وهو باب في مقاربة أهل الدين وموادتهم وإفشاء السلام
جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام). وقوله ﷺ (أفشوا السلام) يحتمل معنيين: أحدهما أظهروه ولا تسره لأنه من آداب الدين وتمائم أدبه الإكرام والتحية، فإذا لم يكن في أسراره عرض صحيح فالجهد والإعلان أولى به وأشبه. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ما حسدتنا اليهود على شيء كما حسدتنا على السلام والتأمين). وفي هذا دليل على أن السلام كان يغش في ذلك الوقت، ولذلك حسدت اليهود عليه لما سمعته ولشدة غيظهم، كادت نفوسهم لا تسمح للنبي ﷺ إذا دخلوا عله فكانوا يعدلون عنه إلى ما توهمه ولا يكون به. فينبغي للمسلمين أن يخالفوهم بالثبات عليه، وإعلانه وإفشائه، ليكتوا بحسدهم ويموتوا بغيظهم إن شاء الله تعالى.
والمعنى الآخر أن لا يخص المسلم بسلامه واحدًا من جماعة يمر بهم، أو يدخل عليهم لمعرفة أو قرابة أو جوار، أو سببًا ما كان. ولكنه يسلم على الجميع وهذا من قولهم للحديث السابع المستفيض، هذا فاشي في الناس مكانه، قال: (أفشوا السلام وذروا فيه الخصوص إلى العموم. وهذا- والله أعلم- لأن الواحد من الجماعة إن كان بينه وبين المسلم سبب خاص فإن بينهم وبين من السبب العام ما هو أعظم وأرفع قدرًا وألزم حقًا من ذلك السبب الخاص، وهو اتفاق الدين. فإذا سلم على الواحد لما بينه وبينه من السبب، وجب أن يسلم على الجميع لما بينه وبينهم مما هو أعظم من ذلك السبب والله أعلم.
[ ٣ / ٣١٤ ]
ومما يدخل في هذا الباب تسليم الناس بعضهم على بعض عند الدخول عليهم، وقد ورد بذلك القرآن، ورويت فيه وفي آدابه وأحواله أخبار. قال الله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾. فيحتمل معنى تستأنسوا: تستبصروا التي يكون دخولكم على بصيرة، فلا يوافق دخولكم الدار حالًا يكره صاحبها أن تطلعوا عليها. وهذا كقوله ﷿ في خبر الفاسق: ﴿فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة﴾. أي لا تعتمدوا خبر الفاسق، واطلبوا البيان من وجه آخر، لئلا تصيبوا قومًا بجهالة فتندموا.
ثم جاء عن قتادة وعكرمة في قوله ﷿ ﴿تستأنسوا﴾ بأن تسلموا على أهلها. وبهذا جاء الخبر. روى أن رسول الله ﷺ زار سعد بن عبادة، فقال: السلام عليكم، فرد سعد السلام، خافضًا به صوته. فقال قيس بن سعد أيأذن له رسول الله فقال: (دعه يكثر علينا من السلام. ثم قال رسول الله ﷺ: السلام عليكم، فرد سعد خافضًا صوته، ولكني أحببت أن يكثر علينا من السلام فرجع معه، فدعا رسول الله ﷺ بغسل فاغتسل، ثم أتى بملحفة مصبوغة بورس وزعفران، فاشتمل بها، ورفع يديه فقال: (اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على آل سعد بن عبادة). وذكر الحديث، وفي رواية أخرى أنه ﷺ كان سلم ثلاثًا ثم انصرف.
ويروى أن أعرابيًا استأذن على النبي ﷺ فقال: ادخل فقال رسول الله ﷺ: (ليأذن أهل البيت مرة فليسلم. فسمعه الأعرابي فسلم، فأذن له). وروى أن امرأة يقال لها ريحانة قالت: قمت على باب عمر ﵁، فقلت: ادخل. فأذن لها بعض أهل البيت. فلما رآني عمر ﵁ قال: ارجعي، فقولي: السلام عليكم، وإذا قالوا: وعليكم، فقولي: ادخل. فهذا على أن صاحب الدار إن رد السلام وقال: ادخل، استغنى عن استئذان آخر وإن اقتصر على الرد احتيج إلى استئذان بعده. ومن أتى باب
[ ٣ / ٣١٥ ]
قوم فليسلم، فإن أذن له فليدخل، وإن صرف فلينصرف، وإن لم يجب فليسلم ثلاثًا، فإن لم يؤذن له فلينصرف، فلا يرد على ثلاث، هذا هو السنة.
روى أبو سعيد الخدري ﵁ وأبو موسى، أن النبي ﷺ قال: (من استأذن ثلاثًا ولم يؤذن له فليرجع). وعن أبي موسى الشعري ﵁ قال: استأذنت على عمر ﵁ ثلاثًا، فلم يأذن لي فرجعت. فلما رجعت بعث في أثري، فقال: ما الذي ردك؟ فقلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع). وعن يزيد بن أسلم ﵁ قال: جئت ابن عمر ﵄، فقتل: ادخل وأنا حينئذ غلام أعرابي، فنشأت مع أبي بالبادية في ماشية، فكأنه عرف صوتي، فنال: ادخل: فقال: يا ابن أخي، إذا جئت فوقفت على الباب فقل: السلام عليكم. فإذا ردوا: عليك السلام. فقل: أدخل. فإن أذنوا لك فادخل وإلا فارجع. فإن كان الذي يريد الدخول ضريرًا، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (قد جعل الاستئذان من أجل البصر) وهذا يدل على أن لم يكن له بصر يبقى، فلا حاجة به إلى الاستئذان. وهذا إذا كان دخوله على رجل فإن أراد الدخول على امرأة، فهو والبصير سواء. دخل ابن أبي مكتوم ﵁ على النبي ﷺ بعدما وضع الحجاب، فقال: رسول الله ﷺ (أفعميا بأن أنتما ألستما تبصرانه). وإذا دعا رجل رجلين يا رسول الله، فجاء فله أن يدخل من غير استئذان.
روى أن رسول الله ﷺ قال: (رسول الرجل أذنه) وعن عبد الله قال: إذا دعوت الرجل فقد أذنت له. والاستئذان مع هذا أحسن، لأن الأحوال قد تتغير. وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (الحق أهل الصفة، فادعهم إلي. فأقبلوا، فاستأذنوا، فأذن لهم فدخلوا) وإن حضر على الباب جماعة، فإنه
[ ٣ / ٣١٦ ]
يروى عن الحسن ﵁ أنه قال: إذا جاء قوم فاستأذن رجل منهم، فقد أذن لهم. وهذا على أن المستأذن قال: يدخل. فقال: نعم، إذا قال ادخلوا. فأما إذا قال: ادخل. فقال: أدخل لم يكن ذلك إذنًا للآخر والله أعلم.
وإذا حضر المسلم باب ذي عهد، فقد روى عن الحسن أنه يقول: أأدخل. وأما بعد الدخول، فقد روي عن قتادة ﵁ أنه يقال: السلام على من اتبع الهدى. وقال ابن عوف: قلت لمحمد يعني ابن سيرين-: كيف تقول إذا دخلت على أهل الكتاب؟ فسكت، ثم قال: إن شئت قلت: السلام على من اتبع الهدى. والأصل في أن المسلم لا يدخل دار المعاهد إلا بإذن، ما روى أن رسول الله ﷺ قال: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت المعاهدين إلا بإذن).
وإذا استأذن الرجل على قوم فقيل: من هذا؟ فيذكر ما يعرف به، ولا يقل: أنا فإن قولة أنا لا تعرفه. وروى عن جابر ﵁ قال: استأذنت على النبي ﷺ في دين كان على أبي، فقال: (من هذا؟ فقلت: أنا فقال: أنا أنا) فكأنه كره ذلك. وروى عن بعض السلف أنه قال: إن قال: أنا أنا والدق واحد. وأما من يدخل بيته فإن الزهري وقتادة قالا في قول الله ﷿ ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم﴾ قال: إذا دخلت على أهلك فسلك، فقل: السلام عليكم تحية من عند الله مباركة طيبة. فإن لم يكن في البيت أحد: فقل: السلام علينا من ربنا. وقال إبراهيم في قوله ﷿: ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم﴾ قال: إذا دخلتم بيتًا ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وروى عن ابن عمر ﵄، أنه كان يقول ذلك إذا دخل بيتًا ليس فيه أحد. وقال جابر بن عبد الله رضي الله: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة. ومن دخل المسجد فإنه يروى عن ابن عباس ﵄ في قوله ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم﴾ قال: هو المسجد إذا دخلته، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وعن إبراهيم قال: إذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله.
[ ٣ / ٣١٧ ]
ومما جاء في إفشاء السلام وفضله، قال رسول الله ﷺ: (لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام). وقال مجاهد في قوله ﷿ ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ قال: يقول: السلام عليكم. وقال أبو بكر الصديق ﵁: السلام أمان من الله في الأرض. وقال معاذ ﵀: ما من مسلمين يلتقيان، يسلم كل واحد مهما على صاحبه ويأخذه بيده، إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: إن السلام اسم من أسماء الله فأفشوه بينكم، فإن الرجل إذا سلم على الرجل كتبت له عشر حسنات، فإن رد عليه كتبت له مثلها. وكان للبادئ درجة. فإن سلم على قوم جميعًا فردوا عليه، كتبت لكل رجل منهم عشر حسنات، فإن ردوا عليه، وإلا رد من هو خير منهم.
قال أبو هريرة ﵁: إذا سلم الرجل على قوم فلم يردوا عليه ردته الملائكة. وقال الحسن: السلام تطوع والرد فرض.
وفي من أحق بالسلام: جاء رسول الله ﷺ في أحاديث متفرقة، يسلم الفارس على الماشي، والماشي على القائم، والأقل على الأكثر. وصاحب البعير على صاحب الحمار، فمن أجاب السلام كان له، ومن لم يجب فلا شيء له.
وفي فضل من يبدأ بالسلام: قال رسول الله ﷺ: (من بدأ بالسلام فهو أولى بالله ورسوله). وروى أن ابن عمر ﵄، كان قل ما يسبقه أحد بالسلام، وكان إذا رد قال مثل ما قال الرجل: السلام عليكم.
وفي تخصيص الواحد من الجماعة السلام: قال خرج ابن مسعود ﵁ في رجال، فلقي رجلًا فسلم على ابن مسعود. فقال ابن مسعود: أن من أشراط الساعة أن يجني على المعرفة، وهو الرجل في المسجد لا يركع لله فيه ركعة، ويتطاول العراة الحفاة دعاء الشاة في بيوت، ويسبوا الشيخ وتداس الخافقين للغلام.
[ ٣ / ٣١٨ ]
وفي الراكب والماشي إذا التقيا: فلا ينبغي الماشي أن يبدأ الراكب بالسلام، ولا القاعد على المار، لما روى أن عمر بن الخطاب ﵁ مر على عثمان وهو جالس، فبدأه عثمان بالسلام، فقال له عمر: يا أبا عمر، ولم تنكس السنة، أنا كنت أحق أن أسلم عليك، إنما يسلم المار على الممرور عليه. فإن بخل الراكب فالماشي بالخفاء. فقد روي عن الحسن ﵁ أن رجلًا سأله فقال: يمر بي الراكب فلا يسلم علي، أأسلم عليه؟ قال: نعم، إن بخل بالسلام فسلم عليه، وعن الشعبي ﵁ أنه لقي راكبًا فسلم عليه. وقال: إن شريحًا كان يفعل ذلك في السلام على قرب العهد قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يسافرون، فتحول بينهم الشجرة، فإذا التقيا سلم أحدهما على صاحبه. في الأسماع قال ابن عمر ﵄: إذا سلمت فأسمع فإنها تحية من عند الله مباركة طيبة.
في التخصيص: كان ابن سيرين ﵁ يكره أن يقول: السلام عليك حتى يقول: السلام عليكم. ورأى عبد المؤمن العبدي رجلًا مع مسلم بن يسار، فقال: السلام عليك. فنهاه مسلم عن ذلك. فقال: إني عرفته. فقال مسلم: ليس في نفسي أن معه حفظة ولكن قل: السلام عليكم. وقال إبراهيم: إذا سلمت فلا تخص، وإذا رددت فلا تخص، وإذا سمعت فلا تخص.
في كيفية السلام وكيفية الرد: روى أبو تميمة العجيمي عن رجل من قومه قال: طلبت النبي ﷺ فوجدته يصلح بين قوم، فلما قام معه بعضهم فقال: يا رسول الله، فلما رأيت ذلك، قلت: عليك السلام يا رسول الله ثلاثًا. فقال: (إن عليك السلام تحية الميت، إن عليك السلام تحية الميت، إن عليك السلام تحية الميت. ثم أقبل علي فقال: وعليك ورحمة الله، وعليك ورحمة الله). وقال عطاء: قام علينا ابن عباس، فسلم علينا، فقلت: وعليك ورحمة الله وبركاته ومغفرته. فقال: من هذا؟ فقال: عطاء بن أبي رباح. قال فأتاه إلى مكانه، ثم تلا: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، إنه حميد مجيد﴾.
[ ٣ / ٣١٩ ]
في الجماعة إذا سلم أحدهم أو رد: قال النبي ﷺ: يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير. وإذا مر بقوم فسلم منهم واحد أجزى عنهم، وإذا رد من الآخرين واحد منهم أجزى عنهم). في موقف المسلم قال رسول الله ﷺ لسعد بن عبادة﵁ وقد استأذن مستقبل الباب: (لا تستأذن وأنت مستقبل الباب) وأمره أن يستأذن وهو غير مستقبل الباب.
في السلام عند الخروج: قال رسول الله ﷺ: (إذا دخلتم بيتًا فسلموا على أهله، وإذا خرجتم فادعوا أهله السلام). وعنه ﷺ قال: (إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس. وإن قام عنهم فليسلم الأولى بأوجب من الآخرة). وعنه ﷺ: (من قصد فليسلم، من قام فليسلم. ثم قام رجل ولم يسلم، فقال له رسول الله: ما أسرع ما نسي هذا).
في التسليم على المشرك والرد عليهم: قال النبي ﷺ لأصحابه: (إني راكب غدًا إلى يهود، فلا تبدأوهم بالسلام، فإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم).
روى الحديث أبو نصرة العفاري. وقال أنس ﵁: نهينا، أو أمرنا أن لا نزيد أهل الكتاب على عليكم في مقابلة أهل الكتاب. قال عمر ﵁: سموهم ولا تكنوهم، وأذلوهم ولا تظلموهم- يعني أهل العهد-.
في رد السلام على المشرك إذا عرف إسلامه: قال أبو بردة: كتب رجل من المشركين إلى النبي ﷺ، فكتب في أسفل كتابه: سلام عليك فأمر النبي الكاتب أن يرد ﵇ في الكتاب.
[ ٣ / ٣٢٠ ]
كتب النبي ﷺ إلى قيصر: (السلام على من اتبع الهدى) وبذلك جاء القرآن في استرجاع السلام. قال: سلم ابن عمر ﵄ على رجل فقالوا: إنه كافر. فقال: رد لي ما سلمت عليك: قال: فرد عليه فقال: أكثر الله مالك. والتفت إلى أصحابه فقال: هو أكثر المحرمة مع استرجاع السلام إن أسلم عليه فإذا قال: رددت إسلامك، لم يستجب فيه سلام المسلم. فإن رجلًا لو قال لآخر: غفر الله لك فقال: لا أريد دعاءك. أو قال: لا غفر الله لي بدعائك، أو لا أجاب الله دعاءك. لم ينتفع بدعاء من دعا له كما لو دعا لنفسه بخير ثم كرهه، فقال: اللهم لا تفعل ذلك بي. أو اللهم اردد دعائي. أو قال: رجعت في دعائي. لم ينتفع بما قدم من الدعاء، فيصير المسلم كأن لم يسلم حين يطلب على من سلم عليه فائدة دعائه. وإن استرجع المسلم سلامه فلم يرجعه المسلم عليه وضربه فله ذلك. لأنه يرجو خيره وبركته. وفي الرد جزاؤه على الله. فلا يجبر أحد عليها.
وإن رجع المسلم من سلامه من غير أن يسترجعه من المسلم عليه، وقد تعمد السلام عليه لم يبطل بذلك سلامة وإن كان سلم عليه غلطًا فرجع في سلامه بطل سلامه. وإنما قال ابن عمر ﵄ للكافر الذي سلم عليه ولم يعرفه أردد سلامي. ليصغره بذلك كما أكرمه وأعزه بالسلام أولًا. لأن سلامه عليه كن لا يبطل باعتذاره إلى الله تعالى من ابتدائه بالسلام، وسؤاله أن لا يسلم عليه ولا يجيبه، والله أعلم.
وفي التسليم على النساء: قال رسول الله ﷺ في المسجد يومًا وعصبة من النساء قعود، فأومأ يده إليهن بالسلام. ومعنى هذا- والله أعلم- أنه سلم عليهن إشارة ولم يتكلم. ولعل ذلك ليرددن إشارة، ولا يتكلمن في المسجد، فتسمع أصواتهن. ورأى عطاء وقتادة: التسليم على القواعد دون الشواب. وسئل الحسن ﵁ عن ذلك فقال: طأطئ برأسك وامضه. فأما المحارم فإنهم يسلمون، وليس التسليم عليهن بأكثر من الخلوة بهن. فقد يحتمل أن يقال: أن النبي ﷺ لم يكن يخشى الفتنة، فلذلك سلم عليهن كما قيل وهو صائم، فقالت عائشة ﵂ كان أملككم لأدائه، فمن وثق من
[ ٣ / ٣٢١ ]
نفسه بالتماسك فليسلم، ومن لم يأمن نفسه فلا يسلم، فإن الحديث ربما جر بعضه بعضًا والصمت أسلم.
وفي التسليم على الصبيان: قال أنس ﵁: مر بنا رسول الله ﷺ ونحن صبيان نلعب فسلم علينا، فدعاني فأرسلني لحاجة. وعن أنس ﵁ أنه مر على صبيان فسلم عليهم. وحدث أن رسول الله ﷺ مر على صبيان فسلم عليهم وهو معه. وكان ابن عمر يخرج إلى السوق فلا يمر بصغير ولا كبير إلا سلم عليه: السلام عليكم السلام عليكم.
متى يسلم صاحب المجلس إذا دخل، قال: كان أبو قتادة ﵁ لا يسلم حتى يدنو مجلسه الذي يجلس فيه ويقول: ذكر لي أن الرجل إذا سلم ثم جلس استغفرت له الملائكة أو قال: صلت عليه الملائكة، ثم يقول أو يحدث. وإذا أرسل رجل إلى رجل سلامه فعليه أن يرده كما يرد عليه إذا ساقه. قال النبي ﷺ لعائشة ﵂: (هذا جبريل يقرأ عليك السلام، فقالت: عليك وعليه السلام ورحمة الله وبركاته) وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي يقرئك السلام، فقال: (عليك وعلى أبيك السلام). والسلام على الأمير، أن يقال له: السلام عليك أيها الأمير وكان يقال للنبي ﷺ: السلام عليك يا رسول الله. وإذا سقط التعميم، ها هنا الحاجة إلى الاعتراف للمسلم عليه بحاله ومكانته، وهي للنبي ﷺ الرسالة. ولولاة الأمر من بعده الإمارة.
وإذا قال الرجل لأخيه: حياك الله، فإن قاله في غير موضع السلام فلا بأس، فكأنه قال له: عمرك الله، وأبقاك الله. وإن قاله في موضع السلام فليقل حياك الله بالسلام. فإن الله ﷿ قال فيما ذم به الكفار: ﴿وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله﴾. أي أن الله حياك بالسلام وهم يقولون غيره. وجاء عن الشعبي ﵁ أنه كثير ما كان يقول للذين يأتونه: حياك الله بالسلام. وإذا دخل على رجل فلا يريدن منه القيام له من مقامه حتى إن لم يفعل خبر عليه أو شكاه أو عاتبه. فإنه يروى عن عبادة بن
[ ٣ / ٣٢٢ ]
الصامت قال: جاء رسول الله ﷺ فقال أبو بكر ﵁: قوموا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق- يعني ابن أبي سلول- فقال رسول الله ﷺ: (إنه لا يقام لي إنما يقام لله) يحتمل أن يكون أراد قول الله ﷿ ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ وقيام المسلمين لله ﷿ في الصلاة. ويحتمل أن يكون لم ينكر القيام، وإنما أنكر غرضهم، أي إذا قمتم إلى تريدون حكم الله، فلا تستشعرون أن قيامكم إلي، واعلموا أن قيامكم إلى الله تعالى إذ كان حكمه هو الذي تبغون وأنه لأجله تقومون.
وجاء عنه ﷺ أنه قال: (لا تقوموا عند رأسي كما تقوم الأعاجم على رؤوس أكاسرتها). وجاء عنه ﷺ أنه قال: (من سره أن يقوم له الرجال صفوفًا فليتبوأ مقعده من النار). وجاء عن أصحابه قال: لم يكن وجه أكرم من وجه رسول الله ﷺ وما كانوا يقومون إذا رأوا إلى ما يعرفونه من كراهته.
في أهل الخيام والحوانيت: قال ابن عون: كنا مع مجاهد بالكوفة، فإذا خيام متقابلة، فقال: كان ابن عمر ﵄ يستأذن في مثل هذه يقول: السلام عليكم، ألج، ثم يلج. كما هو قبل أن يؤذن له. ويحتمل أنه كان يستأذن استطابة لنفس صاحب الخيمة التاجر، ولو رأى أن عليه استئذانًا لمريض حتى يؤذن له. وقال الشعبي ﵀، إذا فتح بابه وأخرج بره فقد أذن لك.
وجاء عن ابن عمر ﵄ أنه كان لا يلج طلال أهل السوق حتى يستأذن وهذا جعل السوق بمنزلة البيت لأهله، إذا لم يكن فيها ممر. فإن كان فيها ممر فهي كسائر الطرق. ولا معنى فيها للاستئذان والله أعلم.
ومن وجوه المقاربة والمواصلة: إطعام الطعام، وهو مذكور في الحديث الذي رويناه، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المراد به الضيافة، كان الموسعون
[ ٣ / ٣٢٣ ]
يدنون إلى أن لا ينفردوا بالطعام، بل يجتمعون عليه في أكثر الأوقات، لأن ذلك في جميعها لعلة لا يعرف ويتعذر، فإنهم إذا فعلوا ذلك تحابوا وتآلفوا وفعلت قلوبهم من الأمن وكانوا لنفس واحدة. فإن جرت الدعوة بهم لم يتفرقوا ولم يخذل بعضهم بعضًا، وكانوا يدًا واحدة على استقبال الأمر فيه بواحدة. وهذا أعظم الفوائد، فما دعا إليه وحرك عليه حرض أن يكون مستحبًا، والنوب إليه واقعًا، والله أعلم.
والوجه الآخر أن يكون المراد به إطعام المجاويع من أهل الملة، والبدأة فيه بذي القربى. قال الله ﷿: ﴿فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة، فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسبغة، يتيمًا ذا مقربة أو مسكينًا ذا متربة﴾. وأثنى جل ثناؤه على أقوام آثروا على أنفسهم غيرهم بطعامهم، وهم محتاجون إليه. فقال: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا. إنما نطعمه لوجه الله، لا نريد منكم جزاء ولا شكورًا. إنا نخاف من ربنا يومًا عبوسًا قمطريرًا﴾. ثم أخبر ﷿ أنه قبل منهم ما تقربوا به إليه. وأمنهم بما خافوه، فقال: ﴿فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورًا، وجزاهم بما صبروا جنة وحريرًا﴾ الآيات إلى آخرها.
فدل ذلك على فضل الإطعام لوجه الله تعالى. ويدل عليه أيضًا أن الله تعالى جعله كفارة وفدية للنفوس وعدله بتحرير الرقبة التي جاء الخبر فيه، بأن من أعتق النسمة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه (من) النار.
فقال في كفار اليمين: فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة. وإقامة في سائر الكفارات مقام الصيام الذي هو بدل العتق، وشرع في زكاة الفطر الإطعام. وأقام الإطعام لمن لا يستطيع صيام شهر رمضان مقام الصيام، فدل ذلك على أنه من أعلى ما يتقرب به إلى الله ﷿.
وفي الباب، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان) وبالله التوفيق. ويدخل في هذا الباب ما قاله أبو هريرة ﵁: إذا قرب إليك المسلم طعامًا فكله ولا تسأله عنه. وإذا قرب إليك شرابًا فاشربه ولا تسأله عنه.
[ ٣ / ٣٢٤ ]
وفي مقاربة أهل الدين، قال رسول الله ﷺ: (أطعموا الطعام وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله).
ومما جاء في تواصل المسلمين قوله ﷺ: (مثل المؤمنين في توادهم وتبارهم وتراحمهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه شيء تداعى له الجسد بالسهر والحمى). ومما جاء في مقاربة أهل الدين قول ابن عمر ﵄: ليست المعرفة أن تعرف وجه أخيك، ولكن المعرفة أن تعرفه واسمه واسم أبيه ومنزله، فإن مرض عدته، وإن غاب سلمت عليه، وإن مات مشيت مع جنازته. وفي مقاربة أهل الدين سأل رسول الله ﷺ: أي الإسلام خير؟ قال: (تطعم الطعام وتقرأ السلام من عرفت ومن لم تعرف).
وقيل في مقاربة أهل الملة، عن محمد بن علي قال: ألقيت لعلي ﵁ وسادة فجلس عليها وقال: لا تأتي الكرامة إلا الخمار. وقال النبي ﷺ: (إذا رأى أحدكم القوم، فأوسع له أخوه فليقعد، فإنها كرامة أكرمه الله بها).
ولا ينبغي لأحد أن يجلس وسط الحلقة، فإن أبا مخلد روى أن رجلًا قد وسط الحلقة، فقال حذيفة ﵁: ملعون على لسان محمد، أو لعن الله على لسان محمد ﷺ من قعد وسط الحلقة.
* * *
[ ٣ / ٣٢٥ ]