وهو باب في الغيرة والمذاء
جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (الغيرة من الإيمان والمذاء من النفاق) والمذاء أن يجمع بين الرجال والنساء ثم يخليهم يماذي بعضهم بعضًا، وأخذه من المذي. وقيل: هو إرسال الرجال مع النساء من قولهم: مذيت فرسي إذا أورتها ترعى. وقال: ﷿ ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ يعني الكحل والخاتم ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ إلى قوله ﷿ ﴿أو التابعين غير أولي الأربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾. فلم يأذن لامرأة أن تبدي زينتها إلا لمن تحل له. ولمن هي محرمة عليه في التأييد، فيؤمن أن يتحرك طبعه إليها لوقوع الناس له منها، أو إن كان له إلى نكاحها سيبل كان غير ذي اربة من النساء، أو غير ذي علم بهن. وهذه هو الغيرة التي وصى الله تعالى النبي ﷺ أن يعلمها المؤمنات. وقال في نساء النبي خاصة: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولًا معروفًا، وقرن في بيوتكن، ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ فحماهن لأجل نبيه ﷺ عن أن ينسب إليهن، فينسب بما يوحش رسول الله ﷺ ويسؤوه. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا﴾ فدخل في جملة ذلك أن يحمي الرجل امرأته وبنته مخالطة الرجال ومحادثتهم والخلوة بهم. وقال أحد المخنثين في غزوة ثقيف للنبي ﷺ: (لئن فتح لنا الطائف غدًا دللتك على أم غيلان، فإنها تقبل بأربع
[ ٣ / ٣٩٧ ]
وتدبر بثمان. قال النبي ﷺ: (إن كنت لا أراك تعرف هذا؟) وأمر نساءه أن يحتجبن عنه. وقال الله ﷿: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين﴾ أي فلا يؤذيهن المنافقون، أن يتعرضوا لهن إذا علموهن مؤمنات قصدًا إلى إيذاء النبي ﷺ، أو أولئك المؤمنين الذين ينسبن إليهم.
وهذا الذي ورد به الشرع من الحث على الغيرة، وبإلحاقها بشعب الإيمان، وإدخالها في جملة العري والأركان، فهو موافق لما جبل الناس عليه من الكراهية الشديدة لأن يصيب أجنبي من امرأة أحد منهم أو ابنته أو أخته، ما لا يحل له، وإن كان ذلك خطأ بعد أن يكون منسوبًا بما لو أظهره لشق احتماله والإغضاء عنه. فإن هذا باب تسفك فيه الدماء، وتنشأ منه إحن وبوائر، لا تعمل الحيل واللطائف في إطفائها. فإذا انضم الشرع إلى الطبع فقد تأكد الأمر ولم يكن لأحد مع ذلك أن يأخذ ما هو ينافيه مقدرًا، إن ذلك من باب الصفح الجميل، وبالدفع بالتي هي أحسن والعفو المستحب. بل ينبغي أن يعلم أنه هو باب التقصير القادح من الإنسانية المباين للديانة، الجالب للضرر العظيم، فإنه إذا تفحش ولم يحسم من أوله لم يؤمن أن يكون منه التباس النسب، والعار الذي يجلبه تلوث الفراش وسوء الأحدوثة ولو كان هذا كله محتملًا، ولو كان الأمر فيه عند الله يسيرًا، لما تناهر الزوج إذا قذف امرأته، ولما جعل إيمانه حجة له، ولما عذره بما لا يقدر الأجنبي القاذف به. ولما حكم بأن اللعان قاطع للفراش والنسب، فحرم عليه أبدًا. وإنما فعل ذلك كله على عظم لهذا الأمر عند الله. وما كان بهذه المنزلة، لم يكن الصبر عليه يستحسن، إنما يحمد الصبر على ما رضى الله تعالى الصبر عليه، وما ظهر أن الصبر عليه ليس بصائر. فأما ما نزل هذه المنزلة فالصبر عليه من أقبح الأمور وبالله التوفيق.
ثم إن الغيرة إذا كانت بالمحل الذي ذكرنا، فإنما تكون إذا وقعت في موضع الريبة. فأما إذا وقعت لا في موضع الريبة، فلم تطب نفس الرجل بأن يخلي أخته تخلو بأخيه، أو ابنته بابنه، او بأن تخلو امرأته وأخوها، أو امرأته وأبوها، فليس ذلك بمحمود.
[ ٣ / ٣٩٨ ]
روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن من الغيرة ما يجب الله، ومنها ما يبغض الله، فأما الغيرة التي يحب الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغض الله في غير الريبة). وكان إبراهيم يكره أن يبعث الخادم ليلًا في حاجة ويقول: أكره أن أعرضها للريبة. وذهب بعض أهل العلم، إلى أن معنى (أن الغيرة من الإيمان) الغيرة على الدين حتى إذا سمع ما يقع مخالفًا في الدين، يطعن في دين الإسلام أو يذكر الله ﷿ بما لا يجوز أن ويذكر به، أو يذكر النبي ﷺ بما لا يحل. أو يذكر القرآن بمثل ذلك لم يسكت ولم يعص ولم يظن أن ذلك من باب الغيرة المستحب، فإن هو أعصى وسكت كان منافقًا، لأن الله ﷿ قال في الجالسين مع الذين يستهزئون بآيات الله إنكم إذًا مثلهم، إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا، وهذا قاله هذا القائل، إن كان مرادًا فذلك لا يمنع من أن يكون ما قلنا مرادًا. وقد يجوز أن يكون الحديث عامًا لهم، وإن كان خاصًا فالغيرة المعروفة إذا طلع ذكرها هي ما قلنا، فقصره عليها أولى من قصره على غيرها والله أعلم.
ومن صرف الحديث إلى الغيرة على الدين، إن جملة ذلك أن لا يخاصم المسلم اليهودي في المفاضلة بين نبينا وموسى صلوات الله عليهما. ولا النصراني في المفاضلة بين نبينا وعيسى صلوات الله عليهما. فإنه إذا فعل ذلك لم يؤمن أن يحملها المراد وما يقصدانه في المبالغة في تفضيل موسى وعيسى على أن بعضًا من النبي ﷺ، بعضًا من أمره. فيكون المسلم مخاصمته إياهما هو الجالب لذلك إلى نبيه ﷺ. وإذا أمكن أن يقع ذلك في الغيرة على الدين يقتضي مجانبته والتحرز منه. وقد قال الله ﷿: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فسبوا الله عدوًا بغير علم﴾ فصار هذا أصلًا في هذا الباب.
روى أن رسول الله ﷺ سمع مسلمًا ويهوديًا يخاصمان، فيقول المسلم: لا والذي اصطفى محمدًا على البشر، ويقول اليهودي: لا والذي اصطفى موسى على البشر. فقال: (لا تفضلوني على موسى) وإنما أراد عنه بأن لا تفضلوني عند اليهود. وإذا كلمتم اليهود
[ ٣ / ٣٩٩ ]
على موسى لئلا يعصوا لذلك منه أو يسبوه. فيكون المسلمون هم الجالبين لذلك إليه، ونعوذ بالله منه.
ويدخل في هذا الباب المحافظة على الجهاد في سبيل الله دفعًا للمشركين عن جوزة المسلمين، وإشفاقًا من أن يظهروا على شيء من الدار فيسبوا النساء والذراي، ويسترقوا الأحرار. لأن الغيرة المذكورة في الحديث، إن كانت الغيرة على النساء فهي تقتضي الجهاد ودفع الأعداء. وإن كانت الغيرة على الدين، فكذلك إن تمكين الكفار من إصابة المسلمات مخالف للدين. فالجهاد في الوجهين من الغيرة التي جاء في الحديث أنها من الإيمان وبالله التوفيق.
فأول ما يدخل في هذه الجملة، الغيرة من كل مسلم على دينه حتى لا يتسم بركوب المعاصي، ولا ينظر اليهود والنصارى إلى المسلمين وهم يتعاطون ما يزعمون أنه حرام عليهم، ويعلمون من أنفسهم كيف تحاشيهم محظورات أديانهم، حتى أن كبيرهم يحرم عليهم الشيء فلا يأتونه سرًا ولا جهرًا، ويحرم على الرجل أن يكلم امرأته فلا يكلمها ولا تكلمه وهما في بيت واحد ولا ثالث معهما. فيروا أن المسلمين ليسوا على ثقة من دينهم، وأنهم لو كانوا عالمين أن دينهم حق ليردعوا عما يحرمه دينهم. أو صدقوا إنما يقولون أنهم متحزبون بعد الموت، لا يشكوا عما يقدمون عليه. فهذا من أولى ما يغار به على الدين والله أعلم.
* * *
[ ٣ / ٤٠٠ ]