وهو باب في رد السلام
قال الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها، ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون. فإن لم تجدوا فيها أحدًا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا، فارجعوا هو أزكى لكم﴾ فأبان ﷿ أنه أمر به لأنه أفضل. وقال: ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة﴾.
يعني يسلم بعضكم على بعض، فمن سلم فإنما يتأدب بأدب الله تعالى، وحبى إخوانه المسلمين بما أمره الله تعالى أن يحثهم به. ثم أنه ﷿ قال في الود: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾. فأمر أن يقال التحيي بأحسن من تحية.
وليس معنى ردوها، إسقاطها عن نفسه، وإعادتها إليه كمن يهدى إليه شيء فلا يقبله ويرده. وإنما معناه أن يدعوا له مثل ما دعا، فيقول: وعليكم السلام. وهذا في الرد على المؤمنين.
فأما الكافر يسلم على المسلم. فإنه يقول له: عليكم ولا يزيد لأنه لا يأمن، لعل سلامه كان مدلسًا. فقد كانت اليهود تقول للنبي ﷺ: عليكم، فوهم إنها تقول: السلام فعرف النبي ﷺ ذلك. فلا زيد أن يقول: عليكم. والمعنى: عليكم ما تقولون. فأما المؤمن يقال له: وعليكم فالمعنى: علينا سلامكم وعليكم سلامنا.
[ ٣ / ٣٢٦ ]
وأما للزيادة في رد السلام: فهي أن المسلم إذا قال: السلام عليكم. قيل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وهذا حد السلام ورده في الشريعة. قال علي ﵁: دخلت المسجد: فإذا أنا بالنبي ﷺ في عصبة من أصحابه فقلت: السلام عليكم. قال: (وعليك السلام ورحمة الله عشرون لي، وعشر لك. قال: فدخلت الثانية، فقلت: السلام عليكم ورحمة الله. فقال: وعليك ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وعشرون لك. فدخلت الثالثة، فقتل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثلاثون لي وثلاثون لك، أنا وأنت في السلام سواء. ثم قال: من مر على مجلس فسلم عليهم كتب الله له عشر حسنات، ومحى عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات). فأبان أن الابتداء بالسلام فضيلة، فأما الرد ففرض، فما ذكرت، ولقول الله ﷿: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾. فإذا كان السلام إحسانًا كان جزاؤه الرد كما ثبت.
وجاء في السلام، عن اليهود أنها قالت لرسول الله ﷺ، وقد دخلوا عليه: السأم عليك، فسمعت ذلك عائشة ﵂ فقال: عليكم السامة واللعنة يا إخوان القردة والخنازير. فقال لها رسول الله ﷺ: (مهلا يا عائشة، متى رأيتني فحاشًا فقالت: ألم تسمع هذا، إنهم إذا دخلوا عليك، فقال. ألم تسمعي قلت: عليكم). فهذا رفق النبي ﷺ وحسن خلقه واحتماله الأذى في ذات الله ﷿ بتوفيقه.
فإن سلم يهودي على مسلم فقال له: عليكم السلام أو عليكما أو عليك، فلا شيء عليه إن عرف منه أنه أحسن السلام عليه، وإن لم يكن تحقق سلامه، فقد أساء إلى نفسه من وجهين: أحدهما مخالفة نبيه ﷺ ومفارقته أذنه، والأخذ بتركه، للاحتياط والنظر إلى نفسه، فإنه لا يدري أن الذي خاطبه كيف دعا، وبماذا دعا له. وإنما أمرنا أن نقول لليهودي، إذا تحقق سلامه: عليكم السلام. لأن لذلك وجهًا وهو أن يجزيه بأن يدعو له بالسلامة في ماله وصغار ولده، إن كان حربيًا، أو بالسلامة له في نفسه من آفات الدنيا
[ ٣ / ٣٢٧ ]
إن كان ذميًا. وله أن يدعوا له بالسلامة على معنى أن يؤمن فيسلم كما كتب الله تعالى للمؤمنين السلامة منه، ويكون قوله عليكم السلام، كقوله له هداك الله.
ولا ينبغي للمؤمن أن يبدأ كافرًا بالتسليم عليه، لأن التسليم تحية، والتحية تعظيم. ولا ينبغي للمسلم أن يعظم كافرًا، فإنه بقدر ما يرفعه تعظيمه إياه يضع من نفسه إذ ليس من يعظمه مستحقًا للتعظيم. وإذا دخل رجل على قوم، فكلمهم ولم يسلم عليهم، فإن وجدوا من إجابته بدًا فينبغي لهم أن لا يجيبوه لأنه استخف بهم بأن منعهم حقهم من السلام الذي سن لهم أن يبدأهم به، فأقل ما يستحقه أن يستخفوا به بأن يمنعوه جواب كلامه.
وجاء عن النبي ﷺ: (من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه) وهذا يحتمل وجهين: لا تجيبوه عن كلامه الذي بدأ به. والآخر لا تجيبوه عن سلامه الذي قدم الكلام عليه. فيكون هذا إسقاطًا لفرض الرد إذا قدم على السلام كلام من غير جنسه.
فإن كان هذا هو المعنى، فوجهه أن السلام تحية اللقاء، فإذا كان اللقاء وتبعه خطاب بكلام سوى السلام، فقد انقضى وقت السلام. فإذا وجد بعد، فإنما وجد في غيره وقته، فلا يقع موقع التحية، ولا يجب الرد والله أعلم. فإن عرض له ما يعجله ويدعوه إلى القيام، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من كان في مجلس يرجو فيه- يعني خيرًا- فأعجلته حاجة فقام إليها، فليسلم على القوم، فإنهم شريكه فيما أصابوا من خير بعده، فقام رجل فلم يسلم، فقال النبي ﷺ: سبحان الله، ما أسرع ما نسي هذا). والسلام في هذا الحال ليس بتحية، إنما هو دعاء لهم بالسلامة بعده. فإن كانت لهم السلامة، فقد أصابوا خيرًا، وكان لأجل دعائه الذي دعا لهم في ذلك الخير.
فأما السلام لأجل التحية وإكرام الوجه عند اللقاء عن أن يسكت ولا يحيا، فلا يكون إلا عند الدخول. ولا ينكر أن يكون السلام كلامًا واحدًا لم يختلف حكمه لأجل اختلاف الحال، ألا ترى أن السلام على النبي ﷺ عند لقائه كان يكون تحية لوجهه إذا رأوه، وتكريمًا له، وفي الصلاة دعاء له لا تحية لأنهم يسلموا عليه، وهو لا يسمع سلامهم. ومثل
[ ٣ / ٣٢٨ ]
هذا لا يكون تحية، فكذلك السلام عند الدخول على القوم تحية، وعند القيام إذا أعجلت الحاجة إليه دعاء غير تحية، والله أعلم.
فإن كان التسليم على جماعة كان الرد عليهم واجبًا، إلا أن أحدهم إن رد سقط الفرض عن الباقين، وإن لم يرد عليه أحد منهم، فالكل حرجون. ولا ينبغي إذا بدأ رجل رجلًا بالسلام أن يقول له: عليك السلام، لكن يقول: السلام عليكم، فيبدأ بذكر السلام.
فقد جاء في هذا عن النبي ﷺ أن رجلا قال له في شعر أنشده: عليك السلام أبا القاسم. فقال له: (عليك السلام تحية الموتى). فاجتمع في هذا شيئان: أحدهما أن الأحياء لا يسلم عليهم هكذا، بل يقال لهم: السلام عليكم. والآخر: أن من حضر أجودهم يجود بنفسه فله إذا قاظ أن يقول له: عليك السلام على سبيل التوديع له ليفارق، سلام الوداع سلام التحية.
وينبغي للمسلم إذا سلم أن يجمع ولا يفرد، وإن كان المسلم عليه واحدًا فيقول: السلام عليك، لأن مع السلام عليه ملكين فلا يخصه دونهما بالسلام. ويقول الراد: وعليكم السلام، لأنه يريده، وملكيه. فإن قال المبتدئ: السلام عليك بحصر، فقال الراد وعليكم السلام، لأنه يريد وملكيه، يمنعه أفراد المبتدئ من الجمع. وإن قال المبتدئ: السلام عليكم بجمع، فقال الراد: وعليك السلام. فهذا له وجه، لنه يحمل المسلم في جواب الملكين عليهما. وهذا روينا عن النبي ﷺ أنه قال لعلي ﵁، وقد قال له: السلام عليكم، وعليك السلام، وكذلك في الثانية والثالثة والله أعلم.
فإن قال قائل: لم يكن رد السلام فرضًا، وإن كان تحية وبرًا. فقد أجمع المسلمون على أن من أهدى إلى مسلم هدية فقبلها لم يكن فرضًا عليه أن يجزيه بها خيرًا منها ولا مثلها. وإن كان يستحب له أن يجزى، فلم لا كان رد السلام كذلك. قيل: لأن الأصل في السلام أنه كان إيمان، فإذا دعا الآخر بالسلامة، فقد أعلمه من نفسه أنه لا يريد به شرًا، والأمان لا يتفرق حكمه بين اثنين. فإن كل اثنين كان أحدهما آمنًا من الآخر. فواجب أن
[ ٣ / ٣٢٩ ]
يكون الآخر آمنًا منه. فلا يجوز إذا سلم واحد على الآخر أن يسكت عنه فيكون قد أخافه وأوهبه الشر من نفسه. ولذلك وجب عليه الرد، وليس هذا في الهدية هكذا، لأنها للألفة واستجلاب المودة. وفي تعجيل المثوبة، دليل على التضجر والميل إلى إبطال ما عسى أن يتوهم وجوبه من النية. فكان ذلك بالكراهية أولى منه بالوجوب والله أعلم.
فأما رد مثلها أو خير منها في وقت آخر مستحب، ولكنه لا تجب الآن الأولى كانت لاستجلاب المودة، وقد حصل ذلك حكم العادة، مضار الهادي أحب إلى المهدى إليه مما كان من قبل زمان المهدي أيضًا لكان ما أخرجه من ماله إلى من أهداه إليه، أسعف به مما كان من قبل. فحصل الحب بين الجانبين واستغنى بذلك من المجازاة، فإن لم تكن لم تضر والله أعلم. وأيضًا أن رد السلام فرض من فروض الكفاية، فلأن السلام من البادئ به واحد. فإذا رد أحد القوم عليه، فقد وصل إليه سلام مثل سلامه جزاءا للسلام الذي كان منه. فقضى ذلك حقه، ولا زيادة له عليه.
فإن قيل: فإنه إذا سلم عليهم كان له سلام على كل واحد منه، وإذا رد عليه أحدهم فكان كل واحد منهم رده عليه. لأنه إنما يريد بقوله فيه: عليكم السلام، أي وعليك مثل سلامك. فإذا كان سلامه على عشرة كان ﵇ يوازي سلامه والله أعلم.
فصل
وأما معنى قول القائل: السلام عليكم فهو قضى الله علكم بالسلامة مما تكرهون، والسلام والسلامة كالمقام والمقامة، والملام والملامة. وأما قيل عليكم ولم يقل (لكم) لأن المراد القضاء. والقضاء للعبد بالخير قضاء من الله ﷿ عليه. لأنه يناله، أراده أو لم يرده. وقد يناله وهو لا يشعر به. وقد قيل معناه: اسم السلام عليكم، أي اسم الله عليكم (أي كانت فيكم البركة ولكم اليمن والسعادة: كما يكون فيما ذكر اسم الله عليه، والله أعلم.
[ ٣ / ٣٣٠ ]
فصل
وينبغي للمسلم أن يقول لمن يسلم عليه: السلام عليكم، لأنه سنة السلام المحلل من الصلاة. هذا فدل على أن سنة السلام خارج الصلاة مثلها. فأما وجوب الصلاة، فإنما قال: سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى على عباد الله الصالحين. لأن ذلك السلام في موضع الذكر والثناء لله ﷿، في حال بقاء عقد الصلاة المحرم لكلام الناس. فصار لوقوعه بأمر الله ﷿ كأنه سلام من الله تعالى جده على المذكورين وتسليم الله تعالى على عباده سلام، سلام بلا ألف ولام. فكان حق هذا التسليم أن يكون كذلك. فأما السلام في آخر الصلاة، فإن عقد الصلاة لا يبقى معه، وهو واقع لا في وقت الذكر لأن الحال بحال القطع، فلم يكن كالواقع من الله ﷿. فمن هذا الوجه، فأرى السلام الواقع في جوف الصلاة والله أعلم.
وإذا سلم الإمام في الصلاة توقى لكل واحدة من التسليمتين الملائكة والناس الذين في تلك الجهة. وإذ سلم القوم، نووا بالتسليمة الأولى من عن يمينه من الحفظة، والناس والإمام. وبالثانية من عن يساره من الحفظة والناس. وإن لم يكن من أحد جانبيه أحد لم ينو إلا الحفظة دون الناس.
ومن قال يسلم المصلي تسليمة واحدة قال يسلم بلقاء وجهه، لأن السلام صلاة فيستقبل به القبلة كما يستقبل الناس الأركان. ومن قال يسلم تسليمتين عن اليمني وعن الشمال، فلأنه محلل. وقد كان من قبل ممنوعًا محرمًا، فهو يشعره من الالتفات إلى من يسلم عليهم بما لم يكن لائقًا منه بالصلاة. كما يستحله نفسه في هذا الوقت، ولم يكن من قبل حلالا في الصلاة، وبالله التوفيق.
ولا ينبغي إذا سلم رجل على آخر أن يشير إليه بيده، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من تشبه بغيرنا فليس منا). وقال: (لا تسلموا تسليم اليهود بالأكف، وتسلم النصارى بالإشارة). فلا ينبغي لأحد إذا سلم على أحد أن ينحني له، ولا أن يقبل
[ ٣ / ٣٣١ ]
مع السلام يده، لأن الانحناء على معنى التواضع، لا ينبغي إلا لله ﷿. وسئل رسول الله ﷺ عن الرجل يلقى الرجل، أينحى له؟ قال: لا. قال: فيعانقه، قال: لا. قيل: فيصافحه؟ قال: نعم.
وأما تقبيل اليد فإنه من فعل الأعاجم فلا يبتغون على أفعالهم التي أحدثوها تعظيما منهم لكبريائهم. قال النبي ﷺ: (لا تقوموا عند رأسي كما تقوم الأعاجم عند رؤوس أكاسرتها) فهذا مثله. والله أعلم.
وإذا مر رجل بمصلي، فلا ينبغي له أن يسلم عليه حتى يفرغ، فإن سلم فهو بالخيار. فإن شاء رد إليه إشارة بإصبعيه، وإن شاء أمسك حتى يفرغ من الصلاة ثم يرد ﵇، وهذا أولى. وإذا ورد على الإمام وهو يخطب فلا يسلم، وإن سلم لم يرد عليه إلا إشارة. وإن رد لم يفسد ذلك خطبته. ولا ينبغي لمن مر برجل وهو يقضي حاجته أن يسلم عليه، فإن فعل لم يلزمه أن يرد عليه.
سلم رجل على النبي ﷺ في مثل هذه الحال فقال له: (إذا وجدتني أو رأيتني على هذه الحال، فلا تسلم علي، فإنك إن سلمت لم أردد عليك). ومن ورد على رجل وهو يقرأ القرآن فلا يقطعه عنه بالسلام عليه حتى يفرغ، ثم يسلم عليه. فإن سلم عليه وهو يقرأ، فهو بالخيار، إن شاء رد، وإن شاء أمسك حتى يفرغ، ثم يرده. وإن رد عليه وهو يناجي أخاه فلا يسلم عليه حتى يفرغ من نجواه، ثم يسلم عليه، فإن سلم عليه وهو معرض له فله، إن يرد، وإن سلم عليه وهو مقبل نحوه، فينبغي له أن يرد عليه لأنه حياه. وإذا دخل المسلم مقبرة من مقابر المسلمين، أو انتهى إلى قبر مسلم، فينبغي أن يسلم فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين. كما روى عن رسول الله ﷺ أنه أتى بقيع العرق، فقال ذلك.
ومن دخل على قوم الحمام أو نزل حوضًا، فوجد فيه رجلا قد نزله قبله، أو خاض واديًا، فانتهى فيه إلى قوم، فمن كان منهم كاشفًا عما يلزمه ستره من بدنه لم يسلم عليه. ومن كان مشغولًا عنه بالأمر الذي نزل المسلم يسلم عليه أيضًا ومن كان يخالف ذلك سلم عليه.
[ ٣ / ٣٣٢ ]