وهو باب في أن القدر خيره وشره وحلوه ومره من الله ﷿
القدر- بفتح الدال- هو المقدور. والدقر- بتسكين الدال- هو الفعل.
قال الله ﷿: ﴿فقدرنا نعم القادرون﴾.
وقال تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾. وهي الليلة التي يفرق فيها كل امر حكيم، وعلمنا أنه أراد بالقدر ذلك الفرق. والقدر والتقدير واحد، والقدر والمقدور واحد. والقدر والقدر كالنقص والنهقص والحبط والحبط، وبإن ذلك أن المراد بالحديث: أن كل مقدور فالله قدره، وإن الخير والشر وإن كانا ضدين فإن قادرهما واحد، وليس قادر الشر غير قادر الخير، وكما يقوله الثنويه.
فإن قيل: فإن الله ﷿ خص الخبر بإضافته إلى نفسه، فقال ببدل الخبر: إنك على كل شيء قدير، وعن النبي ﷺ في استفتاح الصلاة: ﴿والخير منك وإليك، والشر ليس إليك﴾.
فالجواب: أن معنى تخصيص الخبر بإضافته إلى الله ﷿ للاعتراف له بأن النعم كلها من عنده، لأرفع أن يكون الشر من عنده، كما أن تخصيص السموات والأرضين بإضافتهما إلى خلقه، وإنما هو الإعتراف بأن كل موجود سواه وإن عظم ولم يقدر العباد قدره، فالله خالقه، لأرفع أن يكونه الذر والهباء من خلقه.
وأما قول النبي ﷺ: (الخير منك وإلأيه والشر ليس إليك) فإن معناه: إن الإحسان منك وإليك، أي أن ما يصيبنا من خير وحسن فأنت مؤاتيه، والمنعم وما يكون منا من طاعة وفعل حسن، فأنت المقصود به، وعبادتك هي المراد منه.
[ ١ / ٣٢٦ ]
فأما ما يصيبنا من خير وشر فإنه وإن كان منك أيضا فإن ذلك بشرور أنفسنا وهي ما تقع من أعمالنا من سيء وقبيح فلست المقصود به، أي ليس غرض المسيء من في إساءة خلافك وعصيانك، كما أن غرض المحسن منا في إحسانه طاعتك وعبادتك، وإنما هو عقله بغرض فيتبع المسيء فيها شوته وأن يكون العصيان عضده وإرادته، ول قصد ذلك لضاهى إبلس ومن كان من المتكبرين، فإنما هذا الكلام تبرأ من النفاق والعناد لا إنه نفى الشر أصلا عن الله، وإنكار أن يقدر الشر وبالله التوفيق.
فإن قيل: قد قال الله ﷿ لنبيه ﷺ: ﴿وما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ وهذا خلاف ما يقولون!
فالجواب: أن معنى الآية ﴿ما أصابك من شيء﴾ فسرك من صحة بدن وظفر بعد، وسعة رزق ونحو ذلك، فالله متبديك بالإحسان به إليك، وما أصابك من سوء يسؤك، وتعمل فتكسب يدك، لكن الله تعالى مع ذلك سابقه إليك، والقاضي به عليك، كما قال في أخرى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾.
ويدل على صحة هذا أنه ﷿ قال في هذه السورة: ﴿وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله، وإن صبهم سيئة يقولوا هذه من عندك، قل كال من عند الله، فما لهؤلاء القوم لا يكادونه يفقهون حديثا﴾. ثم قال بعد هذا بلا تصل ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾.
فكان الذي توجبه مجموع الآيات الثلاث التي ذكرتها: إن من أصابك من حسنة من الحسنات التي تقدم ذكرها، فالله موليها ومبتدئ للأنعام بها، وما أصابك من خلافها فالله قاضيها وقادر أيضا، لكنها جزاء لمن أصابه ذلك بكسب حياة على نفسه، فكأنه هو الفاعل بها بمكان نفسه كما أن قتل قتيل كأنما قتل نفسه، وإن كان ولي قتيله هو الي يقتله والله أعلم.
وأما قول الله ﷿ ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾. فليس على معنى يوجب أن يكون القدر هو القدرة والتقدير. ومعناه أنا كل شيء خلقناه بحسب ما قدرناه قبل أن
[ ١ / ٣٢٧ ]
نخلقه إذ كان علمنا به سابقً له، فأثبتنا منه، فأعلمناه في أم الكتاب وبينا ما هو كائن منه قبل أن يكون، فإذا كان بحسب ذلك الذي قدرناه وفي الوقت الذي قدرناه، فالقدر هو المقدور، وكما ذكرنا في صدر الكتاب وبالله التوفيق.
وجاء في ذكر ما نزلت في هذه الآية: أن قومًا من اليهود جاءوا يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر، فنزلت: ﴿أنا كل شيء خلقناه بقدر﴾.
وروى في التغليط عن من قال ﴿لا قدر﴾ وأن أحد الذين هم أشد الناس عذابًا فكذب بالقدر أخبار.
وذكر أبو بكر الجلاد البصري عن المزني ﵁ أنه قال: سألت الشافعي ﵁ عن القدرية فقال: هم الذين يقولون أن الله يعلم الذي يكون.
ومعنى تسمية هؤلاء قدرية، إن الله ﷿ قال في كتابه: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾. فمن بغي أن يعلم الله قبل كونه، بغي أن يكون لله تعالى كتاب أثبت فيه ما هو كائن قبل أن يكون، وبين فيه أن يكون ومتى يكون، وأبطل أن يكون الله تعالى قدر قدر المقادير، ودبر بعلمه الأمور، وألحقه في العجز بعباده الذين لا يعلمون الشيء حتى يكون، فقيل لهم قدرية لأن بدعتهم وضلالتهم كانت من قبل ما قالوه في القدر، ثم على ذلك كفار، لأن من عجز الله تعالى وجهله لم يكن عارفًا به وبالله العصمة.
وإذ قد كتبنا في تفسير اسم القدر فاعلمنا أنه محتاج إليه، فلنرجع إلى الكشف عن عرض هذا الكتاب، والمقصود به بقول رسول الله ﷺ: (القدر خيره وشره من الله وحلوه ومره من الله). فنقول- وبالله التوفيق- أن المراد بهذا إيجاب الاستسلام له قضية الله تعالى وإقرارة بالقلب واللسان معًا لهما بالقلب، فإن لا ينظر أحد ولا يتأثر مما يجري به القضاء بما يوافقه، ولا يأنف ولا يجري لما يأتي به القضاء مما لا يوافقه.
وأما اللسان، فهو أ، لا يفتخر على غيره بسبب ذلك إلى سبب يكون مرجعه إلى
[ ١ / ٣٢٨ ]
نفسه، ولا يضجر مما يسوء فعل ما يشكو أحدًا وينسبه إلى ظلم إصابة من قبله، لكن نضيف الأمرين إلى الله تعالى وننسبهما إلى الله تعالى وننسبهما إلى قضائه وقدره ونذغن ونستسل لما يكرهه، ويحمد الله تعالى على ما يسره.
ومنزلة هذا الكتاب مما كتبت في باب الله جل ثناؤه والاعتراف له كمنزلة التزام طاعة الله وطاعة الرسول والقبول لما يخاطبه به في كتابه من آيات الباري جل ثناؤه والاعتراف له بالخق والإبداع، فإن الإقرار له وبالخلق كما يقتضي وجوب الطاعة له في أوامره ونواهيه، فكذلك الإقرار له بالتدبير يقتضي الاستجداء له والإستسلام لتدبيره، فلا نسخط منه ما يثقل على الطبائع ولا يستشعر لما يحل عله أشرًا ولا بطرًا.
قال الله ﷿: ﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، والرسول يدعوكم في أخراكم فأنابكم غمًا بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم﴾.
ومعلوم أن الحزن على ما يفوت والفرح بما يأتي موضوع في التنبيه والتجله، وإن التجلي بالحزن بما يفوت أصلا استحقاق له موجودًا ومعدومًا، والتجلي من الفرح بما يسر ويأتي ازدراء وقلة حفل به أيضا، وهما جميعًا غير مرضيين. فثبت أن المراد بالحزن في الآية حزن السخط والتضجر وبالفرح فرح التبذخ والتكبر والله أعلم.
وقال ﷿ حكاية عن قارون أنه لما قيل له: ﴿وأحسن كما أحسن الله إليك ولا بتغ الفساد في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين﴾.
قال: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ ثم أنكر عليه قوله، وأخبر باستحقاقه الأذى والعقوبة، فقال: ﴿أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعًا﴾.
فدل ذلك على أن من أبصر لنفسه حالًا يحبها ويرضاها، فرأى أنها إنما دأبت له بقوة نفسه كان في ذلك مخالفة شرط إيمانه مباينًا لما يجب من حق الله عليه، وقوله: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ يحتمل أنه أراد به علم كنوز المتقدمين وقع إليه فاستخرجها فاستولى عليها.
[ ١ / ٣٢٩ ]
ويحتمل أنه أراد به علم الصنعة، وأنه كان من أحدق الناس بها وأبهرهم فيها، وإن تلك الكنوز لما اجتمعت له من هذا الوجه، وأيا ما كان من هذين فإن الله ﷿ أخبر عنه: أنه فرح لما رأى لنفسه من الأموال، فقال له قومه: ﴿لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين﴾ والمعنى أنه اختال وافتخر واستطال ونكر كما قال ﷿ في آية أخرى: ﴿ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهبت السيئات عني إنه لفرح فخور﴾. وأنهم سألوه أن يحسن إلى الناس فيواسيهم ويأخذهم بأيديهم فقال لهم: ﴿إنما اوتيته على علم عندي﴾.
وظاهر هذا أنه عارض بهذا الجواب قولهم: وأحسن كما أحسن الله إليك، أي ليس هذا مما لا يأتي الله من غير كدح كان لي فيه، ولكنه قال توصلت إليه بعلم كان عندي، أي أنه فائدة رأيي وتدبيري، فلا يلزمني أن أواسي به غيري شكر الله تعالى به.
ثم أنه خرج على قومه في زينته كما يخرج ذو النعمة العظيمة والمال الجم القوي متعظمًا بها على قومه، فأنكر الله ذلك عليه وعاجل أخذه بطغيانهه وإضافته المال إلى حوله وقوته، وخسف به وبداره كان فيها من كنوز الأرض ولم يورثها موسى صلى الله عليه وقومه إذا كانت مشؤومة أطغت قارون وأضلته وحملته على ترك الإنقياد لموسى والإيمان به واتباع سبيله، فكان يظن الأرض أولى بها من ظهرها.
ألا ترى أن الحل الذي جمعه السامري فاتخذ منه العجل وأضل به بني إسرائيل لم يدبه موسى ولم يردوه إلى الذين أخذ منهم، ولكنه حرق ثم ألقاه في اليم. كذلك كنوز قارون لما كانت كما ذكرنا سحقت وأبطلت، ولم يكن منها أحد من المؤمنين وبالله التوفيق.
وقد يحتمل إن كانت الكنوز اجتمعت له بعلم الصنعة، أن يكون لله تعالى خسف بها لأنها كانت معمولة لم يكن ذهبها ذهباُ، ولا روقها ورقًا، فلم ير منها لله تعالى لنبيه موسى صلوات الله عله ولا المؤمنين من قومه، ولو كانت خالصة نقية لأشبه أن يورثها إياه، كما أورثه وقومه أموال فرعون وقومه حيث يقول: ﴿فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم﴾. ﴿كذلك وأورثناها قومًا آخرين﴾. وفي آية أخرى: ﴿وأورثناها بني إسرائيل﴾ وبالله التوفيق.
[ ١ / ٣٣٠ ]
وقال ﷿ في آية ثالثة: ﴿وتجعلون رزقكم إنكم تكذبون﴾. فجاء في تفسيره عن النبي ﷺ: أنهم كانوا يقولون: مطرنا بنو كذا، ومعنى هذا أنهم كانوا يرون النو موجبًا للمطر، فكانوا ينسبون المطر إليه، ويعقلون عن خلق الكواكب ورتب أحوالها من الأنوار وغيرها، وأن يزول المطر عند الأنواء، إنما يكون بإرادة الباري ﷾، فإن شاء أن يغير العادة أو يعاقبهم بالجدب، فيحبس المطر عند الإنواء لم يكن له ذلك مانع، ولا كان لما يريده بهم دافع، فذم الله تعالى من قولهم وغايتهم، فقال: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾.
فالمعنى- والله أعلم- وتجعلون شكر ربكم أنكم تكذبون بمن يرزقكم وتنسبون ما يأتيكم إلى ما هو خلقه، وإنما صلح أن يوضع إسم الرزق مكان شكره، لأن شكر الرزق يقتضي الزيادة فيه، فيكون الشكر رزقًا على هذا المعنى، فقيل: ﴿وتجعلون رزقكم﴾ أي شكر رزقكم الذي لو وجد منكم لعاد رزقًا لكم، إنكم تكذبون بالرازق أي تضعون التكذيب مكان الشكر كما قال: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾.
أي لم يكونوا يصلون، ولكنهم يصفرون ويصفقون مكان الصلاة من المسلمين.
وفي هذا البيان ما أصاب العبد من خير أو شر، فلا ينبغي له أن يراد من قبل الوسائط إلى أخرى العادة بأن تكون أسبابًا وجهات لحصول أقضيته وأقداره إلى عبيده، بل ينبغي أن يراه من قبل الله جل ثناؤه، ثم يقابله بما يليق به من شكر أو صبر تعبدًا له وتدللًا، وبالله التوفيق.
ويدخل في هذا الباب أن التاجر الكسوب الضارب في الآفاق إذا اجتمع عنده المال، فما ينبغي له أن يقول: إنما أصبت المال بجهدي وجدي، بل ينبغي أن يقول: وفقني الله للكسب فكسبت، ورزقني فأصبت، لأن لو شاء لأقعده عن الكسب، ولو شاء لحرمه ما كان يأمله بالكسب أو قوته بعدما يحصل، إذ ليس كل طالب بجد ول كل واحد يبقى له ما يجيده وهذا عادة كما أن خلافة عادة، فأضافة الموجود إذًا إلى السبب المختلف خرق وجهل، وإضافته إلى السبب الذي لا يخلف وهو فضل الله ورحمته هي التي تحق وتلزم، وقد قال الله ﷿: ﴿فإذا مس الإنسان ضر دعانا﴾.
[ ١ / ٣٣١ ]
ثم إذا خولناه نعمة منا قال: إنما أوتيته على علم بل هي فتنة، أي ابتلاء ومحنة ليظهر إخلاصه ومعرفته إن كان من المخلصين العارفين، وجهله وغباؤه إن كان من الأغنياء الجاهلين. فيصف النعمة إلى الله ﷿ ويقوم بشكرها إن كان من الأولين، وينسبها إلى قوله ويغفل عن شكرها إن كان من الآخرين، فيستحق في كل حالته خيرًا يجب عمله إلا أن يمكن بالعفو عنه إذا شاء والله أعلم.
وقال ﷿ في آية أخرى: ﴿أولم تعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾. فاستجهل عزيزي سعة الرزق وضيقه يكونان إلا من قبل الله تعالى، واستنكر الذهاب عن معرفة ذلك، لأنه لا سبب يقدر العبد أن يصل إلى المال من حصته وقد لا يصل، وذلك أنه يشهد أن الموجب للغناء والوجد ليثس ما يخلف من الأسباب، وإنما هو مما لا تخلف من إرادة الله تعالى، فإنه إن يرد الغناء لأحد يفتقر، ولا الفقر لأحد فيستغني، فمن كان به للإيمان من الإذعان للحق إذا ظهر له، فهذا له أنه كافيه، وبأن يقوله ﷿: ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾. إن الإعتراف بما ذكرت الانقياد له من الإيمان والله أعلم.
وقال ﷿ في آية أخرى: ﴿أفرأيتم ما تمنون، أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾. فتداخل وعز بتعريفهم نفسه وأنه خالقهم ومنشئهم، لأن لا يرى أحد منهم أنه إذا أصاب أهله فولدت منه كان هو السبب بنفسه لوجود ذلك الولد، فأنه إذا رجع عقله، علم أنه لا يقدر على إغلاق ما به برحم أهله إن لم يعلق، وإن علق فلا قدرة له على تعليقه من حال إلى حال، ولا الزيادة في أجزائه ولا تركيب الولد منه، وتصويره.
وإذا نظر في أنه ليس كل من يواقع أهله يولد له، ولا كل ما يعلق ينمو، ولا كل ما ينمو يسلم، علم أن إحالته كون الولد على السبب المخلف باطل، فإنه لا وجه إلا إحالته على إرادة الباري جل ثناؤه وصيغته ورزقه وبالله التوفيق.
ثم قال ﷿: ﴿أفرأيتم ما تحرثون، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون، لو نشاء لجعلناه حطامًا فظلتم تفكهونه﴾ فأبان لهم أن ما يحرثونه فليس يثمر غرضهم فيه بنفس
[ ١ / ٣٣٢ ]
الحرث، وإنما يتم بنائه ونموه وتزايده حتى يبلغ غايته التي يتجاوز له عنهما، وكل ذلك ما لا صنع لهم فيه.
وقد يحرث الواحد فيصل من حرثه إلى مراده، ويحرث الآخر فلا يصل من حرثه على شيء مما كان في نفسه.
فينبغي لهم أن يعلموا أن الله ﷿ هو المنبت للحب والقلب له حالًا فحالًا، إلى أن يظهر الريع، ويبلغه غايته التي قدرها له.
ولا يقول أحد جربت فأصبت بل يقول أعانني الله فجربت، وأعطاني بفضله فأملت واستحب لكل من ألقى في الأرض بذرًا أن يقول بعد الإستعاذة: ﴿أفرأيتم ما تحرثونه أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾. بل الله الزارع، والمنبت والمبتغ، اللهم صليث على محمد وعلى آل محمد وارزقنا ثمره وجنبنا ضرره، واجعلنا لا نعمك من الشاكرين.
ثم قال: ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون، أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون، لو نشاء جعلناه أجاجًا﴾. يعرفهم أنهم كانوا يتخذون المصانع كما ينزل عليهم من القطر، حتى يجتمع لهم فيها ما يشربونه، ويستمتعون به المدة الطويلة، فليس لهم أن يظنوا أن تمكنهم من الماء ووصلوهم إليه، إنما هو من قبل أنفسهم، فيمتدحوا لسعيهم على تحصيله، ويظنوا أنه على ما يسألهم إياه من أهل الحاجة إليه، وينبذ جوابه عىل من لا عنده، بل ينبغي لهم أن يعلموا أن ذلك رزق ساقه الله تعالى إليهم ويطول به عليهم، وأنهم لو اتخذوا مكان كل مصنعة مصانع، وحبس الله عنهم القطر لم تغن عنهم مصانهم شيئًا.
ولو أنزل الله ﷿ عليهم القطر فأبرزه ولم يغزره لما أفادتهم المصانع شيئًا، ولو أغزره ثم ما يمكن عدمه مع وجوده، ووجوده مع عدمه، بل الواجب إحالته على المنان الكريم الفعال لما يريد، ومقابلة فضله بالشكر. رجاء أن يديمه لهم.
ثم قال ﷿: ﴿أفرأيتم النار التي تورون، أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون﴾ فعرفهم أن النار التي يورثونها من الأشجار ويقولون: في كل شجرة نار، واسمخد المزج
[ ١ / ٣٣٣ ]
والعقار هو الذي ركبها فيما يورى منه لا يستطيعون أن يدعونه أنهم أو آباءهم الأقدمين، الذين هم أودعوهها أياها وركبوها فيها، وإذا كان ذلك من صنعه، كما جمع المتفرق منها في الشجرة عند معالجة الإيراء ثم إخراجها منه صنعه، وإلى ذلك، فهو الذي هداهم أبر النار من الشجرة، ولولا ذلك لما علموا أن الشجر الأخضر الذي جعل قوامه بالماء المطفي النار محلًا للنار، وجامع بينها وبين الماء، ولو شاء عند قعدهم الإيراء أن يحبس النار فعلا ينررها لهم لفعل، وأنه ليس كل قادح يوري وقادح، وأن أمعن لا يورى، لم يجز أن يتوهم أن القدح موجب للإيراء ووجب أن يضاف إلى ذلك إلى السبب الذي لا يختلف وهو إرادة الباري جل ثناؤه وفضله وعطيته، ولا يوصف الشجر بالمجيد من صفات الله تعالى، وهو المجيد والماجد وبالله التوفيق.
وقال جل ثناؤه في آية أخرى: ﴿إن تصبك حسنة تسؤهم، وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل، ويتولوا وهم فرحون﴾ فأخبر نبيه ﷺ أنه إن أصابته حسنة ساءت المنافقين القاعدين عنه، ويتخطوا إصابتها إياك.
وإن أصابتك مصيبة فرحوا وقالوا: إنا سلمنا مما أصاب غيرنا لأنا احتطنا لأنفسنا بالتخليف عنه، واستقلنا الأمر بواجبه، وحسنا التدبير، فذمهم الله ﷿ وعاب قولهم هذا، وامر النبي ﷺ أن يخالفهم فيقول: ﴿لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا﴾ أي خالقنا، وهو في أيدي الملائكة ينهظرون فيه ويعلمو منه أحاطة الله تعالى بما هو كائن من أمور عباده قبل أن يكون.
فلا سبيل لأحد الاحتراز من أن يصيبه ما كتب أن يصيبه، ولا إلى الاحتراز ما لم يكتب أن يصيبه، وبالله التوفيق.
وقال ﷿: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير﴾.
ثم قال: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم﴾. يحتمل أن يكون المعنى: فاعلموا هذا وأعلمناكم هذا لكيلا تحزنوا على ما يفوت، ولا تفرحوا بما أتى.
[ ١ / ٣٣٤ ]
وقد بينت فيما تقدم أن هذا حزن السخط وقرح التبذخ، ويدل على ذلك قول الله ﷿ موصولًا بما ذكرت: ﴿والله لا يحب كل مختال فخور﴾
فأبان أن الفرح ذمه وانكره هو الاختيال والتفخر به على من لا يؤت مثل ما أوتي، وذلك فعل ما يرى أن الذي تيسر له فيمن قبل نفسه، فأما من يعلم أنه إنما أنعم به عليه من لا يعجزة تعميم العباد كلهم بمثل ما أعطاه وخير واكثر منه، فإنه لا ينكر بما أوتيه على غيره ولا يروي أحدكما لأجل أنه لا يرى له مثل ما يرى لنفسه على حمد ربه والتقرب إليه بما يديم له عوارف فضله.
وقال في آية أخرى: ﴿قل لا أملك لنفسي ضرًا ولا نفعًا إلا ما شاء الله﴾ فأمر نبيه ﷺ أن يخبر أمته أنه ليس إليه من أمره شيء، وأنه لا يقدر على أن ينفع نفسه ولا يضرها، ليعلموا أنه إذا كان مع اصطفاء الله تعالى إياه برسالته لا يملك من امر نفسه شيئًا، فمن لم يكن له من الله هذه الأثرة وهذه المنزلة فهو من أن يملك مضر نفسه أو نفعها بعد، وعن أن يملك نفع غيره أو ضره أعجز، وبالله التوفيق.
وأما الحديث الذي جاء عن رسول الله ﷺ في القدر، وإن خيره وشره من الله، فقد روى فيه: (وأعلم أن ما أصابكم لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن يصيبك). ومعنى هذا وجوب البصر، وإلى الله تعالى من الحول والقوة والاستسلام للقضاء والقدر وشرح الصدر به. ومعنى حلوه ومره ما سر وجف عن الطبع وساء وثقل على القلب والله أعلم.
[ ١ / ٣٣٥ ]