وهو باب في إخلاص العمل
قال الله ﷿: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ وقال: ﴿من يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها، وماله في الآخرة من نصيب﴾ وقال: ﴿وما أتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس، فلا يربوا عند الله، وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾. وقال: ﴿وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى﴾.
وجاء عن النبي ﷺ: (الذي يقول إنما أردت أن يقال: فلان كذا فعل، قيل: ذلك اذهبوا به إلى النار). وقد ثبت بالقرآن والسنة أن كل عمل أمكن أن يراد به وجه الله، فإنه إذا لم يعمل بمجرد التقرب به إليه، وابتغاء رضوانه حبط ولم يستوجب ثوابًا، إلا إن لذلك تفصيلًا، وهو أن العمل إن كان من جملة الفرائض اللازمة، فمن أداه وأراد به الفرض غير أنه أداه بنية الفرض ليقول للناس: أنه يقول لكذا لا تطلبًا لرضوان الله واتقاء لسخطه، سقط عنه الفرض ولم يؤاخذ في الآخرة، ولم يعاقب به مما يعاقب به التارك، ولكنه يستوجب ثوابًا. إنما ثوابه ثواب الناس عليه في الدنيا ومدحهم إياه بما فعل. وإن كان العمل من باب التطوع ففضله يريد به وجوه الناس دون وجه الله تعالى، فإن أمره يحبط ولا يحصل من عمله شيء يكون له كما حصل الأول على سقوط الغرض
[ ٣ / ١١٤ ]
عنه، ثم يعاقبهما على أنهما عملا لا لوجه الله تعالى، وباعا ثواب الله تعالى بمحمدة الناس، يحتمل وجهين.
أحدهما أن يقال أن الذي جاء به الحديث من قول الله تعالى، فقد قيل ذلك اذهبوا به إلى النار، أخبار بأن المرائي يعاقب على عدوله عن قصد وجه الله تعالى إلى وجه الناس ومعنى هذا أنه استخف حق الله تعالى واستهان نعمته، فلم يجز أن يقصر ذلك من مقدار ذنب غيره، والذنوب كلها موجبة العقاب، وكذلك هذا، أو الوجه الآخر أنه لا يعاقب، ولا يثاب.
ومعنى الحديث أن هذه الأعمال التي يتراءى بما لا يعمل فينتقل بها في ميزانية وترجح بها كفة الطاعات كفة المعاصي، لا أنه يعاقب على الرياء بالنار، وإنما عقوبة الرياء إحباط العمل فقط، ووجه هذا أنه عمل ما عمل عبادة لله ﷿، إلا أنه زاد بعمله حمد الناس فإذا أحيل عليه، فقد جوزي بصنيعه، وليس له وراء ذلك ذنب يستوجب عقابًا، لأن جميع عمله شيئان: أحدهما: فعل لم يخل من أن يكون فعله عبادة لله تعالى لأنه لو أراد عبادة غيره به لكفر. والآخر: فصده أن يمدحه الناس بفعله لا أن يثاب عليه.
فأما الأول فليس بذنب. وأما الثاني فهو الذنب. فإذا لم يتب ويصر على قول الناس فقد جوزي فثبت أن ذلك يصادق أمره والله أعلم.
فإن قيل: أرأيت أن رأى وأراد أن يمدحه الناس فلم يشتغل به الناس ولم يمدحوه ولم يثنوا عليه ولم يعلموا أخيرًا عمل أم شرًا؟
قيل: لا يؤجر لأنه لم يرد بما عمل وجه الله تعالى. فإن كان الناس لم يقولوا فيه ما أراد، فإنما هو رجل خسر الدنيا والآخرة فشبه أن يكون من عذاب الآخرة أبعد، لأن حزب الله تعالى هم النابين عنه حتى لم ينل منهم ما أراد من جملة العقوبة. فإذا جاز أن يكون ثناؤهم عليه لو أثنوا على جميع جزائه، جاز أن يكون قول ثنائهم ومدحهم إياه جميع عقوبته والله أعلم.
ومما جاء في ذم المراءاة بالخير، وشيطان الشر قوله ﷺ: (مثل المؤمن كالبيت
[ ٣ / ١١٥ ]
الخرب في الظاهر، فإذا دخلته وجدته مزينًا، ومثل الفاجر كالقبر المشرف المفضض يعجب من رآه، وجوفه ممتلئ نتنًا).
ومما جاء في فضل الإخلاص العمل لله، قال رسول الله ﷺ: (من زار أخاه لله لا لغيره والتمس وجه الله وما عند الله، وكل الله به سبعين ملكًا ينادونه من خلفه حتى يرجع إلى بيته إلا طلبت وطابت له الجنة).
ومما جاء في ذم الرياء والشهرة واستحباب الجمول، إن عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى المسجد، فإذا هو بمعاذ بن جبل ﵁ يبكي عند قبر رسول الله ﷺ. فقال: ما يبكيك يا معاذ؟ قال شيء سمعت من رسول الله ﷺ صاحب هذا القبر.
قال: وما هو؟ قال: سمعته يقول: (إن يسير الرياء شرك، وإن من عادي أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة، إن الله لا يحب الأبرار الأخفياء الأتقياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يدعوا ولم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة).
[ ٣ / ١١٦ ]