وهو باب في رحم الصغير وتوقير الكبير
وإنما ذكرتهما في باب واحد، لأن المعنى معاملة كل واحد بحسب سعة وقدر قوته، وما يليق بمنزلته. فالذي يقتضيه حال الكبير أن يوقر. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس منا من لم يرحم صغيرًا ولم يوقر كبيرًا). وأما توقير الكبير، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال لقوم تقدموا إليه في حديث فتكلم أصغرهم فقال له: (الكبر كبر) أي قدم من هو اكبر منك ليتقدم.
وجاء عنه ﷺ أنه قال: (إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه). وأنه ألقى بحرير كساه لما دخل عليه. وقال ﷺ: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين- وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى). وروى أنه قبل الحسن بن علي، والأقرع بن حانس جالس، فقال الأقرع: أن لي لعشرة من الولد، ما قبلت أحد منهم قط. فنظر إليه رسول الله ﷺ فقال: (إنه لا يرحم من لا يرحم).
وفي الرحمة أبو سعيد قال: صلى الفجر بأقصر سورتين في القرآن. فقلنا: يا رسول الله، صليت لنا اليوم صلاة ما كنت تصليها: فقال: (إني سمعت صوت صفي في صف النساء). وكان رسول الله ﷺ يزور الأنصار،
[ ٣ / ٤٠٩ ]
فإذا جاء دور الأنصار جاء صبيان الأنصار فيدورون حوله، فيدعوا لهم ويمسح رؤوسهم ويسلم عليهم.
وفي الرحمة، أمر النبي ﷺ بتحديد الشعار، وأمر بها أن تواري عن البهائم. وعنه ﷺ: (تضار والدة عن ولدها). أي لا يفرق بينهما فيهتم لذلك أو تحزن.
وفي قلة الرحمة قال رسول الله ﷺ: (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا). وقال ﷺ: (من قيض يتيمًا بين أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه، أدخله الله الجنة، إلا أن يعمل ذنبًا لا يغفر). وقال ﷺ: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالذي يصوم النهار ويصلي الليل).
وفي نعوت الصغار وإكرامهم عن عمرو بن العاص ﵁ فطاف بالبيت، فرأى خلقًا من قريش جلوسًا، فقال: مالي أراكم صرفتم هذه الأغيلمة عن خلقتكم لا تفعلوا، أدبوهم في المجلس، فاسمعوهم الحديث وافهموه إياهم، فإنهم اليوم صغار قوم يوشكون أن يكونوا كبار قوم وأنكم كنتم صغار قوم، فأصبحتم اليوم كبار قوم.
وفي ترحم الصغير أخذ رجل بيد ابنه عند رسول الله ﷺ فجعل يضمه إليه، فقال النبي ﷺ: (يا فلان، أترحمه؟ قال: أي والله لأرحمه. قال: فالله تعالى أرحم به منك وهو ارحم الراحمين). وكما أن رحم الصغير محمود، فكذلك رحم كل ضعيف محتاج من غريب وصانع ومكروب محمول، والآخر فيه مأمول.
[ ٣ / ٤١٠ ]
فقد روي أن النبي ﷺ أتى بسارق فقطعه، وكان غريبًا لم يكن له أهل بالمدينة في شدة البرد، فقام رجل يقال له قاتل، فضرب عليه خيمة وأوقد له نويرة. فخرج النبي ﷺ في بعض الليل فأبصر النار، فقال: (ما هذه النار؟ قيل: يا رسول الله، المصاب الذي قطعته. كان رجلًا غريبًا لم يكن له بالمدينة أحد أواه قاتل، فضرب له خيمة وأوقد له نويرة. فقال النبي ﷺ: اللهم اغفر لقاتل كما آوى عبدك هذا، المصاب).
وفي الرحمة قالت عائشة ﵂: دخلت علي سائلة فأمرت لها بثلاث تمرات، ومعها صبيان. فأعطيت كل واحد منها تمرة، وصدعت الأخرى بنصفين فأعطيت كل واحد منهما نصفها. ودخلت على رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: (وما أعجبك من ذلك، لقد دخلت بذلك الجنة). وقال: وكان رسول الله ﷺ يخطب (إذا دخل الحسين ابن علي فوطئ في ثوبه فسقط، فبكى. فنزل رسول الله ﷺ عن المنبر، فلما رآه الناس صفوا إلى الحسين يتعاطونه، يعطيه بعضهم بعضًا حتى وقع في يد رسول الله ﷺ فضمه إليه ثم قال: (قاتل الله الشيطان، إن الولد لفتنة، والذي نفسي بيده ما دريت إني نزلت عن منبري).
وجاء عنه ﷺ قال: (لا ينزع الرحمة غلا من شقي، وإن من لا يرحم لا يرحم).
وجاء عنه ﷺ في وجع إبراهيم ﵇، إن عينيه كانتا تدمعان وقال: (إنما هي رحمة، وإن من لا يرحم لا يرحم). وينبغي أن يدخل في هذه الجملة رحم كل مولى عليه من ولد أو مملوك أو زوجة أو رعية سلطان. وقد قال الله ﷿ في الزوجات ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾. فأما رحم الصغير فهو تعريفه لما فيه صلاحه، وتجنيبه لما يضره، والولوع بحفظه وحراسته، فعل من يجزع أن يسمه سوء، ويتخلف عنه نفع. فإن الرحمة كما ذكرنا وصف مركب من حب وجزع، فمن لم يقدر على شيء من ذلك، كأن يتمنى له ما هو محبوب عنده، ويجزع من أن يصيبه ما هو مكروه عنده.
[ ٣ / ٤١١ ]
وأما توقير الكبير، فهو أن يسلك بالشيخ الكبير مسلك الوالد في التهيب والتقدير، وترك ما يوحشه من القول والعمل والطاعة له، فيما يأمر به، بعدما يحسن ويحمد. وترك المخالفة له فيما لا يدع إلى خلافة فيه ضرورة. فإذا أراد الناس أن يمضوا في شغل، قدموا إذا ضاق المكان بهم أسنهم، إن لم يكن فيهم نقص قدره في النقائض، فرق قدر السنن في الفضائل. وإن اجتمعوا في مجلس رفعوا أسنهم على ما وصفت. وإن جاء وقت الكلام قدموه. وإن حضرت الصلاة وهم في شرائط الإقامة سواء أو متفاوتون في نحو ذلك والله أعلم.
والأصل في توقير الكبير شيئان: أحدهما أن أكبر الناس شبيه لكل واحد منهم لأبيه لأنه أسبقهم في الزمان. والسبق في الزمان ضرورة لإمكان الأبوة. لأنه لا يمكن إلا أن يكون الأب سابقًا في الوجود للولد. فمن كان أسبق القوم زمانًا فهو الذي كان يمكن أن يكون أبًا للجماعة. فصار ذلك رجحان فيه، مقتدى به على غيره، فاستحق عليه التقديم.
والآخر: أن أول ما يفضل الله تعالى به على عباده، هو أن أوجدهم، فمن كان منهم أسن فهو الذي بدأ به فيما أفضل به عليه من الإيجاد، فإذا دعت الحاجة إلى أن يبدأ من قوم في أمر من الأمور بأحدهم، وكانوا في عامة الإسلام سواء، إلا أن أحدهم أسن تقديمه والتبدية به أولى، إذ كان الله ﷿ عند استوائهم في العدم لما أراد إيجاد أحدهم بدأبه فأوجده قبل غيره هذا ولو شاهدنا ملكًا عليها، أو رئيسًا حكيمًا يفرق مالا بين قوم فيكرمهم به، لاستدللنا بتقديمه الذي قدمه منهم على أنه أقربهم وسيلة. وكذلك الظاهر ممن بدأ الله تعالى في المن مالا يجاد عليه أن ذلك وسيلة قد جعلها الله له. فكانت التبدية به على من ليس له مثل سنه أولى، والله أعلم.
[ ٣ / ٤١٢ ]