وهو باب في الزهد وقصر الأمل
قال الله ﷿: ﴿فهل ينظرون إلى الساعة أن تأتيهم بغتة، فقد جاء أشراطها﴾ وقال النبي ﷺ. (بعثت والساعة كهاتين). فعلمنا بخبر الله ﷿، ثم خبر رسول الله ﷺ، أن أجل الدنيا قريب، وإذا كان أجل الجماعة قريبًا، قبح من الواحد أن يطيل أمله، ثم لقد جاء الصحيح عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من شبابك لهرمك ومن صحتك ليوم سقمك، ومن غناك ليوم فقرك) وفي رواية أخرى: (اغتنم خمسًا: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك).
وجاء عنه ﷺ أنه قال: (ما حق امرئ مسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه). فاستقصر من دافع بالوصية يومين واستكثرهما له. وكل ذلك يدل على أن الاحتياط قصر الأجل، وإن إطالته عشرون، وخداع من المرء لنفسه، وسوء نظر لأمره وأهله وولده وسائر من يعينه شأنه، لأنه لا ساعة إلا ويمكن أن يكون فيها انقضاء أجله، ويدعى فيها ولا يجده بدًا من أن يجيبه. وإذا كان كذلك، فلا معنى لأن من متاع
[ ٣ / ٣٧٩ ]
الدنيا من يرى أنه مخلد غير منقول أبدًا عنها. فإن في ذلك إذا تمكن من قبله لها، استغل عن عبادة الله وطغى، وكأنه بجديته آخرته بقدر عمارته دنياه. فإن الله ﷿ يقول: ﴿فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى﴾ وإذا نجى بما يمثل طبعه إليه وقصر أمله صار همه للاستعداد للآخر والانقطاع عن الدنيا وذلك أحوط. لأنه إن احتضر قريبًا كما يظن كان ساهيًا عن ربه مقدمًا (ما) يحتاج إليه منقلبه، وإن أمهل فكلما ازداد مهلة ازداد طاعة وبرًا وقربة، فكان ذلك أنظر له من أن ينهمك في الدنيا مطيلًا أمله، فإن احتضر قريبًا من حيث لم يظنه، فكان كمن عافصه سفر لا يجد منه بدًا، وهو لا زاد عنه، ولا راحله له، فيلزمه المشي على قديمه، وأسوأ حال وأقبحها. وإن أمهل لم يزدد على الأيام للدنيا إلا حبًا وعلى عمارتها والاستكناف منها إلا حرصًا. فإن مثله مثل الخمر يدعو قليلها إلى كثيرها، ويسرق القصير منها إلى ما فوقها، فمن علم هذا ثم كان منه في عامة أحواله على ما ذكر كما جاءت الوصية به. فقبل أكثروا ذكرها ذم اللذات لم يدع النظر لنفسه بترك الاحتياط إلى الخطأ إن شاء الله. وقد جاء في هذا الباب من الأخبار والآثار ما لا يمكن انتقاؤها لكثرتها، وقد أوردنا منها ما لابد للكاتب من ذكره.
فمنها ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام تباعًا من خبر بر حتى مضى لسبيله. وروى الحسن ﵁ قال: كان النبي ﷺ: يركب الحمار ويلبس الصوف ويأكل على الأرض ويلعق أصابعه ويقول: (إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد). وعن أبي مسلم الخولاني ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحي إلي أن أسبح بحمد ربك، وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) وعن زياد بن جبير ﵁ قال: ثبت أن النبي ﷺ قال: (اللهم اجعل رزق آل محمد كفافًا، وخير الرزق الكفاف)
[ ٣ / ٣٨٠ ]
وعن الحسن ﵁ قال: دخل عمر ﵁ على النبي ﷺ وهو على سرير موصول، فبكى فقال له النبي ﷺ (ما يبكيك؟ فقال: ذكرت كسرى وقيصر، واعلم أنك أكرم على الله منهما، أو تريد الشيء لتنفقه في سبيل الله فما تقدر عليه. فقال: يا ابن الخطاب، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال: بلى. قال: فإنه كذلك). وعن عطاء ﵁ قال: بلغنا أن عمر ﵁ دخل على النبي ﷺ، فرآه مضطجعًا على ضجاع من أدم، محشو من النثار في البيت إهاب لم تدبغ ملقاة بعضها على بعض، فبكى عمر، فقال النبي ﷺ: (ما يبكيك يا عمر قال: أبكي لأن كسرى عدو الله في الخز والبز والديباج، وقيصر مثل ذلك. وأنت يا رسول الله، أمين الله، وخيرته على هذه الأمة. فقال النبي ﷺ: (اسكت يا عمر، فلو شاء أن يسير الجبال الراسيات معي ذهبًا لسارت). وعن عائشة ﵂ قالت: ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا ولا شاة ولا بعيًرا ولا أوصى شيئًا).
وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (كيف أنعم، وصاحب الصور التقم القرن وحتى صيحته تسمع متى تؤمر أن أنفخ فينفخ. قال أصحاب رسول الله ﷺ: فكيف نقول؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا). وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: (ما فعلت الذهب؟ قال: قلت هذه هي عندي يا رسول الله، وهي بين التسعة والخمسة فأخذها فجعلها في كفه، ثم قال: ما ظن محمد بالله، لو لقى الله وهذه عنده، أنفقيها).
وعن عائشة ﵂ أنها صنعت للنبي ﷺ فراشين فأبى أن يضطجع إلى على أحدهما: وعن عبيد بن عمير قال: كان عيسى بن مريم ﵉ يأكل من الشجر، ويبيت حيث أمسى، لم يكن له ولد فيموت ولا بنت فتجرب ولا يجبي لغد شيئًا. وعن عروة ﵁ قال: كان دادود النبي صلوات الله عليه يصنع القفف من الخوص وهو
[ ٣ / ٣٨١ ]
على المنبر ويرسل فيبيعها ويأكل ثمنها. وقال سليمان بن داود صلوات الله عليهما: كان العيش قد جربناه بلينه وشديده، وجدناه يكفي منه أدناه.
وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يوم كلم الله موسى كانت عليه جبة صوف وكساء صوف وسراويل صوف وكمه صوف، ونعليه من جلد حمار غير ذكي). وعن عطاء ﵁ قال: بلغنا أن موسى النبي ﷺ صلوات الله عليه طاف بين الصفا والمروة وعليه جبة قطوانية وهو يقول: لبيك اللهم لبيك، يجيبه ربه لبيك يا موسى وها أنا معك.
وعن مجاهد ﵁ قال: حج البيت سبعون نبيًا، فمنهم موسى صلوات الله عليه، عليه عمامتان قطوانيتان وهو يهل. ومنهم يونس صلوات الله عليه، وهو يقول: لبيك كاشف الضر لبيك.
وعن عبد الله ﵁ قال: كانت للأنبياء قبلكم لا يستخبون، يلبسون الصوف ويركبون الحمر ويحلبون الغنم. وعن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليًا﵃ أجمعين- لما دخل بفاطمة﵂- كان فراشها إهاب كبش إذا أرادا أن يناما قلباه على صوفه ووسادتها من أدم حشوها ليف.
وفي قصر الأمل: قال رسول الله ﷺ: (أكثرون من ذكر هادم اللذات، وما ذكره عبد قط وهو في سعة إلا ضيق عليه، ولا ذكره وهو في ضيق إلا وسع عليه). أم الدرداء ﵂ قالت لأبي الدرداء ﵁: مالك لا تطلب كما يطلب فلا سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أمامكم عقبه كؤود لا يجوزها المثقلون، فأنا أحب أن أتخفف لتلك العقبة).
وقال حذيفة ﵁: إن أقر أيامي، يوم أرجع فيه إلى أهلي فيشكون لي
[ ٣ / ٣٨٢ ]
الحاجة، والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله ﷿ ليتعهد عبده بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده، وإن الله ﷿ ليحمي عبده الدنيا، كما يحمي المريض الطعام.
وقال النبي ﷺ: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم، أفسد لهما من حرص المرء على المال والسرف لدينه). قال الحسن ﵁: أدركت أقوامًا وشهدت طوائف منهم ما طوى لأحد منهم ثوب قط، ولا أمر في بيتهم صنعة الطعام قط، إن كان أحدهم ليخرج فيعزم على أهله أن لا يردوا سائلًا. وأدركت أقوامًا وشهدت طوائف منهم إن كان أحدهم ليدعى إلى الميراث، هي لك لا حاجة لي به. وأدركت أقوامًا وشهدت طوائف منهم إن كان أحدهم لدينه أبصر منكم لدنياكم بقلوبكم وأبصاركم.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما من أحد غني أو فقير يوم القيامة إلا ود أن أوتي في الدنيا إلا قوتًا). وقال النبي ﷺ (من أصبح أكبر همه غير الله فليس من الله).
ونهى النبي ﷺ عن التبقر في الأهل والمال إلى التوسع، وقال ابن مسعود ﵁: إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم وهما مهلكاهم. قالت عائشة ﵂: ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرًا. وقد قبض رسول الله ﷺ وإن درعه لمرهونة عند رجل من اليهود بأصوع من تمر. قال: دخل علي على أبي هاشم بن عيينة بن ربيعة وهو مريض يبكي. قال: ما يبكيك؟ أوجع بشرك أو حرص على الدنيا؟ قال: كلا، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدًا لم آخذ به. فقال: يا أبا هاشم سترى أموالًا يرميها أقوام، وإنما يكفيك من جمع المال خادم ومركب في سبيل الله وأراني اليوم قد جمعت.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: (أن أغبط أوليائي عندي مؤمن ذو حظ من صلاة،
[ ٣ / ٣٨٣ ]
غامض في الناس لا يشار إليه بالأصابع، أطاع الله وأحسن عبادته في السر، وكان عيشه كفافًا، فأعجلت منيته، وقلت بواكيه وقل تراثه).
وقال عمر بن الخطاب ﵁: هل تدرون ما يقيم وجوهكم عند ربكم؟ قالوا: ما؟ قال: بالورع عما نهاكم الله عنه في كتابه وبحسن نياتكم فيما عند الله. وقال أبو الدرداء ﵁: لولا ثلاث ما باليت أو لا أبقى في الأرض ساعة، لولا أني أعفر جنبي ساجدًا وأن أصوم يومًا طويل ما بين الطرفين وأن يغير وجهي في سبيل الله. وقال رسول الله ﷺ: (كيف أنتم إذا أشبعتم من ألوان الطعام؟ قالوا: ويكون ذلك يا رسول الله، قال: نعم، فإنكم أدركتموه، ومن أدركه منكم؟ فكبر القوم. ثم قال: كيف أنتم إذا سيرتم كما تسير الكعبة، فرق القوم وقالوا: رغبة يا نبي الله عن الكعبة. قال: لا ولكن من فضل تجدونه. قالوا: نحن يا نبي الله يومئذ خير أم نحن اليوم؟ قال: أنتم اليوم أفضل).
وروى أن بعض الصحابة أهدى له هدية فالتمس الرسول في بيت رسول الله ﷺ وضعها فيه، فلما وجد، قال: (ضعها بالجصص، فلو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما يبقى كافر منها شربة من ماء).
وعنه ﷺ أنه قرأ: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ فقال: (إن النور إذا دخل القلب انشرح وانفتح. قالوا: وهل لذلك من علم يا نبي الله؟ قال: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت). وقال أبو هريرة ﵁: انطلقنا مع رسول الله ﷺ، فمررنا بزقاق من أزقة المدينة، فإذا فيه عناق ميتة، فقال: والله الدنيا أهون على الله من هذه العناق على أهلها حين ألقوها).
[ ٣ / ٣٨٤ ]
وقال رسول الله ﷺ: (إن شراب أمتي الذين غدوا بالنعيم ونبت منهم أجسادهم). وقال ﷺ: (يدخل فقراء المسلمين قبل أغنيائهم الجنة بأربعين سنة). وقال ﷺ: (لا تكلوا فوق شبعكم، وأطعموا فقراءكم، فوالذي نفس محمد بيده ما شبعت ثلاثة أيام متواليات منذ بعثني الله نبيًا من الحبة السمراء).
وعن عيسى بن مريم صلوات الله عليه قال: يا معشر الحواريين اعبروا الدنيا ولا تعمروها، إني لم أجد لكم فيها مسكنًا، واتخذ مساجد الله بيوتًا، واتخذوا بيوتكم مساجد ذلك مأوى.
وعنه ﷺ قال: يا معشر الحواريين، كلوا خبز الشعير بالملح الجريش، ولا تأكلوا الإبل شهوة وألبسوا مسرح الشعر، وأخرجوا من الدنيا سالمين آمنين، حق أقول لكم: أن حلاوة الدنيا مرارة في الآخرة. وإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين.
فإن قال قائل: ما وجه التقرب إلى الله ﷿ بالامتناع مما أباحه الله وأحله، ولم يخلقه إلا لمنقعة عباده من المطاعم الشهية، والملابس الناعمة البهية، والمساكن النزهة، والفرش اللينة؟ فإن قلتم: تتركها في الدنيا لئلا تنقص لأجلها حظوظنا من نعم الآخرة. قيل لكم: النقص من نعيم الآخرة حرمان، والحرمان عقوبة، ولا عقاب على من استحل حلالًا واستباح مباحًا. فلم قلتم أن التنعم بنعيم الدنيا ينقص من نعيم الآخرة أن يفوته؟
فالجواب- وبالله التوفيق-: أن الذي يظهر من وجه التقرب إلى الله ﷿ بترك التنعيم من نعيم الدنيا أمران: أحدهما إن المقيم في الدنيا غير عالم بما هو صائر إليه، وهو يتمثل بين أن يكون من أهل الجنة أو من أهل النار. وإذا كان كذلك لم يكن في حاله محمل للتلذذ والتنعم، لأن النعمة لا تكون نعمة حتى يهيئ صاحبها، ولا تهيؤ للنعمة مع الخوف، ولا خوف أشد من خوف النار. ومعلوم فيما بينا أن من كان من سلطانه على رجل من وعيد وقع له منه فلا يتهيأ معه بنعمة، ولم تمل نفسه إلى شيء من الشهوات ما لم يأمن
[ ٣ / ٣٨٥ ]
جانبه، ويفرغ من ذلك الوعيد قلبه. فالوعيد الواقع من الله ﷿ أحق أن يشغل عن اللذات ويلهي عن الطيبات، إذ وعيده واقع بما لا طاقة لأحد به، ولا صبر لبدن عليه والله أعلم.
والآخر: أن النعم المباحة مقتضية ممن ينعم بها شكرًا يقضي حقها، ولا شك في قوى العباد عن مقابلتها عن الشكر بما يكون لها توًا، فكان الاستمتاع بها مع قلة الحمل بحقها استهانة لها، وإعفاء عن حق موليها المنعم بها وذلك خيانة. فإنما روى أهل البصائر والإعراض عنها لئلا ينقلب النعمة عليهم نقمة، ولا تتبدل المنحة محنة. وذلك رأي لاحق لا يلام من وقع له فعمل به والله أعلم.
قال عمر بن الخطاب ﵁: سلوا الله أن يرزقكم يومًا بيوم ولا عليكم أن يكثر لكم.
ومما جاء في قصر الأمر: قال النبي ﷺ: (إن آدم ﵇ قبل أن يصيب الخطيئة كان أجله بين عينية وأمله خلف ظهره، فلما أصاب الخطيئة جعل أمله بين عينيه، وأجله خلف ظهره). وعن ثوبان ﵁ قال: قلت يا رسول الله، ما يكفيني من الدنيا قال: (ما سد جوعك، ووارى عورتك، ومنزل يظلك وإن كانت لك دابة تركبها) وفي رواية أخرى (وإن كان لك خادم يخدمك فذلك).
سئل الزهري ﵁ عن الزهد في الدنيا فقال: أن لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره. أي لا يقصر في شكر الحلال إذا أصابه ويصير عن الحرام إذا أشبهناه ولا نواقعه. وقال أبو عبيدة الباهي دخلنا على الحسن نعوذه في مرضه قال: مرحبًا بكم وأهلًا، حباكم الله بالسلامة، وحبتنا وإياكم دار السلام، هذه علانية إن صبرتم وصدقتم واتقيتم، لا يكونن حظكم من هذا الخير، رحمكم الله أن تسمعوه بهذا الأذى. ويخرج من هذا الأذن، فإنه من رأى محمد ﷺ فقد رآه غاديًا رائحًا لا يضع لبنة على لبنة ولا فضة على فضة، ولكن رفع له علم فشمر إليه الوجاء الوجاء، ثم النجاء النجاء على ما
[ ٣ / ٣٨٦ ]
تعرجون، أنتم ورب الكعبة كأنكم والأمر معًا. وعن طارق بن شهاب ﵁ قال: لما قدم عمر ﵁ الشام تلقاه الجنود وعليه إزار وخفان وعمامة، وهو آخذ برأس راحلته يخوض الماء، فقالوا: يا أمير المؤمنين، يلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالتك هذه فقال: إنا أعزنا الله بالإسلام، فلن يلتمس العز بغيره.
وعن شفيق بن سلمة ﵁ قال: خرجنا في ليلة مخوفة، فمررنا برجل نائم في أجمة، قد مد حرسه وهي ترعى عند رأسه، فأيقظناه وقلنا له: أتنام في هذا المكان؟ فرفع رأسه وقال: إني لأستحيي من ذي العرش أن يعلم إني أخاف شيئًا دونه، ثم ضرب برأسه فنام. وعن وكيع ﵁ قال: كان عامر بن عبد قيس يربي السباع فيقول: إني لأستحي أن أخاف شيئًا غير الله.
وعن إبراهيم اليتمي ﵁ أن أباه كان يلبس الرداء يباع إليه من خلفه ويديه من بين يديه فقلت: يا أبت لو اتخذت رداء أو تبع من رداءك هذا قال: يا بني، لم تقول هذا، فوالله ما على الأرض لقمة لقمتها إلا وددت أنها في أبغض الناس إلي. قال عمر بن ذر ما رأيت على عطاء قميصًا قط، ولا رأيت عليه ثوبًا يساوي خمسة دراهم.
وعن علي ﵁، قال: اشتكت فاطمة ﵂ محل يديها من الطحن، فأمرتها أن تأتي النبي ﷺ وتسأله خادمًا، فأتته فقال: هل لكل حاجة قالت: لا، فرجعت. قلت: ما صنعت؟ قالت: أتيته فقال: هل لك حاجة قلت: لا. فاستحيت. قال: قلت ارجعي إليه. فأتيته، فوجدته قد رقد فرجعت. فلما استيقظ أتانا وعليه قطيفة إن لبسناها طولًا خرجت جنوبنا، وإن لبسناها عرضًا خرجت أقدامنا ورؤوسنا. فقالوا: لم أتيتنا أنك جئت، فهل لك من حاجة؟ قالت: لا. قلت: بلى، اشتكت محل يديها، فأمرتها أن تسألك خادمًا. فقال: ألا أدلكما على ما هو خير لكما من الخادم فأمر بأربع وثلاثين وثلاث وثلاثين مرتين تكبر وتحمد وتسبح.
وعن الحسن ﵁ أن النبي ﷺ مر على سخلة ميتة ملقاة على ظهر الطريق، فقال: ترون هذه هينة على أهلها، الدنيا على الله أهون من هذه على أهلها.
وعن الحسن ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح
[ ٣ / ٣٨٧ ]
ذبابة ما أعطى الكافر منها شيئًا). وعن قتادة ﵁ قال: ذكر لنا أن النبي ﷺ قال: ألا أن الدنيا حلوة خضرة، وأن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعلمون. ألا فاتقوا الدنيا واتقوا فتنة النساء). وعن الحسن ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر).
وعن سفيان ﵁ قال: قال لقمان لابنه: يا بني إن الدنيا بحر عميق يغرقها فيها ناس كثير، فلتكن سفينتك فيها، وحشوها إيمان بالله، وشراعها التوكل على الله، فلعلك أن تنجو، وما أدراك بناج. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها بجمع من لا علم له. وعن أبي حازم ﵁ قال: وجدت الدنيا تشير بشيء منها هو لي، فلن أتعجله قبل أجله، ولو طلبت بقوة السموات والأرض، وشيء منها هو لغيري فذاك ما لم أنله فيما مضى، ولن أرجوه. فيما بقى، منع الذي لي من غيري، كما منع الذي لغيري مني، ففي أثني هذين أدى غيري، ووجدت ما أعطيت من الدنيا يشير بشيء يأتي أجله قبل أجلي، فأغلب عليه، وشيء منها يأتي أجلي قبل أجله فأموت أتركه لغيري، ففي اثني هذين أعصي ربي.
وعن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: (أما أنا والدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها). قال: ودخل سعد ابن أبي وقاص ﵁ على سلمان يعوده فبكى سلمان. فقال له سعد: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن، توفي رسول الله ﷺ وهو عنك راض، وتلقى أصحابك وترد عليه الخوص، فقال سلمان: إني لا أبكي جزعًا من الموت ولا حرصًا على الدنيا، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلينا فقال: (ليكون بلاغ أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب وحولي هذه الأساود). فقال سعد: يا أبا عبد الله، أعهد إلينا عهدًا نأخذ به بعدك. فقال: يا سعد، اذكر الله عند همك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند برك إذا قسمت.
[ ٣ / ٣٨٨ ]
وعن الحسن ﵁ قال: إن الذي كانوا من قبلكم كانوا يأخذون من الدنيا بلاغًا ويتسارعون بالفضل أنفسهم من الله رحمة، رحم الله عبدًا جعل العيش عيشًا واحدة، فأكل كسرة، ولبس خلقًا، ولزق بالأرض واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة وهرب من العقوبة، وأبقى الرحمة حتى يأتي أجله، وهو كذلك.
وعن الحسن ﵁ قال: المؤمن في الدنيا كالغريبة من دلها ألا تنجزع، ولا تنافس أهلها، في عزها لأهلها حال. وله حال أخرى فداهمته نفسه، والناس منه في راحة، ونفسه منه في شغل. وعن أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال: (ما من أحد يوم القيامة غني ولا فقير، إلا ود أن ما كان له من الدنيا قوتًا) وعن محمد بن كعب القرطبي ﵁ قال: إذا أراد الله بعبد خيرًا أزهده في الدنيا، وفقهه في الدين، وبصره عيوبه. ومن أوتيهن، فقد أوتي خيرًا كثيرًا في الدنيا والآخرة.
قال وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵄: إنك لن تنال عمل الآخرة بشيء أفضل من الزهد في الدنيا. وعن جعفر بن ثوبان ﵁ قال: بلغني أن وهب ابن منبه قال: أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا، وأوشك ردعًا إتباع الهوى. ومن إتباع الهوى الرغبة في الدنيا، ومن الرغبة في الدنيا حب المال، ومن حب المال والصرف استحلال المحارم، ومن استحلال المحارم غضب الله، الداء لا دواء له، إلا رضوان الله، ورضوان الله الدواء الذي لا يضر معه داء، فمن يرد أن يرضي ربه يسخط نفسه ومن لا يسخط نفسه يرضي الله. وقال رجل للحسن ﵁: أن فقهاءنا يقولون: وقال الحسن: وهل رأيت فقيهًا؟ الفقيه الزاهد في دنياه، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه.
وعن سفيان ﵁ قال: كان بعض أهل العلم يقول: إذا رأيتم الرجل يزهد في الدنيا، فأدنوا منه، فإنه يلقي الحكمة. وعن بكر بن عبد الله المزني قال: كانت امرأة متعبدة باليمن، فإذا أمست قالت: يا نفس الليلة ليلتك، لا ليلة لك غيرها. فاجتهدت، وإذا أصبحت قالت: يا نفس، اليوم يومك، لا يولك لك غيره، فاجتهدت.
[ ٣ / ٣٨٩ ]
وعن أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فأثروا ما يبقى على ما يفنى).
وعن الحسن ﵁ قال: قال عامر بن عبد قيس: صرفت عن الدنيا، فانصرفت إلا عن أمرين: النوم والطعام، وأيم الله لأصبرن بهما جهدي. وعن طاووس ﵁ قال: من كانت الدنيا أكبر همه جعل فقره بين عينيه وأقسى عليه صنعته. ومن كانت الآخرة أكبر همه جعل الغنى في قلبه، وأمسك عليه صنعته. وعن الحسن ﵁. يا ابن آدم، بع دنياك بآخرتك ونجهما جميعًا. ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعًا. وعن الحسن ﵁ قال: يا ابن آدم، لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أفقر، فعليك بنصيبك من الآخرة، فإنه سيأتي على نفسك من الدنيا فينتظم انتظامًا فيزول معك حيثما زلت. وعن الحسن ﵁ قال: يا ابن آدم، إذا رأيت الناس في خير فناصبهم فيه، وإذا رأيتهم في هلكة فذرهم وما اختاروا لأنفسهم. فقد رأيت أقوامًا آثروا عاجلتهم على عاقبتهم، فذلوا وهلكوا وافتضحوا. وعن خيثمة ﵁ قال: تقول الملائكة: يا رب، عبدك الكافر تبسط له في الدنيا وتزوي عنه البلاء، فتقول الملائكة: اكشفوا عن ثوابه، فإذا رأوا ثوابه قالوا: يا رب، ما يضره ما أصابه في الدنيا. وعن سعد بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (للفقراء زين على المؤمن من العذار الحسن على حد القرنين). قال: وكان أبو الدرداء ﵁ يؤم الناس في شهر رمضان بدمشق ففرغ من بعض القيام، ثم أقبل على الناس بوجه فقال: يا أهل دمشق ألا تتجيرون فيما تصنعون؟ فقال القوم: ما بلغ أبا الدرداء عنا. فوجد القوم في أنفسهم فقال: إنكم- والله- لأخواني في الدين، وجيراني في الدار، وأعواني على العدو، فلا تستحيون مما تصنعون تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون كالذين من قبلكم، بنوا شديدًا وجمعوا وأملوا بعيدًا، فأصبحت بيوتهم قبورًا وجمعهم بورًا وآمالهم غرورًا.
وعن مسروق ﵁ قال: قلت لعائشة ﵂: يا أماه ما أكثر ما
[ ٣ / ٣٩٠ ]
كان النبي ﷺ يقول إذا دخل البيت: (لو أن لابن آدم واديان من ذهب لتمنى إليهما ثالثًا، لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، إنما جعل الله هذا المال، لتقام به الصلاة، وتؤتى به الزكاة. ويتوب الله على من تاب).
وعن أبي الدرداء﵁- قال: من أكثر ذكر الموت، قل فرحه وقل حسده. وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وحاسبوها قبل أن تحاسبوا فإنه أهون عليكم غدًا، وتزينوا للعرض الأكبر، وذلك يوم القيامة يومئذ تعرضون، لا تخفى منكم خافية.
قال ابن عباس ﵄: ما رأيت رجلًا أشد محاسبة لنفسه من عمر، كان يجلس فيقول: ما صنعت اليوم كذا، وصنعت كذا، ثم يضرب هره بالدرة. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: اعبدوا الله كأنكم تروه، وعدوا أنفسكم من الموتى، واعلموا أن قليلًا يغنيكم خير من كثير يلهيكم. واعلموا أن البر لا يبلى وأن الإثم لا ينس.
وعن وهب بن منبه ﵁ قال: مكتوب في حكمة آل داود، حق العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات من النهار: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يقضي فيها إليها إخوانه من المسلمين الذين ينصحونه في نفسه ويصدونه عن عيوبه وساعة تخلى بين نفسه وبين لذاتها مما يحل ويجمل. فإن هذه الساعة تكون له عون على هذه الساعات واستجمام للقلوب وفضل بلغه. وعلى الغافل أن يكون مالكًا للسانه، مقبلًا على شأنه.
وعن الحسن ﵁ قال: لقي رجل أخاه فقال: يا ابن أخي، أجاءك عن الله أنك وارد النار؟ قال: يا بني، والله لقد جاء في عن الله ﴿وإن منكم إلا واردها، كان على ربك حتمًا مقضيًا﴾. قال ابن أخي: أجاءك أنك صادر عنها؟ قال: لا، والله لقد جاءني في الورود ولم نخش الصدور. قال يا ابن أخي، فقيم الضحك وقيم اللعب وقيم التناقل.
[ ٣ / ٣٩١ ]
قال بكى عبد الله بن رواحة﵁- فبكت امرأته، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك بكيت فبكيت قال: إني أنبئت أني وارد النار، ولم أنبأ أني صادر ههنا.
قيل: خرج النبي ﷺ على أصحابه فقال: (أين الراضون بالمقدور والساعون للمشكور عجبت لمن أيقن بدار الخلود كيف يسعى لدار الغرور). وعن الحسن ﵁ قال: المؤمن- والله- يمسي حزينًا ويصبح حزينًا. وكان الحسن ﵁ قل ما إلا رأيته كالرجل تصيبه مصيبة محدثه. وعن الحسن ﵁ قال: ما عبد الله بمثل الحزن. وقال عامر بن قيس: أكثر الناس فرحًا في الجنة أطولهم حزنًا في الدنيا. وأكثر الناس ضحكًا في الجنة، أكثرهم بكاء في الدنيا. وأخلص الناس إيمانًا يوم القيامة، أكثرهم تفكيرًا في الدنيا.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون وبخشوعه إذا الناس يختالون. وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيًا محزونًا حكيمًا حليمًا سكينًا لبيبًا. ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيًا ولا غافلًا ولا صخابًا ولا صياحًا ولا جديدًا. وعن أبي موسى الجهني ﵁ قال: سمعت عون بن عبد الله بن عتبة وهو يقول: ويحيى، كيف أغفل ولا يغفل عني، أم كيف تهويني معيشتي واليوم الثقيل ورائي، أم كيف لا يطول حزني ولا أدري ما فعل في ذنبي. وعن مجاهد ﵁ قال: من بيت مذر ولا وبر وألا يطيف به ملك الموت كل يوم مرتين.
وعن صالح أبي الخليل ﵀ قال: ما رأى النبي ضاحكًا ولا متبسمًا منذ نزلت ﴿أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون﴾ وعن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفس محمد بيده، لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم
[ ٣ / ٣٩٢ ]
قليلًا). وعنه ﷺ قال: (لا يبكي رجل من خشية الله فيدخل النار أبدًا حتى يلج اللبن في الضرع). وعن حمران بن أعين ﵁ أن النبي ﷺ قرأ ﴿إن لدينا أنكالًا وجحيمًا وطعامًا ذا غصة﴾ قال: فصعق.
وعن أبي الزارع ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أحبك. فقال: (إن كنت تحبني، فأعد للفقر تجفافًا، فإن الفقر إلى من يحبني أسرع من السيل إلى منتهاه). وعن أبي الدرداء ﵁، إن النبي ﷺ قال: (إن الأكثرين هم الأسفلون إلا من قال بالمال هكذا وهكذا أربع مرات، وقليل ماهم).
وعن الزهري أن عمر ﵁ أتى بغنائم فجعل يقلبها ويبكي، فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: يا مير المؤمنين هذا يوم فرح، فقال: والله ما أوتيه قوم إلا وقع بينهم العداوة والبغضاء. وعن محمد بن خير ﵁ أن النبي ﷺ أتى بمال من البحرين، فلما سمع به المهاجرون والأنصار حضروا فخرج النبي، فلما رآهم تبسم وقال: (أسمعتم بهذا المال الذي جاءني؟ قالوا: نعم. قال: أبشروا وأقبلوا الذي بشركم، فوالذي نفسي بيده ما أخف عليكم الفقر، ولكني أخاف عليكم الدنيا أن تفتح عليكم من ها هنا وها هنا، فيعجبكم كما أعجب الذين من قبلكم، ويهلككم كما أهلكت الذين من قبلكم).
وعن حباب بن الإرث ﵁ قال: هاجرنا مع النبي ﷺ في سبيل الله نبتغي به وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء يكفن فيه، إلا نمرة كنا إذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، وإذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه. فقال لنا النبي ﷺ:
[ ٣ / ٣٩٣ ]
(ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه شيء من الأرض). ومنا من أينعت ثمرته فهو يهديها. وعن ثوبان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا سافر كان آخر ما يكون عهده به فاطمة، وإذا قدم كان أول ما يأتيها، فجاء من سفره وقد علقت سترًا، وسورت الحسن والحسين سوارين من فضة، فلم يدخل عليها. فظنت إنما منعه الستر والسواران، فهتكت الستر ونزعت السوارين، وقالت: انطلقوا به إلى النبي ﷺ، فذهب به إليه فقال: (هؤلاء أهل بيتي أكره أن تأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، يا ثوبان اذهب بهما إلى فلان واشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج).
وعن الحسن ﵁ قال: أكل ابن سمرة بن جندب حتى بشم، فتقيأ، فقال له سمرة: لو مت ما صليت عليك. وعن مطرف بن الشجير عن أبيه ﵄ أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو يقول: ﴿ألهاكم التكاثر﴾ فقال: (يقول ابن آدم: مالي مالي وهل لك من مال إلا ما تصدقت فأمضيت، أو لبست فأبليت أو أكلت فأفنيت).
وعن الحسن ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا مات الميت قالت الملائكة: ما قدم؟ ويقول بنو آدم: ما ترك). وعن أبي الدرداء ﵁، قال رسول الله ﷺ لعائشة ﵂: (إن أردت اللحوق بي، فليكفك من الدنيا كزاد الراكب، وإياك مجالسة الأغنياء، ولا تستخلفي ثوبًا حتى ترقيعه).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هم فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم. وعن عون ابن عبد الله بن عتبة ﵁ قال: كم من مستقبل يوم لا يستكمله، وكم من منتظر غدًا لا يبلغه. لو نظرتم في الأجل ومسيرة لأبغضتم الأمل وعدوله.
[ ٣ / ٣٩٤ ]
وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (يا عبد الله كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل. وإذا أمسيت فلا تحث نفسك بالضياع، وخذ من حياتك قبل موتك، ومن صحتك قبل سقمك، فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدًا). وعن الحسن ﵁ أن النبي ﷺ قال لأصحابه: (كلكم يجب أن يدخل الجنة. قالوا: نعم يا رسول الله، فدانا الله فداك. قال: فاقصروا من الأمل واستحيوا من الله حق الحياء. قالوا: يا رسول الله، لكنا نستحي من الله. قال: أليس ذاك الحياء، ولكن الحياء من الله: أن تذكروا المقابر والبلى والجوف وما وعى، والرأس وما احتوى. ومن يشتهي كرامة الآخرة يدع زينة الدنيا هنالك استحياء العبد من الله، وأصاب ولاية الله) وعن علي ﵁ قال: أخوف ما أخوف عليكم انتياب طول الأمل واتباع الهوى أما طول الأمل فينسى الآخرة، وأما إتباع الهوى فيصد عن الحق أن الدنيا قد أديت مدبرة، والآخرة مقبلة، ولكل واحد منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة. فإن اليوم عمل ولا حساب وغدًا حساب ولا عمل. وعن قتادة ﵁ قال: قال لقمان لابنه: يا بني اعتزل الشر كما يغتر لك، فإن الشر للشر حاق. وعن الحسن ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إياكم ومجالس الطرق، فإن كنتم جالسين لا محالة، فإن عليكم أن تغضوا البصر وأن تعينوا الضعيف وأن تهدوا الطريق وأن تردوا السلام).
وعن ابن مسعود ﵁ قال لابنه وهو يوصيه: ليسعك بيتك، وابل من خطيئتك، واملك عليك إساءة. وعن كعب بن مالك ﵁ قال: وددت أن لي سدادًا من عيش، وأن بيني وبين الناس باب مغلق. وعن بعض أصحاب النبي ﷺ أنه قال: (أعجب الناس إلى منزله، رجل يؤمن بالله ورسوله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعمر ماله ويحفظ دينه). وعن مجاهد ﵁ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: وجدنا خير عيشنا في الصبر. وعن علي ﵁: لا يرجون العبد إلا ربه، لا يخافن إلا دينه، ولا يستحي العالم إذا سئل عن شيء لا يعلمه أن يقول: لا أعلم. ولا
[ ٣ / ٣٩٥ ]
يستحي الذي لا يعلم أن يتعلم. وعليكم بالصبر، فإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، إذا قطع الرأس بان سائر الجسد. إلا أنه لا إيمان لمن لا صبر له. قال: مكتوب في الحكمة، يا بني إياك وشدة الغضب، فإن شدة الغضب منحقة لفؤاد الحكيم.
وعن حارثة بن حكيم أنه قال: حدثني عمر أن أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، علمني شيئًا ينفعني الله به؟ أو قال لعلي أعلى ما بقول. فقال له النبي ﷺ: (لا تغضب) فأعاد عليه مرارًا، يقول النبي: (لا تغضب). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما تعدون الصرعة فيكم؟ قالوا: الذي لا يصرعه الرجال. قال: لا، ولكن الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب).
وفي قصر الأمل قال: سأل عبد الملك بن مروان زر بن حفيش كتابًا يعظه فيه، فكان في آخر كتابه: لا يطعمنك في طول الحياة ما يظهر من صحة بدنك، فأنت أعلم بنفسك واذكر ما تكلم به الأولون:
إذا الرجل ولدت أولادها
وبليت من كبر أجسادها
وجعلت أسقامها يعتادها
تلك زروع قد دنا حصادها
فلما قرأ عبد الملك الكتاب حتى بل طرف ثوبه. صدق زر، صدق زر، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ٣٩٦ ]