وهو باب في بر الوالدين
قال الله ﷿: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا﴾. وقال: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا، وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾. وقال: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحسانًا، حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا، وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا، حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة، قال: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها علي وعلى والدي، وأن أعمل صالحًا ترضاه وأصلح لي في ذريتي، أني تبت إليك وأني من المسلمين﴾.
وقال: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن، وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالدي إلي المصير، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم، فأنبئكم بما كنتم تعملون﴾. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لئن يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه). وإنه قال: (رضاء الله مع رضاء الوالدين، وسخط الله مع سخط الوالدين). ولن تختلف الأخبار في أن عقوق الوالدين من الكبائر. وفي حديث
[ ٣ / ٢٤١ ]
شهر رمضان: أن جبريل صلوات الله عليه قال: رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له، فقال النبي ﷺ: (آمين).
وبالجنين أن يكون لحق الوالدين هذا التغليظ، فإنهما سبب لكون الولد ووجوده، والفضائل كلها تعقب الوجود. فما صار سببًا له فهو سبب لها، وكفى بهذا حقًا عظيمًا وذمًا أكيدًا. ثم الأم أعظمها حقًا وأوجبها حرمة لأن شغلها للولد أكثر، فإنه من الرحم يحدث، ثم يكون فيه إلى أن يتم خلقه، وينفخ فيه الروح. وتقاسي الأم في ولادته وتربيته ما لا خفاء به. والوالد خلي هذا كله. فوجب إذًا (أن يكون حق الأم أعظم وحرمتها أكد. فأما نسبة الولد، فإنما كانت إلى الأذن دون الأم لأن المراد منها الشهر والتعريف، وأمر النساء مبني على الستر فلم تقع الإضافة إلى الأم ما هو المراد من الشهر، والتعريف إذا كانت العادة أن الأم بنفسها غير معروفة ولا مشهورة، ويستحيل أن يقع تعريف المجهول بإضافته إلى مجهول مثله، أو أشد جهالة منه، فلذلك أنهي بذكر الأب وصف ذكر الأم عند الدعوة، ومما يبين حق الأم أنها أخص بالولد من الأب، لأن الولد لابد له من الأم. فأما الأب فله منه يد، لأن الله ﷿ قد خلق عيسى ﵇ من أب منخلق، وكونه فتكون. فلما كان الذي طرق وجوده الولادة تقتضي الأم وتنبغي بها، ولا تقتضي الأب. علمنا أن الأم أخص بالولد من الأب. فإذا كان للأبوين من الحق ما لا يكون لغيرهما، كان للأم من الحق ما لا يكون للأب. وبين ذلك أيضًا أن الأبوين يشتركان في الولد ثم يكون من الأم الرضاع الذي لو وقع من أجنبي لأوجب قربًا وألزم حقًا، فصار للأم في الولد سببان ولأبيه سبب واحد. فعلمنا أن حق الأم أوجب وأعظم. وجاء في بعض الأخبار أن امرأة أبي الأسود الدؤلي خاصمته إلى بعض القضاة في ابن لها منه أراد أن يأخذه منها، فقالت المرأة: أيها القاضي، إن هذا الصبي كان بدني له غذاء، وحجري له وقاء، وجوفي له وعاء، فالآن لما كبر، قد عزم أن يفجعني به، فقال أبو الأسود: إن كان كذاك فقد حملته قبل أن تحمليه، ووضعته قبل أن تضعيه، فقالت المرأة: حملته خفًا وحملته ثقلًا، ووضعته حياء ووضعته كرهًا. فقال القاضي: قد خصمتك، خذي ولدك.
[ ٣ / ٢٤٢ ]
فصل
وقد اختلفت الدلائل في كون الجنين، فذهب بعضهم إلى أن يكون من ماء الرجل وحده، ويتربى في رحم الأم، ويستمد في الدم الذي يكون فيه. وذهب غيرهم إلى أنه يكون من ماء الرجل والمرأة معًا. ومن قال بالقول الأول، قال: إنما نسب إلى الأب ولم ينسب إلى الأم لأنه خلق من ماء الأب ولم يخلق من ماء الأم. وذهب إلى أن حق الأب ألزم وأعظم لأنه جزء منه منسول من بدنه وليس بسلالة من الأم، واحتج بقول الله ﷿ ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين﴾. وقوله: ﴿ألم يك نطفة من مني يمنى﴾ فدل ذلك على أن الخلق كان من ماء واحد.
ومن قال بالقول الثاني: قال: إنما ينسب إلى الأب دون الأم لما سبق بيانه ولأن القيام بصالحه كلها من النفقة وغيرها عليه. أما الخلق فإنه منهما. وذهب إلى أن حق الأم أعظم وأوجب، واحتج بقول الله ﷿: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ وقوله: ﴿خلق من ماء دافق يخرج بين الصلب والترائب﴾. وقال: أراد به أصلاب الرجال وترائب النساء. ولأن المرأة تمني كما يمني الرجل، ولو لم يكن منها خلق لم يكن لها شيء. وبأن النبي ﷺ سألته امرأة عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، هل عليها الغسل. فقالت لها أم سلمة: فضحت النساء وهل ترى المرأة ذلك؟ فقال النبي ﷺ: (نعم، يكون شبه الخؤول والعموم، إذا علا ماء الرجل أشبه الولد الرجل، وإذا علا ماء المرأة شبه الولد المرأة) ثم قال النبي ﷺ: (إذا رأت إحداكن الماء الدافق فلتغتسل). ومن ذهب إلى هذا، قال: ذكر الله ﷿ أنه خلق الإنسان من السلالة والنطفة ولكنه لم يصفه إلى أحد الأبوين دون الآخر كالسلالة لهما والنطفة منهما بدلالة قوله ﷿: ﴿خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب﴾. وقد
[ ٣ / ٢٤٣ ]
قال ﷿ في قصة الطوفان: ﴿فالتقى الماء على أمر قد قدر﴾. وإنما أراد ماء السماء وماء الأرض، لأن الالتقاء لا يكون إلا من اثنين، فلا ينكر أن يقول: ﴿خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ ويريد ماءين والله أعلم.
فصل
ثم أن الله ﵎ كما وصى بالوالدين الإحسان وكرر من حقوقهما ما عسى يعقل الأولاد عنه، كذلك للأحكام بين الوالدين والمولودين على ما يقتضيه الأصل الذي سبق وصفه، فمن ذلك أنه نهى عن انتهار الوالدين وأمر بالتواضع والذلة لهما من الرحمة وقيل في الرحمة: أنها صفة مركبة من الحب والجزع، وهذا من الآدميين، فلا يجوز مثل هذا على الله، فأمر الولد أن يحب والديه، وأن يكون قلبه لهما بحيث لا يحتمل أن يصيبهما أذى أو يمسهما سوء بألم من أدنى مكروه يصل إليهما. فإذا كان من الحب لهما بهذه المنزلة، فذلك هو الرحمة، وهو إذا وجدها في قلبه لهما، لم يكن منه انتهار لهما ولا مفارقة لطاعتهما إلا أن يكونا كافرين، ويأمر الوالد بالكفر، أو يكونا فاسقين، فيدعو الولد إلى الفسق فيحرم عليه أن يطيعهما، لأن الله ﷿ أولى به منهما، وحقه أولى وأعظم من حقهما، وهو يأمره بخلاف ما يأمرانه به، فطاعته أولى من طاعتهما، ومن ذلك أنه أبطل القصاص عن الأبوين إذا قتلا أو أحدهما الولد. ومعنى ذلك أنهما كانا سبب وجود الولد، فإنهما قبلة قضى الله تعالى عن الوالد حقه، لأن القتل لأجله، فيكون بقاؤه بعدما قتل ولده حرًا لكونه سببًا لوجود الولد في الابتداء. وكذلك إذا قتل ولد والده لم يقتله ولده قصاصًا لهذا المعنى بعينه.
ومن ذلك أنه إذا قذف ولده لم يجلد، لأنه كان سببًا لكل فضيلة من فضائل الأحياء نالها الولد، فجعل ترك الجلد عليه لئلا ينادي به، ولا يألم منه قضاء بحق الولد عنه، فيما كان للولد سببًا لوصوله إليه من نعمة الحياء وغيرهما. ومن ذلك أن الولد إذا ملك أبويه عتقًا عليه لأنهما كانا سببًا لوجوده، وكل ما تبع الوجود من الفضائل فلم يسلط عليهما
[ ٣ / ٢٤٤ ]
بالاسترقاق، لأن حقهما عليه يقتضي أن يخفض لهما جناح الذل من الرحمة. والاسترقاق استصغار واستذلال، فاستحال يستذل من أمر بالذلة لهما، ومن ذلك وجوب النفقة لهما عليه عند الحاجة ليكون سببًا لبقائهما عند حاجتهما إلى معونته، كما كانا سببًا لوجوده. ومن ذلك أن على الابن أن يعف أباه إذا عاد وبصق. وقدر الإبن على إعفائه ليصونه عن الرجم والجلد فلا يناله واحد منهما من قبله، قياسًا على أنه لو قتله لم يضل لأجله، ولو قذفه لم يجلد لأجله. فكذلك لا ينبغي أن يناله في بدنه رجم ولا جلد من قبله، ولو لم يعفه وهو قادر على إعفائه، حتى أوقعه السبق في أحد الحدين لكان ذلك قد أصابه من قبله، لأنه قادر على دفعه عنه بالاعقاف ولم يفعل. فثبت بذلك أن عليه إعقافه.
وذكر بعض العلماء أن الأب لا يحبس في دين الابن، ولم يختلفوا في أنه لا تقطع إذا سرق مال الولد. ومعناه ما مضى، أن ابن الأب سبب لوجود الولد على ما هو عليه من كمال خلقه وتمام إعطائه، فجري عنه بأن لا ينقص شيء منه لأجله، ومن ذلك أن أحد الأبوين إذا وهب لولده شيئًا وسلمه إليه، كان له أن يراجعه إن بدا له.
قال النبي ﷺ: (لا يحل لأحد أن يرجع فيما وهب إلا الوالد فيما وهب لولده). ومعنى ذلك أن الوالد لا يعطي ولده ماله إلا استزاده به من بره. ولا يرجع عطيته في الغالب إلا لعقوق يظهر منه. فإذا كانت العطية لاستزاده إليه فكانت فيهما عقوق، كانت كما لو وقعت شرط ثواب، فلم يوصل إلى الثواب.
وإذا كانت أحكام الله تعالى موضوعة على ما وضعت، فواجب على الولد أن ينهج في تعظيم الأبوين وطاعتهما المنهج الذي يليق بهذا الموضوع. فإذا أصبح تقدم إلى الأبوين تقدم العبد إلى سيده وسلم عليهما، أو حياهما بأحسن ما تكون التحية، وانتظر ما يأمرانه به ويمثلانه به، فيبلغ فيه ما يسرهما ويرضيهما عنه إن قدر ولم يحل دونه حائل. فإن كان له عذر أخبرهما به غير متضجر من أمرهما ولا مستقل إياه على أرفق وجه وأقربه إلى أن يستوحشا عنه ولا يظنا به خلاف ما عنده، وكان في عامة الأوقات لهما كما يحبان ويرضيان. فإن احتاجا إلى ماله لم يبخل به عليهما. وإن لم يكن له مال، وكان له كسب واحتاجا
[ ٣ / ٢٤٥ ]
إليه كسب عليهما كما يكسب على نفسه، ووفاهما كل ما يفيه نفسه. وإن أراد الجهاد متطوعًا ولم يكن فقيرًا، فمعناه قعد، لأن النبي ﷺ قال للذي يريد الجهاد: (هل لك أبوان؟ قال: نعم. قال: ففيهما الجهاد).
وإذا كان هذا مما يؤمر به إذا كان له أبوان يحتاجان إلى قيامه عليهما، فهما إذا صرحا بالنهي كان ذلك ألزم له وأوجب عليه. وإن خرج إلى الجهاد وهما لا يعلمان، أو علما ولم يتهيآ، أو أذنا ثم بدا لهما فأرادا رده، فواجب عليه أن يرجع ما لم يلتق الزحفان، فإذا التقيا لم يجز له أن يرجع. وهكذا إذا منعاه من حجة التطوع، وإن خرج بإذنهما أو بغير إذنهما، فأراد رده، وجب عليه أن يرجع ما لم يحرم، فإذا أحرم لم يرجع حتى يكمل نسكه. وإذا كان للولد سوق يتجر فيها، فأراد أبواه أن يقيم عندهما ولا يفارقهما، فينبغي له، إن لم يكن له إلى التجارة حاجة، أن ينصب في السوق من ينوب عنه، أو يقارض ماله رجلا ويقعد عند أبويه. وإن كانت له إلى الكسب حاجة، فإن قدر على كسب لا يحتاج إلى مفارقتهما إلا آثر ذلك الكسب على غيره، وأقام عندهما. وإن احتاج إلى الكسب ولم يجد بدًا من الخروج، خرج أقل ما يكفيه ولم يشقق عليهما، عيفا وقته، ثم عاد إليهما واعتذر، وسأل أن يعفوا عنه ويستغفر له والله أعلم.
وإذا احتاج الأبوان إلى خدمة يصلح الولد لها، فينبغي له أن يفيهما ولا يكلهما إلى غيره، وإن لم يصلح لها بنفسه، وقدر على ما يصلح لها بملك وأجاره وتحمل من دين ما يقضي به الحاجة، وتنزاح العلة. وينبغي له أن تكون عامة ما يؤديه من حقوق والديه ويتقلد مكانهما من إحسان مقرونًا باليسر والطلاقة والسلاسة، لا يريان منه تكرهًا وضجرًا ببغضه عليهما. ويجتهد في أن لا يمر به زمان وإن قل وهما عنه غير راضين فيه. وكلما ازداد لهما برًا وإكرامًا، فإن الله تعالى حقق هذه الحال بالذكر فقال: ﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف﴾. إنما فعل ذلك- والله أعلم- لأن قلوبهما عند ذلك تكون أرق وأخلاقهما أضيق فكان استرضاؤهما على الولد أشق. فكذلك زاده الله تعالى وصية بهما في هذه الحالة فوق ما وصاه بهما في عامة الأحوال.
[ ٣ / ٢٤٦ ]
وفيه وجه آخر وهو أن الأبوين إذا كبرا فقد أشرفا على المفارقة، فينبغي أن يكون الولد في ذلك الوقت أرأف بهما وأشد ولوعًا وكلفًا بهما، وأن يزودهما من بره وشفقته وحسن طاعته ما يقدر عليه. ويتزود من رضاهما عنه ودعائهما له ما يرجى أن يكون سببًا لنجاته في الآخرة، أو لزيادة درجات الثواب في الجنة والله أعلم.
فأما الذي قال النبي ﷺ فيمن أدرك أبويه الكبر أو أحدهما، فلم يغفر له، فإنما أراد به أن من وسع الله تعالى له المهلة من مجاورة أبويه، فكانا معه إلى أن كبرا، ثم لم يكن منه في جميع الأيام ما يقضى عنه حقهما، ووجب له رضاهما، ويحملهما على أن يدعو له بخير فلا غفر الله له. وهذا على الحقيقة عظيم. ومما ينبغي للولد أن يشكر به والديه أن يديم الدعاء لهما بالاستغفار، وسؤال كل خير يسأله الله تعالى لنفسه من عاقبته وصحته وغيرهما. فإن الله ﷿ قد قال: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغير﴾.
وحكي عن إبراهيم صلوات الله عليه أنه قال لأبيه: سأستغفر لك ربي، وأنه لما يبين له أنه عدو لله، كان يستغفر له ويقول: لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء تصديقًا منه بوعده الذي كان وعده بربه بذلك، إن هذا القضاء ما يقدر عليه له، وللإجابة بيد الله تعالى. فإن لم تكن في حكمته أن يجيب، فليس علي من ذلك شيء.
فثبت بهذا أن الاستغفار للوالدين من أعظم ما يقضي به حقوقهما، وكل دعاء يدعو به المرء لنفسه ما يريد به صلاح دين أو دنيا، فهو نظر للاستغفار والله أعلم. ومن جملة حقوق الوالدان لا يرغب الولد عنه وينتسب إلى غيره.
جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم) وفي رواية أخرى: (من رغب عن أبيه فقد كفر). ومعنى هذا أنه فعل ما كان أهل الجاهلية يترجعوا فيه لكفرهم. فإذا قد جاء الإسلام ووقع الحكم بأن لا ينقل النسب ولا يحول، فليس لأحد أن يرغب عن أبيه الذي ولده، فإنه وإن انتسب إلى غيره لم يضر ذلك
[ ٣ / ٢٤٧ ]
الأجنبي أبًا بانتسابه إليه. ولا ينفك الذي ولده أن يكون أباه وإن لم ينتسب إليه، ولا تحصل من ذلك إلا على جفاء الأب وبخسه حقه وإبخاسه من نفسه، وذلك من أعظم الحقوق، والعقوق من الكبائر.
ومن حق الوالد، قيل. إن رجلًا قام إلى ابن عمر ﵄ فسأله، فألقى إليه عمامته، فقال: بعض القوم لو أعطيته درهمًا لأجزاه، فقال ابن عمر، سمعت رسول الله ﷺ: (إن من البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه). وإن هذا كان من أهل ود عمر.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: (لعن الله من لعن والده، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آذى محدثًا، ولعن الله من غير منار الأرض). وفي حديث (لعن الله من عتق والديه، ولعن الله من تولى غير مواليه). وعنه ﷺ: (إياكم وعقوق الوالدين، فإنه ما تنسم ريح الجنة عاق ولا قاطع رحم).
وفي بر الوالدين قال رجل لرسول الله ﷺ: من أبر؟ قال: (أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال: أباك ثم الأقرب فالأقرب) وقال ابن مسعود ﵁ سأل رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: (الصلاة لميقاتها. قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله). وقال النبي ﷺ: (رضى الرب في رضى الوالد وسخط الرب في سخط الوالد). وقال رسول الله ﷺ: (ألا أحدثكم بأكبر الكبائر: قال: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين). وروى أن رجلا أتى
[ ٣ / ٢٤٨ ]
النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إني أصبت ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟ فقال: (هل لك من أم؟ قال: لا. قال: هل من خالة؟ قال: نعم! قال: فبرها). وقال النبي: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده).
ومن بر الوالدين قال النبي ﷺ قال: (لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر). معنى لا يرد القضاء إلا الدعاء أي القضاء الذي صدر من الله تعالى عامًا لقوم. فإذا استعصم أحدهم بالدعاء دفعه الله عنه، فيصير مخصومًا من بينهم، ويكون ذلك ردًا للقضاء العام عند الله، كان إلا شمله في الظاهر، ثم يكون ذلك دعاء الواحد لنفسه، وقد يكون دعاء غيره له. وذلك مثل أن يأمر الملائكة بتغريق قوم أو بهدم بيت على قوم أو إرسال نار على قوم ونحو ذلك.
وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، دلني على عمل يقربني إلى الله. قال: (هل لك والدة ووالد؟ قال: نعم. قال: فإنما يكفي مع البر بالوالدين العمل اليسير). وجاء في حق الوالدين أنه ﷺ قال: (من البر أن تصر صديق أبيك).
وجاء عنه ﷺ قال: (لا تبغض والديك، وإنما أمراك أن تخرج من الدنيا كلها فاخرج). وعنه ﷺ: (من أحب أن يمد له في عمره ويزداد في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه).
وعنه ﷺ: (لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا عاق ولا منان). وفي رواية
[ ٣ / ٢٤٩ ]
أخرى (أربعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: عاق، ومنان، ومدمن خمر، ومكذب بالقدر).
وقال رسول الله ﷺ: (إن أكبر الذنب أن يسب الرجل والديه. قالوا: يا رسول الله، كيف يسب الرجل والديه قال: يساب الرجل فيسب أهله ويسب أباه، فيسب أمه وأباه). وقال فرقد السبحي: قرأت في بعض الكتب النظر إلى الوالدين عبادة. ولا ينبغي للولد أن يمشي بين يدي والديه، ولا يتكلم إذا أشهدهما، ولا يمشي عن يمينهما ولا عن يسارهما إلا أن يدعوا له فيجيبهما، أو يأمراه فيطيعهما، ولكن يمشي خلفهما كما يمشي العبد الذليل خلف مولاه.
وعنه ﷺ أوصى امرءًا بأمه: أوصه بأمه، أوصه بأمه، أوصه بأمه، أوصه بأبيه، أوصه بمولاه الذي يليه، وإن كان عليه فيه أذى فيؤذيه).
* * *
[ ٣ / ٢٥٠ ]