وهو باب في الصلاة
وليس في العبادات بعد الإيمان الدافع للكفر عبادة، سماها الله ﷿، إيمانًا، وسمى رسول الله ﷺ تركها كفرًا إلا الصلاة. فإن الله ﷿ لما حول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وأهم المسلمين أمر الصلاة التي صلوها إلى بيت المقدس، أنزل قوله ﷿:﴾ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴿. يعني تلك الصلوات. وقال النبي ﷺ (بيننا وبينكم الصلاة، من تركها فقد كفر).
ولدت الدلائل وراء ذلك على أنها أعظم العبادات قدرًا وأعظمها حكمًا. فمنها، أنها تكرير الإيمان من وجوه:
أحدها أنه لابد فيها من الشهادتين اللتين بهما ظاهر الإيمان، ولا تصلح الصلاة إلا بهما، على أنهما يتكرر أن في بعض الصلوات نقلًا مرة وتمرنًا أخرى، ولا تكرار لهما في صلب الإيمان.
ومنها أن لا ينعقد الإيمان إلا بتسمية الله تعالى، وهو أن يقال: الله أكبر، كما لا ينعقد الإيمان إلا بتسمية الله توحيده، وهو أن يقال: لا إله إلا الله، وتتعلق صحتها بقراءة القرآن الذي هو حجة الرسول ﷺ ومعجزته فتقوم مقام الشهادة بنبوته ورسالته في صلب الإيمان.
ومنها أن أفعالها أفعال متعينة للتعظيم في العادات كالقيام والركوع والسجود والجثو
[ ٢ / ٢٨٨ ]
على الركب، تدل من الفاعل على أنه يزيد بها معظمًا يقصده بقلبه ثم تتعلق صحة ذلك التوجه نحو جهة مخصوصة لا يتعلق التعظيم في العادات بهما. إلا أن الرسول المعظم المقصود هدى إليها وأمر بها، فتقوم تلك الأفعال مقام الشهادة بالله وبوحدانيته. ويقوم التوجه نحو الجهة المخصوصة بقول النبي ﷺ مقام الشهادة بنبوته. فتصير الصلاة من هذه الأوجه الثلاثة كالإيمان المطلق، ويجب لها بذلك أن تكون أعظم العبادات قدرًا، وأسناها منزلة. ويؤكد ما قلنا أن اسم الصلاة في اللسان موضوع للتعظيم، لأن الصلاة شرط التطهير. فإذا قيل: صلي قائمًا، يراد حتى صلبه لفلان قائمًا، يراد تواضع له بأن حني له صلبه فسميت هذه العبادة صلاة، لأنه لا جهة من جهات التعظيم من حني الصلب وغيره، إلا وقد اجتمعت فيها. فإن الواحد من الناس إذا دخل على معظم منهم وأراد توقيره والتواضع له لم يحز من وجوده: إما أن يمثل بين يديه، وهذا موجود في الصلاة، لأن فيها قيامًا، أو يتخفى لوجهه إذا رآه، وهذا موجود في الصلاة، لأن فيها ركوعًا أو يجثو له على وجهه، وهذا في الصلاة موجود، لأن فيها سجودًا أو يجثو بين يديه وعلى ركبتيه، وهذا في الصلاة موجود، لأن فيها قعودًا. أو يثني عليه ويمدحه ويدعوه بأسمائه الشريفة الكريمة عنده ليظهر له أنه غير مستغن عنه. وهذا موجود في الصلاة، لأن فيها إذكاء وثناء، أو يتصاغر له برفع حوائجه إليه، ويظهر له أنه غير مستغن عنه، وهذا موجود في الصلاة، لأن فيها دعاء، وأفضل الدعاء ما كان في الصلاة أو يتقرب إليه بقراءة كتابة وعهده وولوعه به وصرف الهمم إلى تحفظه، وهذا في الصلاة موجود لأن فيها قراءة القرآن أو تعظيمه بأن يلزم قصده ولا يعرض عنه، ولا يلتوي ولا يلتفت. وهذا في الصلاة موجود، لأن المصلي يلزم قصد الجهة التي ولاه الله إليها ولا يلتفت أو تعظيمه بأن لا يكلم أحدًا سواه بين يديه، ولا يشتغل إلا به. وهذا في الصلاة موجود لأن كلام الناس فيها محظور ممنوع. ويتقرب إليه بأن لا يراه إلا وهو متطهر متنظف لابس، ولا يعص منه بأن يتقدم إليه على أي حال كانت مستفتحة أو مستحسنة. وهذا في الصلاة موجود لأن من شرطها الطهارة وستر العورة.
فهذه جهات التعظيم، ولا تعرف في العبادات عبادة جمعت منها ما جمعت الصلاة، فاستحقت بذلك أن تسمى بهذا الاسم، وتدعى قرينة الإيمان أو ثانيته وبالله التوفيق.
ومن الدلائل التي ذكرتها أن النبي ﷺ جل إقامتها من أسباب حقن الدم، وإن
[ ٢ / ٢٨٩ ]
كان تركها لا يضر إلا تاركها، كما جعل الشهادتين حاقنتين للدم، وأن حبسهما. لا يضر إلا حابسهما. فقال النبي ﷺ (إني منعت عن قتل المسلمين) وقال الذي جاءه فسافر في قتل رجل، قال: (أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: بلى ولكن لا تشاهد له قال: أليس يصلي؟ قال: بلى، ولكن لا صلاة له. فقال: أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم) فدل بذلك على أن لا قام الصلاة من الحظ في العصمة ما لشهادة الحق، وليس هذا الشيء من العبادات سوى الصلاة.
ومنها أن الصلاة أشغل العبادات للزمان بعد الإيمان، لأنها تتكرر في كل يوم وليلة خمس مرات، ومعها من السنن المذكورة، والنوافل المستحبة ليلًا ونهارًا ما يستغرق نحوًا من شطر الزمان. فإن صلاة الضحى إذا ضمت إلى المكتوبات المرادة على أفضل جهات التمام مع السنن المندوب إليها، ولزوم الذكر بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، ولزومه بعد العصر حتى تغرب الشمس. وصلاة التهجد في نحو من ثلثي الليل لم تشكل أن زمان الصلاة يكون نحوًا من زمان التجلي عنها، فيصير ذلك دليلًا على غلظ حق الصلاة، وأنه لو أمكن العبد أن لا يخلو منها، لما كان من حقه أن لا يخلو، كما أنه أمكنه أن يستديم الإيمان فلا ينفك منه لم يجعل له أن يخلو منه، لما كان من حقه أن يخلو. كما أنه لو أمكنه أن يستديم الإيمان إلى زمن، ولكن استغراق الأزمان كلها بالصلاة لما كان غير ممكن كان شغل شطرها فيها ممكنًا أمر بذلك فرضًا وندبًا، ويبين ما وضعت أن الزمان كله محتمل الصلاة إلا الأوقات المستثناة التي تذكر بعدها إن شاء الله. وتلك أوقات يسيرة من أزمان كثيرة، فبان أن القصد وقع على أن يكون التعبد بالصلاة مستمرًا في أكثر الأوقات. وإلى هذا وفقت الإشارة بقول الله ﷿: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ﴿وقوله ﷿:﴾ ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلًا طويلًا ﴿. وقوله:﴾ قم الليل إلا قليلًا ﴿إلى قوله ﴿سبحًا طويلا﴾.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وجاء أن داود ﵇ كان جرى على أهل بيته الصلاة، فلم تكن ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان قائم من آل داود يصلي. وليس ذلك لعبادة سواها، وكان ذلك مما يدل على غلظها وعظم قدرها. ومنها أنها لا تسقط بالأعذار ولا تنزل إلى الإبدال، ولا تجري فيها الغاية، فإنها غير مرفوعة عن مخاطب مكلف على سبيل الترفيه عنه، ولكن كل أحد مأمور أن يصليها ولا يؤخرها عن وقتها، صحيحًا كان أم مريضًا، آمنًا كان أو خائفًا، مقاتلًا كان أو غير مقاتل، حتى الذي مر بها الطلق، وحتى المربوط على خشبة، كل هؤلاء مأمورون بالصلاة على ما يمكنهم ويقدرون عليه، ويليق بأحوالهم. لا يحل بأحد منهم تأخيرها عن وقتها، ولا يقبل من أحد عنها فدية، ولا يجوز عنه من غيره نيابة. وليس هذا الشيء من العبادات بعد الإيمان، فدل ذلك على دنو منزلتها من الإيمان، وفضلها بذلك على غيرها.
ومنها أنه ليس في العبادات التابعة للإيمان عبادة تشتمل على أذكار وأفعال سوى الصلاة. ومعلوم أن كل واحد منهما يصلح للتقرب به إلى الله ﷿. فإن قيل: فالإيمان نفسه ليس إلا الذكر. فقولوا: إن الصلاة بجمعها بين الأذكار والأفعال أفضل منه.
قيل: هذا غلط، لأن الإيمان جامع بين الأذكار والأفعال، وأحد أفعالها الصلاة التي نحن في ذكرها، فكيف يلزمنا أن نفضلها على الإيمان؟
فإن قيل: الدافع منه للكفر لا يحتاج إلى الصلاة: قيل: الدافع للكفر هو الذي جعلت الصلاة من شعبه وأركانه، ولكن دفع الكفر به بعجل قبل وجوب الصلاة. وذلك لا يخرج الصلاة من أن يكون من أركانها، كما أن النية والتكبير ينقلان عن لا صلاة إلى الصلاة، وذلك لا يدل على أن ما وراء التكبير ليس بصلاة والله أعلم.
ومنها أن شيئًا من العبادات لا يقتضي من كثرة الشرائط ما تقتضيه الصلاة، قول ذلك على أن غلظ حكمها وعظم قدرها. فإن ألزمنا على هذا الإيمان كان الجواب عنه كالجواب عن الذي قبله.
ومنها أن الصلاة من جنس عبادة الملائكة، فإنهم موصوفون بالقيام وبالركوع وبالسجود. قد جاءت الأخبار بذلك عنهم والبيان للذكر، ومعلوم أن الصيام والزكاة
[ ٢ / ٢٩١ ]
ليسا لائقين بالملائكة، ولا الإحرام بالحج ولا العمرة، لأنهم ليسوا من أهل الأشياء التي تحرم على المؤمنين من بني آدم، فيليق لذلك أن يوصفوا بأنها حرمت عليهم. وإن كان شيء من عمل الحج يليق بهم فالطواف، والطواف صلاة، فصح أن الصلاة أشرف العبادات وأفضها والله أعلم.
وبحسب ما ذكرت من منزلة الصلاة من سائر العبادات جرى ذكرها من الله ﵎ والدلالة من رسول الله ﷺ. فإن الله ﷿ اسمه ما ذكر الصلاة مع غيرها إلا قدم الصلاة عليه فقال:﴾ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ﴿. وقال:﴾ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴿. وقال:﴾ والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ﴿. وقال:﴾ يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر، قالوا: لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين ﴿. إلى غير ذلك من الآيات التي تكثر على العد وقد ذكر الله ﷿ الإيمان والصلاة، ولم يذكر معهما غيرهما، دلالة بذلك على اختصاص الصلاة بالإيمان والتزامها به. فقال:﴾ فلا صدق ولا صلى ﴿. أي فلا هو صدق رسول الله ﷺ فآمن به، ولا صلى لأنه إذا لم يصدق بالرسالة كانت الصلاة إحدى الرسالات لم يصل. وقال:﴾ وإذا قيل لهم اركعوا، لا يركعون فبأي حديث بعده يؤمنون ﴿. فوبخهم على ترك الصلاة كما وبخهم على ترك الإيمان. وقد ذكر ﷿ الصلاة وحدها بذلك، دلالة بذلك على أنها عماد الدين، فذكر الأنبياء والمتقين ومدحهم بأنهم كانوا﴾ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وبكيًا ﴿. ثم ذكر من خالف هداهم فذمهم فقال:﴾ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ﴿. فقد مدحهم حين مدحهم على الصلاة أو ما يجري مجرى الصلاة من السجود. وقصر ذنبهم على ترك الصلاة، ثم أخبر بما يؤذيهم إليه من سوء العاقبة فقال: ﴿فسوف يلقون غيًا﴾.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
يعني -والله أعلم- لا يرشدهم أمرهم مع إضاعة الصلاة، ولكنهم يقرون، فلا يزالون يقعون في فساد بعد فساد، كمن يضل الطريق، فلا يزال يقع في مهلكة بعد بعد مهلكة إلا أن ينقطع به فيبيد، فدل ذلك على عظم قدر الصلاة وجلال موقعها من العبادات والله أعلم.
وأما النبي ﷺ، فقد روي عنه أنه قال: (مثل الصلوات الخمس كمثل نهر عذب يجري على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، فماذا يبقى عليه من الذنوب). وقال: (الجمعة إلى الجمعة والصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنب الكبائر). وقال: (إذا توضأ الرجل وأحسن الوضوء ثم أتى إلى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع بها درجة أو حط عنه بها خطيئة، والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى عليه، اللهم صل عليه، اللهم ارحمه ما لم يحدث، ما لم يؤدي فيه أحد). فأبان ﷺ بما قال عظم قدر الصلاة وارتابها على سائر العبادات ثم بين ذلك نصًا، فإنه سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: (الصلاة لوقتها). وقال: (خير أعمالكم الصلاة). وقال: (الصلاة نور المؤمن). وهذا على معنى أنه أحسن ما يظهر منه.
وجاء عنه ﷺ قال: (ما أذن الله لعبد في شيء أفضل من ركعتين يصليهما، وإن البر ليذر على رأس العبد ما دام في صلاته). ودل ﷺ عظم قدر الصلاة بقوله: (إن أول ما افترض على هذه الأمة من دينهم الصلاة، وآخر ما يبقي من دينهم الصلاة، وأول ما يحاسبون به الصلاة، يقول: انظروا في صلاة عبدي، فإن كانت تامة
[ ٢ / ٢٩٣ ]
حسبت له تامة، وإن كانت ناقصة، فإن كان له تطوع زيد في فريضته ثم تستقر الأعمال على ذلك).
وقال لمعاذ بن جبل: (سأنبثك برأس الأمر، وعموده رأس الإسلام، وعموده الصلاة) وجاء عن كعب ﵁ قال: اختار الله البلاد، فأحب البلاد إلى الله البلد الحرام واختار الزمان فأحب الزمان إلى الله الأشهر الحرم، وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة وأحب ذو الحجة إلى الله العشر الأول. واختار الله الأيام، فأحب الأيام إلى الله يوم الجمعة واختار الله الليالي فأحب الليالي إلى الله ليلة القدر. واختار الله الساعات، فأحب ساعات الليل والنهار ساعات الصلوات المكتوبات. واختار الله الكلام، فأحب الكلام إلى الله، لا إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله والحمد لله. وفي بعض الحديث، إن الملائكة يأتون أهل الجنة في أوقات صلواتهم، فيسلمون عليهم، وإن كرامة الله تعالى لأهل الجنة تكون بمقادير صلواتهم وفي أوقات صلواتهم. وهذا أيضًا مما يميز الصلاة عن سائر العبادات ويبين فخامة أمرها وعظم قدرها. وجاء عن النبي ﷺ: (كان إذا حزبه أم فزع إلى الصلاة).
وعن علي كرم الله وجهه قال: لقد رأينا ليله القدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله ﷺ يصلي ويدعو حتى أصبح، وكذلك روى عنه ﷺ في ليلة الخندق أنه قام فصلى هونًا من الليل حتى أتاه الخبر بانصراف الناس. وروي عنه أنه كان إذا رأى بأهله ضيقًا وشدة أمرهم بالصلاة لقول الله ﷿:﴾ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ﴿. وروي أن موسى صلوات الله عليه وسلم لما بلغ البحر ودنا فرعون من بني إسرائيل فزع لأن البحر كان أمامه، وفرعون بجنوده خلفه، فقام إلى الصلاة، وكانت الكرب العظام تكشف عن الأولين بالصلاة، فما زال يدعو ويتضرع إلى الله ﷿ حتى أوحى إليه:﴾ أن اضرب بعصام البحر ﴿. فضربه فانفلق. وجاء عن النبي ﷺ: (إن الله
[ ٢ / ٢٩٤ ]
حرم على النار أن تأكل من بني آدم أثر السجود) يريد بذلك أن من أهل النار من المؤمنين لم تحرق النار مواضع السجود إذا صلوا منهم. فثبت بجميع ما ذكرنا وبغيره مما لم يذكره موقع هذه العبادة من بين العبادات، وما كان الله بهذه المنزلة فواجب على العبد أن يشكر الله تعالى على هدايته له أولًا، ويسأله التوفيق للاستكثار منه ثانيًا، ويبذل المجهود من نفسه ثالثًا، والله عز اسمه يرغب في تيسير ذلك لنا. أن مفاتيح الخير بيده، وما النصر والمعونة إلا من عند الله، وهو الولي الحميد.
فصل
وإذا ظهر عظم قدر الصلاة، فالصلاة تنقسم إلى قرآن وسنن معلومة وتطوع موكول إلى اختيار العبد لنفسه. والفرائض كلها إلى الأعيان - إلا صلاة الجنازة، فإنها من فروض الكفاية وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر. وقد ذكرهن الله تعالى مجملة ومفصلة. أما المجمل فقوله:﴾ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل ﴿. وكلتاهما بني الآيتين في هذا المعنى من المعجز العظيم البين إعجازه. فأما المفصل، فما روى نافع بن الأزرق قال: سألت ابن عباس ﵁: هل تجد في كتاب الله الصلوات الخمس؟ قال: نعم،﴾ فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ﴿وله الحمد في السموات والأرض وعشيًا العصر،﴾ وحين تظهرون ﴿الظهر. ثم قرأ:﴾ ومن بعد صلاة العشاء ﴿يعني العتمة. وجملتها سبع عشرة ركعة، ومعها من السنن ما قال ابن عمر ﵄: حفظت عن رسول الله ﷺ ركعتين قبل الفجر، وركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء. وذكر إن لم يكن يدعها. ويلتحق بهذه الجملة الركعات بعد الطواف والركعتان بعد دخول المسجد. وورائها صلوات مسبوقة بأنفسها وليست تابعة لغيرها كصلاة العيدين والاستسقاء والخسوف وقيام شهر رمضان، فإن ﷺ قال: (إن الله فرض عليكم صيام هذا الشهر وسننت
[ ٢ / ٢٩٥ ]
لكم قيامه) فأبان أن قيام شهر رمضان سنة. وأما قيام غيره من ليالي السنة فإنه رغب فيه جملة، ولم يطلق عليه اسم السنة، فهو إذًا من جملة التطوع كصلاة الضحى بالنهار، وصلوات التسبيح والأربع الركعات بعد الزوال، فإنه ذكر أن أبواب السماء تفتح في ذلك الوقت وسيجاب الدعاء. وأما الوتر، فإن النبي ﷺ قال: (إن الله زاد كم صلاة وهي الوتر فصلوها بين العشاء والفجر) ومعنى ذلك عندنا: أنها زيدت على سنة العشاء المعني وهو أن المغرب وإن كانت توتر العشاء كما توتر سائر المكتوبات، فإنها متقدمة على العشاء، وبالنية لغيرها. فزيدت هذه الوتر بعد العشاء لتؤكد ما أوجبته المغرب من إيثارها. وتضاهي العشاء بذلك سائر الصلوات لمن يصلي الفرض وحده، ثم تدركه في جماعة فيصليه معهم.
وإن كان الفرض ساقطًا عنهم ليصير كأنه أدى الفرض في جماعة ولهذا المعنى تعلقت صحتها بفعل العشاء الآخرة، ولم يجز تقديمها عليها فهي من سنتها، وإن أخرت إلى الفراغ من صلاة الليل أوتر بها من بابها ونوعها، فإنها من صلاة التهجد مثلها. وهذه الصلوات كلها معلومة الهيئات، معروفة الأحكام، لا يخفي حملها على عامة المسلمين. وما وفاها من الفروع وبما يمكن أن يتحدث ويتوب. فأحكامها مفردة في الكتب المفردة لهذا الشأن. وإنما يذكر في هذا ما يتصل بآياته إن الصلاة من الإيمان. ويدل على عظم قدرها ووجوب المحافظة عليها، وغلظ الإثم على من أجل بها وقصر في حقوقها، وتعريف حكم الله في الأوقات التي وقت الصلاة بها، وفضل الاستكبار من نوافلها، وترتيبها من الآداب والهيئات فما شرع لها وترك الاقتصار منها على أقل ما يجري ويسقط به الفرض. وإظهار اليدين بها لأهل الملل بإقامتها جماعة في المساجد. والدلالة على حدود قيام رمضان والحث على قيام غيره وسائر ما جاء من وجوه التطوع والأمانة عن علم الوتر وتفضيل وجوهه، فإن هذه الأبواب تخلو منها أكثر كتب الفقهاء صنفوا في الفقه قديمًا، لأنهم أحبوا تجريده عما سواه، كما أفردوا لكل باب من أبواب الفقه كتابًا لا لمعنى سوى أنهم رأوا تجريده له أحسن من خلطه بما سواه. فأما اليوم فإن أكثر فقهاء زماننا أغفلوا
[ ٢ / ٢٩٦ ]
النظر في هذه الأبواب وظنوا أن علم الشريعة ليس إلا علم ما يستخرج بدقيق النظر من أحكام النوازل، وليس كذلك، بل علم العمل أهم وأفضل وأولى بالتقديم من علم اللسان، فإن الله ﷿ خلق عباده ليعبدوه لا ليستخرجوا بجهدهم الحوادث أحكامًا ويشغلوا ليلهم ونهارهم بدرسها، ويبطلوا أمر العبادات التي كانت دأب الصالحين، فلهم علمها، فذاك الذي دعاني إلى تخريج هذا الكتاب، والله ينفع به ويجعله لوجهه بمنه وقدره.
فصل
ونقول قبل ما اقتصصنا من هذه المعاني إن الله تعالى لما فرض الصلوات الخمس علينا وجعلها موقوتة، فقال:﴾ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا ﴿. فيها من الليل والنهار، وأجل ما بين طلوع الشمس إلى زوالها من فرطها ليبسط الناس منه ويركنوا إلى التصرف في معايشهم وقضاء الحقوق التي تكون لبعضهم على بعض من الزيادة والعبادة والتهنئة والتعزية وغيرها. وأجلى منها الشطر الآخر من الليل أو ثلثهم ليستوفوا حظهم من النوم فيه، ويقضوا فيه وطرهم. وشغل بفرض الصلاة النصف الآخر من النهار، والنصف الأول من الليل، وما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وأنه وقت فارغ يعقب قضاء الناس حاجتهم من اليوم، ولا يتسع إلا للشراء والتصرف، ثم لم يفرض عليهم من الصلاة في هذه الأوقات يستغرقها بل السير منها لتجتمع لهم فيها العبادة والفراغ لما عسى يكون عليهم من إشغال المعاش، ويميلون إليه من الراحة والجمام ولله الحكمة البالغة.
ووجه آخر: وهو أن الله ﷿ لما جعل النهار لينتشر الناس فيه ويبتغوا نم فضله، والليل ليسكنوا فيه. فكانت حقيقة الليل والنهار أن تكون الشمس فوق الأرض أو تحتها، علق هذه الصلوات باحوال الشمس، ثم لم يجعل لطلوعها مدخلًا في إيجاب الصلاة، لأن لطلوعها من النهار، والحسن بما يأخذ بمجامع القلب، وقد يسجد في ذلك الوقت قوم من الكفار عبادة لها من دون الله تعالى وهم الذين أبادهم الله تعالى بقوله: ﴿لا
[ ٢ / ٢٩٧ ]
تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن ﴿. فلم يأمر الله تعالى في هذا الوقت بالصلاة لئلا تدخل الشبهة على بعض الناس، ويروا أن الصلاة في ذلك الوقت تعظيم للشمس، إذ لا يتصور ذلك منهم بهذه الصورة وإن كانوا لا يريدونها ولا يقصدونها. وقدم الإيجاب فوضعه عند طلوع الفجر الذي هو أول أحوال طلوع الشمس. فإنه ليس للفجر من الزهاء والبهاء والبهجة ما لعين الشمس، ولا يسبق إلى الأوهام من الصلاة في ذلك الوقت ما يسبق منها البهاء حال طلوع الشمس. ثم لم يعد الإيجاب صلاة أخرى حتى تزول الشمس. فإذا زالت الشمس وجب الظهر، وليس لزوالها من الحال التي وصفناها لطلوعها، لأن طلوعها ارتفاعًا وزوالها انحطاطًا. والسجود في وقت الانحطاط لا يشبه التعظيم ولا يوهمه. ثم لم يوجب صلاة حتى يصير ظل كل شيء مثله، ويزيد أدنى زيادة، فأخذ الظل في ازدياد، ويحدث له عليه كما أوجب الظهر حين حدث منه ما كان. وهذا أيضًا لا يوهم أن يكون المقصود بالسجود للشمس، لأن عليه الظل يحدث عن تزايد سقوط الشمس نحو المغرب، ثم لم توجب صلاة حتى تغرب الشمس غروبها أبعد الأحوال من اتهام أن يكون السجود لها. لأنها إذا غربت فقد غابت عن الأبصار وصارت كالمعدومة، ثم لم تجب صلاة أخرى حتى يغيب الشفق الذي هو الحمرة، لأن الحمرة من بقايا الإشراق الذي هو رتبة الشمس وبهجتها.
وإيجاب الصلاة عند غروبها كإيجابها عند غروب قرصها إلا إيهام فيه لتعظيمها وأن تكون هي المقصودة في السجود دون خالقها، ولم تفرض هذه الصلاة إلى أن يغيب البياض، لأن صلاة قد وجبت بطلوع البياض فلم يجز أن يكون غروبه وقتًا للصلاة الأخرى، ليكون حكم الغروب خلاف حكم الطلوع. ألا ترى أن غروب الشمس لما كان وقت الصلاة لم يكن طلوعها وقت الصلاة، فخالف حكم الطلوع حكم الغروب، فكذلك هذا.
وله وجه آخر: وهو أن أوقات الصلاة إذا كانت مأخوذة من أحوال الشمس وجب أن يكون أثر من آثار الشمس موجودًا حينما تجب الصلاة وتقام. فإذا كانت صلاة الفجر تجب بظهور بياض الشمس، والظهر يجب بزوالها، والعصر باستعلاء سقوطها، والمغرب
[ ٢ / ٢٩٨ ]
بمغيب عينها. وكانت هذه الصلوات كلها تقام والشمس نفسها، أو أثر من آثارها قائم باد، دل ذلك على أن العشاء هذا بسببها، وأنها تجب بغروب الحمرة، فتقام والبياض الذي هو من آثار الشمس قائم باد، ولا يتأخر وحوبها إلى أن يغيب البياض، فلا يبقى من الشمس عين ولا أثر والله أعلم.
وأما الركوع فإن خط ابتدائه، بلا سبب يدعو إليه في وقت الطلوع ووقت الزوال ووقت الغروب، لأن الصلاة توجبه، وقد جرت العادة بأن يجتبي الناس من يطعمونه أو يجبونه في ثلاثة أوقات، إذا بدأ أو إذا أدنى، وإذا هم بأن ينأى أي فيعيدون التحية له أبدًا تعظيمًا كالسلطان إذا ظهر حجابه ثم طلع وجهه. ويعدون التحية له إذا دنا برًا وتكريمًا. ويعدون التحية له إذا هم بأن ينأى تسليمًا وتوديعًا فالصلاة إذا وقعت في هذه الأحوال الثلاثة التي ذكرناها للشمس شبهت التحية لها وخصوصًا إذا لم يكن لها سبب متقدم يستدعيها، فيكون قيامه في نفس المصلي من تجاهره الشبهة عن فكره، ودافعًا لما يخلج في القلب منها. ولهذا قال النبي ﷺ: (إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا طلعت فارقها، فإذا دنت للزوال قارنها، فإذا زالت فارقها، ثم إذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها) ونهى عن الصلاة في هذه الأوقات.
وقيل: إنما أراد بقرن الشيطان - الجماعة إلى سجود الشيطان عليها، وحملها على عبادة الشمس من دون الله فانقادت له. وأما إذا تم الطلوع وأخذت في الارتفاع فإن الشبهة تزول، لأنها تصير مألوفة معهودة فلا يوجد لها في القلب ما يوجد في حال الطلوع التي تشرف له الأرض وينزاح الظلام عنه بواحده وتنشرح الصدور وكذلك إذا تم الزوال وأخذت تدنو من الأرض، أو يتم الغروب فنسيت كما ينس الغائب إذا ولى ومر زمان بعد غيبته. فصلح أن يكون ما عدا هذه الأوقات أوقاتًا للصلاة فرضها وتطوعها والله أعلم.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
فصل
ويقول: بأن التطوع وإن كان مطلقًا فيما عدا هذه الأوقات الثلاثة، فإنه في بعض الأوقات أفضل منه في بعض ما فضل تطوع النهار ما جاء عن النبي ﷺ فيه أثر من قول أو فعل. وقد جاء عنه خبر في صلاة الضحى وفي صلاة التسبيح، وفي أربع ركعات إذا زالت الشمس وهي خارجة من جملة سنن الصلاة لأن سننها ركعتان قبلها وركعتان بعدها، وهذه تطوع، ولكل شيء من هذه الصلوات حد فلا ينصرف بعضها ببعض، لأن الفريضة ما لا يسع تركها وحد التطوع ما يستحب فعله، ولا يكره الترخص بتركه. وحد السنة ما يستحب فعلها، ويكره تركها وأحد الأسباب التي تدعو إلى كراهية الترك أن يكون النبي ﷺ حافظ على الفعل، ونص على تسميته سنة. وهذا إنما وجد في الركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها. فإن ابن عمر ﵁ ذكر أن النبي ﷺ لم يكن ليدعها، وأما الأربع فإنما جاء خبر في فضلها. ولم يرو أن النبي ﷺ كان يحافظ عليها فلا يدعها، ولا أنه سماها سنة، وإنما روى عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ كان نازلًا عليه في بيته، والنبي ﷺ يصلي أربع ركعات حين تزول الشمس يقرأ فيهن كلهن، فسأله عن ذلك فقال: (أن أبواب السماء تفتح حين تزول الشمس، فلا يرتج حتى يصلي الظهر، فأحب أن يصعد له إلى السماء) فلم يزده على ذلك أن أظهر له وجه يقربه، ولم يأمره بمثله. وهكذا روى ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يستحب أن يصلي أربع ركعات حتى تزول الشمس. فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله، أراك تستحب الصلاة في هذه الساعة، فقال: (أنها ساعة تفتح أبواب السماء، وينظر الله تعالى فيها بالرحمة إلى عباده). ولم يأمر عائشة ولا غيرها بفعلها. وأبان أن ابن عمر ﵄ بقوله: عشر ركعات، لم يكن يدعهن أن ما عداها فقد كان يدعهن. فثبت أن هذه الأربع مما كان يدعها وقتًا، فإذا لم يكن محافظة دائمة، ولا أمر، فقد ظهر أنها تطوع. ويدل على ذلك أن استعجاله بها كما تزول الشمس دليل على أنه كان
[ ٢ / ٣٠٠ ]
يصليها قبل الآذان، ولو كانت من سنن الظهر لصلاها بين أذانها وإقامتها، فلما عجلها قبل الآذان علمنا أنها ليست من سنن الظهر والله أعلم.
وأما صلاة الضحى: فإنه روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (صلاة الضحى وصلاة ما بين المغرب والعشاء صلاة العابدين). وعنه ﷺ: (من حافظ على سبحة الضحى غفرت له ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر). وعن أبي ذر ﵁ قال: (أوصاني حبيبي ﷺ بثلاث لا أتركهن إن شاء الله إيداء صلاة الضحى والوتر قبل النوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر).
وعنه ﷺ أنه خرج على قوم وهم يصلون صلاة الضحى، فقال: (إن هذه الصلاة لصلاة الأوابين، وهي إذا رفعت الفصال من الضحى) وروي عنه ﷺ بقول الله تعالى: (يا بني آدم لا تعجزوا من أربع ركعات أول النهار أكفتكم آخره) وعنه ﷺ (على كل سلامي من أحدكم صدقة ويجزيه منها ركعات الفجر).
فثبت بهذه الأخبار أن صلاة الضحى مستحبة مندوب إليها، ولكن لا يقال أنها سنة، لأن النبي ﷺ أخبر: أن الله تعالى لا يجعلها لأمته، وقال: (هي صلاة ملائكتي). ومعلوم أنه قد أجازها لأمته. فصح أن معنى لم يجعلها لأمته من السنن الأمر في مقدارها إلى المصلي كسائر التطوع. وكان ابن عباس ﵄ يصليها يومًا ولا يصليها عشرًا. وروى أن رسول الله ﷺ صلى صلاة الضحى يومًا ركعتين ويومًا أربعًا، ويومًا ستًا، ويومًا ثمانيًا، وترك يومًا فلم يصل. فثبت أنها لم تكن من الصلاة التي كان يحافظ عليها والله أعلم.
[ ٢ / ٣٠١ ]
وأما صفة صلاة الضحى فلم يبلغني أن النبي ﷺ خالف بينهما وبين سائر التطوع إلا ما سمعت من أنه لما افتتح صلاة الضحى قال: (الله أكبر ثلاث مرات، ثم قال: الحمد لله ثلاث مرات، ثم قال: سبحان الله بكرة وأصيلًا ثلاث مرات. قال: اللهم إني أعود بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه) وقيل: أما همزة فالموته، ونفثه الشعر، ونفخة الكبر.
وأما صلاة التسبيح: فإنه روى أن النبي ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب: (يا عماه ألا أعطيك، ألا أمنحك، ألا أحبوك: تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة، قلت وأنت قائم: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها عشرًا، ثم تسجد فتقولها عشرًا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشرًا، ثم تسجد فتقولها عشرًا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشرًا، فتلك خمس وسبعون مرة، تفعل ذلك في كل ركعة. فإن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة، يغفر الله ذنبك كله).
فدل هذا الحديث على أن هذه الصلاة مستحبة مندوب إليها، عظيمة الفضل، كبيرة الأجر. وفي سياقة دليل على أنها ليست من السنن التي يكره تركها والله أعلم.
فصل
وأما قيام الليل، فإنه في شهر رمضان سنة، وفي سائر الشهور مستحبة، ولا يقال له سنة. روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (رمضان شهر كتب الله عليكم صيامه وسننت لكم قيامه. فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه).
فنص أن القيام في هذا الشهر سنة، ثم أبان ذلك من وجه آخر، وهو أنه صلاة بهم جماعة
[ ٢ / ٣٠٢ ]
فقد روي أن رسول الله ﷺ كان في المسجد ذات ليلة في رمضان، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من الثانية فكثر الناس. ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة والرابعة فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: (رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا إني خشيت أن تفرض عليكم). ودلت صلاته بهم جماعة على أن القيام في الشهر يتأكد حتى يداني الفرائض، ولولا ذلك لم يخش وأن يواظب على الصلاة بهم أن يدخل في حد المفروض بهم فيلزم. وجاء عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يخرج في آخر ليلة من رمضان من هذا المقبول الليلة فيهنئه، ومن المحروم المردود الليلة فيعزيه، أنها المقبول هناك، وأنها المحروم المردود، جبر الله مصيبتك.
وكان ابن عون ﵁ إذا شهد رمضان جاء برمل فألقاه في المسجد، ثم يقول لبنيه: ما تبتغون بعد شهر رمضان، وكان لا ينام. فأما مقدار القياس فليس بموقوت في نص السنة. وقد روى أنهم كانوا يقومون في رمضان بعشرين ركعة، ويقرأون بالمائتين، ويعتمدون على العصي في زمان عمر بن الخطاب ﵁. ولذلك يروى عن عبد الله ابن مسعود ﵁ أنه كان يصلي بهم وهذا هو العمل المتوارث. ولا تعيق الزيادة على هذا ولا النقصان فيه. وروى أن معاذًا - أبا حليمة - كان يصلي بالناس في رمضان بإحدى وأربعين ركعة.
وروى أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر أبي بن كعب وتميم الدارمي أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. وروى أن النبي ﷺ: صلى في شهر رمضان ليلة ثماني ركعات ثم أوتر. ولكنهم لم يروا هذا حدًا، لأنه خبر عن ليلة واحدة، وقد صلى بهم ثلاث ليال. فقد يجوز أن يكون زاد في غيرها على ما صلى منها، وإجماع الصحابة على الزيادة دليل على أنهم غفلوا عنه ﷺ أن فعله لم يكن حدًا، والله أعلم.
وأما المتوارث عن عادة أهل مكة من قيام شهر رمضان، فهو أنهم يقومون بعشرين ركعة، إلا أنهم يطوفون بين كل ترويحتين سبعًا، فإذا صلوا التسليمة الأخرى لم يطوفوا ولكنهم بمضمون إلى التنغيم، فيحرمون بالعمرة، ثم يأتون البيت فيطوفون ثم يسعون
[ ٢ / ٣٠٣ ]
ويحلون، ثم يرجعون إلى المسجد فيوترون. وأما المتوارث كان من عادة أهل المدينة قبل أن يمنع المسلمون من الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ وتحبس عن الكعبة كسوتها، ويسد باب شبابه العباسي، أن يقوموا بست وثلاثين ركعة، منها في العدد الذي يقيم به أهل مكة، وست عشرة مكان الأربعة الأطواف التي يخللها أهل مكة تراويحهم، فإن الطواف لما أحجبوهم بالمدينة أقاموا مقام كل طواف ترويحة، وهي أربع ترويحات وثماني تسليمات وست عشرة ركعة، فبلغت الجملة ستًا وثلاثين ركعة، ويوترون بثلاث. فتلك تسع وثلاثون، ومن أوتر بخمس بلغت صلاته إحدى وأربعين ركعة، وذلك تأويل صلاة أبي حليمة معاذ القارئ عندي، والله أعلم.
فمن اقتدى بأهل مكة فقام بعشرين فذلك حسن. ومن اقتدى بأهل المدينة وتشبه بهم في ازدياد الصلاة كان ما فاتهم من طواف أهل مكة فقام بست وثلاثين، فذلك أيضًا حسن لأنهم إنما ازادوا بما صنفوا الإقتداء بهم والاستكثار من الفعل لا المنافسة كما ظن بعض الناس. ألا ترى أن يوم الفجر لما كان يوم طواف الزيارة للحجاج أقيم لغيرهم في عامة الأمصار الصلاة مقام الطواف، وجعل يوم عيد، يجتمعون فيه فرحين مستبشرين بما أذن الله تعالى فيه من زيارة نبيه وأسعد بها من وثق لقصده، فكما خلفت الصلاة الطواف يوم النحر، فكذلك تخلفه في قيام شهر رمضان. ويستوي فيه الناس كلهم كما استوى فيه يوم النحر والله أعلم.
ومن اقتصر على عشرين ركعة وقرأ فيها بقراءة غيره في ست وثلاثين فذلك أفضل، لأن تطويل القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود.
سئل رسول الله ﷺ عن فضل الصلاة فقال: (طول القنوت).
فصل
ويحتمل القيام بعشرين ركعة أن يكون وجهه عامة سنن الليل والنهار سوى الوتر لما كانت عشر ركعات، كما ذكر ابن عمر ﵄: ضعفت في شهر رمضان إذا
[ ٢ / ٣٠٤ ]
كان الوقت وقت حدث وتسميد. ويحتمل أن يكون ذلك مأخوذًا من أصل آخر، وهو أن أغلب صلاة رسول الله ﷺ في غير رمضان من الليل إحدى عشرة ركعة أخرى وتر. فرأوا أن يجعلوا هذا العدد أصلًا ثم يضعفونه في شهر رمضان، لأن النبي ﷺ سن قيامه فلما أراد القيام فيه غلظ بان صار سنة، بعد أن كان في غيره تطوعًا غلظ عدد الركعات فيه بالتضعيف، فصارت عشرين بعد أن كانت في غير عشرًا.
فإن قال قائل: وأين كان الناس عن هذا في عهد رسول الله ﷺ ومن الذي جعل إلى عمر أن يشرع في الدين، ويقدم ويؤخر ويبدل ويغير؟
قيل له: قد بينا أن النبي ﷺ هو الذي سن القيام في شهر رمضان وأنه خرج ثلاث ليال فصلى بهم جماعة، ثم ترك الخروج، لا لأنه لم ير الاجتماع لهذه الصلاة، ولكن رفقًا بأمته أن لا تكتب عليهم. فكان هذا بمنزلة العذر يعرض فيحول دون السنة أو دون الفرض، ولم يأمر غيره بأن يصلي بهم، لأنه لو أمر لكان ذلك المأمور بمنزلته إذا كان إما يصلي خلفه بأمره، ولم ينصب الناس بأنفسهم إمامًا فيصلوا خلفه لأن الإمامة حق النبي ﷺ، فلا ينصب أحد إمامًا وهو حاضر. فكانوا يصلون في بيوتهم. وكان أيام أبي بكر ﵁ على هذه الجملة ولم يصل. فلما كان زمن عمر ﵁ رآهم أوزاعًا في المسجد يصلون، فكره ذلك لهم فدعاه علمه بأن هذه الصلاة تليق بها الجماعة، إذ كان النبي ﷺ صلاها بالناس جماعة، وإنما ترك الخروج لها لعذر، وقد زال ذلك العذر إلى أن يردها إلى حكم أصلها، فجمعهم على إمام واحد لئلا يتفرق المسلمون في مسجد واحد، فيصلون اوزاعًا بل يصلون مجتمعين كما يصلون المكتوبات مجتمعين. وليس هذا شرع في الدين، ولكنه عمل بالاجتهاد في موضع الحاجة والله أعلم.
وأيضًا فقد روي أن الناس في عهد النبي ﷺ كانوا على أن أحدهم إذا سبق بشيء من الصلاة أشير إليه إذا حضر، فقضى ما فاته ثم تابع الإمام. فجاء معاذ ﵁ يومًا وقد سبقه النبي ﷺ بشيء من الصلاة، فأشير به إليه فقال: لا أجده على حال تابعته عليها، فصلى مع رسول الله ﷺ ثم قضى ما فاته. فقال النبي ﷺ: (قد سن لكم معاذ، فكذلك فافعلوا).
[ ٢ / ٣٠٥ ]
ولم ينكر عليه اجتهاده وأحداثه ما أحدث مما كان الناس يومئذ على خلافه. فإذا جاز له ذلك في حياة رسول الله ﷺ، فكيف لا يجوز لعمر ﵁ ما هو دونه بعد وفاته.
فإن قيل: إن معاذًا نسخ أو شرع: قيل: لا نقول واحدًا منهما، ولكنا نقول: إن الذين كانوا يبدأون بما سبقوا به إنما كانوا يصلون منفردين حتى إذا شاءوا الإمام دخلوا في صلاة، وكان ذلك رأيًا رآه من غير أن أمروا به، ولم يكن في سكوت النبي ﷺ عنهم أكثر من جواز ذلك لهم.
ثم إن معاذًا ﵁ رأى أنه غير ذلك أحسن منه، وهو الدخول في صلاة الإمام ومتابعته وتأخير القضاء، لأن النبي ﷺ إذا كان يصلي كان الإنفراد عنه بالصلاة التي هو فيها رغبة عن إتباعه. فأجاز النبي ﷺ له هذا الاجتهاد وأمر بقبوله عنه، ولم يجعل اجتهاده في حياته شرعًا في الدين. فأولى أن لا يكون اجتهاد عمر ﵁ مردودًا عليه بأن شرع في الدين والله أعلم.
فصل
وأما وقت هذه الصلوات من الليل، فقد روى عن عمر ﵁ أمر بباقيه، فإنهم في شهر رمضان وكانوا ينامون ربع الليل ويقومون ربعه وينصرفون لربع يبقى منه لسحورهم وحوائجهم.
وفيه وجه آخر وهو أن يؤخر العشاء الآخرة إلى ربع الليل، فإذا صلوها قاموا بعدها ربع الليل بالصلاة ثم رقدوا. يروى عن الحسن ﵁ أنه قال: كان الناس يصلون العشاء في شهر رمضان زمان عمر ﵁ وعثمان ربع الليل الأول، ثم يقومون الربع الثاني، يرقدون ربع الليل، ويحتمل أن يكون تمام ذلك، ثم يقومون لسحورهم وحوائجهم.
وله وجه ثالث وهو أن يقام العشاء الآخرة لأول وقتها، ويرقد من شاء ويقيم من
[ ٢ / ٣٠٦ ]
شاء غير لاه ولا لائج إلى ربع الليل أو ثلثه، ثم يقوم النوام ويجتمع الاوزاع ويصلون، فأما إقامة العشاء لأول وقتها ووصل القيام بها فذلك من بدع الكسالى والمترفين، وليس من القيام المسنون بسبيل، إنما القيام المسنون ما كان من النوم، فهو كسائر المتطوعين ليلًا ونهارًا والله أعلم.
فصل
وأما مقدار القراءة فإنه ينظر فيما يريد أن يجيئه من الليل، فإذا كان يريد أن يختلف من الليل ربعًا ثم يقوم ونصفًا أو ربعًا آخر بعشرين ركعة أو بست وثلاثين، قرأ في كل ركعة ما يوافي العدد والوقت الذي في نفسه. وإن زاد في الركعات الأول، ونقص في الركعات الأخر فلا بأس، لأن الناس يكونون في الأوائل أقوى وأنشط منهم في الأواخر ولا يملهم فيخرجوا.
فصل
والمعهود من أمور الناس قديمًا وحديثًا أنهم إذا صلوا قيام شهر رمضان جماعة لم يخالفوا بين العشر الأواخر بين ما قبلها في مقدار القيام. فينبغي أن يكون العمل على هذا في المساجد وأما ما يستحب من فضل الجد والاجتهاد في العشر الأواخر وطلب ليلة القدر فيها في كل وتر، فذلك تطوع وندب إليه كل من اطاقه على الإنفراد ليس الاجتماع عليه سنة. وسنذكر ما في ليلة القدر في كتابة الصيام إن شاء الله ﷿.
وأما القيام في غير شهر رمضان، فإنه تطوع مرغب فيه مندوب إليه، ولا يقال له سنة لأن الترخص بتركه غير مكروه، ولأن النبي ﷺ ذكر شهر رمضان فقال: (فرض الله عليكم صيامه وسننت عليكم قيامه). فلو كان القيام في غير شهر رمضان سنة لم يفارق شهر رمضان غيره، ولم يكن لقوله "وسننت لكم قيامه" معنى، ولا وجب
[ ٢ / ٣٠٧ ]
له بذلك فضل على ما سواه. ولأن قيام الليل في كل وقت سنة لصلاة الناس جماعة، كما أنه لما كان في شهر رمضان سنه صلاة الناس جماعة. فلما خلوا واختيارهم علمنا أنه تطوع ندب الناس إليه من غير أن ضيق عليهم في تركه والله أعلم.
روى سعيد بن هشام ﵁ أنه سأل عائشة ﵂ عن قيام رسول الله ﷺ، قالت له: ألست تقرأ هذه السورة﴾ يا أيها المزمل ﴿. قلت بلى قالت: فإن الله تعالى افترض القيام في أول هذه السورة فقام نبي الله ﷺ وأصحابه حولًا، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة. فصار قيام الليل تطوعًا بعد فرضه، وقال الله ﷿:﴾ ومن الليل فتهجد به نافلة لك، عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا ﴿. وقال:﴾ ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلًا طويلًا ﴿. فرغبة في قيام الليل. ثم مدحه بقيامه، فقال:﴾ الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين ﴿. وأثنى على سائر المتهجدين فقال:﴾ أمن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ﴿.
وقال الحسن ﵁: يزيح رأسه بقدميه وقدميه برأسه، وقال: آناء الليل أوله، وأوسطه، وآخره. فقال ﷿ في صفة أهل الجنة الذين سماهم متقين:﴾ كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون ﴿وقال:﴾ والذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا ﴿وقال:﴾ يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ﴿. يعني يصلون. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (قيام الليل في خوف الله يكفر الخطيئة) وروى: صلاة الوجل، وتلا قوله تعالى:﴾ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴿. وأنه ﷺ قال: (إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة،
[ ٢ / ٣٠٨ ]
ينادي مناد ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل، ثم يحاسب الناس).
وعنه ﷺ قال: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله تعالى وتكفير للسيئات ومنهاة عن الآثم ومطردة للداء عن الجسد) وعنه ﷺ (عليكم بصلاة الليل ولو ركعة) عنه ﷺ: (أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل). وعنه ﷺ: (زينوا طعامكم بذكر الله ولا تناموا عليه فتقسوا له قلوبكم) وعنه ﷺ: (شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزه استغناؤه مما في أيدي الناس). وعنه ﷺ قال (القرآن والصيام يشفعان للعبد) يقول القرآن: أي رب منعته النوم بالليل ويقول الصيام: رب منعته الطعام والشهوات فشفعني فيه، فيشفعان).
فصل
ومن آثار الصالحين في هذا الكتاب: جاء أن عبد الله بن الزبير كان يحيي الليل دهره أجمع، وكان يحيي ليلة قائمًا حتى يصبح، ويحيي ليلة راكعًا حتى يصبح، ويحيي ليلة ساجدًا حتى يصبح، وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان لا ينام من الليل إلا قليلًا وكان له مهراس فيه ماء فيصلي ما قدر عليه ثم يأوي إلى فراشه. فيغفو إغفاء الطير، ثم يقوم فيتوضأ، ثم يرجع إلى فراشه فيغفو إغفاء الطير، ثم يثب فيتوضأ ويصلي، ثم يفعل ذلك في ليله أربع مرات أو خمس.
وقالت ابنة الربيع لأبيها: يا أبتاه، مالي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ قال يا بنتاه، أن أباك يخاف السبات.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
وقالت المرأة التي نزل بها عامر بن عبد القيس لعامر: ما للناس ينامون ولا تنام؟ قال: إن جهنم تدعني أنام. وقال يزيد الرقاشي ﵁: إذا نمت فاستيقظت، ثم عدت الثانية في النوم، فلا أنام الله عيني.
وكان عمر بن عقبة بن فرقة يخرج فيركب فرسه في جنح الليل فيأتي المقابر، فيقول يا أهل القبور طويت الصحف ورفعت الأقلام، ولا تستعينون من سيئة ولا تستزيدون في حسنة، ثم يبكي فينزل عن فرسه، فيصف ما بين قدميه، ثم يصلي حتى يصبح. فإذا طلع الفجر ركب فرسه حتى يأتي مسجد حبه، فيصلي مع القوم كأنه لم يكن في شيء مما كان فيه. وكان صلة بن أشم يخرج إلى الجنان فيتعبد، فكان يمر على شباب يلهون ويلعبون فيقول لهم: أخبروني عن قوم أرادوا سفرًا فحادوا النهار عن الطريق وناموا الليل متى يقطعون سفرهم أفكان كذلك يمر بهم ذات يوم، فقال لهم هذه المقالة، فانتبه شاب منهم فقال: يا قوم أنه والله ما يعني غيرنا، نحن بالنهار نلهو وبالليل ننام، ثم اتبع صلة فلم يزل يختلف إلى الجبال ويتعبد حتى مات.
وعن بكر بن عبد الله المزني ﵀ قال: كانت امرأة متعبدة من أهل اليمن، فكانت إذا أمست قالت: يا نفس الليلة ليلتك لا ليلة لك غيرها.
فاجتهدت، وإذا أصبحت قالت: يا نفس اليوم يومك، لا يوم غيره فاجتهدت، وقال عبد الله بن مسعود ﵀: فضل صلاة الليل على صلاة النهار، كفضل صدقة السر على صدقة العلانية.
وكان عمرو بن العاص ﵀ يصلي من الليل وهو يبكي ويقول: اللهم أتيت عمروًا مالًا، فإن كان أحب إليك أن تسلب عمرًا مالًا ولا تعذبه بالنار فاسلبه ماله. وإنك أتيت عمروًا ولدًا، فإن كان أحب أن تثكل عمروًا ولده فلا تعذبه بالنار فاثكله ولده. فإنك آتيت عمرًا سلطانًا، فإن كان أحب إليك أن تنزع عنه سلطانه ولا تعذبه بالنار فانزع سلطانه. وكتب معاوية ﵀ إلى عامل البصرة: أما بعد جاءك كتابي هذا فزوج عامر بن عبد القيس أصلح نساء قومه، وأصدقها من بيت مال المسلمين، فأرسل إلى عامر فقرأ عليه الكتاب، فقال: إني لذائب الخطيئة. فلم يدعه حتى زوجه امرأة
[ ٢ / ٣١٠ ]
من صلحاء قومه من مال بيت مال المسلمين. فجهزت ثم ذهب بعامر حتى أدخل عليها فقام إلى مصلاه لا يلتفت إليها، حتى إذا رأى تباشير الصبح قال: يا هذه، ضعي خمارك، فلما وضعها قال: أعيدي، ثم قال: أتدرين لم أمرتك أن تضعي خمارك، لئلا يؤخذ منك شيء أعطيت.
وكان عامر ﵁ يقول: ما رأيت كالجنة نام طالبها وما رأيت مثل النار نام بها ربها. فكان إذا جاء الليل قال: أذهبت النار يا قوم فما ينام حتى يصبح، وإذا جاء النهار قال: أذهبت النار يا قوم، فما ينام حتى يمسي. وإذا جاء الليل قال: من خاف أدلج ويقول عند الصباح: يحمل القوم السرى. وكانت رابعة العدوية إذا جاء الليل تقول: هذه ليلتي أمرت فيها، فما تنام حتى تصبح، وإذا جاء النهار: قالت: هذا يومي الذي أمرت فيه فما تنام حتى تمسي. وإذا جاء الشتاء لبست الرقاق ليمنعها البرد من النوم.
وقال الحسن ﵀: حضر رجل من الصدر الأول فبكى واشتد بكاؤه، فقالوا له رحمك الله﴾ إن الله غفور رحيم ﴿فقال: إني والله ما تركت بعدي شيئًا أبكي عليه إلا ثلاث خصال: ظماء هاجره في يوم تعبد ما بين الطرفين، أو ليلة يبيت الرجل تراوح ما بين جبهته وقدميه، أو غدوة أو روحة في سبيل الله.
وقال سفيان الثوري ﵀: بت عند الحجاج بن القرامضة إحدى عشرة ليلة فلا أكل ولا شرب ولا نام. وكان بمكة مملوك يقال له صهيب يكاتب مولاته، تقول له: لا تدعنا ننام، فيقول لها: إنما لك نهاري وليس لك ليلي، إني إذا ذكرت النار طار نومي وإذا ذكرت الجنة اشتد شوقي، وقال عبيدة بن هلال الثقفي: لا تشهد على يمين تأكل أبدًا ولا يشهد على ليل يقوم أبدًا، فأقسم عليه عمر ﵁ في الأضحى والفطر أن يفطرهما. وقال الأوزاعي ﵀: بلغني أنه من أطال قيام الليل خفف الله عنه يوم القيامة. وقال طلحة بن مصرف: بلغني أن العبد إذا قام من الليل للتهجد ناداه ملكاه: طوبا لك سلكت منهاج العابدين مثلك. وقال يزيد الرقاشي ﵀: بطول التهجد
[ ٢ / ٣١١ ]
تقر عيون العابدين ويطول الظمأ تفرح قلوبهم عند لقاء الله. وجاء أن تميم الدارمي ﵀ نام ليلة لم يقم فيها، فقام سنة لم ينم فيها عقوبة لنفسه بتلك الليلة.
وكان سليمان التيمي عامة دهره يصلي العشاء والصبح بوضوء واحد. وما من وقت صلاة إلا وهو يصلي فيه. وكان يسبح بعد العصر إلى المغرب، ويصوم الدهر. وسقط بيته فلم يبنه، وضرب خيمة وسط داره، فكان فيها حتى مات. وطوى فراشه أربعين سنة ولم يضجع جنبه بالأرض عشرين سنة وكان يطلب الحديث، فقدم على الأعمش، فخرج الأعمش في ساعة كان سليمان يصلي فيها فأقبل على الصلاة ولم يلتفت إلى الأعمش، وذكر مؤذن مسجده قال: صلى سليمان التيمي إلى جنبي بعد العشاء الآخرة، فسمعته يقرأ:﴾ تبارك الذي بيده الملك ﴿. فلما أتى على هذه الآية﴾ فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ﴿. جعل يرددها حتى خف أهل المسجد فانصرفوا، فخرجت وتركته، وعدته لأذان الفجر فنظرت فإذا هو في مقامه، فسمعت، فإذا هو فيها لم يجزها وهو يقول:﴾ فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ﴿.
وكان لأبي مسلم الخولاني سوط يعلقه في مسجده، فإذا كان السحر فنعس أو مله أخذ السوط فضرب به ساقيه، ثم قال: لأنت أولى بالضرب من شرار الدواب، وكاووس يفترش فراشه ثم يضطجع فيتقلى كما تتقلى الحبة على المقلى، ثم يبيت ويستقبل القبلة حتى الصباح، ويقول: طير حر جهنم نوم العابدين.
وقيل لفقرة العابدة: بلغنا أنك لا تنامين الليل فبكت ثم قالت: ربما اشتهيت أن أنام فلا أقدر عليه. وكيف ينام ويقدر على النوم من لا ينام عليه حافظاه ليلًا ونهارًا فأبكتني وقلت في نفسي: أراك في شيء وأراني في شيء، ويعبد رجل من بني تميم، فكان يحيي الليل بالصلاة، فقالت له أمة يا بني لو نمت الليل شيئًا فقال: ما شئت يا أماه، إن شئت أن أنام الليل وأجهد غدًا في الآخرة، وإن شئت لم أنم الليل لعلي أستريح غدًا. قالت: يا بني والله ما أردت لك إلا الراحة، فراحة الآخرة أحب إلى من راحة الدنيا،
[ ٢ / ٣١٢ ]
فدونك يا بني، فخالف السهر أيام الحياة لعلك تنجو من عسر ذلك اليوم، وما أراك ناجيًا. فصرح الفتى صرخة فسقط بين يديها ميتًا. فاجتمع عندها رجال من بني تميم يعزونها وهي تقول وابنياه، قتيل يوم القيامة، وابنياه قتيل الآخرة، فكانوا يرون أنها أفضل من ابنها.
وكان سفيان الثوري وسائر من مضى ذكره يصلي قائمًا حتى يعي ثم يصلي قاعدًا حتى يعي ثم يصلي مضطجعًا.
فصل
وأما أوقات التهجد، فإن ما بعد ربع الليل الأول إلى الصباح وقت التهجد إلا أن أفضلها لمن أراد أن يقوم بعض الليل الثلث الأوسط، سئل النبي ﷺ: أي الليل أسمع؟ قال: (جوف الليل الأوسط) وسئل أبو ذر أي الليل أفضل؟ قال: الليل الأوسط. قيل: ومن يطيق ذلك من خاف أدلج. وعن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى يمهل حتى يذهب ثلث الليل، يقول الله تعالى هل من سائل يعطى؟ هل من تائب؟ هل من مستغفر ذنب).
وفي رواية أخرى: (إذا مضى ثلث الليل، يقول الله ﷿: ألا سائل يعطي إلا داع يجاب: ألا سقيم يشتفي فيشفى؟ ألا مذنب يستغفر فيغفر له)؟
فصل
ويستحب لمن أحيي الليل أن يؤخر الدعاء إلى السحر، ولمن قام السحر أن يمتد إليه ثم يستغفر ويدعو. قال الله ﷿: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾.
[ ٢ / ٣١٣ ]
قال الحسن ﵁ ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون ﴿مدوا الصلاة إلى السحر، ثم دعوا وتضرعوا. ذكر محارب بن دينار عن عمه أنه رأى رجلًا دخل المسجد فقال: اللهم دعوتني فأجبتك، وأمرتني فأطعتك، وهذا سحر فاغفر لي، فإن يعقوب صلوات الله عليه حين سرف بنيه أخرهم إلى السحر.
وقال سعد بن العاص ﵁: رصدت عمر ﵁ فخرج إلى البقيع في السحر فاتبعته فأسرع حتى أترى البقيع فصلى ثم رفع يديه فقال: اللهم كبر سني وضعفت قوتي وخشيت الإنتشار من رغبتي، فاقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم، ولم يزل يقولها حتى أصبح.
وقال أنس ﵁ كنا نؤمر إذا صابنا من الليل أن نستغفر من السحر سبعين مرة. وقال نافع: أقبلنا مع هرم بن حيان من خراسان، فإذا كنا في بعض الطريق مثلت ليلة سحر ببيت من الشعر، فرفع هرم بن حيان على السوط، فجلدني جلدة التويت منها، ثم قال لي: إن هذه الساعة التي تنزل الرحمة وتستجاب الدعوة بمثل الشعر.
وقال أبو الزيار كنت أخرج من السحر إلى مسجد النبي ﷺ، فلا أمر ببيت إلا ويه قارئ، وقال ابن عمر ﵄: كنا نعد للنبي ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة، رب اغفر لي وتب إنك أنت التواب الرحيم، أو التواب الغفور، فمن استغفر سحرًا أو غيره، فليقل هذا. أو ما جاء عنه ﷺ أنه قال: (سيد الاستغفار، اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أسألك بالنعمة وأبر بديني، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).
فصل
وينبغي إذا قام أحد الزوجين للتهجد أن يوقظ الآخر. قال رسول الله ﷺ: (رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح وجهها بالماء. رحم الله امرأة
[ ٢ / ٣١٤ ]
قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت وجهه بالماء). وجاء عنه ﷺ: (من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين جميعًا كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات).
فصل
ومن خشي أن يضعف عن قيام الليل، فإن رسول الله ﷺ قال: (استعينوا بقائلة النهار على قيام الليل وبأكلة السحر على صيام النهار). وعن مجاهد قال: بلغ عمر ﵁ أن عاملًا له لا يقيل فكتب إليه: (أما بعد، قيل: فإن الشيطان لا يقيل) ومعنى هذا - والله أعلم - أنه استدل بترك العامل القيلولة على أنه ينام الليل كله، إذ لم يعلم له بالنهار، وما يمنعه من التروح بنومه، فقال: "قل بالنهار ليقوم الليل، فإن الذي لا يقيلون بالنهار من غير شغل يمنعهم عنه هم الذين لا يهمهم أمر ليلهم بهم الشياطين يعني شياطين الإنس.
ومر الحسن ﵁ يقوم في السوق، فرأى منهم ما رأى، فقال: أما يقيل هؤلاء؟ قالوا: لا قال: إني أرى ليلهم ليل سوء.
فصل
ومن قام للتهجد، فينبغي أن يكون أو كلامه ما روى عن النبي ﷺ أنه كان إذا قام من الليل قال سبحان الله رب العالمين، سبحان الله وبحمده.
روى إن رسول الله ﷺ استيقظ من نومه فجلس يمسح وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات خواتيم سورة آل عمران. ثم قام إلى شن معلق فتوضأ منه. والأصل في الباب
[ ٢ / ٣١٥ ]
قول الله ﷿﴾ وسبح بحمد ربك حين تقوم ﴿. وروى عنه أنه كان إذا قام من الليل قال: لا إله إلا الله الواحد القهار، رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار.
فصل
وإذا افتتح القائم بالليل الصلاة، فإن النبي ﷺ روى عنه أنه كان إذا قام من الليل كبر، ثم قال: (اللهم لك الحمد، أنت قيام السموات والأرض ولك الحمد أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، أنت حق وقولك حق ووعدك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق والنار حق، والساعة حق. اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، أنت ربنا وإليك المصير. رب اغفر لي ما أسررت وما أعلنت وما قدمت وما أخرت. أنت إلهي لا إله إلا أنت).
وسئلت عائشة ﵂ بم كان يفتتح رسول الله ﷺ بالليل؟ فقالت: كان يقول: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلفت فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
فصل
وإذا ثبت وظهر استحباب قيام الليل، فأقرب الليالي شهر رمضان ليلة العيد، وجاء فيه عن أبي أمامة ﵁ قال: من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا لم يمت قلبه حين تموت القلوب. عن مجاهد ﵁ قال: ليلة الفطر كليلة من ليالي العشر الأواخر،
[ ٢ / ٣١٦ ]
يعني في فضلها. قال أبو ذر: ثم كان عبد الرحمن بن الأسود يخرج إلينا ليلة الفطر في ملحفة حمراء كأنه عروس فيقوم بنا حتى يصبح. وقال: صلى بنا عبد الرحمن بن الأسود ليلة الفطر أربعين ركعة، وأوتر بسبع، وهذا حسن لأن في ليلة العيد معاني: أحدها: أنها مجاورة الشهر، فالشهر هو المؤدي إليها. والثاني: إنها ليلة سرور بإكمال العدد. والثالث: إنها ليلة الإباحة. والرابع: إنها ليلة التكبير. والخامس: إنها ليلة يوم فيه صلاة تخصه. والسادس: إنها أول وقت الحج. والسابع: إنها ليلة عيد. ومعنى العيد اجتماع المسلمين على الإشارة، فبأمر من أمور الدين في الصيام ليس في ظهوره من الصيام كالصلاة والحج، لكنه سر بين الله تعالى وبين العباد.
وتبين شرائع الإسلام كلها على السر والإعلان. فكان إعلان الصيام إنما يقع بإقامة العيد بعد انفصال الشهر. وهذا غير المعاني التي سبق ذكرها، فاستوجبت هذه الليلة الفضل من هذه الوجوه، وناسبت ليالي الشهر إذ كانت الإشارة بما أدى في الشهر عن الصوم وإعلانه ليصير في الظهور كسائر الشرائع، إنما يقع عندها. فإن إتمام الناس فيها سنة للصلاة مجتمعين، كما يفعلون ذلك في ليالي الشهر حسنًا إن شاء الله.
فصل
فأما الوتر فإنه روى عن النبي ﷺ قال: (الوتر حق فمن شاء فليوتر بسبع ومن شاء فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة). وبذلك نقول: إن الإتيان بأكثر من واحدة إنما يكون بالموالاة الركعات، وتأخير الجلوس في آخرهن فإن ذلك. روى سعد عن النبي ﷺ وهو أنه كان يرقد، فإذا استيقظ تسوك ثم توضأ ثم صلى ثماني ركعات يجلس في كل ركعتين ويسلم، ثم يوتر بخمس لا يجلس إلا في الخامسة. فلما ظهر أن صفة الإتيان بالخمس، هذا علمنا إن الإتيان بالسبع والثلاث كالإتيان بالخمس.
وروى عن عطاء ﵁ أنه كان يوتر بثلاث ركعات لا يجلس إلا في آخرهن.
[ ٢ / ٣١٧ ]
وإن أوتر بتسع أو إحدى عشرة ركعة فصلى ما وصفنا والله أعلم.
وأما إذا صل ثلاث ركعات، وصلى في منتهاها وتشهد، ثم قام إلى الثلثة فصلاها، سلم من الثانية أو لم يسلم، لم يكن موترًا بها كلها، وإنما يكون موترًا بالثالثة وحدها، ويكون كأنه صلى ركعتين تطوعًا ثم اتبعها أخرى، فأوترهما بها. وذلك جائز لأن الوتر نافلة. فإن خلطت بالشفع الذي تقدمنا من النافلة فلا بأس ولا فرق من خلط الوتر بشفع قبله، وبين خلط شفع بشفع، إذ كل ذلك نفل. فليس للحد نفل حد لا يجاوز، وبأن ما وصفنا إن عائشة ﵂ أخبرت أن رسول الله ﷺ: كان يصلي من الليل عشرًا مثنى مثنى، ثم يوتر بواحدة. وأخبرت عنه: كان يقوم فيتسوك ويتوضأ ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة فيقعد، ثم يحمد ربه ويذكره، ويدعو ثم يسلم تسليمًا بسمعناه، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم، فتلك إحدى عشرة ركعة، فأبانت بقولها فتلك إحدى عشرة ركعة، إن هذه هي الركعات التي كان تعود القيام بها وكان يصليها مثنى مثنى، ثم يوتر بواحدة. وظهر لنا من هذا أن النبي ﷺ كان ربما فرق هذه الركعات وربما جمعها. وكان إذا جمعها وإلى بينها إلى ثمان ولا يخالها جلوسًا ثم يجلس، ثم يقوم إلى التاسعة التي هي الوتر ليفضل بين الشفع والوتر ضربًا من الفضل، فيكون كأنه قام بثماني ركعات ثم أوتر بواحدة. وهذا لأن كلها نفل فجمعها كتفريقها، وتفريقها كجمعها. ثم كان يصلي بعد التسع ركعتين، فيبلغ الجميع إحدى عشرة ركعة.
قالت عائشة ﵂: فلما كبر رسول الله ﷺ وضعف أوتر بسبع ركعات لا يقعد إلا في السادسة منهن ثم ينهض ولا يسلم، فيصلي السابعة ثم يسلم تسليمًا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس فتلك تسع، أي أنه نقص من عدد ركعات القيام فردها أيضًا من التفريق إلى الجمع. فكان يصلي سننًا لا يجلس فيهن إلا في السادسة فيجلس فيها ثم يقوم فيصل السابعة ليكون كأنه تطوع بست ركعات ثم أوتر بواحدة. ومعنى قولنا أوتر بتسع، أي أوتر بأن صلى سبعًا آخرهن وتر، ثم صلى ركعتين فتلك تسع إلى السبع التي كان يقوم بها. وإذا ظهر فيما روته عائشة ﵂ من هذين العددين اللذين
[ ٢ / ٣١٨ ]
ذكرت، إن النبي ﷺ يقوم بها. وزاد ما جملنا عليه، وانتهى ثابتًا أنه لا يمكن أن يكون قيام النبي ﷺ للوتر وحدها، إذ لو كان كذلك، لكان يصليها بالعشاء ثم ينام. وإنما الأغلبية والاستدامة قام للوتر وغير، ثم صلى تسعًا أو سبعًا لم يجلس إلا في الثامنة، وإفساد بنيته، وجب أن يعلم أنه قصد بذلك ما قلنا من خلط الوتر، لأن الوتر خلاف الشفع والاشفاع، فيماثله بفضل بين الآخرة وبين ما قلنا، ليقع حكم الإيثار على الواحدة الآخرة. ولو والي بينهما وبين ما قلنا لكان الإتيان يقع بجميع الصلاة وهو لم يكن أراد هذا، وإنما أراد أن يكون إشفاعها من قيام الليل والآخرة وعددها وترًا. فلذلك لم يوال بينها وبين التي قبلها كما والي بين المتقدمة والله أعلم.
ثم وجب بأن يكون القول في الخمس والثلاث كالقول في السبع والتسع. ويدل ذلك على ما قلنا، إن النبي ﷺ لما صلى الوتر ثلاثًا قرأ السورة فيها كلها شهرًا. فدل ذلك على أنه إما أن يكون أراد الإتيان بالثلاث معًا، فلم يجلس إلا في آخرهن وينوي بينهن في القراءة والجهد، لأنه والي بينهن. أو يكون أراد الجمع بين ركعتين تطوع، وركعة وتر بسلام واحد، فكانت الصلاة في تقدير صلاتين، فلذلك سوى بينهن في القراءة والجهد. ولو أوتر بها كلها وجلس في الثانية لصلاها كالمغرب. ولما لم يفعل ذلك علمنا إن الإتيان بالثلاث لم يقع منه ﷺ إلا على أحد الوجهين اللذين ذكرتهما والله أعلم.
وروى عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه كان يوتر بتسع ركعات بوتر، يقرأ فيهن تسع سور: إذا زلزلت، والعصر، ثم إذا جاء نصر الله، ثم إنا أعطيناك الكوثر، ثم قل يا أيها الكافرون، ثم تبت يدا أبي لهب، ثم آية الكرسي، ثم الآيتين من آخر سورة البقرة، ثم قل هو الله أحد. ثم يقنت قبل أن يركع. وظاهر ذلك أنه والى بينهما ولم يفصل.
وأما معنى الركعتين بعد التسع والسبع، فهو أن الوتر لما لم ينفرد عن الإشفاع كان الحكم للاشفاع، لأنها أكثر من الوتر، فاحتملت الصلاة بعد بلا كراهية والله أعلم.
[ ٢ / ٣١٩ ]
فصل
وأما الكلام في تعجيل الوتر وتأخيرها، فجملة ما روى عن النبي ﷺ أنه قال لأبي بكر ﵁: (متى توتر؟ قال: أوتر ثم أنام. قال بالحزم أخذت) وسأل عمر ﵁: (متى توتر؟ قال: أنام ثم أقوم من الليل فأوتر. ذلك فعل القوى أخذت). وروى أنه قال لأبي بكر (مؤمن حذر). وقال لعمر (مؤمن قوي). وروى أنه قال لأبي بكر (أخذت بالحزم) وقال لعمر (أخذت بالعزم) يعني الأمر بالجملة، إن من كان واثقًا عن نفسه بالقيام فليؤخر الوتر، ومن كان خائفًا أن يغلبه النوم فليوتر ثم ينم.
جاء عن النبي ﷺ: (من خشي منكم أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله. ومن طمع منكم أن يقوم آخر الليل فليوتر آخر الليل، فإن قراءة الليل محصورة) ومن قام من آخر الليل ومد قيامه إليه فيوتر في آخر الصبح لقول النبي ﷺ: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح فيوتر بركعة) وروى: (فليصل ركعة يوتر بها قد صلى).
وقال علي ﵁: هما وتران: وتر حين يحل للصائم الطعام، ووتر حين يحرم على الصائم الطعام، ومعنى هذا - إن شاء الله - وتر يعقبها حرمة الطعام على الصائم، ووتر يعقبه حل الطعام للصائم.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
فصل
وإذا فرغ من الوتر وسلم قال: سبحان الملك القدوس ثلاثًا ويرفع بها صوته. روى ذلك عن النبي ﷺ، وإن وصل بذلك قوله: سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، فهو حسن.
فصل
وإذا أوتر ثم قام، فقد ذهب بعض السلف إلى أنه يصلي ركعة واحدة ليصير ما نفل من أول الليل وآخره شفعًا، ثم يستقبل الوتر إذا فرغ من قيامه، وذهب آخرون إلى أنه إذا فعل ذلك كان أوتر في ليلة واحدة وترين، فيصلي ما بدا له، ويكفيه الذي صلاها قبل أن ينام، وبهذا نقول بأن جميعها نوافل ليلة واحدة. وقد علم النبي ﷺ أن أبا بكر ﵁ من المجتهدين، وروى عنه ﷺ أنه كان يوتر من أول الليل، ثم يقوم فيصلي مثنى مثنى حتى يصبح ولم يأمره بنقض الوتر ثم إعادته، ولم يزده على أن قال: (أخذت بالحزم)،
وروى عنه ﷺ أنه قال: (لا وتران في ليلة). وقد روينا عن النبي ﷺ من فصله أنه أوتر فصلى تسعًا وصلى سبعًا ثم ركع ركعتين بعدما سلم.
فصل
وقد بقي من سنن الصلاة ما لم يذكر، وهو ركعة الطواف وركعتا دخول المسجد. قال النبي ﷺ لسليك الغطفاني حين دخل المسجد وهو يخطب: (أركعت؟ قال: لا. قال: فاركع ركعتين، قال: لكل شيء تحية وتحية المسجد ركعتان، فإذا دخلت المسجد فلا تجلس حتى تصليها).
وأما ركعة الطواف فإنه روى أن النبي ﷺ لما طاف بالبيت، أتى المقام فصلى خلفه ركعتين، قرأ فيهما سورتي التوحيد: قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد. ثم تلا
[ ٢ / ٣٢١ ]
قول الله ﷿:﴾ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴿. وهو من الأعمال الموروثة. وقد ألحق بعض الناس بهذا الباب ركعتي الإحرام، وليس كما قال: لأن سنة الإحرام أن تكون خلف صلاة. وليس من سنته أن تصلي لأجله والله أعلم.
فصل
ومن الصلوات المستحبة غير المسنونة: الصلاة عند الزلازل والرياح العاصفة، والظلمة الغاشية. فإن النبي ﷺ قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة). فأبان ﷺ إن ظهور الآيات مقتض الفزع إلى الصلاة. والزلزلة والريح الشديدة والظلمة لا في وقتها، من الآيات. فكان من حقها الصلاة.
وروى عن ابن عباس ﵄ أنه صلى بالناس في زلزلة وقعت وقال علقمة: إذا فزعتم من أفق من آفاق السماء فافزعوا إلى الصلاة. وظهرت بالكوفة ظلمة فصلى تميم ابن حزام، وأمر بالصلاة إلى أن تنجلي. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: إذا سمعتم الخسوف فافزعوا إلى الصلاة، وأما صفة الصلاة عند هذه الأحداث، فإن عبد الله ابن عباس وعائشة ﵄، رأيا أنها كصلاة الخسوف. ويحتمل إلى الاقتصار: إلى أن تقرير الصلاة المعهودة إلا بتوقيت، والتوقيت وجد في صلاة الخوف، ولم يوجد في غيرها. فكانت سائر الآيات قياسًا عليها في الصلاة عندها، ومردودة في صفة الصلاة إلى سائر أسباب الصلاة والله أعلم.
فصل
فقد بدأت هذا الباب من آياته عظم قدر الصلاة، بما وفق الله تعالى بفضله له. وأقول في جهة: إن من خصائص الصلاة، التي تزيدها فضلًا ويوجب لها فخامة وقدرًا أنه لا
[ ٢ / ٣٢٢ ]
عبادة أشغل للجوارح منها. فإنه ليس في الصيام إلا الكف عن الطعام والشراب والمباشرة ولا في الزكاة إلا دفع مال إلى مستحقه، ولا في الحج إلا أشياء معلومة وكف عن أشياء معلومة وأما الصلاة فإن مبناها على الخشوع لظاهر البدن وباطنه، فإن من حق الصلاة أن لا يشغل المصلي قلبه بغيرها، فيها فناؤه ينتشي عندما صلى، وباؤه يستكلم، فيدعو عنده كوامنه، أو يفارق مصلاه، ويدخل بيته، أو يستدبر القبلة أو يقوم في موضع القيام، أو يتشهد في وقت القراءة، ويقرأ في وقت التشهد. فإن كان هذا مضى، وللصلاة يخالف لها، ثبتت عليه ومن حقها أن يسكن المصلي يده فلا يعبث، ويلزم قصد وجهه، فلا يلتفت ولا يستمع إلى كلام متكلم، فربما اختلفت القراءة عليه، وربما التفت بعض ما يسمعه فقاله. ولا يحدث نفسه في الصلاة فربما ذكر أمرًا فضحك منه، وربما يذكر ما يعمله فاضطربت صلاته عليه. ولا يستكثر من الإشارات في صلاته فيقضي حوائجه بها وهو في الصلاة. ولا يفرقع أصابعه، ولا يلبس في صلاته ثوبًا ولا يضع عن نفسه ثوبًا من غير ضرورة. وإذا أراد أن ينزعه أو ينتجم، فلا يرمي به نحو القبلة، وليأخذ ذلك بطرف ثوبه إن جاء في مسجد. فإن كان في موضع يقدر على قذفه فيه برفق قذفه وكل ذلك داخل في قول الله ﷿:﴾ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴿.
ووردت في هذا الباب أخبار: روى عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا كان أحدكم في صلاته فلا يبزقن أمامه فإنه مستقبل ربه). وروى أنه قال: (إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة فإنما يستقبل ربه والملك عن يمينه، فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه وليبزق عن يساره) وعنه ﷺ أن فصل: (إذا قام في الصلاة فالتفت، قال له الرب: ابن آدم أقبل إلي. فإن التفت الثانية قال له الرب: ابن آدم أقبل إلى فان التفت الثالثة قال: أو الرابعة قال له الرب: لا حاجة لي فيك) وعنه ﷺ قال: (إن المصلي ليناجي
[ ٢ / ٣٢٣ ]
ربه، فلينظر أحدكم ما يناجي به ربه) وقال ابن سيرين: كانوا يرفعون أبصارهم في الصلاة ويلتفتون يمينًا وشمالًا، ولما نزل قوله ﷿:﴾ قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴿لم يلتفتوا يمينًا وشمالًا. وقال مجاهد في قول الله تعالى﴾ وقوموا لله قانتين ﴿. قال في القنوت الركوع والسجود والخشوع وغض البصر وخفض الجناح من رهبة الله، كان العلماء إذا قام أحدهم إلى صلاة يهاب الرحمن أن يشد بصره إلى شيء أو يلتفت أو يقلب الحصى، أو يعبث، أو يحدث نفسه بشيء من شأن الدنيا إلا ناسيًا، ما دام في صلاته.
وقال الحسن: إذا قمت إلى الصلاة فقم قانتًا كما أمرك الله، وإياك والسهو والالتفات أن ينظر الله إليك وتنظر إلى غيره. وتسأل الله الجنة. وتعوذ بالله من النار وقلبك ساه لا يدري ما تقول بلسانك.
وقال ابن جريج: قلت لعطاء بن أبي رياح: أقبض بكفي اليمنى على عضدي اليسرى، وكفى اليسرى على عضدي اليمنى، فكرهه وقال: إنما الصلاة خشوع قال الله تعالى:﴾ الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴿. وقد عرفتم الركوع والسجود والتكبير ولا يعرف كثير من الناس الخشوع قلت لعطاء: أيجعل الرجل يده على أنفه أو ثوبه؟ قال لا. قلت: من أحد يناجي ربه، وأحب إلى أن يخرقاه.
سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: (إذا صليت فإنك تناجي ربك فلا تبزقن أمامك ولا عن يمينك. قلت لعطاء: هل يبطل الالتفات الصلاة؟ قال: لا. قلت فأنظر عن يميني وشمالي: قال: لا، إلا أن تقيم صفًا ولا تطمح ببصرك أمامك، وتطمح به هاهنا وهاهنا، إنما الصلاة تخشع لله. قلت: والالتفات أشد من النظر عن اليمين أو الشمال قال: نعم، ينهى عن الالتفات في الصلاة. وبلغنا أن الرب ﵎ يقول: إلى من تلتفت يا ابن آدم؟ إني خير لك ممن تلتفت إليه.
وقال مجاهد: كان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع. وحدث أبا
[ ٢ / ٣٢٤ ]
بكر كذلك. وقال ابن سرين: كانوا يقولون: لا يجاوز بصر الرجل في صلاته موضع سجوده فقال له مسلم بن بشير، ورأى حذيفة بن اليمان رجلًا يصلي ويعبث بلحيته، فقال: لو خشع قلبه لسكنت جوارحه، وقال سعيد بن جبير ينتقص الصلاة الاحتكاك وتعضضك أصابعك في الصلاة والوسوسة
وتقليب الحصى. وجاء عن رسول الله ﷺ أنه صلى بصلاة يجهز فيها القرآن، فلما فرغ من صلاته قال: (يا فلان، هل أسقطت من هذه السورة من شيء؟ قال: لا أدري فقال رسول الله ﷺ: هل فيكم أمي؟ قال: نعم. قال: يا أمي هل أسقطت من هذه السورة من شيء؟ قال: نعم يا رسول الله، كذا كذا. فقال رسول الله ﷺ: هؤلاء الأقوام يتلى عليهم كتاب الله، ولا يدري ما تلى عنه مما نزل. هكذا خرجت عظمة الله من قلوب بني إسرائيل، فشهدت أبدانهم وغابت قلوبهم، ولا يقبل من عبد عملًا حتى يشهد قلبه مع بدنه).
وعن عمار بن ياسر ﵁ أنه صلى ركعتين فخففهما ولم ينتقص من حدودهما شيئًا. وقال: أني أبادر بهما السهو، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أن الرجل ليصلي الصلاة ما يكون له منها إلا عشرها تسعها ثمنها سبعها حتى انتهى إلى آخر العدد).
فصل
ومن معرفة المصلي بقد صلاته أن لا يجرد المكتوبات عن السنن المشروعة قبلها أو بعدها. قال رسول الله ﷺ: (من رغب عن سنتي فليس مني). وقال الله ﷿: ﴿ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه﴾.
ومنها أن لا يقتصر من المكتوبة على أقل ما يجري كما ذكرناه في السنن المنفصلة عنها فلأن ذلك دلالة لاستقبال العبادة والتبرم بها، كما أن المقبل في الصلاة وأدائها بفرائضها.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
وسننها وهيئاتها وآدابها دليل الحرص على العبادة والحث والاغتنام لما شرع وسهل السبيل إليه منها. ولكل ساع عند الله سعيه، فمن أساء السعي فعلى نفسه جنى، ومن أحسنه فبمثله يجزى وبالله التوفيق.
ومنها أن لا ينفرد بإقامة الفرائض في بيته، لكن يقيمها مع الجماعة في المساجد لما يروى عن النبي ﷺ من قوله: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان). قال الله ﷿: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾. ولأن المساجد إنما تبني لأجل الصلاة والذكر. قال الله ﷿ في بيوت الله: ﴿أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تليهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾. وثبت لها لذلك من الحرمة ما تتميز به عن سائر البيوت، وهو أن لا يحل للجنب أن يلبث فيها، وإن الاعتكاف فيها يصح وفيما سواها لا يصح، وأن من جعل داره خرج من ملكه فلا ينفذ فيها بعد ذلك تصرفه، وإن مات لم يورث عنه. فلذلك يجب لها على المسلمين من الجواز ما لا يجوز لهم تعطيلها وتخريبها إذا تركوها ولم يصلوا فيها، لم يعثوا بخرابها ولم يعمروها. وهو سوى ما جاء عن النبي ﷺ من قوله: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد تسعًا وعشرين درجة). والصلاة جماعة أفضل وإقامتها أفضل لما ذكرت من الحديث في كل واحد من الأمرين والله أعلم.
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (صلاتك مع الرجل أزكى من صلاتك وحدك، وصلاتك مع الرجلين أزكى من صلاتك مع رجل، وما كان أكثر هو أحب إلى الله ﷿).
فإن قيل: كيف يجوز أن يقول النبي ﷺ: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان) ويستدل على ذلك بقول الله ﷿: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله
[ ٢ / ٣٢٦ ]
واليوم الآخر﴾ وقد علم أن المراد بالآية عمارة ما خرب من المسجد، ورم ما استرم ألا ترى أنه قال: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة﴾ فلو كان المراد بالعمارة والصلاة لصار كأن قال: إنما يصلي في مساجد الله من آمن بالله وأقامن أن الخبر لا يجوز أن يأتنا عن النبي الصلاة. وذلك لا وجه له. هذا وقد قال: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد كمن آمن بالله واليوم الآخر﴾. أي أجعلتم ولاية المسجد والقيام بعمارته كسقاية الحاج كإيمان من آمن بالله فثبت أن معنى قوله ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾. أي إنما ينبغي أن يتولى عمارة البيت من يؤمن بالله ويقيم الصلاة. في هذا ما أبان أن ذلك الخبر لا يجوز أن يأتنا عن النبي ﷺ.
فالجواب: أن ما جاء عن النبي ﷺ فهو ملائم لما قاله هذا القائل من معنى الآية. ووجه ذلك والله أعلم- أن الاهتمام بعمارة المسجد وحضوره لا يليق بالمشركين، وإنما هو من عمل المؤمنين. لأن الإيمان هو الذي يبعث عليه يدعو المؤمن إليه. فكما أن الله ﷿ نفي ولاية المسجد والقيام بعمارتها عن المشركين، لأن الكفر بالله يحول بينهم وبينا الاهتمام بالبيوت المضافة إليه المختصة بعبادته. فكذلك اعتياد المساجد والولوع بها والانقطاع إليها بالتعبد، لا يليق بالكفار بالله، إذ الكفر يحول بينهم وبين عبادته، وتعظيم البيوت المضافة إليه. فمن روى ذلك منه وعرف به فينبغي أن يشهد له بالإيمان، فإنما تلا رسول الله ﷺ تلك الآية، ليجعل ما جاءت به مثلا لما ذكره من اعتياد الرجل المسجد لا ليحتج بلفظها به والله أعلم.
فأما إقام الصلاة جماعة فقد قيل: أنه من فروض الكفاية. فلا ينبغي لبد وإن صغر، أو لقرية أو حصن من أن تقام فيه الجماعة للمكتوبات الخمس، ومن أتى بها منهم سقط بذلك الفرض عن الباقين، وإن تركوها جميعًا فكلهم خرجون، وقيل: أنها سنة مؤكدة، وقد جاء عن النبي ﷺ تغليظ شديد على من تركها، نحو قوله: (من سمع النداء فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له). ونحو قوله: (لقد هممت أن آمر فتياني أن يجمعوا الحطب ثم آمر بالصلاة فتقام، فإن خالف إلى أقوام لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم
[ ٢ / ٣٢٧ ]
بيوتهم) وقد قيل، إنما قال ذلك لأنه لم يكن يتخلف عن الصلاة خلفه بالعلل الداحضة إلا المنافقون، وهم لا صلاة لهم بالحقيقة. فإن أحرقت بيوتهم كانوا لذلك أهلًا.
وجاء عنه ﷺ ما يبين أنها فرض وليست بفرض، وهو قوله (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة). وهذا يحتمل أن يكون، على أن فرائض اليوم والليلة سبع عشرة ركعة. وقال ابن عمر ﵄: حفظت عن رسول الله ﷺ عشر ركعات لم يدعهن: ركعتين قبل الفجر، وركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء، فأما الوتر فإنه لم يذكرها لأنها من صلاة التهجد، ولعله علم أنه كان يدعو في الشهر لذلك. روى عنه نفسه أنه كان لا يوتر في السفر، يقول: لو كنت منتقلًا لأتممت، فإذا ضممت بالعشر ركعات إلى السبع عشرة كانت صلاة اليوم والليل، فرضها ونفلها سبعًا وعشرين ركعة. فإذا أراد النبي ﷺ أن كل صلاة أقيمت جماعة كصلاة يوم وليلة إذا أقيمت لا في جماعة.
ويحتمل ذلك وجهًا آخر وهو أن يكون إشارة إلى الفوائد التي تعود على المصلي في الجماعة، لأجل اجتماعه مع الناس على الصلاة، فيكون منها آمنه من السهو عن بعض أركان الصلاة، والشك في أنه ركع أو لم يركع، وسجد سجدة أو سجدتين وصلى ركعة أو ركعتين. ومنها أن الصلاة في الجماعة إظهار للدين وليس إظهاره كإخفائه. ومنها أن الشغل في صلاة الجماعة أكثر منه في الانفراد، ولولا ذلك لما يجري المتخلف عن الجماعة بتخلفه عنها تخفيفًا عن نفسه، والشغل بالعبادة عبادة.
ومنها أن الكاره لا تفوته الجماعة: أما أن يلزم المسجد منتظرًا الصلاة فذلك في حكم الصلاة وهو له عبادة. قال النبي ﷺ: (أن أحدكم في الصلاة ما دام ينتظر الصلاة).
وأما أن يتردد إلى المسجد في الظلمة مرة وفي الضياء أخرى والحر الشديد والبرد الشديد ومقاساة العناء في العبادة عبادة.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
ومنها أن المسلمين إذا التقوا كل يوم وليلة خمس مرات للاجتماع على الصلاة عاد ذلك عليهم بالألفة والمودة، ولم يتقاطعوا ولم يستوحش بعضهم من بعض بأدنى بلاغ وأقل سبب. ويلتحق بهذا أن بعضهم يسأل عن بعض إذا لم يره، وأن كان وجل له حق قضاء، وإذا لم يجتمعوا ولم يتلاقوا جهل حال بعضهم حال بعض، ولم يصل إلى قضاء حق إن كان قد وجب له.
ومنها أنهم إذا قصدوا أن يصلوا جماعة احتاجوا إلى مكان يضمهم، فبينوا المساجد وعمروا ما قد بني منها. وكل واحد من البناء والعمارة عبادة. قال النبي ﷺ: (من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بني الله له بيتًا في الجنة).
ومنها أنهم إذا أرادوا ذلك احتاجوا إلى مؤذن يحافظ عليهم الأوقات، ويعلمهم بها، فإذا نصبوه فالآذان للمؤذن عبادة. ونصبهم إياه الفرض الذي وصفنا عباده.
ومنها أنهم يحتاجون إلى إمام يكون لهم بمنزلة القائد والوالي، فإمامته إذا أدى الإمامة فيها له عبادة، واقتداؤه به لهم عبادة.
ومنها إن أكمل الصلاة هي الجمعة، فإذا صلى الناس غيرها جماعة فقد شهرها بها وحصلوا فيها بعض معانيها وأوصافها متبرعين، فكان ذلك نظيرًا أن يصلوا في الوقت الذي لا فرض عليهم فيه متنقلين، فشبهوه بالوقت الذي فيه عليهم فرض، وتحصوا فيه معناه ووصفه.
ومنها: أن الصلاة في الجماعة تقع لأوقاتها لأن كل واحد يفزع نفسه لشهورها وإقامتها، وصلاة المنفرد تقع مرة لأول الوقت ومرة لآخره، وربما تنتهي عن الوقت، وليس المحاسب نفسه كالمساهل إياه.
ومنها أن التدرب على الجماعة عصمة من ترك الصلاة، لأن المنفرد قد ينام عن الصلاة وقد ينساها، وقد يغفل منها وقد يكسل عنها ويتركها. والموكل بالجماعة ما بين هذا كله.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
ومنها أن في ذلك غيظًا على الكفار إن شاهدوا من المسلمين جموعهم ومساجدهم واجتماعهم بأمر دينهم ومواظبتهم على عبادتهم. ومنها: أن منها تشبهًا بالملائكة المرقبين حيث يقولون: ﴿وما منا إلاله مقام معلوم، وإنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون﴾. ومنها: أن الصلاة من بعضهم على عين بعض أجزى وأخضع، ومن التجبر والتعظم أبعد.
ومنها: أنه قد يدخل مع النوم من لا يحسن الصلاة فيصلي بصلاتهم ويأخذ عنهم فيكون أقام الصلاة بإجماعه من هذا الوجه إعانة على البر وهداية إلى الخير.
ومنها: أن الإجماع على الاقتداء بالإمام الذي إليه جمعهم وإليه إمامتهم، قضى حق الطاعة له، وإنما ذلك للسلطان، وطاعة السلطان عبادة.
ومنه أنها إذا مرقوا على الصلاة خلف سلطنهم أسرعوا إلى طاعته فيما يدعوهم إليه، ويحملهم عليه من جهاد وغيره. وإذا مرقوا على الإنفراد لم يؤمن أن يحدث عنهم من التباطؤ ما يدعو إلى الشقاق والفرقة.
ومنها أن ذلك تشبهًا منهم بصف المقاتلين الذين يقول الله ﷿: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص﴾.
ومنها أن القبلة هي البيت وعنده كانت إمامة جبريل ﵇ للنبي ﷺ. ومعلوم أن المسلمين إذا اجتمعوا حول البيت فصلوا، صارت جهاته مستوفاة لهم ضرورة، واستيفاؤها للمنفرد غير ممكن.
ومنها: أنهم إذا صلوا جماعة سلم بعضهم على بعض.
ومنها: أن الإمام يدعو لنفسه وللقوم، وكل واحد من القوم يدعو لنفسه وللجماعة، وذلك أرجى من دعاء المنفرد وحده.
ومنها: أن المسلمين يصومون معًا ويحجون معًا، فلما أمكن أن يصلوا معًا كان ذلك أولى بهم من أن ينفردوا ويتباينوا بين الصلاة وقرينتها من أركان الصلاة.
ومنها: إن في الجماعة تعظيمًا للمقصود بالخدمة لما يستشعره كل واحد من استضعاف نفسه، وإظهاره الحاجة إلى آخرين، فينصتون إليه فيتقوى بهم.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
ومنها: أن الإمامة سبب جهر الإمام، إذ كان لولا الإمامة ما كانت منتهى الجهر والجهد زيادة في صفة الذكر، زيادة الخير خير.
ومنها: أن الصلاة جماعة زينة تين بها الفرض وغيره لما يمكن من وجوه الذين أولى من التسوية بينه وبين النفل، كما يؤذنوني له ولا يؤذنون للنفل.
ومنها: أن الجماعة من مناسك الحج، فإنهم أمروا أن يجتمعوا بعرفة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وإنما يفعلون ذلك جماعة، ولا يخل الانفراد في مناسك الحج.
ومنها: أن الجماعة نصرة حاضرة، حتى لو حدث خوف لحرس بعضهم بعضًا ليبتلوا والانفراد خذلان ووحشة، فتلك سبع وعشرون والله أعلم، لما أراد رسول الله ﷺ وبه التوفيق للصلوات.
فصل
وإذا ظهر حضور المساجد للجماعات. والصلوات متفاوتة في ذلك، وأفضل الصلوات في ذلك العشاء والفجر.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لو يعلم المتخلفون عن صلاة العشاء والغداة لأتوهما ولو حبوًا). وعنه (أن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر).
وعن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: اسمعوا وأبلغوا من خلفكم حافظوا على هاتين الصلاتين العشاء والصبح لو تعلمون ما فيهما لأتيتموها ولو حبوًا على مرافقكم وركبكم. وقال عمر ﵁: لأن أصليهما في جماعة أحب إلى من أن أحيي ما بينهما، وجاء عن النبي ﷺ قال: (شهود صلاة العشاء لآخرة كقيام نصف الليل، وشهود الصبح كقيام ليلة حق الصبح). ثم لذلك آداب وشروط يحتاج إلى المحافظة عليها.
أحدها أنه ينبغي لكل أحد منهم أن يتنظف، ويتحرى أن يحضر المسجد على حال
[ ٢ / ٣٣١ ]
لا يؤذي بها أحدًا. وقد ذكر من ذلك في الغسل للجمعة ما قد ذكر. وجاء في هذا الباب أن أنسًا ﵁ سئل عن الثوم فقال: قال رسول الله ﷺ: (من أكل من هذه الشجرة شيئًا فلا يقربنا ولا يصلين معنا). وفي رواية أخرى قال رسول الله ﷺ: (من أكل من هذه الشجرة شيًا فلا يقربنا- ويريد الثوم في مجلسنا فقلت: المسجد الحرام؟ فقال: (في المساجد كلها). وفي بعض الرواية أنه لما قال ذلك قال الناس: محرم. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فخرج علينا فقال: (يا أيها الناس أنه ليس لي تحريم ما أحل الله، ولكنني أكره ريحها).
وفي بعض الروايات أنه قال: (من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا) وجاء أن النبي ﷺ، كان لا يأكل الثوم ولا الكرات ولا البصل، من أجل أن الملائكة تأتيه. ومن أجل أنه يكلم جبريل.
وفي رواية أخرى: (من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا، أو يعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته). وهذا كله فيمن أكل ثومًا أو بصلًا، فكان إذا دخل مسجدًا وحضر جمعًا من جموع المسلمين آذى الناس برائحته الخبيثة. فأما إذا كان مطقوخًا لا تبين منه رائحته ما ينأى به، فلا بأس به. فقد روى مفسرًا أن النبي قال: (من أكل البصل والثوم والكرات نيًا، فلا يقربنا مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به الناس).
وخطب عمر بن الخطاب ﵁ فقال في خطبته: "يا أيها الناس أنكم تأكلون من شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين، هذا الثوم وهذا البصل، لقد كنت أرى الرجل على عهد رسول الله ﷺ يؤخذ منه ريحه، فيؤخذ بيده، حتى يخرج به من الجمع. إلا فمن أكلها فليمتهما طبخًا. وروى هذا مسندًا عن النبي ﷺ قال: (إن كنتم لابد من آكليهما فأميتوها طبخًا). يعني البصل والثوم. وقال علي ﵁: لا يصلح أكل الثوم إلا مطبوخًا.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
فصل
وينبغي لمن أراد المجد أن يمشي غليه، وإن بعدت داره، إلا أن لا يطيقه. قال رسول الله ﷺ: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قلوا: بلى يا رسول الله قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط).
وعنه ﷺ قال: (إذا عاج أحدكم مريضًا فليقل: اللهم اشف عبدك شكا لك عدوًا أو يمشي إلى صلاة). وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: أقيمت صلاة فخرج رسول الله ﷺ يمشي وأنا معه يقارب في الخطى، فقال: (أتدري لأي شيء مشيت هذه المشية؟ ليكثر عدد خطاي في طلب الصلاة) وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتاهم فقال: (يا بني سلمة، دياركم دياركم، فإنما تكتب آثاركم). فأقاموا وقالوا: ما يسرنا إن كنا تحولنا، يعني قول الله ﷿: ﴿ويكتب ما قدموا وآثارهم﴾ فإن كان المشي في الظلماء فقد (روى) أن رسول الله ﷺ قال: (بشر الماشي في ظلم الليل بالنور التام يوم القيامة). وعنه أنه قال: (من مشى في ظلمة الليل إلى المسجد آتاه الله نورًا يوم القيامة). وعنه أنه قال: (بشر المشائين إلى لمساجد في الظلم، فإن أولئك الخواضون في رحمة الله).
ورأى رجل الحسن البصري، وهو المسجد لصلاة العشاء في ليلة مظلمة ذات ريح، فقال: في هذه الليلة يا أبا سعيد؟ فقال: التشدد أو الهلكة. ولا ينبغي لمن أراد
[ ٢ / ٣٣٣ ]
الجماعة، وخشي أن يسبقه الإمام أن يسعى، لأن النبي ﷺ قال: (إذا أتيتم الصلاة فلا تأثرها وأنتم تسعون، وأتوها وانتم تمشون وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا). ومن دخل المسجد فإنه يقول ما رواه علي ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: (اللهم افتح لي أبواب رحمتك) وإذا خرج قال (اللهم افتح لي أبواب فضلك).
فصل
وقد كانت النساء يحضرن في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، وأمرهن رسول الله ﷺ أن لا يخرجن إلا بفلاة، وغلظ عليهن في حس الطيب إذا خرجن، إلا أن عائشة ﵂ قالت: لو رأى رسول الله ﷺ ما نرى لمنعهن المسجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها.
وقال عبد الله؛ احبسوا النساء في البيوت، فإنما النساء عورة، فإن المرأة إذا خرجت من بيتها استسرقها الشيطان، وقال لها: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجب بك، وجاء أن النبي ﷺ قال: (لفضل صلاة المرأة في بيتها على صلاتها في الجماعة خمسًا وعشرين درجة).
وجاءت امرأة أبي حميد الساعدي إلى رسول الله ﷺ فقالت: (يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، فقال: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي) فأمرت فبني لها مسجدًا في بعض شيء من بيتها، وأظلمته. وكانت تصلي فيه حتى لقيت الله ﷿.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
فإن قيل: فهلا منعنهن المساجد إذا كان الفضل لهن في الخلوة والانفراد، كما منع الرجال من التخلف عن الجماعة، إذا كان الفضل لهم في حضورها.
قيل: لأنه كان لهن في الحضور عذر لم يكن مثله للرجال في التخلف. وهو الدخول في دعاء النبي ﷺ إذا قنت، وفي سلامه إذا سلم على القوم فيحلل. فإن كان ذلك يحصل بهن إذا حضرن ويقربهن إذا تخلفن، وكي لا يطبن نفسًا بالفوت فلم يضيق عليهن. وجاء أن يصل بحب ظنهن، وينتهي ببركة دعاه وسلامه إلى أكثر من الفضل الذي كان يكون لهن في لزوم البيوت. وهذا المعنى في جانب غيره، لا يقوى كقوته في جانب النبي ﷺ كان الأولى بهن لزوم البيوت والله أعلم.
فصل
وإذا أراد الرجل الخروج إلى الصلاة، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا خرجت من منزلك فصل ركعتين يمنعانك مخرج السوء، وإذا دخلت منزلك فصل ركعتين يمنعانك مدخل السوء). وهذا فيمن خرج إلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة صلى في بيته، وإن رجع من الفجر أو العصر لم يصل.
فصل
وينبغي للجماعة أن يسووا صفوفهم، والإمام يتعهد ذلك منهم، ويأمرهم به. جاء عن النبي ﷺ كان يسوي الصفوف كما يسوي القداح والرماح، وكان يقول: (ما يمنعكم أن تصف الملائكة الذين عند الرحمن؟ قالوا: وكيف يصفون؟ قال: يتمون الصف الأول، ويرصفون الصفوف رصفًا). وكان يقول: (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ولتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم). وجاء أنه كان إذا أقيم الصلاة،
[ ٢ / ٣٣٥ ]
أخذ العود بيده اليمنى ثم التفت وقال: (اعدلوا صفوفكم واستووا، ثم أخذ بيده اليسرى ثم التفت فقال: اعدلوا صفوفكم). وإذا اصطف الناس صفين، وفي الأول فرجة، فينبغي لأحد من في الصف الثاني أن يتقدم فيسد الفرجة. قال رسول الله ﷺ: (من سد فرجة في صف رفع الله بها درجة). ولا ينبغي أن يصطفوا صفوفًا ناقصة، ويفعلوا كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أتموا الصف الأول ثم الذي يليه، فإن كان نقص وليكن في المؤخر).
وينبغي إذا كان القوم طبقات أن يلي الإمام منهم أفاضلهم ثم الأمثل، وإن تعدل الصفوف على هذا فإن رسول الله ﷺ قال: ليلين منكم ذوو الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: تقدميا فلان، تقدم يا فلان).
وقال قيس بن عياد ﵁: بينا أنا أصلي في مسجد المدينة في الصف المتقدم، إذ جاء رجل من خلفي فجيذني جبذة فنحاني، وقام في مقامي. فوالله ما علقت صلاتي، فلما سلم التفت إلى، فإذا هو أبي بن كعب ﵁، فقال: يا فتى لأبشرك أن هذا عهد النبي ﷺ قال: (كونوا في الصف الذي يليني، وما فعلته). وما فعلته تجاهله، وأفضل الصف الأول ما كان عن يمين الإمام، ومنه ما كان أقرب إلى الإمام.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: (أفضل الصفوف الصف الأول، وأفضل الصف الأول ميمنته، وأفضل ميمنة الصف الأول أقربهم إلى الإمام). وينبغي إذا صف الناس خلف الإمام فدخل رجل فأحسوا به، وأمكنهم يوسعوا له أن يفعلوا. قال النبي ﷺ: (خياركم أحبكم مناكب في الصلاة). وإذا كثر الناس في المسجد فليصفوا في وجوه السواري أو يخلفوا وراءهم ولا يصطفون بين السواري.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وعن عبد الله كان يرى أن يصف بين الاسطوان. وعن حذيفة وابن عباس ﵄ مثله. وقال أنس بن مالك ﵁: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ يعني: الاصطفاف بين السواري. ويجهل أن يكون ذلك، لأن سنة الصف الاتصال والسواري مقطعة، وإذا اجتمع الناس في المسجد ينتظرون الإقامة، فأقام المؤذن. فإن كان الذي أذن وأقام فهو الإمام، فينبغي للقوم إذا سمعوا قوله قد قامت الصلاة، أن يقوموا. وإن كان الإمام غيره، فلا يقوموا حتى يروا الإمام قد خرج أو يروه إن كان بينهم. روى أن النبي ﷺ قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا تقوما حتى تروني قد خرجت).
فصل
واختلف السلف في الإمام إذا سلم، فكان ابن عمر ﵁ يسلم ويقول: لا تسبق من صلاتك بعد الإمام شيئًا، وإذا سلم الإمام، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سلم الإمام فردوا عليه). وروى أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يردون على الأمام ثم يسلموا.
وروى عن ابن عمر ﵄ أنه كان يسلم أولًا عن يمينه، ثم يرد على الإمام. وتأويل ما جاء عن النبي ﷺ في هذا عندما كان يتولى القوم بسلاحهم الإمام والحفظة. فإما أن يردوا عليه في صلاتهم فا أزادوه مما هو جائز. والخبر عن الصحابة أرسله كحول، ولا حجة في المرسل إذا انفرد.
فصل
ولا ينبغي لأحد من القوم أن يفارق مكانه بعدما قضى الإمام صلاته حتى يقوم الإمام، إلا أن يكون عليه قضاء. روى عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالعقود ولا بالانصراف).
[ ٢ / ٣٣٧ ]
فصل
ومن صلى وحده ثم أدرك الجماعة فليعدها معهم، لأن النبي ﷺ قال: (إذا جثتما فصليا، وإن كنتما قد صليتما). فإن كان يصلي في جماعة، فمن علل النص بادر إلى فصل الجماعة، قال: لا يعيد، ومن علله بالاحتراز من الخلاف والشذوذ، قال: يعيد.
فصل
ومن فاتته الصلاة في مسجد، فيتبع المساجد رجاء أن يوافق جماعة فحسن. جاء عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه كان يفعل ذلك وإن كان في بيته قوم فرجع إليهم فصلى معهم فجائز. فإن فات الجماعة أجرى معهم فخلوا المسجد فصلوا فيه جماعة جائز. ولا ينبغي لمن كان في مسجد فأقيمت فيه الصلاة أن يخرج قبل أن يصلي إلا أن يكون له عذر بين. فعل ذلك رجل فقال أبو هريرة ﵁: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ. وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، قال رسول الله ﷺ.
* * *
[ ٢ / ٣٣٨ ]