-وهو باب في الخوف من الله تعالى-
قال الله ﷿: "إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين".
وقال تعالى: ﴿فلا تخشوا الناس اخشوني﴾.
وقال: ﴿وإياي فارهبون﴾.
وقال تعالى: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية﴾.
وأتى على ملائكته يخوفهم فقال: ﴿وهم من خشيته مشفقون﴾.
ومدح أنبياءه ﵈ وأولياءه مثل ذلك فقال: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا، وكانوا لنا خاشعين﴾.
وقال: ﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب﴾.
وعاتب الكفار على غفلتهم، فقال: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا، وقد خلقكم أطوارا﴾ فقيل في تسفيره ما لكملا تخافون عظمة الله، وذمهم في آية أخرى فقال: ﴿الذين لا يرجون لقاءنا﴾. أراد به لا يخافون.
فدل جميع ما وصفنا على أن الخوف من الله من تمام الاعتراف بملكه وسلطانه، ونفاذ مشيئته في خلقه. فإن إغفال ذلك إغفال للعبوده، غذ كان من حق كل عبد ومملوك أن
[ ١ / ٥٠٨ ]
يكون راهبًا لمولاه لثبوت يد المولى عليه، وعجز العبد عن مقاومته، وترك الانقياد له. والخوف على وجوه:
احدها: أما يحدث عن معرفة العبد بذلة نفسه، وهو أنها وقصورها وعجزها عن الامتناع عن الله تعالى، إن أراده بسوء. وهذا نظير خوف الولد والديه، وخوف الناس سلطانهم، وإن كان عادلا محسنا، وخوف المماليك ملاكهم.
والثاني: ما يحدث من المحبة، وهو أن يكون العبد في غاية الأوقاف وجلا من أن يكله الله إلى نفسه ويمنعه مواد التوفيق، ويقطع دونه الأسباب. وهذا خلق كل مملوك أحسن إليه سيده يعرف قدره إحسانه واجبه عليه، وإنه لا يزال مشفقا على منزلته عنده، خائفا من السقوط عنها والفقد لها.
والثالث: ما يحدث عن الوعيد، وهذا دون هذه الأنواع وتألفها بالأنفس الخسيسة التي لا يأتيها ولا قوي فعلها مريض. ومن كان من هذا النوع فإنه قد يحدث عند الهم بالمعصية، فأما أن يردع عن مواقعها فيكون قد وقع. وأما أن لا يقطع به ارتداع فيصير سببا ليغلظ المعصية، فإن مواقعتها على ذكر من الوعيد، أغلظ من مواقعتها على غفلة وسهو عنه، وقد يحدث بعد المعصية، فأما أن يحدث يوما عاجلا أو آجلا، فيكون قد أفاد خيرا، وأما أن يتبعه سهو نسيان، فيعود الخائف بعده كما كان.
وقد نبه الكتاب على هذه الأنواع كلها. فأما الأول فقوله ﷿: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا﴾ أي تخافون لله عظمة. ولا فرق بين أن يقول السيد لمملوكه: ما لك لا تخاف سلطاني ومملكتي، وبين أن يقول له: ما لا تعرف نفسك قدرها، ولا ينزلها منزلة مثلها. فبين أن الكلامين يراد بهما تقدير حال العبد عند نفسه لئلا يأمن من سطوة سيده، ويدعوه ذله إلى مفارقة طاعته.
وأما ما هو أبين من هذا فقوله ﷿: وإذا مسكن الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفوران أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا. أم أمنتم أن يعيد من فيه تارة أخرى فيرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا. أم أمنتك أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا علينا به تبيعا﴾.
[ ١ / ٥٠٩ ]
فعرفهم أنه لا ينبغي لهم في حال من الأحوال أن يفارقوا طاعته أو يقصروا فيه مستبشرين منه أمر لما يرونه من نعمه السابغة عليهم مقدرين أنه راض منهم بالتستر من الطاعة التي يوفونه من أنفسهم، فإنه لا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرون. بل سبيلهم في الأحوال كلها أن يكونوا مشفقين من سخطته ومؤاخذته، محضرين بقلوبهم أنه إن أراد بهم بلاء سوى دونه ما كان لم يجدوا من يدفع عنهم ولا من يمنعه بما يهلكهم منهم.
وأما الثاني: فإن الله ﷿ أثنى على الذين يدعونه فيقولون: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾ وسماهم راسخين في العلم. ومعلوم أن أحدا لا يدعو فيقول: رب لا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، إلا وهو خائف على الهدى (الذي) أكرمه الله تعالى به، من أن يسلبه إياه. كما أن أحدا لا يدعو: رب لا تسلبني سمعي وبصري بعدما جعلتهما لي، وهو خائف عليهما، وجل من ذهابهما.
فلما أثنى الله تعالى على الداعين إياه بما ذكرنا، كان ذلك الثناء في الحقيقة مما استحقوا بمعرفتهم قدر النعمة عليهم في هداية الله تعالى إياهم، وحبهم بها، لأن دعائهم عنها بشأنها ولأجلها كان وقال ﷿ حكاية عن أهل الجنة أنهم يقولون: إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم﴾.
وجاء في التفسير: أنهم كانوا مشفقين من أن يسلبوا الإيمان ثم يوردوا يوم القيامة موارد الأشقياء، وكانوا يدعون الله تعالى بأن لا يفعل بهم ذلك، وهذا عين ما ذكرت، والقول في عامة نعم الله تعالى كالقول في الإسلام، وإن كان الإسلام أعلاها وأعظمها.
وجاء عن النبي ﷺ أنه يدعو: "رب لا تكلني إلى نفسي طرفة عين" وهذا أيضا للإشفاق من أنه إذا سلب التوفيق لم يملك نفسه ولا يأمن أن يضيع الطاعات ويتبع الشهوات فينبغي لكل مسلم أن يكون هذا الخوف من همه وبالله التوفيق
[ ١ / ٥١٠ ]
وأما الثالث: فما أكثر ما في القرآن من ذكره والبعث عليه. قال الله ﷿ في غير موضع: يا أيها الناس اتقوا ربكم وقال ﴿وإياي فاتقون﴾. وقال: واتقوني يا أولي الألباب وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا، وقودها الناس والحجارة﴾.
إلى غير ذلك من الآيات الكثير المجتمعة المعاني ومرجعها إلى الأمر بالتقوى. وهو أن يقي المخاطبون أنفسهم نار جهنم بفعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه. ومعنى اتقوني: اتقوا عذابي ومؤاخذتي، والكلام لا يحتمل غيره والله أعلم.
ولعل الإخافة بالوعيد إنما هي لأنه ليس كل مخاطب يكمل لأن يلتقي ما يعرفه من ذلة نفسه وعظمة الله تعالى عن التحويل على ما فيه رضى الله تعالى بالوعيد، فكان الوعيد بينها لأهل الغفلة، ودلالة على ما في العصيان من الشقوة. وقد جاء في هذا المعنى أخبار كثيرة مرجعها إلى ما ذكت والله أعلم.
فصل
وقد يجد الناس في أنفسهم الخوف من أشياء كثيرة مثل خوف الوالد من موت ولده، وذهب ماله والغرق أو الحرق أو الهدم، أو ذهاب السمع أو الوقوع بيد سلطان جائر أو ابتلاء بسبع أو عدو ومن كان وما يشبه ما ذكرنا من أصناف المكاره، إلا أن هذا ينقسم إلى محمود ومذموم:
فالمحمود أن يكون الخوف من هذه الأمور مما يمكن أن يكون تحتها من سخط الله جل ثناؤه، فإنها قد تكون عقوبات ومؤاخذات ممن خافها وامتنع لأجلها من المعاصي خيفة النار، وكذلك أن خشي أن يكون أخذ الله تعالى منه ما أعطاه إيلاء واختبارا حتى أن صبروا واحتسب اثابه، وإن جزع واضطرب لم يسلم لقضائه، زاده مثلها، فخاف أن ذلك أن كان لم يملك نفسه، وكان منه بعض من لا يحبه الله تعالى جده. ومن
[ ١ / ٥١١ ]
هذا الوجه كان إشفاقه وكراهيته لهذه الأمور. فهذا أيضا محمود، وهذا خوف ينشأ من المحبة والتعظيم جميعا.
وأما المذموم فهو أن يكون خوفه بعض هذه الأمور لحرصه على ماله منها من المنافع الدنيوية، وشدة ركونه إليها في مثله إلى التكثر بماله منها، والتوصل بها إلى ما يريد ويهوي، كان في ذلك رضى الله أو سخطه، وإنما كان مذموما للغرض الذي كان ينشأ هذا الخوف، ولأن جميع نعم الله عند العبد من مال وولد وما يشتهيها إنما هي عوادي والركون إلى العوادي ليس من فعل العقلاء والمخلصين.
فصل
فأما شرائع الخوف فمنها أن يتهيب العبد بآيات الله التي يهب خلقه لخسوف الشمس والقمر والزلازل والرياح والعواصف والرعد والبرق والظلمة في غير وقتها، وانقطاع المطر في وقته ونحو ذلك.
فإن الله ﷿ وضع في قلوب عباده الانزعاج لهذه الحوادث، كما وضع فيها السكون والطمأنينة لما يخالفها، فلما كان ضياء الشمس والقمر، وهدوء الأرض وسكون الرياح المؤذية وخلق الحساب من الرعد والبرق وصفاء الهواء ونزول المطر في وقته نعمة. وروحا من الله تعالى ورحمة وجب أن يكون ما بخلافها تهيبا وتخويفا ومؤاخذة.
قال الله ﷿: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾ فمن غفل عمن يبدو له من ذلك ولم يترك لأجله قبيحا كان فاعله ازداد جرمه وتغلظ ذنبه واستحق من العقاب ما لم يكن مستحقا قبله.
وقال النبي ﷺ: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفا لموت واحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله تعالى" وفي رواية أخرى (إلى الصلاة).
[ ١ / ٥١٢ ]
وفي حديث آخر: "ولكن الله إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له" فقد يحتمل أن يكون معنى هذا أن الله تعالى إذا ظهرت قدرته على شيء فيه ما يريد، ولم يكن امتناع عليه.
وكذلك إذا تجلى لكم بأن خالف بكم ما عودكم وسلب الشمس وضياءها في نهاركم، أو القمر نوره في ليلكم، فأحسنوا له بأن تصلوا وتسبحوا وتقدسوا وتستغفروا ولا يمنعكم عن ذلك أن تقولوا: عن قريب ستجلوا اعتمادا على عادة ألفتموها، فإنه إذا تجلى كان ذلك التجلي ابتداء نعمة منه ينعمها عليه، وليس يجوز أن يكون لتحديد النعمة سببا للإخلال بشكر ما سلف فيها والله أعلم.
ومنها التخشع عند قراءة القرآن وسماعه وذكر الجنة والنار كما قال ﷿: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾.
وقال جل ثناؤه: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم﴾.
وقال جل ثناؤه: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله﴾، أي لو كان حقه أن لا يستقر بل يتصدع من خشية الله فكتب لا تراه أن رأيته إلا متصدعا، فكيف بقلب المؤمن الذي هو ألين من الجبل أنه بالخوف والخشية والتهيب والرهبة أولى وأحق.
ويحتمل أن يكون المعنى. إن قلب الكافر الذي إنما هو كمضغة لحم ليس بلين لقبول مواعظ القرآن ولا لنبين إعجازه وما فيه من صدوف حجج الله على عباده، أي فقد كان بأن يخشع أولى من الضجر لولا أن الشقي لا ينقلب سعيدا، والخبيث لا يتبدل طيبا، وما ذكرنا في هذا الفصل فلا يكاد يخفي وجهه، لأن الرهبة من الله تعالى وإن كان حقها أن لا يلزم المؤمن دائما، فإنها عند تجدد العهد بسماع الوحي، والوعد والوعيد، أحق وأخلق.
ولهذا كان النبي ﷺ يبكي إذا قرأ بالليل في صلاته حتى يكون لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء، وكان إذا مر بآية رحمة سأل الله رحمته، وإذا مر بآية عذاب استعاذ بالله
[ ١ / ٥١٣ ]
من عذابه، فكذلك ينبغي للمؤمن سواه أن يكونوا هم أولى بذلك منه إذا كان الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكانوا من أمرهم على خطر- وبالله التوفيق- لما يرضيه والعياذ مما يسخطه إنه أولى للأمرين ومالكهما برحمته.
ومنها إساء الظن من كل أحد بنفسه حتى لا يظن في حال قط إلا أنه مقصر في حق الله تعالى ﷻ وغير موف حق العبودية كما يلزمه، وإن كان مؤديا للفرائض غير مخل بها أمرها وتهتكا لا تبدوا وطاعة ولا مواقع معصية، وذلك أن يعتقد أن ما كلفه الله ﷿ إذا كان لا يستغرب وسعه ولا يستنفذ طرفه.
وكان الله ﷿ خلقه لعبده، فهو إذا قد أبقى عليه كثيرا من حقه، ثم إنه إذا كان أمره أن يعبده بما يثبه له وفضله على شرط الإخلاص، فقال: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ وكان لا يصلي إلا وما في قلبه من أشغال الدنيا أكثر من شغل الصلاة، أو لا يخلو من اختلاطها به، ولعله مع ذلك يرابي، ويتصنع ولا يزكي إلا من جزاء الدفع، مماطلا ثم متساهلا بنفسه فيما يعطي وفيمن يعطي.
ولا يصوم إلا متبرما بالصيام مستطيلا للنهار، مستعجلا للسماء، ومعرضا للنوم، لئلا يشعر بالصوم، أو مستكثرا من الطعام لئلا يبين عليه أثر الصيام، أو حافظا للإمساك عن الطعام والشراب، ما لو وقع في أعراض الناس وغير ذلك مما لا يجوز ولا يحل.
ولا يحج إلا مدافعا بالفرض مستبينا ثم مكدا للطهر محملا إياه ما لا يطيقه ولا يكون في أوله وآخره إلا غافل عما شرع الحج له حتى يدعوه ذلك إلى أن يكون بعده كما كان قبله أو شرا منه.
فكيف يجوز له مع هذا كله ومع ما تركناه من أمثاله، فلم يمكنه أن يرى أنه قد وفى حقوق الله تعالى فيؤديه ذلك للأمن وسكون الحساس فالأولى به إذا، أن أهيي له داعيا إليه في العفو والغفران. فإن ذلك أشبه بالعبودية والاستكانة والله أعلم.
ومنها أن التخوف لا يحق إلا من الله ﷿ لأنه ملك الملك وولي النفع والضر والأخذ والترك والنواصي كلها بيده، لا يملك أحد من دونه ضرا ولا نفعا. وقد يقصد الواحد من عباده أن يسيء إلى مثله، فيصرف قلبه عنه، إما إلى الإساءة وإما إلى الحرمان.
[ ١ / ٥١٤ ]
قال الله ﷿ حاكيا عن هود صلوات الله عليه أنه قال لقومه: ﴿إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم﴾.
وقال: ﴿وإياي فارهبون﴾ وقال: ﴿وإياي فاتقون﴾.
وقال: ﴿هو أهل التقوى وأهل المغفرة﴾ فقيل تفسيره هو أهل التقوى، هو أهل أن يتقى فلا يعفي وهو أهل لن يغفر لمن اتقى أي لا أحد يستحق أن يتقى غيره.
وقال جل ثناؤه ﴿فلا تخشوا الناس واخشوني﴾ وقال ﴿فلا تخافوهم- يعني الشيطان- وخافوني إن كنتم مؤمنين﴾ وذم قوم يهشون غيره فقال ﴿فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية﴾ فذم هؤلاء كما ذم الذين يتخذون أندادا من دونه فيحبونهم كحب الله.
فإن ما ذكرنا أن الخوف من الله تعالى جده وحده، فمن خاف غيره فإنما صرف إليه حقا من حقوق ربه، فأما من أخلص للخوف له، فإنه جل جلاه مدحه وأثنى عليه ووعده إلا من يوم الفزع، فقال: ﴿أن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير﴾.
وقال: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾.
وقال: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى﴾.
وقال: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: "لن يلج النار حتى يكتب من خشية الله حتى يعود اللبن إلى الضرع".
[ ١ / ٥١٥ ]
وأما ما يخص قولنا أن الخوف من الله تعالى إيمان فالدلالة عليه قوله: ﴿وخافوني إن كنتم مؤمنين﴾. فلما كانت طاعة الله ورسوله إيمانا كان خوف الله إيمانا. وقوله ﷻ: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق﴾ فإنه تعالى طالب الخشوع من قد آمن واستطابه فيه لأجل ما قدم من الإيمان. فدل ذلك على أنه طاعة من الطاعات التي يحرك عليها الإيمان، فوجب أن يكون إيمانا كأمثاله. ويقدر بهذا أن ضد الخوف الأمن، والأمن من الله تعالى من غير إيمان منه كفر، لأن ذلك لا يقع من صاحبه إلا على أحد أوجه:
أما أن يقدر به عجوزا عن مؤاخذته ويظن به إغفالا وتصنعا لأمره. أو يرى أنه راض عنه غير مفكر ما يفعله أو يتركه، إذ كان لا يفعل إلا ما أمر به ولا يتركه إلا ما نهاه عنه، أو يحسب أن ما يفعله يخفى عليه، فلا يعلمه. وكل هذه الأوجه ترجع إلى إضافة النقص إلى الله تعالى وإجازته عليه وذلك كفر.
ولعل قائلا يقول في هذا الموضع: ما في ظن العبد أنه إذا أقام الطاعات وتجنب المعاصي، فلا ينبغي أن يكون عليه خوف ما ينبغي أن يلام عليه.
فيقال له: موضع الخلاص في هذا أن الله ﷿ على العبد سلطانا من غير وجه الأمر والنهي، وهو أنه يملك أن يسلبه ويعرضه للمصائب والمكاره من غير ذنب يكون منه كما يفعل ذلك بغيره وأحد من رسله صلوات الله عليهم.
وقال نبينا ﷺ: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل". فإذا اعتقد العبد أنه إذا أدى الطاعة في أمره ونهيه فلا ينبغي أن يخافه، فإذا اعتقد أن لا سلطان له عليه للأمر قبل التكليف، وهذا كفر. ثبت أن الأمر من الله تعالى بلا نص إيمان يكون منه جل ثناؤه وكفر، فوجب أن يكون ضده وهو الخوف إيمانا وبالله التوفيق.
[ ١ / ٥١٦ ]