وهو باب في الكفارات الواجبة بالجنايات
وهي في الكتاب والسنة أربع كفارات: كفارة القتل، وكفارة الطهارة، وكفارة اليمين، وكفارة المستبشر في صيام.
فأما كفارة القتل، فقد قال الله ﷿ فيها: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ، ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة﴾. فأوجب الكفارة عليه. ثم اختلف في معناها.
فقيل: أوجب تمحيصًا وظهور الذنب للقاتل، وذنبه ترك الاحتفاظ والتحفظ حق هلك على يده أمر محقوق الدم.
وقيل: أوجب بدلًا من تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل، فإن كان له في نفسه حق، وهو التنعم بالحياة والتصرف فيما أحل له تصرف للأحياء، وكان الله تعالى فيه حق، وهو أنه كان عبدًا من عباده يجب من أسم العتق صغيرًا كان أو كبيرًا، أو حرًا كان أو عبدًا، أو مسلمًا أو ذميًا مما يتميز به عن البهائم والدواب، ويرجى مع ذلك أن يكون من يسأله من يعبد الله ويطيعه، فلم يخل قابله من أن يكون فوت منه الاسم الذي ذكرنا، أو المعنى الذي وصفنا. فلذلك ضمن الكفارة، وأي واحد من هذين المعنيين، كان يكفيه بيان: أن النص وإن وقع على القاتل خطأ، فالقاتل عبدًا مثله، بل أولى بوجوب الكفارة في ماله، وكفارة القتيل تحرير رقبة، فإن لم يجدها القاتل فصيام شهرين متتابعين كما قال الله ﷿ ولا يجزيه الإطعام.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
وأما كفارة الظهار، فقد قال الله ﷿ فيها: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ فأوجب على ناقض ظهاره كفارة، والناقض من يكذبه. وهو إذا أمسك امرأته بعدما شبهها ببدن أمه فأمكنه فراقها، فقد كذب ظهاره، فوجب عليه الكفارة. ومن الناس من استدل على أن هذه الكفارة إيمان بأن الله تعالى لما ذكرها أوجبها قال: ﴿ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله﴾. أي قال: ليكونوا مطيعين لله تعالى واقفين عند حدوده لا يتعدوها، فمسي التكفير لأنه طاعة ومراعاة للحد إتمامًا. فثبت أن كل ما أشبهه فهو إيمان.
فإن قيل: معنى قوله ﷿ ذلك ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله﴾ أي لئلا يعود للظهار الذي هو من القول وزور. قد يجوز أن يكون هذا مقصودًا، والأول مقصودًا. فيكون المعنى ذلك لئلا يعودوا فيقولوا المنكر والزور. تدعونها طاعة لله تعالى إذ كان قد حرمها. وليتجنبوا المظاهرة منها إلى أن يكفروا إن كان الله تعالى منع من مسببيها، ويكفروا إذا كان الله تعالى أمركم بالكفارة وألزمكم بإخراجها، فتكونون بهذا كله مؤمنين بالله ورسوله ﷺ، لأنها حدود يحفظونها وطاعات يؤدونها. والطاعة لله تعالى ولرسوله ﷺ إيمان، وبالله التوفيق.
وأما كفارة اليمين فإن الله ﷿ قال فيها: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم للأيمان﴾. فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم، أو تحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم. واحفظوا أيمانكم.
ومعنى هذه الكفارة أن قول الحالف تصير عند الحنث كذبًا ثم يتغلظ بما يتصل به من نقض عهد الله تعالى، فتجب الكفارة فيه. وليس ينكر أن يكون الكذب بانفراده غير موجب للكفارة، إلا أنه إذا تغلظ بنقض عهد الله تعالى أوجبها. فإن رجلًا لو قال لأجنبية أنت على كظهر أمي، ثم يمسها مكانه بشهوة، لم تكن عليه كفارة وقد كذب فيما قال. لأن الأجنبية يحل نكاحها ولا يحل نكاح الأم، والجارية تحل مباشرتها ولا تحل
[ ٢ / ٥٠٩ ]
مباشرة الأم. حتى إذا قال ذلك لزوجته التي يجدها بأمانة الله، واستحل فرجها بكلمة الله يغلظ كذبه، فأوجب الكفارة. وإذا كان الزنا قد يخف حكمه، فلا يوجب إلا الجلد والتعزير. وقد يتغلظ حكمه بلا حصان فيوجب الرجم، وأخذ المال الحرام قد يوجب قطع جارحة واحدة مرة، ثم يلغظ بانضمام معنى إليه فيقتضي كفارة والله أعلم.
وأما كفارة المستبشر في صيام رمضان، فإنها رويت عن النبي ﷺ، بأن إعرابيًا جاء فقال: (هلكت يا رسول الله واقعت امرأتي في رمضان. فقال له: اعتق رقبة. فقال: لا أجد، قال: صم شهرين متتابعين. قال: فهل أتيت إلا من الصوم قال: فاطعم ستنين مسكينًا. قال: لا أجد. فقال: أجلس، فجلس. فأتى النبي ﷺ بعرق من تمر، فقال: خذه وتصدق). فهذه الكفارة هي كفار الظهار التي نص عليها في القرآن. وهم يشبهان كفارة القتل في تحرير الرقبة، بالإيجاب أولًا والنقل عنه بالعجز إلى صيام شهرين متتابعين ثم يفارقها بها في الطعام. فإنه يجوز للقاتل إذا عجز عن صيام رمضان لمرض أن يطعم، كما يجوز ذلك للمظاهر، ولا يجوز له أن يطعم إلا أن يعجز من الكبر أو يموت فيطعم عنه. وهذا تغليظ على القاتل بإيفاء الصوم في ذمته، فتكون رقبته مرتهنة بالكفارة ولا يترخص بالانتقال إلى أخف الكفارات وهو يرجو أن يكفر بما فوقه والله أعلم.
ومما يقرب من الكفارة ما يجب باسم الفدية، وإنما فصل بينهما لأن الكفارة لا تجب إلا عن ذنب تقدم. والفدية قد تجب بالذنب، وقد تجب ما ليس بذنب، ثم إن جميع ذلك فدية، وجميعه كفارة. أما إنه فدية، فلأنه ليس بشيء من ذلك يجب إلا جبرًا لما أسلم، إما من حرمة الإسلام وإما من حرمة الإحرام، وإما من حرمة الشهر والصيام وإما من جميعه كفارة، فلأنه يراد به التقرب إلى الله تعالى بشيء يعفى على أثر أمر قد وقع، ذنبًا كان وغير ذنب.
فظهر بما ذكرناه أن كلا فدية وكلا كفارة، وفدية الصوم واحدة. وهي الرجل يعجز
[ ٢ / ٥١٠ ]
عن الصوم بالكبر والهرم، فيفتدي أو يموت وعليه الصيام فيطعم عنه. وأما ما يجب لأجل الحج فجملته عشرون: ذم المتعة، وذم القرآن، وذم القوت، وذم الاحتضار، وذم الناحر، وذم الإفساد، وفدية الميت بالمزدلفة، وفدية الميت بمنى، وفدية الميقات، وفدية التطيب، وفدية الأضفار، وجز الصيد، وجز المكبر الحرم، وفدية الرواغ، وفدية المشي إلى بيت إلى بيت الله تعالى على من نذره ثم تركه وهو يقدر عليه. وكل ما ذكرنا يدل لأنه يقابل مقلوب من بعض الأرحام أو جميعه أو يتأخر عن مكانه أو وقته.
وكل كفارة لأن الله مستحقه، وإنما أوجبه ليضع به على العبد بنفيه فعله الذي توقع منه، وكيف ما كان فأداؤها، وطاعة الله في إخراجها من الإيمان، وبالله التوفيق وشرح أحكام هذه الذماء في موضعه من كتب الأحكام.
[ ٢ / ٥١١ ]