت إقامة الحدود إليه، والتعزيز موكل إلى رأيه، والحبس والإطلاق له دون غيره، والنفي والتعذيب مطلقًا إن رآه في سياسته، فينصب في كل بلد، وفي كل قرية رجلًا صالحًا قويًا عالمًا أمينًا، ويأمره بمراعاة الأحوال التي تجري. فلا يرى ولا يسمع منكرًا إلا غيره، ولا يبقى
[ ٣ / ٢١٦ ]
معروفًا محتاجًا إلى الأمر به إلا أمر به. وكل ما أوجب على فاسق حدًا أقامه ولم يعطله، فإنه لا شيء أردع للمعطلين من إقامة حدود الله عليهم. وكما لا ينبغي تعطيل حد بعدما وجب، فكذلك لا ينبغي أن يجلد أحد أو يقطع أو يقتل من غير وجوب، فإن السرف في ذلك تنقلب حياته ولا يحصل فيها غرض الحد. وليس يمكن أن يكون أحد أعلم بعباد الله وطريق سياستهم منه، فلو علم أن الحدود التي شرعها لا تكفي لزاد فيها حتى تكفي هذا وقال رسول الله ﷺ: (لعن الله من يبلغ حدًا في غير حد، ومن بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين). وكل من كل من علماء المسلمين الذين يجمعون من فضل العلم وصلاح العمل فعليه أن يدعو إلى المعروف، ويؤخر عن المنكر بمقدار طاعته. فإن كان يطبق إبطال المنكر ودفعه، وردع المتعاطي له عنه فعله. فإن كان يطيق بنفسه، ويطيقه بمن يستعينه عليه فعله، إلا ما كان طريقه الحد والعقوبة. فإن ذلك ليس إلا للسلطان دون غيره. وإن كان لا يطيق إلا القول قال. فإن لم يطق إلا الإنكار بالقلب أنكر.
وجاء عنه ﷺ أنه قال: (من رأى منكم منكرًا فاستطاع أن يغيره بيه فليفعل، وإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه وذاك أضعف الإيمان).
والأمر بالمعروف في مثل هذا النهي عن المنكر إن امتنع العالم المصلح أن يدعو إليه ويأمر به، فيكون منه ما يأمر به فعل. وإن احتاج إلى الاستعانة بغيره استعان، وإن لم يقدر إلا على القول قال. وإن لم يقدر إلا على الإرادة بقلبه أراده، ويشاؤه على الله ﷿ فلعله يسعفه به.
ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما يتعجل به، ومنه ما لا يحتمل التعجيل لأن من رأى أحدًا قد غصب من آخر مالًا أو حال بينه وبين أهله أو ولده، فلم يعاجله بالنصح لمن يأمن أن يعرف الأمر ويتعذر ملاقيه. فأما لمن رأى شرب الخمر وقد بلغ به حد السكر، فإن قدر على أن يأخذ ما عنده منها فيريقه فعل. أو كان عنده جماعة من أهل اللهو والباطل فقدر على أن يصرفهم عنه فعل. ولكنه لا ينبغي له أن يكلمه حتى يفيق فيعلم
[ ٣ / ٢١٧ ]
ما يقال له. فإنه إن كلمه وهو زائل عن العقل لم يأمن أن يفرط عليه، فيكون قد جمع بين تضييع النصيحة وبين التعرض للشر.
وينبغي أن يكون الأمر بالمعروف مميزًا يرفق في موضع الرفق، ويعنف في موضع العنف، ويكلم كل طبقة من الناس بما يعلم، أنه أليق بهم وأنجع فيهم. ولا يخاطب أحدًا لفضل من الكلام لا يحتاج إليه فينفره بذلك عن قبول موعظته، ولا يدخل عليه مدخلًا يصير سببًا لرد نصيحته، أن لا يكون سلطانًا فله الأمر والنهي، ولا حاجة إلى استجلاب الطاعة من رعيته بالتآلف، إلا أن يكون السلطان ضعيفًا يعلم أنه يطاع رغبة ولا تدعى له رهبة. فإن كان كذلك على سبيله فيما ذكرنا سبيل أحد العلماء المصلحين، وبالله التوفيق.
وكما لا ينبغي لمن يقوم بهذا الأمر أن يعنف في موضع الرفق، فكذلك ينبغي له أن يرفق في موضع التعنيف، لئلا يستخف قدره ويقضي أمره. وينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، غير محابي ولا مداهن يتعرض لواحد ويعفى غير واحد. فإنه بذلك يجعل على نفسه سبيلًا، كما إذا قام بذلك من ليس يصلح. لأنه كما يقال: أدرك نفسه وغير حالك، فكذلك يقال للآخر: ابدأ بجارك وقريبك، وأصلح من حاشيتك. فينبغي أن يكون القائم بهذا الأمر ممن لا يتوجه عليه لأحد حجة. قال الله ﷿: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾. فدل ذلك على أن سبيل المرء أن يصلح نفسه أولًا ويقومها، ثم يقبل على إصلاح غيره وتقويمه. قيل لبعضهم: ألا تذكر؟ فقال: ما أنا عن نفسي براض ما يفرغ من ذمتها إلى ذم الناس، أن الناس خافوا الله في ذنوب الناس وأمنوه على أنفسهم.
وأيضًا فإن كل واحد من الذي يحابي ويداهن، والذي يتعاطى المنكر بنفسه، مستحق لأن يؤمر بغيره ما هو عليه، ونهى عما هو عليه. فكيف يجوز أن يأمر غيره بشيء أو ينهى عن شيء؟
ذكر أنس ﵁: أن جبريل ﵇ عرج بالنبي ﷺ، فمر بقوم تقرض شفاههم بالمقاريض، فقال: (من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الخطباء من أمتك الذين
[ ٣ / ٢١٨ ]
يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون). وقال ﷺ: (يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتنذلق النار بطنه، فيدور بها (كما يدور) الحمار بالرحى. فيقال: مالك؟ فيقول: كنت آمر بالمعروف ولا أنتهي، وأنهى عن المنكر وآتيه).
فإن قيل: فالسلطان أن يكون ممن يتعاطى الفواحش أيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قيل: نعم لأن السلطنة هي هذا. فلو انقطعت يده عنه لم يكن سلطانًا وليس من دونه في هذا مثله، لأن القيام بهذا الأمر إنما يصير له عند إمساك السلطان لعلمه وصلاحه، فإذا أخل صلاحه، فقد صار مستحقًا للتغاضي عليه، ولا يكون مع ذلك معتزًا على غيره، وإنما ينبغي للآمر المعروف والنهي عن المنكر، إذا ظهر المنكر إلا يصار للأسماع، ورفع المتعاطي قناع الحشمة. فأما إذا كان يستره ويجتهد في أن لا يوقف عليه، فإنه لا يهتك ستره. وإن أجرى ذكر ذلك المنكر بمشهده، ووصف ما فيه من عظيم الإثم من غير أن يخاطب فيه بشيء فيسمعه، فعسى أن يتيقظ فذلك حسن. وإن أرسل إليه على لسان من يرى أنه لا يخفى أمره عنه ووعظ سرًا، فذلك أيضًا حسن. ومما جاء في النهي عن المنكر، قال رسول الله ﷺ: (لا يحقرن أحدكم نفسه إن يرى أمر الله فيه مقال، فلا يقول فيه، فيقال له: ما منعك أن تقوم في كذا وكذا. فيقول مخافة الناس. قال: فإياي كنت أحق أن تخاف).
وقال رسول الله ﷺ: (ما من نبي إلا كان له في أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويعقدون بأمره، ثم يخلف من بعدهم خلف يقولون ما لا يفعلون، فلا يؤمرون فمن جاهدهم بيده، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).
وهذا شبيه بما يروى عنه ﷺ في قوله (من رأى منكرًا أو استطاع أن يقصر بيده
[ ٣ / ٢١٩ ]
فليفعل، وإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).
فإن قيل: جعل هذا آخر درجات الإيمان في هذين الحديثين، وقال في الحديث المشهور: (الإيمان بضع وسبعون بابًا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) فما وجه اجتماع الحديثين؟
قيل له: الأدنى غير الأضعف، فإن الأدنى: اسم لما يتباعد عن معاني القرب، وإن كان مرجعه في العقبى إليها، والأضعف: اسم لما يظهر وجه القربة فيه ويخلص له، ولكن يكون من نوعه ما هو أقوى وأبلغ منه. ألا ترى أن إنكار المنكر بالقلب هو الذي جعل أضعف الإيمان. وذلك لأن إنكاره قد يكون باللسان من طريق الزجر عنه، وقد يكون باليد من طريق إبطال المنكر، ومعاقبة المتعاطى عنه. فلما كان كل واحد من هذين أقوى من الإنكار بالقلب، كان القلب أضعف للإيمان الذي هو إنكار المنكر لا أضعف الإيمان الذي يتشعب سبعًا وسبعين شعبة.
وأما إماطة الأذى عن طريق فأمر يبتعد من معاني القرب، لأن وجه القربى فيه لأن لا يضر مسلمًا أو يؤذيه، فيكون هذا من باب الاشتقاق على أهل الدين. ومعلوم أنه لو تركه لأمكن أن تكون لعامة المسلمين منه السلامة. (وأن إماطة الأذى)، فليس يكون الأمر فيه للمسلمين خاصة، لكن لهم ولكل من مر بذلك الطريق، مسلمًا كان أو كافرًا. فلا يمكن أن يقطع بأن ما حصل منه وقع موقع النفع لإخوانه المسلمين. أو إن كان لهم دون أعدائهم وهو في نفسه أمر خفيف الكلفة لا يتوهم أن يكون في القرآن أخف كلفة منه. فلهذا كان أدنى شعب الإيمان أقل من أضعف الإيمان الذي هو إنكار المنكر بالقلب. لأن ذلك إنما يرجع إلى تعظيم أمر الله والتهيب له، وهو فرض مكتوب عليه، لا يسعه الإخلال به. فكيف يتوهم أن تكون إماطة الأذى مثله والله أعلم.
وجاء أن النبي ﷺ خطب يومًا فأثنى على طوائف المسلمين خيرًا ثم قال: (ما بال أقوام لا يعلمونهم ولا يفقهونهم، ولا يأمرونهم ولا ينهونهم! ما بال أقوام لا يتعلمون من
[ ٣ / ٢٢٠ ]
جيرانهم ولا يتفقهون، والذي نفسي بيده، ليعلمن قومًا جيرانهم وليفقهنهم وليأمرنهم ولينهينهم، وليعلمن مؤمن من جيرانهم وليفقهن أو لتعاجلنهم العقوبة في دار الدنيا) ثم نزل النبي ﷺ فقال الناس: من يعني بهذا؟ فقالوا: أما ترى إلى هؤلاء الأشعريين، قوم فقهاء لهم جيران حفاة من الأعراب وأهل الشاة. فلما سمع ذلك الأشعريون، جاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، ذكرت طوائف من المسلمين يخبرون لدسائس قال: لتعلمن جيرانكم ولتفقهنهم ولتأمرنهم ولتنهينهم، وإلا عاجلتكم بالعقوبة في الدنيا. قالوا: يا رسول الله، فأمهلنا إلى سنة نعلمهم، فأمهلهم إلى سنة تمر، قرئ لعثمان: ﴿الذين كفروا﴾ إلى قوله ﴿لبئس ما كانوا يفعلون﴾.
وفي النهي عن المنكر قال عبد الله بن مسعود: من رأى منكم منكرًا فلم يستطيع فليقل: اللهم أني أكره هذا.
في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
قيل لعلي ﵁: لما قاتلت أهل القبلة؟ قال: لم أجد إلا القتال أو الكفر بما أنزل الله على محمد ﷺ، إن الله لم يرض للمؤمنين أن يعص في الأرض، لا يأمر بالمعروف ولا ينهوا عن المنكر. قال رسول الله ﷺ: (أيمنعن أحدكم هيبة الناس أن يقول الحق إذا رآه أو سمعه).
في مداهنة الأمراء:
قال عروة بن الزبير لابن عمر: إنا لندخل على الوالي ليقضي بالقضاء، نعرف أنه حق، فنقول: وفقك الله، وعسى بعضنا يخرج فيثني عليه. فقال: يا معشر أصحاب رسول الله، كنا نعد ذلك نفاقًا. قال مالك بن دينار﵀- اصطلحنا على حب الدنيا، فلا يأمر بعضنا بعضًا، ولا ينهى بعضنا بعضًا ولا يدان بالله على هذا، فليت شعري أي عذاب يترك. وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال رسول الله ﷺ: كلام بني آدم عليه، لا له، إلا أمر
[ ٣ / ٢٢١ ]
بمعروف أو نهي عن منكر، أو ذكر الله ﷿). وفي الأمر بالمعروف قال النبي ﷺ: (يوشك أن تهلك هذه الأمة إلا ثلاث نفر: رجل أنكره بيده ولسانه وبقلبه، فإن جبن بيده فبلسانه وبقلبه، وإن جبن بلسانه وبيده فبقلبه).
قال النبي ﷺ: (والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهين عن المنكر، أو ليوشك أن الله يسلط عليكم شراركم، فتدعوا خياركم فلا يستجاب لهم).
وقال رسول الله ﷺ: (مثل القائم على حدود الله أو المداهن فيها، كمثل قوم أستهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها. فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء، فيصبون على الذين في أعلاها، فقال الذين في أعلاها: لا ندعم تصعدون فتؤذينا. فقال الذين في أسفلها: فإنا نثقبها من أسفلها، فنسقي منه. فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعًا، وإن تركوهم غرقوا جميعًا).
وإن لم يكن الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر من العلماء المبرزين، إلا أنه كان من صلحاء المسلمين، ينهى عن المنكر، لا يخفي على العامة حاله، فحكمه في حكم العالم المفتي، والقول فيهما ما ذكرت والله أعلم.
ومتى ظهر الفساد في الحد، وعجز القوام بالدين عن استصلاح المفسدين أو ردعهم بالخروج من بينهم إن أمكن أولى، قال الله ﷿: ﴿يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون﴾. قال سعد بن جبير: يقول: إذا عمل بالمعاصي فاخرجوا.
ووقعت زلزلة على عهد عمر بن الخطاب ﵁ فقال: لئن عادت لأخرجن
[ ٣ / ٢٢٢ ]
من بين أظهركم. وإنما قال ذلك لأنه حمل الأمر على أنهم يحدثون في السر أحداثًا، أي كانوا لا يجاهدون بها خيفة له. فلذلك يخوفهم الله تعالى بآياته. فكذلك إذا ظهر الفساد وشاع حق لم يستطع تغييره، فليس إلا الخروج من بين المفسدين والله أعلم.
وينبغي للمصلحين في عامة الأوقات أن يكونوا مجانبين للمفسدين لا يخالطونهم ولا يضيفونهم ولا يشاورونهم في أمورهم ولا أمور العامة، فإن ذلك نوع من الاستدلال يرجى أن يردهم عن الباطل الذي هم فيه، إلى الحق الذي هو أولى بهم. وفي حربهم على خلاف هذا، يحشرهم وتجريبهم في السكوت عنهم إن أظهروا المنكر أعزاء وهم به، ويستقبل سبيلهم إليه، فلا ينبغي أن يصار إلى واحد منهما والله أعلم.
* * *
[ ٣ / ٢٢٣ ]