وهو باب في تشميت العاطس
روي ذلك في الحديث الذي قيل له (حق المسلم خمس) فذكر منها أن تشميته إذا عطس ونص بالتشميت بالآخر. فسئل عن ذلك فقال: إن هذا حمد الله، وهذا لم يحمد الله. ويقال: أن الأصل في ذلك ما ذكره وهب في كتابه في بدء الخلق: إن أبانا آدم صلوات الله عليه كان مصورًا من فخار، فلما نفخ الله تعالى فيه الروح وجعله بشرًا عطس. فقال له: قل الحمد لله. فقالها. فقال له: يرحمك الله، أو يرحمك ربك.
ومعنى حمد الله عند العطاس، أن العطاس دفع للأذى من الدماغ الذي فيه قوة الذكر والفكر، ومنه منشأ الأعصاب التي هي معدن الحس والحركة وسلامتها تكون سلامة الأعضاء، والتواصل بكل شيء منها إلا ما خلق له. فإن تيسر ذلك فإنما هو نعمة جليلة، وفائدة عظيمة. فلا تقل من أن نعرف قدرها بالحمد لله ﷿. وفيه مع ذلك اعتراف له بالخلق والتدبير وإضافة ما يقدر منه إليه، لا إلى الطباع كما يقوله الملحدون. فكان مما تحق المحافظة عليه هذا المعنى.
وإذا عطس فحمد الله ﷿، فإن اتبع ذلك، الصلاة على المصطفى ﷺ فحسن. لأنه لو يعلم سنة الحمد عند العطاس إلا من جهته وعلى لسانه. فإن قضى حقه في ذلك الموضع بالصلاة عليه كان ذلك أحسن، وأولى به من أن يغفل عنه. وإذا حمد العاطس ربه ﷿ كان تشميته أن يقال: يرحمك الله. فإذا قيل له ذلك، فقد جاء عن النبي ﷺ إنه كان إذا عطس، فقيل له: يرحمك الله قال: يهديكم الله. وجاء: يهديكم الله
[ ٣ / ٣٣٩ ]
ويصلح بالكم. وجاء أنه أمر العاطس والمشمت بما قلنا. وقيل: إنما قال ذلك ليهودي فأسلم، فما قيل بعد ذلك.
وجاء عن ابن مسعود﵁-: يغفر الله لك أو لكم. وتقدير العاطس، إذا شمت كتقدير من دخل مجلس رجل فسلم عليه. فكما أنه يؤمن لا السلام عليه فكذلك المشمت يؤمن بأن يجيب عن التشميت بمثله.
فإن قيل: فإن رد السلام سلام، فلم لا كان جواب التشميت كالتشميت؟
قيل: لأن السلام كلام الإيمان وجواب الإيمان إيمان. وتشميت العاطس دعاء له، ومن دعاء له بدعاء فأجاب، لم يؤخذ عليه أن يدعو بنفس ما دعي له به. وإنما كان دعاء التشميت ما ذكروا، كان أنواع البلاء والآفات كلها مؤخذات يؤاخذ الله تعالى بها عباده. وإنما تكون المؤاخذة بالذنوب. فإذا حطت مغفورة، وأدركت العبد رحمة الله تعالى، لم تقع المؤاخذة، فلهذا قيل للعاطس: يرحمك الله، أو يغفر الله لك. أي جعل ذلك لك لقدوم السلامة والصحة لك.
وقد يحتمل أن يكون التشميت وجوابه كالسلام ورده. ويحتمل أن يكونا جميعًا سنتين، لأن التشميت دعاء، فهو كالدعاء للمريض، ودعاء التهنئة بالولد. وليس جواب ذلك بفرض. والسلام كلام إيمان فاقتضى ردًا، لأن ترك الجواب عنه يوهم المخالفة. وإذا عطس رجل في الصلاة فقال: الحمد لله جاز. فإن سمعه من ليس في صلاة قال: اللهم ارحمه، ولا يقول: يرحمك الله. لأن هذا خطاب، ولا يخاطب من لا يخاطب. فأي واحد من هذين قال له. فإذا فرغ أجابه. وإذا سمع من هو في صلاة سكت عنه حتى يفرغ ثم يشمته. وإن قال وهو في الصلاة: اللهم ارحمه، أو اللهم اغفر له، جاز. وإن قال: يرحمك الله وعلم أن ذلك لا يصلح في الصلاة فسدت صلاته. وإن ظن أنه يصلح فيها لم يفسد، ويشمت العاطس إذا حمد الله تعالى ثلاث. فإذا جاوزها لم يشمت وذلك من الزكام.
وقال عبد الله بن عمر ﵄ لرجل شمت عاطسًا عنده ثلاث مرات فلما أراد أن يشمته في الرابعة قال له: دعه، فإنه مصوك.
[ ٣ / ٣٤٠ ]
فإن قيل: فلم لا كان المزكوم بالدعاء له أولى؟ قيل له: هو بالدعاء أولى، إلا أن دعاء المرضى شفاك الله وعافاك الله. وأما تشميت العاطس فهو دعاء لدوام الصحة، لا دعاء لدفع المرض. فلذلك لم يكن المزكوم فيه نصيب والله أعلم. ولا ينبغي للعاطس إذا عطس بحضرة قوم أن يخفي حمد الله ﷿، لأن نعمة الله تعالى عليه ظهرت لهم، فلا يحس أن يخفي عنهم شكره، ولأنه يحرم بذلك نفسه دعاءهم له. فإن كان إنما يخفي الحمد لئلا يشمت، فذلك أسوأ وهو نظير من يدخل على قوم فلم يسلم عليهم أو يخفي السلام لئلا يسمع فيرد عليه. روي أن رسول الله ﷺ قال: (يحب الله العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم فقال: الحمد لله، فحق على من سمعه أن يقول: يرحمك الله).
فأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع. فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان. ومعنى هذا أن الشيطان يعجبه التثاؤب لأنه أمارة الكسل وثقل الأعضاء. فإذا رأى الشيطان ذلك من أحد طمع في أن يكون منه النوم أو ترك العبادة، فذلك ضحكه والله أعلم.
وروى أن رجلًا عطس عند رسول الله ﷺ: الله أكبر. فقال النبي ﷺ: الله أكبر وعطس آخر فقال: الحمد لله على كل حال. فقال رسول الله ﷺ: يرحمك الله. قال يحيى بن أبي كثير يدل أن شمت ذلك له، لأنه لم يوافق السنة، وشمت هذا لأنه وافق السنة.
عن ابن مسعود ﵁ قال: إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين وليقل له: يرحمنا الله وإياك، وليقل هو: يغفر الله لنا ولكم. وكان ابن عمر ﵁ إذا شمت يقول: يرحمنا الله وإياك وإياكم.
وهذا إذ قيل له: يرحمك الله، فيقول: يرحمنا الله وإياك. وقال سالم: لا تدع لإنسان بدعوة إلا بدأت بنفسك، فإذا حمد الله عند العطاس، قيل: يرحمنا وإياك.
[ ٣ / ٣٤١ ]
وقال إبراهيم: إذا عطس أحدكم فليسمعنا الحمد حتى نشمته. وقال: إذا شمت أخاك فقل: يرحمك الله تعالى. فإن معه الحفظة كما أنك لو سلمت على رجل لقلت: السلام عليكم، كان أحسن من أن تقل: السلام عليك، وقد يفترقان لأن التشميت للعاطس، ولاحظ للملك فيه، والتسليم للصلاة، والملك من أهل الصلاة، وتستحب الصلاة على رسول الله ﷺ عند العطاس. عطس رجل عند ابن عمر ﵁، فقال: الحمد لله رب العالمين فقال ابن عمر: لو أتممتها، فقلت: والسلام على رسول الله.
ولا يشمت المزكوم، لن رجلًا عطس عند النبي ﷺ فقال له: رحمك الله. ثم عطس الثانية فقال النبي ﷺ: (هذا رجل مذكوم). وإذا لم يشمت المزكوم فالمنعكس كذلك، بل أولى، وإنما تشميت من عطس، لأن عله، ومن غير اختلاف لأن الأخبار في ذلك جاءت.
وفي أدب العطاس: روى أن رسول الله ﷺ كان إذا عطس حمر وجهه. وروى خفض صوته. وقال أبو موسى كان اليهود يأتون النبي ﷺ فيتعاطسون عند رجاء أن يقول: يرحمكم الله، فيقول: يهنيكم الله ويصلح بالكم. فإن قيل: قد شمتهم وهم يتعاطسون، قل: قد يخفى عليه أنهم تعاطسوا، وقد يعلم ذلك، فلا يحب إظهاره لهم بترك التشميت تألفًا لهم. ولأن يقولوا: إنما لم يشمتنا لأنا لم نكن من أهل دينه.
وعن الزهري ﵁ يكره شدة عطاس الرجل ورفع صوته في تثاؤبه في المسجد. ونهى مجاهد ﵁ عن الإعلان بالتثاؤب والعطاس.
وقال عبد الكريم بن أبي مالك يكره أن يرفع الصوت عند العطسا، والتثاؤب والتنخم ومطه بقوله يا غلام، وهو الذي جاء في العطاس من خفض الصوت، يحتمل أنه كان شمته، ولم يكن عمدًا، والناس في ذلك متفاوتون. وقد يجوز أن يفضل الباب،
[ ٣ / ٣٤٢ ]
فيقال: من كان في رأسه ثقل وشدة، فعطس، فشدد عطاسه، ورفع صوته ليعين بذلك عن انتفاخ شدقه لم يكن في ذلك ما يكره. وإن أراد برفع الصوت التلعب، وإرعاب بعض السامعين كره ذلك.
في العاطس إذا حمد الله: عن ابن عباس ﵄ قال: إذا عطس الرجل فقال: الحمد لله، قالت الملائكة: رب العالمين. وإذا قال: رب العالمين. قالت الملائكة: يرحمك الله.
في التثاؤب: قال رسول الله ﷺ: (إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه، فإن الشيطان يدخل). ومعي هذا أنه أعلم أنه إذا مد النفس فقد فغر فاه لم يؤمن أن يمتد معه شيء يكون في الهواء، فيدخل فيه فيتأذى بذلك. فسمي ما كان من ذلك شيطانًا، لأنه مؤذي، يدخل على الإنسان منه ما يكره كالشيطان، كما يقال للرجل الحسن الكريم ملك. وقال النبي ﷺ (يطلع من هذا الفج رجل بوجهه مسحة ملك) فأطلع جرير. وإنما قال بوجهه مسحة، ذلك لأنه كان حسنًا صبيحًا، إلا أنه كان هناك مسح بالحقيقة والله أعلم.
وينبغي إذا عطس العاطس أن يتأنى حتى يسكن بما به ثم يشمتوه، ولا يعاجلوه بالتشميت. وإذا عطس الخاطب وقال: الحمد لله ومر في خطبته لم يشمت، وإن وقف شمتوه. وإذا عطس أحد القوم فحمد الله تعالى جده، شمت إشارة. وقيل يشمت بكلام. وإذا علم من رجل يكره أن يشمت، ويرفع نفسه أن يتأسف، بذلك لم يشمت لا إجلالًا له بل إجلالًا للتشميت عن أن يرهل له من يكرهه، قال الله ﷿ فيما حكاه عن نوح النبي صلوات الله عليه أنه قال لقومه: ﴿أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده، فعميت عليكم، أفلزمكموها وأنتم لها كارهون﴾.
فإن قيل: إذا كان التشميت سنة، فلم تترك السنة بكراهية من يكرهها؟
[ ٣ / ٣٤٣ ]
قيل: هي سنة لمن أحبها، وليس بسنة لمن كرهها. لأن من يرغب عن الخير رغب الخير عنه. وإن كره رجل أن يسلم عليه عند اللقاء لم يسلم عليه لما وصفنا. كما أنه إذا مرض فكره أن يعاد لم يعد. وإن أوصى محتضر بأن لا يصلي عليه إذا مات صلى عليه، لأن الصلاة عليه شفاعة له. وهو إذا أسرف على أنفسه بأن أوصى أن لا يصلي عليه أحوج إلى الشفاعة له منه إذا لم يوص به. وأما السلام فتحية، والتشميت مثله. ومن كره التحية لم يحيى، كما أن من كره الزيارة لم يزر والله أعلم.
ولأن الصلاة عليه ودفنه واجبان بإيجاب الله تعالى وفرضه، فلا يعمل بوصيته في إبطالها والله أعلم.
* * *
[ ٣ / ٣٤٤ ]