وهو باب في الزكاة
وفي الزكاة التي جعلها الله جده قرينه الصلاة فقال: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيمة﴾. ﴿وآتيتم الزكاة﴾. وقال ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة). وقال: (يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة﴾. وقال: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي لم يفرد فيها ١ كر الصلاة عن ذكر الزكاة، ولا أدخل بينهما، فرضا سواهما. فصارت الزكاة لذلك ثالثة الإيمان. كما صارت الصلاة ثانية الإيمان. ووجب لذلك تعظيم قدرها وتفخيم أمرها. وجرى الرسول ﷺ في ذكر الصلاة والزكاة على منهاج الكتاب فقال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وإن محمدًا رسول الله، وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت) فقد قرن الزكاة بالصلاة.
وقال لمعاذ ﵁ لما بعثه إلى اليمن: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإن محمدًا رسول الله، فإن أجابوا إلى ذلك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم) فقرن الزكاة بالصلاة.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
وعنه ﷺ أنه قال لرجل سأله عن الإسلام: (أن نسلم قلبك لله، وتوجه وجهك إلى الله، وتصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، إخوان نصيران، لا يقبل الله من عبد أشرك بعد إسلامه).
وعنه أن الجصاص بن السدوسي جاء ليبايعه على الإسلام قال: فاشترط على أن أشهد أن لا إله إلا الله. قلت: يا رسول الله، أما اثنتان فلا أطيقهما، أما الزكاة فمالي إلا عشر ذود، وهن لرسل أهلي وخمواتي. وأما الجهاد فأخاف إن حضر لي القتال كرهن الموت وحتفت نفسي. قال فقبض رسول الله ﷺ يده عني فقال: (لا صدقة ولا جهاد، ففيم تدخل الجنة؟ فقلت: يا رسول الله ﷺ يده عني فقال: (لا صدقة ولا جهاد، ففيم تدخل الجنة؟ فقلت: يا رسول الله، ابسط يدك، فقد بايعتك عليه كله). وعنه ﷺ: (من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان من عند الله وحده). سببًا لنقاء النفوس إذا كانت المطاعم والمشارب والملابس والمساكن والمراكب والمرافق والمعادن كلها أموالًا، وامنن على العبد بالرزق كما امنن عليه بالخلق فقد ينبغي مع هذا كله إذا فرض على العبد في ماله زكاة فتح لها طيب النفس عنها، وحم به إليها في غير أوقات الفرض من نوافل الأعطيات وكرائم الصدقات مثلها وأكثر منها، أن يكون ذلك أقرب العبادات منها بالصلوات أولها بأن يكون قربها وبانيها وأحسنها عند الله تعالى للعبد ذكرًا، وأعظمها لديه أجرًا. فقد دل الكتاب والسنة على ذلك كما وصفنا، ثم جاءت في التغليظ على مانعي الزكاة أنه قال: (ما منع قوم زكاة أموالهم إلا حبس الله عليهم مددًا من غيرهم، وأخذوا ما كان بأيديهم. ولا نقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالشين وشدة الموتة، وجور للسلطان عليهم، وإذا لم يحكم أئمتهم بكتاب الله جعل نالهم بينهم).
وقال الله ﷿: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمي عليها من نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم،
[ ٢ / ٣٤٠ ]
هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾.
وجاء عن رسول الله ﷺ: (ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إي أحمي عليه في نار جهنم، فتجعل صفائح فيكوى بها جنبيه وجبينه وظهره، حتى يفضح بين الناس ثم يرى سبيله). وعنه ﷺ: (من كان له مالًا فلم يعط حق الله منه جعل يوم القيامة أقرع. فإذا رآه يعود فيقول: لن تعدل مني، أنا كنزه الذي كنزتني فخذتني بما بدعه حتى يأخذه، فما هو إلا أن يقبض عليه فيلزم بيده وجعل حميه ما يشاء).
وفي حديث آخر: (يضع يده في فيه فلا يزال يعضها حتى يقضي بين الناس).
وفي حديث آخر عن رسول الله ﷺ: (ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم صفائح فيكوى بها جبينه وجبناه حتى يحكم الله بين عباده ثم يرى سبيله، أما إلى الجنة وأما إلى النار، وما من صاحب أبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع فرقد ما كانت تسبق عليها، كلما مضت عليه أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده، ثم يرى سبيله أما إلى الجنة وأما إلى النار. وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع فرقد أوفر ما كانت فتطأه بإطلاقها، وتبطحه بقروها، ليس فيها غيبها ولا خلجا، كما مضى عليه أخراها ردت عليه أولى حتى يحكم الله بين عباده، ثم يرى سبيله أما إلى الجنة وأما إلى النار).
وجاء عنه ﷺ: (من كان عنده مال يبلغه الحج فلم يحج، أو عنده مال تحل فيه الزكاة فلم يزكه سأل الرجعة). فقيل: يا ابن عباس إنما كنا نرى هذا الكفار: فقال: أنا اقرأ عليكم به قرآنا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون. وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن
[ ٢ / ٣٤١ ]
يأتي أحدكم الموت فيقول: رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين﴾.
وقال قتادة ﵀: من منع زكاة ماله سلط الله عليه العين وقال إبراهيم التيمي ﵀: من كان له مال فمنع حقه سلط الله عليه أن ينفقه في الماء والتراب، وأن المرء ليؤجر في نفقته كلها إلا في شيء يجعله في هذا التراب.
وقال عبد الله بن مسعود ﵀: من أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فلا صلاة له، وهذا موافق لما جاء في بعض الروايات عن النبي ﷺ أنه قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، لا يقبل الله بعض ذلك دون بعض).
وعن عبد الله ﵀ قال: ما تارك الصلاة بمسلم، ثم أن المعنى في وجوب الزكاة بين، لأن المال نعمة من نعم الله تعالى كسلامة البدن وصحته، إلى إزاحة علة المحتاجين، والإنفاق على الفقراء والمساكين حتى يتقووا بها على العبادة، ولا يستغرق جهدهم باضطرابهم لزمانه، فلا يتفرغوا معه بخدمة مولاهم. ثم يكون في ذلك ما يبين في بخل الأغنياء وقلة ما فيهم، فيلزم الأغنياء بذلك تتمة الكفران والطغيان، ويعود المال الذي أنعم الله عليهم نقمة عليهم، بعد أن كانت نعمة أنزلها الله إليهم.
وأيضًا فإن من تأمل وجه الحكمة في فرض الزكاة علم أن أهل الدين إذا كانوا مختلفين، فمنهم أغنياء، ومنهم ذو الحاجة، كان في إهمال الأغنياء أمر المحتاجين والاستبداد بما أوتوه من النعمة هلاك المحتاجين. وليس من حق ما أنعم الله تعالى به على بعض عباده من المال الذي يجاوز قدر حاجته درجات كثيرة، ويربي على حد كفايته أضعافًا مضعفة، أن يرى مشاركًا في الخير والجبلة مواقعًا في الدين والملة، مغلوب الشرف، متكافئ الضرب، وهو يقدر على إصلاح حاله بأدنى شيء يعطيه من ماله، فبخل به عليه، فيكون إلى مثل نفسه، وبغض واحد من أهله عليه، وآثر البخل على الإحسان، وببذل اليسير من
[ ٢ / ٣٤٢ ]
المال لقرينه وشكله، وكما أنه إذا قدر على مواساة المحتاج فلم يفعل ذلك حتى هلك المحتاج، كأن قلبه حلت سر صنيعته إلى نفسه من المحامد والمحاسن بحبسه، لا يجمع بذلك حياه مثله، والزيادة في عدد أهل ملته، واختار الفضل على البخل، واعتاض عن مال يسير أخرجه من ملكه أحدًا يدعو له في وقت الدعاء، ويثنى عليه في أحوال الثناء. ولا يشكل على ذي عقل ومعرفة. أن الأمر إذا كان ما وصفنا، فالدفع خير من البيع، والإعطاء أحين من الاستبقاء. فلئن كانت الشريعة جاءت بفرض الزكاة، فإنما جاءت بأفضل الخصلتين وأجمل المعاملتين، ودعت إلى إحدى السبيلين وأزكى الأمرين. فلا يتمسك بها إلا فاطر مبصر له شده ولا يرون منها إلا غافل عن مصلحته، جاهل بصواب أمره وبالله التوفيق.
وإذا ظهر عظم الزكاة بما وصفنا. والزكاة اسم لفرض مطلق، ولا سنة من جنسه، وهي في هذا مخالف الصلاة. ويشبه أن يكون وجه الفرق بينهما: أن الصلاة تقام بالبدن متشبهة لأكثر من الصلاة المفروضة، فسن عليها من الزيادة ما سن، لأنها لا تفرح ولا تسر وليس المال في هذا البدن لأن المفروض من الزكاة إنما اعتبر فيه الثاني، والإمكان. فأوجب قليلًا من كثير، أو يسيرًا من جليل خطير، لأن لا تصير المواساة بالمؤاسي ويتحول الداء للتداوي. فلو سن مع المفرض منها من النوافل مثل ما سن منها من فرائض الصلاة لشق ذلك على أرباب الموال وأجحف بهم، وأثر في أحوالهم، فلهذا لم يلق أن يسن من الزكاة كما سن من الصلاة والله أعلم.
وجملة الزكاة قسمان: أحدهم حق المال، والآخر حق البدن.
فأما حق للبدن فزكاته الفطر، لأنها أوجبت شكرًا للإباحة الواقعة بعد الحظر، تلك الإباحة للأبدان إذا كان الحظر عليها. فالزكاة إذا حقها. وأما التي هي حق الغناء والثروة فهي التي تدعي زكاة المال. حملة الأموال التي تحب فيها الزكاة ثمانية أصناف: الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والزروع النخل والكرم. ومن هذه الأموال ما يتعجل وجوب الزكاة فيه عند الملك، كالذهب والفضة المستخرجين من المعدن إذا بلغا كمل النصاب، ثم تتكرر الزكاة عليه بالأحوال ما دام باقيًا في الملك.
ومنها ما يتعجل وجوبها فيه ثم لا تتكرر عليه بتكرر الأحوال ما دام باقيًا في الملك
[ ٢ / ٣٤٣ ]
كتمر النخل والكرم والحب. فإن من بدأ صلاح شيء منذ لك في ملكه وجب عليه زكاته، فإن كان ملكه في ساعته. ومنها ما لا تجب الزكاة فيه حتى يحول عليه حول تان، ثم تتكرر الزكاة فيه بتكررها عليه في الملك، وهو المواشي التي ذكرناها، وما حكم من هذه الأحكام إلا وله دلائل. وما أصل من هذه الأصول إلا ويتفرع ويتشعب الكلام فيه، وعلم ذلك موجود في الكتب المفردة لهذا الفن. وإنما نذكر في هذا الكتاب محاسن الشريعة وعلم الآداب ما يجرب مجرى التكلم لما ألفه الفقهاء في تلك الأبواب. ونقول في الجملة: أن نعمة الله تعالى بالمال كانت تضم جميع أصنافه والزكاة لا تضمها ولكن تخص بالوجوب وإلا حد بعضها وفي ذلك وجهان.
وأن أحدهما أن الله تعالى أوجب الزكاة في كل جنس من أجناس المال في أعلى أنواعه وعفا عما دونه، بأن الحاجة إلى الأعلى عامة شديدة. وكذلك ما كان أعلى وأشرف من غيره، فإن فضل المال ليس إلا أنه محتاج إليه. فما كانت الحاجة إليه أشد، والمحتاجون إليه أكثر، فهو أسم الفضل أولى وأحق. وإذا كان ذلك اقتصر فرض المواساة على هذا النوع لأن علة المحتاجين ينزاح بما يوفون منه، ولا يبقى لهم بعدما يستنفذونه منها ضرورة، ولا يطيقون جملتها، ولا يقدرون على الصبر معها، وإنما يبقى العجز عن تبعات الشهوات التي لو أمكنوا منه، وألزم الأغنياء أقدراهم عليه، لبطل ابتلاؤهم بالحاجة، ولم يظهر منهم وبين الممكنين بزمامه ما يحبونه ويشتهونه فرق. ثم أن أصناف الأموال معلومة: أحدهما ما يستخرج من وأعلاه الذهب والفضة، لأن الناس كلهم محتاجون إليهما ولا غنى بأحد عنهما، فإنهما مالا الثقل والتجارة، وبهما تقوم الممتلكات وتقدر رؤوس الخبايات، وما عدا ذلك من النحاس والحديد والرصاص فسلع يمكن التجهز دونها. وقد يقوم غيرها مقامها، أو مقام بعضها. ومنها الحيوانات التي تقتني فأعلاها الإنعام، فأن الدر والنسل منها يقتني، وفيها ما يؤكل لحمه، ويركب ظهره، ويحمل عليه الأثقال إلى أقاصي البلدان والأطراف. وفيها ما لا يصلح لذلك، إلا أن المنفعة تتوفر بلحومها وألبانها وأصوافها وأشعارها وجلودها. فأما ما عداها مما بعد وثبة أولًا فكمل كمال هذه الأصناف فائدة ومنفعة، وأصناف الظاهر التي تقتني رج، وأما الصيد التي تلو فليست الحاجة إليها كالحاجة إلى الأنعام التي وصفنا. ألا ترى أن الحاجة إلى البغل والحمار إنما تكون للحمل والركوب، والإبل تعمل عملها ثم تزيد عليهما بأن منهما طعامًا وشرابًا وليسا في البغال والحمير.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
وأما الخيل فإنها لا تطيق من الجهد ما تطيقه الإبل ولا تفيد من الرسل ما تفيده، فهي من هذا الوجه أيضًا بمنزلة سائر التوابع لها لقصورها عن منزلتها مما يراد ويصلح له، ومنها ما كسبت من الأرض فأداة الأبدان التي لا قوام للأبدان إلا عليها، وما عدا ذلك مما يطعم يلد أو يراد للقوات طيبة له، فهو فضل جعلت الزكوات واجبة في أعالي هذه الأجناس التي تعم وتشتد الحاجات إليها، فإن في ارتقاق المحتاجين أن يصيروا على مضض الحاجة التي يقع لهم إليها إهلاكهم، ولم يكن لهم في إخراجهم أهلاكهم، وإنما كان ابتلاؤهم. وجعلت الزكاة مقصورة على هذه الأنواع ليتم الابتلاء الذي يعد فدولهم بإخراجهم والله اعلم.
وأما الموضع الآخر: فهو أن هذا الذي ذكر وقع عليه الاقتصار من الزكاة المأخوذة وعلى هذه الأجناس المذكورة. وإلا فالحق الذي يجب لله تعالى في مال الغني لا يقتصر بها على نوع دون نوع، لكنه سبع في الأنواع كلها، بأن لهذه الزكاة التي أوجبها في أصناف مخصوصة، فمن لم يكن عنده سواها، فأخرج زكاتها، فقد قضى حقها. ومن ملكها وملك معها خيلًا وبغالًا وحميرًا وأثاثًا وضياعًا وجواهر حقها، فأخرج الزكاة من الأصناف المعلومة قضى لما يخرجه منها حقها، وحق عامة ما يملكه من صنوف الأموال. ومن قال هذا، قال: إن كانت الزكاة لن تجب إلا في الموال مخصوصة، والصلاة لم تجب إلا في أوقات مخصوصة، ثم لا يجوز أن يقال أنها حتى يلزم لبقاء البدن وسلامته في تلك الأوقات خاصة. لكنه حق لبقائه وسلامته في عامة الأوقات، غير أنه جعل ما يقام من الصلاة، وفي بعض الأوقات قاضيًا حقها وحق غيرها من ساعات العمر كلها، فكذلك الصيام إنما أوجب في شهر من أثنى عشر شهرًا، ثم لا يجوز أن يقال: أنه حق لبقاء البدن وسلامته في ذلك الشهر خاصة، لكنه حق لبقائه وسلامته فيه وفي غيره، إلا أنه جعل الصيام فيه خاصة قاضيًا حقه وحق السنة كلها. وكذلك الحج إنما أوجب في وقت معلوم من سنة ثم أخذه، وليس يجوز أن يقال: أنه حق البقاء والسلامة في تلك السنة، ولكنه حق العمر كله وإن طال وامتد، وأشبه من هذا أمر الزكاة، إنما تجب في ثمر وشجره. لأن الله ﷿ قال: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ والكل خارج من الأرض.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
وأقرب من هذا أن من ملك قضايا من مال زكاة، لم تجب عليه الزكاة حتى يمر به حول، فإذا انتهى الحول وجبت، ثم لا يجوز أن يقال: أنها تقضي حق الملك في الحلول كله. وإن كان كله خاليًا عن الوجوب إلا ساعة الانتهاء. وأقرب من ذلك أيضًا أن من ملك قصايا من مال الزكاة إلى أربعين شاة حولًا، وجبت الزكاة عليه وهو شاة. فلو كانت هاية وعشرين لم تجب فيها أيضًا إلا شاة. فقد صارت الشاة بعد حق الأربعين، وحق لأربعين الأخريين، فلا تتكرر إن كان معها أموال من غير جنس المواشي أن يقضي حقها وحق ملك الأموال. فيكون ما مضى ذكره من الاعتبار أعالي الصفاق والأحوال عليه بتخصيصها بأخذ الزكاة منها، واعتبار الاقضية فيها، إلا أنه لا حق لله تعالى فيما عداها من الأموال والله أعلم.
فصل
قم أن هذه الزكاة كما أوجبت في هذه الأصناف الثمانية من أجناس المال، ولذلك لثمانية أصناف من طبقات الناس، قال الله ﷿: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل). ولم يدخل غير هؤلاء من المحاويج معهم كالأسير الفقير في أيدي العدو ليفتدي به، فيخرج من أيديهم، ولا في المحبوس ظلمًا في ما لا طاقة له به أو يكفن ميت المعسر ودفنه. لأن الأسير لو كان واجدًا مالًا لزمه أن يفتدي نفسه، والمحبوس ظلمًا في مال يراد عنه لو وجده، فألزمه أن يعطيه. لأن النبي ﷺ قال: (من قتل جون ماله فهو شهيد). ولذلك أهل الصدقات، لأن كل واحد منهم لو كان واجدًا كفايته من ماله. وأما الميت المعسر فلا سبيل إلى تمليكه. شرط الزكاة التمليك. فلهذا لم يكن لهذه الأبواب مدخل في الزكوات والله أعلم.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
فصل
ومن الأموال ما يظهر كالمواشي والنخل والكرم والزرع فيكون أخذ صدقاتها إلى الولاة. قال ﷿ لنبينه ﷺ: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) ولذلك أخذ صدقة الفطر في وجوبها لوقت معلوم، فلا تخفي كما لا تخفي زكاة ما أخرجته الأرض إذا بدأ صلاحه.
ومنها ما خفي كالذهب والفضة، فيكون لرب المال تفريق زكاته بنفسه. فكل ما كان أخذ زكاته إلى الوالي، فالسمع والطاعة واجبان له على من خلت الزكاة ماله. ولا ينبغي له أن يقل، ولا أن يكتم إن كان الوالي عدلًا، على ما يجيء بيانه. وإذا أحضر المصدق المال، فإن قدر على دفع حقه إليه في الحال لينصرف لم يحبس. فإن كان ذلك مما يحتاج فيه إلى مهلة وزمان أنزل وأكرم، فإن النبي ﷺ أوصى بالضيف، ومن أكرم الاضياف فيساوى الحق من حقوق الله تعالى، وكان مؤتمنًا عليه ليؤدي كما أمر به إليه، ثم لا يبتغي لرب المال أن يتضجر من الصدقة ويتحرى بها رد له المال. فيكون كمن حبس بعضها عليه فأدى بعضه. فإن وصي رجلًا إياه مصدق رسول الله ﷺ، فبعث هضيل محلول، فلما أتاه قال النبي (لا يبارك فيه وفي إبله) فبلغ ذلك الرجل فبعث بناقة حسنة، فقال: (اللهم بارك فيه وفي إبله). وقال الله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون).
وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا جاءكم المصدق فلا تصدون، إلا وهو عنكم راض). فقد يدخل في هذا أن لا يطال حبسه، ولا يكثرن عليه ولا يستهان، بل يكرم ويوقر ويعرف حقه. ويدخل فيه أن يؤدي إليه ما يطالب به مما هو حقه، ولا يبخس عنه شيئًا. فأما أن طلب أكثر من حقه فلا يعطي، لأن النبي ﷺ بين فرائض
[ ٢ / ٣٤٧ ]
الصدقات، ثم قال: (فمن سئلها على وجهها فليعطه، ومن سأل فوقها فلا يعطه). وإن سأله الوالي قيمة الزكاة، فإن كان الوالي من أهل الاجتهاد فأداه رأيه إلى أن ذلك جائز، فحكم به على رب المال، جاز عليه حكمه وسقط به أن وقع الحق. وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، فإنما هو ظلم يظلمه به فلا يسقط به الحق عنه والله أعلم.
فصل
وينبغي إذ أخذ المصدق زكاة مال رجل كما وجب عليه أن يدعو له بالخير والبركة، قال الله ﷿ لنبيه ﷺ: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم إن صلاتك سكن). وروى عنه أنه لما جاءه ابن أبي أوفى بصدقات قومه قال: (اللهم صلي على آل أبي أوفى). فإن أغفل المصدق أن يدعو لرب المال فحق لرب المال أن يأمر بأن يدعو له.
قال النبي ﷺ لشبر بن الجصاص، لما قال له: أن أصحاب الصدقة يعتدون علنا أفمكنتهم من أموالنا قدر ما يريدون علينا؟ فقال: (لا، ولكن أخرجوه لهم، فإن أخذوهم وهم فليصلوا عليكم، وتلا: ﴿وصل عليهم أن صلاتك سكن لهم﴾.
وكان جرير بن عبد الله يقول لنبيه: إذا جاءكم فلا تدعوا، إذا صدق الغنم الماشية أن تأمروه أن يدعو لكم عليها بالبركة، والدعاء أن يقول لرب المال: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت.
فأما ما قيل في الحديث أن النبي ﷺ نهى سيدًا عن كتمان ماله، فليس على معنى أنه أمره أن يعطي المصدق ما لا يلزمه، ولكن لأن لا يكون قد جاء المصدق فمنعه إحصاء ما كان به إحصاؤه، فلا ينبغي للمصدق أن يتعدى في الصدقة، فإنه إن تعدى، فقد قال
[ ٢ / ٣٤٨ ]
النبي ﷺ: (لا إيمان لم لا أمانة له) والمعتدي في الصدقة كمانعها. وقال لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: (إياك وكرائم أموالهم، وإياك ودعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). وإن عدل لم يتعد به فقد قال النبي ﷺ: (العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله حق يرجع إلى بيته فليختر الآن لنفسه).
وجاء أن النبي ﷺ بعث قيس بن سعد بن عبادة ساعيًا، فقال له أبوه: لا تخرج حق يحدث برسول الله ﷺ عهدًا، فلما أراد الخروج أتى رسول الله ﷺ فقال له: (يا قيس ابن سعد، لا تأتين يوم القيامة على رقبتك بعير له رغاء، أو بقرة لها ثواء، أو شاة لها لها ثغاء، ولا تكن كأبي رغال فقال سعد: وما أبو رغال قال: مصدق بعثه صالح رسول الله ﷺ فوجد رجلا بالطائف في غنم قريبة من المائة سقاها إلا شاة واحدة ومعه بني له صغير لا أم له ويحلب له الشاة عشية، فقال له صاحب الغنم: من أنت؟ فقال: أنا رسول الله ﷺ، فرحب به. فقال: هذه الغنم، خذ أيها أحببت، فنظر إلى الشاة اللبون، فقال: هذه فقال الرجل: هذا الغلام كما ترى ليس له طعام ولا شراب غيرها قال: إن كنت تحب اللبن فأنا أحبه. فقال: خذ شاتين مكانها فأبى. فلم يزل يزيده ويروج له حتى بدل له خمسين شاة مكانها، فأبى عليه. فلما رأى ذلك عهد إلى قومه فرمي بسهم فقتله. قال: ما ينبغي أن يأتي رسول الله بهذا الخبر أحد قبلي. فأتى صالحًا النبي ﷺ، فأخبره الخبر. فقال صالح: اللهم العن أبا رغال. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله، اعف قيسًا من السعاية).
وعنه أنه دعا أبا بكر ﵁ ليخرج ساعيًا ثم قال له: (احذر يا أبا بكر، لا تأتيني تحمل يوم القيامة بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة لها ثغاء، تحملها على عنقك ثم تقول: يا رسول الله، أنقذني فأقول: قد حذرتك. فقال أبو بكر: مالي بها
[ ٢ / ٣٤٩ ]
طاقة فأعفني). فأعفاه رسول الله ﷺ، ودعا أبا عبيدة الجراح ﵁ فأمره فخرج.
فصل
ثم أن الزكاة وإن كانت فريضتها عادية عن الستر كما وصفت فيما تقدم، فإن التبرع بالصدقات مستحب مندوب إليه. قال الله ﷿: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتي المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة﴾.
فأبان بذكر الزكاة مع الصلاة في آخر الآية. أن المراد بقوله تعالى: ﴿وآتي المال على حبه﴾ غير الزكاة، فليس إذا إلا صدقة التطوع. وقال: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾. وقال: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له﴾ وقال ﴿واقرضوا الله قرضًا حسنًا، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خير وأعظم أجرًا﴾. وقال: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. إلى غير ذلك من آيات كثيرة فيها الندب إلى الصدقة والترغيب فيها.
فصل
ثم أن صدقة التطوع لا تختص ببعض الأموال كما اختصت الزكاة. لكن الأموال كلها محل لصدقة التطوع، وهذا كالصلاة التي يختص فرضها ببعض الأوقات ثم تشترك الأوقات
[ ٢ / ٣٥٠ ]
كلها في التطوع. وقد جاء في فضلها والترغيب فيها أخبار عن النبي ﷺ فمنها: ما روى أن النبي ﷺ قال: (مال وارثه أحب إليه من ماله. قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا مال وأرثه أحب إليه من ماله. مالك ما قدمت، ومال وارثك ما أخرت).
وعنه ﷺ: ﴿الهاكم التكاثر﴾. قال: (يقول ابن آدم: مالي وأنى لك من مال إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت).
وعنه قال: (كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس). وعنه ﷺ: (اتقوا النار بشق تمرة).
وعنه ﷺ أنه قال لكعب بن عجرة: (يا كعب، الصلاة قربان والصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار، ولا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به، فالناس غاديان، فمناع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها) وعنه ﷺ: (الصدقة وقيام الليل يكفران الخطيئة)، وتلا: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطعمًا ومما رزقناهم ينفقون﴾.
وعن سمرة أنه قال: ما خطبنا رسول ﷺ إلا وحثنا على الصدقة ونبأنا عن المسألة، وعن ابن عمر ﵄ قال: الصدقة تمنع المصيبة، والصائم يمنع من قدر السوء، وعنه ﷺ: (الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء). وعنه ﷺ: (إن الله يقبل الصدقات ولا يقبل منا إلا الطيب، ثم يربيها لأحدكم كما يربي أحد فلوه أو فصيلة
[ ٢ / ٣٥١ ]
حتى تكون الثمرة مثل الجمل). وعنه ﷺ: (ما نقصت صدقة مالا، فتصدقوا ولا تعفوا عبد عن مظلمة، ابتغاء وجه الله إلا رفعه الله بها، غدًا يوم القيامة، ولا يفتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر).
وقوله ﷺ (لا تنقص صدقة مالا فتصدقوا) يدل ساقه على أن المراد به أن ما يخرجه المؤمن ماله في وجه الصدقة لا يعرضه للفقر، وما كانت صدقة قط سببًا لفقر صاحبها، فتصدقوا ولا تخشوا أن تفتقروا إذا تصدقتم. وهذا إذا كانت الصدقة مستوفية شرائطها التي تذكر بعد هذا إن شاء الله.
وعن عائشة ﵂ قالت: أهديت لنا شاة مستوية، فقسمتها كلها إلا كتفها، فلما دخل رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له فقال (شاتكم كلها لكم إلا كتفها) وقال ﵇: (من استطاع منكم أن يبقي النار ولم يستو ثمره فليفعل). ومما جاء في قول الله ﷿ ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾. روى أنها لما نزلت، قال أبو طلحة: يا رسول الله، إني أحب أموالي وإني جعلتها لله، فقال النبي ﷺ: (في قرابتك). فقسمها أبو طلحة بين قرابته أبي بن كعب وحسان بن ثابت واعتق بن عمرو جارية يقال لها أرميته وقال: إني سمعت الله يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ واني كنت والله لأحبك، فاذهبي فأنت لوجه الله. وقال ابن عمر لصفية: إن عبد الله بن جعفر أعطاني سبعة آلاف دينار أو عشرة آلاف دينار. قالت: فما ينتظر؟ قال: خير من ذلك هو حر لوجه الله، ثم قرأ: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ ومما جاء في قوله ﷿: ﴿واقرضوا الله قرضًا حسنًا﴾. روى أنها لما نزلت قال الدحداح: إن الله يريد منا القرض، قال: نعم يا أبا الدحداح. قال: فإني
[ ٢ / ٣٥٢ ]
أقرضت ربي حائطي. قال وكانت فيه ستمائة نخلة. فجاء إلى الحائط وقال لأم الدحداح: اخرجي فقد أقرضته ربي.
فصل
أن لصدقة التطوع شرائط، فمنها: أن تكون من فضل المال، فأما من كان ماله مستغرقًا حاجته فلا ينبغي له أن يتصدق بماله ويدع عياله، ولا ينبغي لأحد أن يتصدق بجميع أمواله ويحوج نفسه إلى غيره.
ومنها: إذا تصدق بدأ بذوي أرحامه ولا يميز فيها بين الواصل والقاطع بل يبدأ بذي الرحم الكاشح.
ومنها: أنه إن فضل عن ذي قرابة فضل آثر به الجيران، فإن فضل منهم صدقة، إلى المتعففين من المحتاجين، وهم الذين لا يسألون الناس. ومنها: أن لا يحصي ما يتصدق به فيعرض ذلك على قلبه ويبته كما يبت حساب تجارته.
ومنها: أن يخفي صدقته إذا استطاع لم يتخذ بها.
ومنها: أن لا يمن على السائل لا يؤذيه بالتعيير.
ومنها: أن يحبس أصل المال إذا أراد الصدقة ويسأل المنفعة.
ومنها: أن يتصدق بأحب أمواله إليه.
ومنها: أن تكون صدقته في سبيل الله بأن يعين عازبًا.
ومنها: أن يتصدق في مرضه أو بعد موته.
ومنها: أنه إذا أراد الصدقة في وقت دون وقت، تحرى بصدقته يوم الجمعة، ومن الشهور شهر رمضان.
ومنها: أن يؤثر مناولة المحتاج بيده، ولا يكلها إلى غيره.
ومنها: أن يكون مقلًا فيسمح بالفضل عن ضرورته.
ومنها: أن يتصدق من كسب يده.
فأما أن الصدقة من فضل المال، فإن الله ﷿ يقول: ﴿يسألونك ماذا تنفقون؟
[ ٢ / ٣٥٣ ]
قل: العفو﴾ وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أعطى شر ماله فهو شر له، ولا يلوم الله على الكفاف).
وعن ابن عباس ﵄ في تفسيره لقول الله ﷿: ﴿العفو: الفضلة على العيال وماله، وكذلك الحسن ومحمد بن كعب القرطبي.
وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن رجلًا أتى النبي ﷺ بمثل البيضة من الذهب قال: يا رسول الله هو صدقة وما تركت بعدي مالًا غيرها. ثم مضى الرجل. فأخذها فتحيفه بها ولو أصابه لا وجعه، ثم قال: (ينطلق أحدكم فيخلع من ماله أجمع ثم يصير عيالًا على الناس).
واستأذن أبو لبابة رسول الله ﷺ في أن يتخلع من ماله صدقة إلى الله ورسوله فقال له رسول الله ﷺ: (يكفيك من ذلك الثلث).
وعنه ﷺ قال: (خير الصدقة ما أنفقت عن غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول). وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لرجل من بني عبده وجاءه باكيًا، قال له: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، وإن فضل شيء عن أهلك ففي ذي قرابتك، فإن فضل من ذي قرابتك شيء فهكذا، وهكذا. فيبر بذلك وعن يمينك وعن شمالك). وعنه ﷺ أن رجلًا جاء إليه فقال: يا رسول الله، عندي دينار، فقال: (أنفقه على نفسك فقال عندي آخر: فقال: أنفقه على ولدك. فقال: عندي آخر، فقال: أنفقه على أهلك. قال: عندي آخر، قال: أنفقه على خادمك. قال: عندي آخر. قال: أنت أعلم). وعنه ﷺ: (أن أفضل دينار، دينار ينفقه الرجل على عياله، دينار ينفقه
[ ٢ / ٣٥٤ ]
الرجل على دابته في سبيل الله، دينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله). فبدأ بذكر العيال.
وأيضًا الابتداء بذكر القرابة والرحم، فلما روى أن رسول الله ﷺ قال (إن صدقة القرابة تضاعف بضعفين: ضعف للقرابة وضعف للصدقة). وعنه ﷺ: أن رجلًا قال له ﷺ: (بما أفضلت الصدقة جناتها: للنائبة وابن السبيل. فقال لي رسول الله ﷺ: أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك).
ودل ذلك أيضًا حديث أبي طلحة وقد تقدمت روايته. وأما التسوية بين الواصل والقاطع، فلما روى عن أبي ذر ﵁ قال: أوصاني خليلي ﷺ بسبع نحب المساكين والدنو منهم، وأن أصل الرحم وأن أدرى وأن أقول الحق وإن كان مرًا وأن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر من هو فوقي، وأن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأن لا أخاف في الله لومة لائم. وأن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها من كنوز الجنة.
وعنه ﷺ: (ليس الواصل بالمكافيء، ولكن لمن إذا انقطعت رحمه وصلها). وعنه ﷺ قال: (أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح) ومعنى ذلك أنه لا يتهيأ له إيتاؤة إلا بعصيان هواه، فإنه يميل به نحو الإعراض عنه. وأما صرف ما يفضل عن القرابة إلى الجيران، فلقول الله ﷿: ﴿والجار ذي القربى والجار الجنب﴾. ولقول النبي ﷺ: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه). يدل ذلك على أن الجوار يتبع القرابة وكان النسب. ألا ترى أن تأكيد الوصية بالجار كيف أوهم توريثه. فعلم أنه أولى الأسباب منزلة من الوراثة والله أعلم.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
وأما أن لا يخفي ما يتصدق به، فلما روى عن رسول ﷺ أن عائشة ﵂ ذكرت عدة من مساكين أو عدة من صدقة، فقال لها (أعطي ولا تخفي فيخفي عليك).
وأما إخفاء الصدقة فلقول الله ﷿: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾.
وجاء عن النبي ﷺ: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: شاب نشأ في عبادة الله، ورجل تصدق بصدقة فخفاها حتى لا تعلم شماله ما تعطي يمينه ). ومعنى ذلك أنها إن لم تكن واجبة فيها الرياء عند الابتداء، فإذا أخفيت كانت عن الرياء أبعد.
وإما إيثار المتعففين، فلقول الله ﷿: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾. إلى آخره. ولأن الغالب أن المتعفف الذي لا يسأل أشد حاجة من السائل المتردد. فكانت الصدقة عليه أحسن موقعًا منها على من ليس في الحاجة مثله.
وأما أن لا يعلى بها على السائل، فلقول الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾. وقال: ﴿قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى﴾. ومعنى هذا والله أعلم: أن الصدقة تسر السائل وتعطي للمعطي أجرًا، والمن والأذى بسوء السائل، ويوجب على المعطي إثمًا. فإن ذهب أحدهما بالآخر قصاصًا صار المعطي كأن لم يعط ولم يمتن عليه. وإذا انصرفت إلى وجهه ارتفع حكم التضعيف وذهب منها السرور على المعطي، أولًا بإدخال الإساءة عليه ثانيًا فصار كل واحد من العطاء والمن كأن لم يكن. وأما إيثار المحسن على غيره، فلأن النبي ﷺ قال لهم لما قال له: إني أصبت مالًا كثيرًا لم أصب مثله قط، وإني أريد أن أتصف به إلى الله ﷿، فقال له النبي ﷺ: (أحبس الأصل وسبل الثمرة). ولأنه إذا أخذ من
[ ٢ / ٣٥٦ ]
كانت الرهبة صدقة والثمرة ما دامت ثم صدقة، وإذا ملك الأصل كانت هذه الصدقة ولم تكن الثمرة صدقة فكانت أعم الصدقتين أولى بالفضل والله أعلم.
وأما التصدق في حال الصحة والقوة، فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (أفضل الصدقة أن تعطيها وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر ولا تؤخر، حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان ولفلان كذا أو قد صارت لفلان).
وعنه ﷺ: (لأن يتصدق الرجل بدرهم في حياته خير له من مائة بعد موته). وأما تحري شهر رمضان من الشهور تحرى يوم الجمعة من الأيام الضرورة، فلما روى عن النبي ﷺ أنه قال: (سيد الأيام يوم الجمعة، وما طلعت شمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، وإذا كان كذلك، كان البر فيه أفضل منه في غيره). وجاء عن رسول الله ﷺ: (أفضل الصدقة، صدقة في رمضان).
وجاء عن كعب أنه قال: الصدقة الصدقة يوم الجمعة، أعظم من الصدقة في سائر الأيام، وعنه ﷺ: (إن الصدقة تضاعف في يوم الجمعة).
وأما مناولة المحتاج فلما روى عن النبي ﷺ: أنه لم يكن كل خصلتين إلى أحد من أهله كان يناول المسكين بيده، ويضع طهوره من الليل ويخرجوه. وكانت جارية من اليمن قد ذهبت بصرة فجعل خيطًا في مصلاه إلى باب حجرته، ويضع عنده مكتلًا فيه تمر، فإذا سلم المسكين أخذ من ذلك المكتل وأخذ بالخيط حتى ينتهي إلى باب الحجرة يناول المسكين بيده، وكان أهله يقولون: نحن نكفيك فيقول: سمعت رسول الله ﷺ: (مناولة المسكين تقي ميتة السوء).
[ ٢ / ٣٥٧ ]
وأما التصدق بأحب الأموال فقد مضت الروايات فيه. وأما التصدق بأنفس الأموال فقد يدخل في الأحب لأن الأغلب هو الأحب.
وجاء فيه عن النبي ﷺ أنه قال: (أفضل الزكاة أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها). فإذا كان هذا في العتق هكذا، فهو في كل صدقة مثله. وأما صدقة المقل فقد روى عن النبي ﷺ أنه سئل أي الصدقة أفضل؟ قال: (جهد المقل قيل: أي الهجرة أفضل؟ قال: أن تهاجر لألاء ربك). وجاء أن رجلًا جاء إليه فقال: (يا رسول الله، كانت لي مائة أوقية فتصدقت منها بعشرة أواق، ثم جاء إليه فقال: يا رسول الله كانت لي مائة دينار فتصدقت منها بعشرة دنانير. ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله كانت لي عشرة فتصدقت منها بدينار. فقال رسول الله ﷺ: (قد أحسن كلكم وأنتم في الأمر سواء، قد تصدق كل منكم بعشر ماله). وهذا والله أعلم نسبة أن تكون، لأنهم قد سمعوا النبي ﷺ يحث على الصدقة فقال: (كل واحد منهم في نفسه الصدقة بعشر ما عندي). ثم جاء وافترضوه على النبي ﷺ. ويحتمل أن يكون معنى: هم في الآخرة سواء. أن المتصدق بدينار، واشق على صاحب العشرة من المتصدق بعشرة على صاحب المائة، لأنه يبقى له وراء الصدقة بتسعة دنانير، فذلك تسعون، فيكون ما يقصد صاحب العشرة من عشر نفسه بالدنانير التي أخرجها أشد مما يعطيه صاحب الماية، إلا أنه احتمل ذلك لوجه الله ما لحق الأجر بصاحب المائة، لكان ما يحمله وراء إزالة الملك من صور القلة احتسابًا عند الله تعالى. وقال عثمان بن عفان: لدرهم ينفقه أحدكم من جهد خير من عشرة ينفقها غيظًا من مضر، ويستحب للمتصدق أن يتصدق بزوجين قال رسول الله ﷺ (من أنفق زوجين في شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أي أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير. وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل
[ ٢ / ٣٥٨ ]
الصيام دعي من باب الصيام باب الريان).
قال أبو بكر: ما على من يدعي من تلك الأبواب ضرورة، وهل يدعي منها كلها يا رسول، فقال: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر. وأما معونة الغازي، فلما روى عن النبي ﷺ أنه سئل: أي الصدقة أفضل؟ فقال: (خدمة عبد في سبيل الله، أو ظل فسطاط أو طروقة فحل).
فصل
وإذا كانت الصدقة على السائل، فلسؤاله شروط وآداب. وللإعطاء مثلها. فمن شروط السؤال أن يكون عن حاجة، فإن لم يكن عن حاجة فهو منهي عنه ولا يستحق أن يعطي.
قال النبي ﷺ: (من سأل الناس وله غني، كانت شيئًا في وجهه يوم القيامة).
وعنه ﷺ قال: (المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه فمن شاء القي على وجهه، ومن شاء ترك إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان أو ينزل به الأمر لا يجد منه بدًا).
وعنه ﷺ أن رجلًا جاءه فقال: يا رسول الله أوصني وأوجز فقال: (عليك باليأس مما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنه هو الفقر الحاضر، وصل صلاة مودع، ترى أنك لن تصلي صلاة بعدها، وإياك وما يعتذر منه، فإن أنت غنيًا عطيته من غير مسألة ولا إسراف نفس فليفعله ولا يرده، فإنه رزق ساقه الله إليك). وفي بعض الروايات: (ساقه الله إليك).
وأرسل النبي ﷺ إلى عمر قال: فرده. فلما جاءه قال: (ما حملك أن ترد ما أرسلت
[ ٢ / ٣٥٩ ]
به إليك؟ قلت: يا رسول الله، أليس قلت: أن خيرًا أن لا تأخذ من الناس شيئًا؟ قال: إنما ذلك أن تسأل الناس بسر ما جاءك من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله) وفي بعض الروايات: (ساقه الله إليك، ومن قدر على أن يكتسب ما يكفيه فذلك أولى به من أن يسأل الناس).
قال النبي ﷺ: (لئن يحتزم أحدكم حزمة من حطب يحملها على ظهره فيبيعها خير له من أن يسأل رجلًا يعطيه أو يمنعه. ولئن يأخذ ترابًا يجعله في فيه خير له من أن يجعل فيه من حرم الله تعالى).
ومن آداب السؤال أن لا يقوم السائل في المساجد فيسأل. قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تسألوا الناس في مساجدهم فتبخسوهم، ولكن سلوهم في منازلهم، فمن أعطى أعطى، ومن منع منع، وعن الحسن يرفعه قال: ينادي مناد يوم القيامة ليقم بغيض الله، فيقوم سؤال المساجد. ومنها أن لا يسأل بالقرآن، وقد ذكرته فيما تقدم.
وعنه قال: جاء عابد بن عمرو من المسجد الجامع حتى إذا بلغ أصحاب إذا رجل والناس مجتمعون عليه، فنظر فاذا رجل يقرأ ويسأل، فالتمس سوطًا فوجده. ثم أتى الناس فقال: أفرجوا، فعلا رأسه ضربًا حتى سبقه عدوًا، فقال: يا عباد الله، ما كنت أرى أني أبقى حتى أرى أحدًا يسأل كتاب الله شيئًا. ويجوز وجه الكراهية في هذا أنه ربما لم يعط، فيكون عوض كتاب الله أن لا يزد المتسول به، وفي ذلك بعض الغيظ من حرمة. أو يكون أنه إذا التمس بالقرآن مالًا كانت منزلته كمنزلة من يلتمس بالصلاة والصيام مالًا وذلك لا معنى له.
ومنها أن لا يلح إذا سأل. قال الله تعالى: ﴿لا يسألون الناس الحافًا﴾ وقال الحسن: إذا جد السؤال جد المنع، وعن عائشة ﵂ قال: أمرني رسول الله
[ ٢ / ٣٦٠ ]
ﷺ إذا الحف السائل في المسألة أن لا أعطيه شيئًا، وأمرني إن لم يكن شيئًا أعطيه، اعرض عليه شربة ماء، فإن أباها، قلت: رزقنا الله وإياك. ونهاني أن أقول: بورك فيه، فإنه يأتينا البر والفاجر.
وعن عطاء يرفعه، قال: (إذا ازددت السائل ثلاثًا فلم يذهب، فلا بأس أن تزيده) وكان الحسن رحمه يحبس السؤال يوم الجمعة عند الخطبة. وكان عكرمة لا يرى جهة.
وسمع ابن مسروق رجلًا يقول: إن الزاهدين في الدنيا الراغبون في الآخرة، فقال: إني لأكره أن أعطي مثل هذا الرجل، أعطوني، تصدقوا علي.
ومنها: أنه إذا أعطى شيئًا لم يسخطه. جاء عن النبي ﷺ: (إن سائلًا سأله فأعطاه، فوخس بها. فجاءه آخر فأعطاه ثمرة فأخذها وقال: ثمرة من رسول الله ﷺ. قال: اجلس. ثم أرسل رسولًا إلى أم سلمة: ابعثي لي بصرة الدراهم، فجيء بها فقال: أعطها إياه). قال انس حرر بها نحوًا من أربعين.
ومنها: أنه إذا سأل لم يسأل بالله ﵎. قال رسول الله ﷺ: (ألا أخبركم بشر الناس رجل يسأل بالله ولا يعطي به). وهذا الحديث يدل على أن السؤال بالله يختلف، فإذا كان المسؤول ممن يعلم السائل، أنه إذا سأله بالله اهتز لإعطائه واغتنمه جاز له أن يسأله. وإن كان ممن يلتوي ويضجر ولا يأمن أن يرد فحرام عليه أن يسأل بالله ﷿، ويثيبه أن يكون ما جاء عن النبي ﷺ: (إن كنت لابد سائلًا فسل الصالحين) موضوعًا في هذا الموضع وكان سلمة إذا سئل بوجه الله انف وقال: إذا لم يعط بوحه الله فبماذا يعطي، وكان يقول في مسألة الحاف. ومعنى أنه كان يكره له السؤال بالله ضيفة أن يضطر به من ليس به العطاء، فيكون كأنه انتزعه وهو كاره.
وقام رجل في مسجد فيه عويم بن ساعدة وكان بدويًا فقال: إني أسألكم بوجه الله
[ ٢ / ٣٦١ ]
الكريم، فقال عويم بن ساعدة: كذبت. فبخل الله ليس بوحه الله الكريم سألتنا، ولكن سألتنا بوجهك الرفيق اللئيم، وكره عطاء أن يسأل بوجه الله شيء إلا ما كان من أمر الآخرة.
ومنها أنه إذا سأل لم يسأل مقدارًا معلومًا من مال معلوم. قال رسول الله ﷺ: (لا يسأل أحد وقية ذهب أو عدلها إلا سأل الحافًا).
فصل
وأما المسؤول فينبغي له إذا سئل بالله وبوجه الله أن لا يمنع. وقال رسول الله ﷺ: (من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سأل الله فأعطوه ومن دعاكم بالله فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه به، فارعوا له برًا أن قد كافأتموه).
وقال عبد الله بن عمر: ومن سئل بالله فأعطى فله سبعون أجرًا. وما يؤمن به المسؤول أن لا يرد السائل ولو لطلب فحرن، وقد مضى في هذا الباب. ومنه أن يعطيه طيب النفس منشرح الصدر، وينوي عند إعطائه سائلًا وعن سائل أن يتصدق عليه، أو أنه يعطيه لوجه الله تعالى، وأن يقال له: نعطيه شكرًا لنعمة الله أنعمها الله عليه، أو أنه يعطيه استدفاعًا عن الله، لئلا قد يطلبه الله أو يخشاه، ويفرق منه فكل ذلك جائز، وإن لم يحضر المسؤول شيئًا يعطيه فليدع السائل وليسأل الله تعالى أن يرزقه ويجبره.
فإن كان السائل دعا بدعاء، وإن كان لم يدع له، فذلك أجزى أن يشرح صدره إذا صرف بغير شيء.
وإن كان المسؤول غنيًا، وعنده قوم، فينبغي لهم أن يعينوا السائل بالشفاعة، فعسى أن يعطي إن لم يكن في نفسه الإعطاء، ويزيد إن كان في نفسه الإعطاء. قال أبو موسى: كنا عند النبي ﷺ فسأله سائل فقال: اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
وقال جابر ﵁: قام سائل إلى النبي ﷺ فسأله، فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه. فقالوا: يا رسول الله ما كنت تعرض عن السائل فقال: (ما أعرضت عنه أن لا يكون من شحاحتي، ولكن أردت أن يشفع له بعضكم فيؤجر، فإن الله في حاجة المسلم ما كان في حاجة أخيه، ومن سره أن يعلم منزلته عند الله فلينظر إلى منزلة الله عنده، فإنه ينزل العبد حيث ينزل في نفسه).
وإن حضر سائل مجلس عالم الناس على عطائه والإحسان إليه، فينبغي للعالم أن يفعل ذلك. جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فحثه عليه فما بقي في المجلس رجل تصدق بأقل أو أكثر، فقال رسول الله ﷺ: (من استن خيرًا فاستن به كان له أجره كاملًا، ومن أجور من استن به ولا ينقص من أجورهم شيء). وسأل النبي ﷺ لجماعة مضر الذين جاؤوه محتاجين الثمار متقلدي السيوف، فأعطوا حتى تهلل وجهه، وذهب عنه ما كان يجده بهم.
وسئل عبد الله بن مسعود عن رجل أخذ لمسكين من رجل آخر دراهم، فاستقبله مسكين آخر ليعطيه منه. قال: هي للذي أخذها له. وإذا سئل رجل فرد، فقد قلنا أن المسؤول يدعو له بالرزق. وروى في
هذا الباب عن عائشة ﵂ إنها قالت: لا تقولوا للسائل: بورك فيك: فإنه يسأل المسلم والكافر والبر والفاجر، ولكن قولوا: يرزقنا وإياك.
وقال عون بن عبد الله ﵁: كنا عند محمد بن كعب القرطبي ﵁ فتكلم ولحيته تزين بالدفوع، فكان مما أوصانا قال: يا أخواني لا تنسوا الفضل بينكم، إذا أتاكم سائل، فلم يكن عندكم شيء تعطونه فلا تدعوا أن تردوا عليه ردًا جميلًا.
وإذا تصدق المسؤول على السائل وأيده حاجته تصدقه، وأولى جارًا أو غير جار معروفًا، فدعا له. فقد قيل أن المعطي يرد عليه مثلى دعائه، فيخلص له بره ومعروفه.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
قال عطاء بن السائب خرج أبو عبد الرحمن من المسجد، غلامه يقوده، فلمسه، فإذا معه زاده. فقال: تصدق بهذا فإنك ترجع أهلك الآن، فأعطاه مسكينًا. فقال: بارك الله فيكم. وشغلت أنا بالقراءة. ثم أنه قال بحق الصوت. وقيل: فقلنا إنما هو مسكين. فقال: إن عائشة قسمت لحم بقرة، فلما رجع الرسول قالت: ما قالوا؟ قال: بارك الله فيكم، فقالت عائشة وفيهم. وقالت: إنما هي حسنة فيردون إلى مثلها، فأريد أن أكافئهم بما قالوا فتخلص لي هديتي.
وقال عون بن عبد الله: إذا أعطيت المسكين، فقال: بارك الله فيك، فقل: أنت بارك الله فيك.
فصل
وإذا أخرج الرجل السائل الصدقة فوجده قد ذهب، فإن عمرو بن العاص ﵀ كان يأمر بعزل المعطي الآخر. وبه قال الحسن وإبراهيم وبكر بن عبد الله المزني ومحمد بن سيرين، وقال ابن عمر: إذا أرسلت إلى رجل بصدقة فردها عليك فهي من مالك وإذا لم تدركه فأمضها على سبيلها، قال إبراهيم: لا ترجع في شيء جعلته لله، وهذا استحباب، فإن رده إلى مكانه أو أكله فلا بأس، لأنه في ملكه لم يقتضه المتصدق.
فصل
ومما يدخل في باب شكر نعمة المال أن لا يكتم الغني ماله ويوهم أنه فقير، لئلا يسأل. قال الله ﷿: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾. وقال رجل: رآني رسول الله ﷺ وأنا رث الثياب، فقال (ألك من مال؟ قلت: نعم، من كل المال: من الخيل والإبل والغنم قال: فليس عليك أثر نعمة الله).
[ ٢ / ٣٦٤ ]
ويلتحق بهذا أن المال إذا كان زرعًا أو كرمًا أو نخلًا، فلا ينبغي أن يحصد الزرع ليلًا، أو يجد الثمار ليلًا، فإن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك لما فيه من الرغبة عن المعروف، والاحتراز من أن يحضر المساكين فيأخذوا لقط الثمار. والسابل وما انتثر من الحبوب، أو يزدحموا فتجاوز عطيتهم العشر، وذلك مباين لأخلاق أهل الدين لأن الله ﷿ بعث نبينا محمد ﷺ بمكارم الأخلاق، وهذا ليس منا.
فأما إن كان لكتمان المال ولحق العشر فهو كفر، وقد قال الله ﷿: ﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصر منها مصبحين ولا يستثنون، فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون﴾. إلى آخر القصة. فأبان أنهم لما عزموا على حبس حقوق المساكين عوقبوا في الدنيا باحتياج المال. وأن العذاب الذي هو لهم الآخرة أكبر منه، فلا يحل لأحد أن يفعل ذلك، وإلا ضاق الذي أوجب الله تعالى لهم الحق، ولا فرق بين أن تقع منه هذه الجباية في هذه الصدقة، وبين أن تقع في سائر الصدقات وبالله التوفيق.
* * *
[ ٢ / ٣٦٥ ]