وهو باب في المناسك
قال الله ﷿: ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئًا، وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود، وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾.
وقال ﷿: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفرفان الله غني عن العالمين﴾.
وقال النبي ﷺ: ﴿بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت) وقال: (من لم يمنعه من الحج مرض حابس أو سلطان جائز، أو حاجة ظاهرة، ثم مات ولم يحج، إن شاء يموت يهوديًا وإن شاء نصرانيًا). وهذا أعظم ما يكون من التغليظ، وإنما قال هذا، لأنه لم يكن لهاتين الطائفتين في الحج نصيب، ولم يكن من دينهم، كما كان فرض الصلاة والصيام والزكاة من دينهم. فجعل من ترك الحج من المسلمين كالمتشبه بمن لم يشرع له بالحج، وكانوا صنفين، فقال (فليمت إن شاء يهوديًا وإن شاء نصرانيًا) أي مثل أحدهما فليختر أيها شاء، فيضرب له المثل والله أعلم.
وقوله ﷿ ﴿ومن كفر﴾ معناه: ومن لم يحج، إلا أنه سماه كفرًا، كما سمى النبي ﷺ ترك الصلاة كفرًا، ليبين أن فعل كل واحد منهما إيمان، ولولا ذلك لما كان تركه كفرًا.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
وقد يجوز أن يكون ذلك منه تسمية ابتداء في هذين الأمرين، فصار الكفر إسمًا لهما شرعيًا كاسم النفاق لما يراد به، وكالإيمان والإسلام لما يراد بهما، وغير ذلك من أسماء كثيرة لم تكن سمعت ولا عرفت وإنما بلغت من الرسول ﷺ ويحتمل معنى آخر، وهو أن المراد من فعل ما يفعله الكفار، فحبس ولم يحج، مما قيل في قوله تعالى في قصة يونس: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾. معناه: ففعل فعل من يظن أن لن نقدر عليه، وهو المتهرب من تبليغ الرسالة وركوب البحر مع ركابه وهكذا قول النبي ﷺ في الصلاة (من تركها فقد كفر). أي فعل ما يفعله الكفار والله أعلم.
فصل
ومعنى ﴿حج البيت﴾ والبيت هو الكعبة، وإنما تعرف حقيقة الحج ومقداره بين العبادات بمعرفة البيت والوقوف على السبب الداعي إلى تفضيله وتشريفه، وقد أشار الله تعالى إلى أصل ذلك في كتابة، فقال: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا﴾.
وقال في آية أخرى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾. وأغلب ما قيل في معناه: أن المراد به خلاف الحديث، فحصل على الاثنين، أن الكعبة بيت عتيق، وأنه أول بيت وضع في الأرض، ولم يذكر الله تعالى واضعه. فيحتمل أن يكون الله تعالى أخبر به عنه ما أخبر آدم من الجنة. ويحتمل أنه كان أحدثه قبله. ويحتمل أن يكون أمر آدم فبناه. ويحتمل أن يكون أمر الملائكة فبنته. لا يخرج وضعه في الأرض من هذه الأربعة الأوجه.
وأما ما كان من هذا فينبغي أن يعلم أن وضعه فيه لم يكن أسكنه ساكن، وإنما كان ليجعل معبدًا، وذلك أن الله ﷿ قد جعل في بعض سماواته بيتًا وسماه بيت المعمور، وجعله تعالى لملائكته، وجعل فوق السموات العرش وشرفه باسم نفسه، فقال:
[ ٢ / ٤٠٧ ]
﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾. وقال: ﴿وكان عرشه على الماء﴾. وجعله للملائكة المقربين مطافًا وجعل لهم حوله صنافًا. فإنما خلق هذا البيت في الأرض ليكون فيها سكان البيت المعمور في مكانه من السموات، ومكان العرش حيث هو لمن في السموات.
وجاء عن الحسن ومجاهد: أن الكعبة تحت البيت المعمور وبحذائه.
وقال قتادة: ذكر لنا أن الحرم حرم بحياله إلى العرش. وإذا كان كذلك، فهو إذًا إنما وضع تحت البيت المعمور الذي هو يحاذي العرش، ليكون معناه في الأرض، معنى ما هو بحيالهما حيث هما. وكان العرش إنما يشرق باسم الله تعالى ليكون متعبدًا للملائكة المقربين يطوفون حوله ويصفون ويسبحون لله ﷿. والبيت المعمور بيت حيث هي بحياله ليكون معبد الملائكة الذين هم في تلك السموات. فكذلك الكعبة إنما شرفت باسم الله تعالى، وضعت في الأرض بحيال البيت المعمور ليكون متعبدًا لسكان الأرض، فخصه الله بعبادتين: أحدهما الطواف فلا يجوز إلا حوله. والآخر: الصلاة فلا تجوز إلا إليه. وذلك على صحة ما قلنا من أن هذا البيت وضع في الأرض ليكون متعبدًا لا يسكنه ساكن أن الله ﷿ اختار له وضعه للناس.
ومعلوم أنه لا يحمل الناس ولا يسمعهم، فصح أن معنى وضعه للناس إن شاء، وآتوا العبادة حوله، ويتشاركوا في الصلاة إليه. ودل عليه أيضًا أن النبي ﷺ أخبر: (أن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض). ولو وضعه لهم ليستكفوه لما حرمه ولما حرم ما حوله، كما لم يفعل ذلك بالمساكن التي هي في مشارق الأرض ومغاربها. فقد ظهر بما وصفنا السبب الذي تعلق الصلاة والطواف بالبيت لأجله. ويؤكد ذلك أن الصلاة إذا كانت عبادة لله ﷿، ولم يكن بدًا إذا وقف الرجل يصلي من أن يستقبل جهة من الجهات، كان أولى جهة بأن يستقبلها جهة البيت المشرف بأمامه المعظم بإضافته إليه. فصارت قبلة لإبراهيم ﷺ، ثم بعد ذلك لنبينا محمد ﷺ من هذا الوجه والله أعلم.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
فأما الحج الذي يراد به الفضل على سبيل الزيادة، فإنما يتفرع عن تشريف الله تعالى هذا البيت بإضافته إلى نفسه وإطلاقه للناس أن يقولوا: لا يكون إلا من توقيف متوارث أو نص متناقل. وقد قال الله ﷿: ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾. وقال: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس﴾. ولما أخبر أنه بيت حرام، وكانت تلك الحرمة حقه جل ثناؤه وعلمنا أنه خلق البيت ليضاف إليه لا ليضاف إلى أحد من عباده، فاقتضى ذلك أن يؤمه الناس بحجه وزيارته. فإن تعظيم الله تعالى إذا كان في الأرض بيته بحرم يشرف باسمه أن يزار ويعبد عقيدة، وتعظيمه تقربًا بذلك وتعظيمًا وتكريمًا لاسمه. وإن كان يعلم أنه لا يحتاج إلى البيوت ولا يسكنها، فإن الملائكة الذين هم حول العرش يعلمون أن الله ﷿ لا يحتاج إلى سرير ويتعظم بالجلوس عليه. وأنه لا يجوز أن يتوهم عليه بهذا، ولا أن يظن به. فإنه قد كان ولا عرش ولا بيت، لم يزل لا في مكان، ولا يزال لا في مكان، ولا يمكن أن يحويه مكان أو يحصره أو يحيط به مكان.
ثم لم يمكنهم ذلك من تعظيم العرش بعد أن شرفه باسمه، والصف حوله، والتسبيح عنده، وكذلك غلب بأن الله تعالى لا يحتاج إلى البيت ولا يمنعهم من تعظيم بيت قد شرفه باسمه وحرمه وبحرمته ما حوله. ومن التعظيم أن يزوره، وأن لا يقطع وفودهم عنه. فهذا سبب الحج.
وذكر وهب بن منبه في كتابه: أن آدم صلوات الله عليه لما أهبط إلى الأرض استوحش فيها، لما رأى من سعتها، ولم ير فيها أحدًا غيره، فقال: رب، أما أرضك هذه عامر يسجد فيها ويقدس لك غيري، قال الله ﷿: ﴿إني لأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي، واجعل فيها بيوتًا ترفع لذكري ويستحي فيها خلقي، وسيأتونك منها بيتًا اختاره لنفسي وأخصه بكرامتي واوثره على بيوت الأرض كلها باسمي وأسميه بيتي لتعظيمه بعظمتي، وأخرمه بحرمتي، وأجعله أحق البيوت وأولاها بذكري، وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي، فإني أخبرت مكانه يوم خلقت السموات والأرض، ومن قبل ذلك، فهو صفوتي من البيوت، ولست أسكنه، ولا ينبغي أن أسكن البيوت،
[ ٢ / ٤٠٩ ]
ولا ينبغي أن يحملني، أجعل ذلك البيت، ولمن بعدك يا آدم حرمًا وأمنًا، أحرم بحرمته ما فوقه وما تحته، فمن حرمه بحرمي، فقد عظم حرمتي، ومن أحله فقد أباح حريمي، ومن آمن أهله فقد استوضئت بذلك آياتي. ومن أخانهم فقد أحقرني في ذمتي، ومن عظم شأنه عظيم في عيني، ومن صغر شأنه صغر في عيني. ولكن تلك حوزة وبطن مكة حوزتي التي حزت لنفسي دون خلقي، فأنا الله، دونكه أهلها بقربي وجيران بيتي وعمارها وزوارها وفدى واهنأني في كنفي وضماني وذمتي وجواري أجعله أول بيت وضع للناس وأعمره بأهل السماء وأهل الأرض يأتونه أفواجًا شعثًا غبرًا على كل ضامر يأتين من كل فج عميق بالتكبير عجيجًا، ويرجون بالتلبية رجيحًا، فمن اعتمره ولا يريد غيري، فقد زارني وضافني ووفد إلى ويؤت لي، فحق لي أن ألحقه بكرامتي، وحق الكريم أن يكرم وفده، وزواره وأضيافه، وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته يعمره، يا آدم ما كنت حيًا، ثم تعمره من بعدك الأمم والقرون والأنبياء من ولدك، أمة بعد أمة، وقرنًا بعد قرن ونبيًا بعد نبي، حتى ينتهي ذلك إلى نبي من ولدك، يقال له محمد، وهو خاتم النبيين، فاجعله من عماره وحماته وولاته وحجابه وسقائه يكون أمنيتي عليه ما دام حيًا. فإذ انقلب إلي وجدني قد دخرت من أجره وفضله ما يتمكن منه من القربة إلي والوسيلة عندي وأفضل المنازل في دار المقامة، واجعل اسم ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وسناه ومكرمته لنبي من ولدك، يكون مثل هذا النبي وهو أبوه إبراهيم، ارفع له قواعده، واقضي على يديه عمارته، وأنيط له سقايته، وأريه حله وحرامه ومواقفه، واعلمه مشاعره ومناسكه، واجعله قانتًا قائمًا بأمري داعيًا إلى سبيلي، أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم، أبتليه فيصبر، وأعافيه فيشكر، وآمره فيفعل، وينذر لي فيفي، فيعدني فأنجز. أستجيب دعوته في ولده وذريته من بعده، واشفعه فيهم، واجعلهم أهل ذلك البيت، وولاته وحماته وسقاته وحرمه وخزانه وحجابه حتى يبتدعوا أو يغيروا ويبدلوا، فإذا فعلوا ذلك، فأنا أقدر القادرين على أن أستبدل بمن أساء، واجعل إبراهيم إمام ذلك البيت وأهل تلك الشريعة قائم به من حضر تلك المواطن من جميع الإنس والجن يطوفون فيه آثاره، ويبتغون فيه سنة، ويقتدون فيها بهداه. فمن فعل ذلك منهم أوفي نذره واستكمل نسكه، وأصاب نعتمه، ومن لم يفعل ذلك منهم ضيع نسكه ولم يوف نذره، وأخطأ بغيته. فمن سأل عني: أين أنا؟ فأنا مع
[ ٢ / ٤١٠ ]
الشعث الغبر الموفين نذورهم، المستكملين مناسكهم، المبتهلين إلى ربهم، الذي يعلم ما يبدون وما يكتمون.
وهذا الحديث يدل على أن البيت إن لم يكن موضوعًا حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض، هذا ظاهره. وقد يحتمل أن يكون موضوعًا، وإنما أراد الله بقوله: سيأتونك منها بيتًا لي أدلك عليه وأرشد إليه، وأن قد وضع، وكل بيت ذكرته، فإنما يوضع بعده.
فصل
وإذا ظهر أصل الحج، فالحج أن يتجرد من يريده عن لباس العباءة ويلبس ازازًا أو رداءًا ويلبي، معتقدًا أنه قد أحرم بحج، وذلك في وقت الحج. فإن وصل إلى البيت قبل عرفة طاف وسار ثم خرج إلى عرفة يوم عرفة، ووقف بها بعد زوال الشمس إلى غروبها، ثم أفاض إلى المشعر الحرام، وأقام به حتى يصلي الصبح، ثم يدفع إلى منى، فإذا طلعت الشمس رمي جمرة العقبة بسبع حصات، وإن كان معه هدى ذبحه أو نحره، ثم حلق رأسه ثم أفاض إلى مكة، يأتي البيت، وذلك يوم النحر، وطاف سبعًا، وصلى خلفها وخلف كل طواف إذا فرغ منه ركعتين، ويخرجه السعي الذي قدمه، فإن لم يكن سعى من قبل هذا اليوم بعد الطواف، ثم عاد الليل إلى منى ويقيم بها ثلاثة أيام. يرمي بالجمرات الثلاث كل يوم بعد زوال الشمس بإحدى وعشرين حصاة، وكل جمرة سبع. وإن شاء أن ينفر الثالث نفر. فإذا فرغ مما ذكرت، فقد فرغ من الحج. ويحرم عليه إذا أحرم ولبس المخيط وحلق الشعر، وتقليم الأظافر، وقتل الصيد والاستمتاع بالنساء والنكاح والتطيب، ويحل له منها إذا رمى جمرة العقبة يوم النحر، كل شيء إلا النساء. فإذا طاف وسعى حل له كل شيء ما كان حرامًا عليه، والفرض من الأعمال التي قدمت ذكرها الإحرام، وأدنى الوقوف بعرفة في وقته والطواف يوم النحر، والسعي وما شاء منها إلا يتفرغ. وكل ذلك مذكور في كتب الأحكام، وإنما نورد في هذا الكتاب ما يعلم أنه يشذ عني غيره أو يتعدد وجوده مجتمعًا فيه، فنقول -وبالله التوفيق -: أن الحج عبادة تجمع الإيمان وعامة العبادات التي هي من أركانه، لأن نفسه إيمان، وما
[ ٢ / ٤١١ ]
فيه من الإحرام الجامع لهذه المحظورات التي سبق ذكرها، يضاهي إحرام الصلاة التي يحرم به الكلام، وكشف العورة والإعراض عن القبلة، والمشي وسائر الأعمال التي ليست بصلاة، إلى غير ذلك. ويضاهي الصلاة المحرم للطعام والشراب والمباشرة، وأما ما فيه من التلبية، وأذكار الوقوف والطواف والسعي، فهو شبيه بأذكار الصلاة في القيام والركوع والسجود والقعود، وما فيه من الطواف والسعي فيشبهان بركعات الصلاة.
وما فيه من المقام بمنى والرمي، فإنه شبيه بالمرابط في سبيل الله والجهاد. وأما الوقوف بعرفة والمشعر الحرام فشبه بالاعتكاف في المساجد. وأما ما يلزم على حضور هذه المشاهدة، وتكلف هذه المناسك من مزية في المال فهو نظير الزكاة. فقد اجتمعت في الحج معاني العبادات كلها، فمن حج فكأنما صام وصلى واعتكف وزكى ورابط في سبيل الله وغزا.
وقال أبو الشعيا جابر بن يزيد: الصوم والصلاة يجتهدان البدن ويجهدان المال والصدقة تجهد المال ولا تجهد البدن. وأني أعلم شيئًا أجهد المال والبدن من هذا الوجه -يعني الحج.
وفي ذلك ما يبين عظم قدر الحج وجلال موقعه من العبادات.
فصل
ثم أن أعرض الحج أن الناس كما أنهم لما كانوا لا يتمالكون من أن يعرض فيهم في العبادة الكسل، ويتصل بكثير من طاعاتهم الخلل، فكان تعالى رحيمًا بعباده، ورفقًا بجميع خلقه، نظر لهم بأن جعل لهم أوقاتًا معلومة ضاعف ثواب أعمالهم، ودلهم عليها ليكون ذلك متعة لهم على الجد في العمل، حتى إذا فعلوا ما أمرهم به، ورغبوا فيما رغبهم فيه، غدا اليسير من عملهم كثيرًا. بها، جزاء موفورًا، فكذلك لما كانوا لا يتماسكون عن أن تبدر منهم بوادر العصيان، ويجدف منهم حوادث الإسراف والطغيان بين لهم في الدنيا معادًا يعودون إليه إذا أرادوا النزوع عما أسخط الله تعالى معتصمًا يعتصمون به، إذا هموا بالرجوع إلى ما يرضي الله ﷿، فجعل ذلك حج بيته الحرام، ووصف لهم
[ ٢ / ٤١٢ ]
مثابًا ومنابًا يقصدونه إذا ثابوا إليه، لأنهم لا يعضلون إلى عبادة، وليس يدني مكاني فيقعدني مكانه، وإذا نظروا لم يجدوا موضعًا يحققون الإنابة إليه بحضوره أولى من البيت المشرف باسمه، الحرم بحرمته، المجعول وجهه قبلة للمصلين، وما حوله للطائفين. فيقومون البيت منصورين بضم العبيد إلا ثابوا المستعصين، يريدون الرجوع إلى مولاهم حتى إذا بلغوا الميقات، وفضوا ملابسهم المعتادة، واغتسلوا ولبسوا الرباط كما يفعل بالحي إذا مات، فيغسل ويكفن في الرباط، كأنما هجروا الدنيا وزينتها، وخلفوها وراء ظهورهم، واحرموا عائدين على أنفسهم أن يدوموا على ما هم عليه، ولا يتلذذوا بطيب ولا مباشرة، ولا يلهوا باصطياد، ولا يتنعمون بأخذ شعر، ولا بتقليم ظفر، إلى أن يأذن الله تعالى لهم فيه، متصورين بصورة العبيد الذين ذكرناهم إذا أشرفوا على بلد مولاهم، فغيروا أحوالهم وتهيبوا بهيبة الخشوع والذلة، منتظرين ما يمن به عليهم مولاهم من العفو، فيكون من أقلهم تلك الحال عند ذلك لا قبله. فإذا وصلوا إلى مكة ثم يعرجون على شيء دون الطواف، كما أن العبد الراجع بعد فطافوا حول البيت متصورين بصورة عبد لاذ بسيده، وهو يقول له: أن لك وإليك، لا مذهب لي عنك، ولا منقلب إلا حولك، وذاك أن الطواف إذا كان حول البيت، كان الطائف لازمًا بالبيت لكل حال. وكلما ذهب عن وجه البيت إذا افتتح طواف أعاد إليه إذا ختمه، فكأنه يقول: أينما ذهبت فلست بذاهب عنك، وحيث ما مضيت، فإني راجع إليك، والإشارة في ذلك إلى أن بنت وأتيت، فلست المحدث ما يبعدني عنك، وأن أكون جلال ما ألابسه من الأشغال والأعمال خارجًا إلى ما يسخطك، كما أني في ذهابي عن باب بيتك طائعًا لست مهاجرًا إياه، ولا مفارق له، ولكني متمسك بجوار عابد إذا استدرت عن قيامه.
وله وجه آخر: وهو أنه قد جاء يزور البيت، ولكل حرمة الحرمة التي بجميعه، فلا يكون محدثًا عهدًا بجميع آخر البيت إلا بأن يستدير حوله، فاحتاج إلى الطواف لذلك، ثم الزيادة على المرة الواحدة للولوع بما أصاب، والحرص على الإستنكار منه وإظهار السرور به، وكل ذلك ملائم للعادات ليس بخارج منها.
وله وجه آخر: وهو أن يتصور الطائف بصورة من إناء البيت من أحد وجوهه، فخاف صدا فيجاوزه إلى وجه آخر، فخاف صدا فيجاوزه إلى وجه ثالث، فخاف صدا
[ ٢ / ٤١٣ ]
فيجاوزه إلى الرابع، فخاف صدا فعاد إلى الأول، ثم لم يزل يستدير ويتحول من صفحة إلى صفحة حتى استكمل سبعًا موعد الآذن وبشر بالقبول، وقيل له: قد وقع فعلك موقعه فانصرف الآن إلى يوم الزيارة. ويخرجون إلى عرفة كان مباح الزوار جعل فيها لأنها من الحل فلا ينبغي لمن لم يؤذن لقاء الزيارة، وهي من همه أن يقوم مقامه في الحرم، ومنه يزور لأن الزائر في العادة من يقصد غيره وهو بمعزل عنه. فأما من كان عنده فلا زيارة تقع منه له. وإذا كان حرم البيت كالبيت فالمقيم فيه كالمقيم في البيت أو عنده، فلا تتعذر منه زيارته، فجعل مجمع الزوار قبل مجيء وقت الزيارة عرفه، فإذا جمعوا بها وبقوا طويلًا، ودعوا وتضرعوا حتى إذا طال ذلك عليهم وجن الليل، إذن لهم في تورد الحرم والدنو ليلًا، فيأتون المزدلفة ويقيمون بها ليلهم داعين ضارعين، حتى إذا أسفر النهار، قدموا منها إلى منى، وأمروا أن يرموا بها جمرة العقبة بسبع حصاة كأنهم مخاطبون الشيطان ويقولون: لا مطمع لك فينا بعد اليوم، فقد بايعناك وقطعناك. ويتصورون بصورة من يدخر عدوا ويقذفه يريد تنحيته عن نفسه وإبعاده، ويرمونه بسبع حصاة. كما يطوفون حول البيت سبعًا ليكون مكان كل طوفة بالبيت رمية وحرقة للشيطان.
وفيه وجه آخر: وهو أن يكون رمي الحصى تأويلًا لإسقاط الالواث والارجاس عن أنفسهم. كأنهم يقولون: قد طرحنا بذنوبنا وأحلامنا فتتبرأنا منها، كما القينا هذه الحصى من الدنيا، وأبعدناها عن أنفسنا. والرمي مثل الإبعاد.
وفيه وجه آخر: وهو أن المناسك كلها موروثة عن إبراهيم ﵇ قال النبي ﷺ ﴿يا أيها الناس أقيموا على مشاعركم فإنكم على ارث من ارث أبيكم إبراهيم﴾.
وروى أن إبليس أعرض له بمنى فزجره بحصيات رماه بها لئلا يفسد عليه نسكه، فأوجب حق الإقتداء به، أن يرمي مثل تلك الحصيات كل خارج، تبركًا لمبايعته، وإتباع سبيله. أن ترى أن الاقتداء بأمته في السعي، كيف كان واجبًا على ما يذكر في معناه فأولى أن يجب الاقتداء في الرمي به نفسه.
وفيه وجه رابع: وهو ما روى أن الله ﷿ لما فدى إسماعيل بكبش، أتاه
[ ٢ / ٤١٤ ]
إبراهيم بمنى، فلما هم بأخذه استعصى عليه، فلم يزل إبراهيم يرميه بالحصى حتى ألجأه إلى سفح الجبل فأخذه. فقد يجوز أن يكون رمي الحجاج للاقتداء بإبراهيم، وتفاؤلًا بأن رميه بالحصى عاد عليه بادراك بعثه. فيرمي أن ما لنا يزكيه، فيما نقتدي به منه، ويعذنا الله من النار كما أعاذ إسماعيل من الذبح والله أعلم.
وفيه وجه خامس: وهو أن الطواف بالبيت لما عادل الصلاة، وهو فعل مجرد ذكر معه، فكذلك الرمي يعدل بالاستغفار، وإن كان فعلًا مجردًا لا ذكر معه. فالطواف التجاء والرمي استغفار. وكان الرامي يقول: اللهم ارم بأوزار عني كرمي هذه الحصيات. ويشبه أن تكون سبع حصيات قائمة مقام سبع استغفارات كل واحدة بعشرة فتلك سبعون. تم أمروا بتتابعها سبعون حصاة لتكون سبعين استغفارة بالحقيقة، والعدد دون التضعيف وذلك في أربعة أيام والله أعلم.
ثم إذن لهم في حلق رؤوسهم ومعاودة العادات في لباسهم وتطيبهم تيسيرًا لهم بالقبول والاستعفاف، وتر فيها في العاجل بينهم. ثم قيل لهم: قد جاء وقت الزيارة، فأحضروا.
فيلاحقون من منى إلى مكة، ويأتون المسجد متوجهين نحو البيت، حتى إذا دنوا من البيت بدأوا فقبلوا الحجر الأسود كأنما قصدوا متعظمًا، فيكشف لهم عن يمينه، لأن الحجر للبيت بمنزلة اليد، فإنه منصوب في وجه البيت من قبل اليمين.
وقيل أن تقبيل الحجر بمنزلة تقبيل العبد باب دار سيده، إذا لم يصل إلى تقبيل يده، فكذلك لما استحال أن تكون فيه خارجة تلمس وتقبل عنه على تقبيل باب بيته، ثم مضوا على إيمانهم وتركوا البيت على يسارهم حتى تطوفوا سبعًا، فإذا عرفوا خرجوا على المسعى فسعوا بين الصفا والمروة متيمنين به متقابلين لدرك المراد والوصول إلى البغية. إذا كانت هاجر لما سعت بينهما ورجعت إلى إسماعيل وجدته، وقد كفاها الله فيه ما كانت بحذره، وأنيط له من الماء ما كانت تطلبه، فلذلك يرجو كل حاج أن يرجع من السعي إلى ما جاء يطلبه، ذلك العفو والمغفرة، ويحلون بعدما ذكرنا الحل الكامل، فكأنما قيل للضارب منهم: ما مضى فقد مضى، فاستأنف العمل.
ثم يرجعون إلى منى ويقيمون بها ثلاثًا يرمون كل يوم إذا زالت الشمس بإحدى وعشرين
[ ٢ / ٤١٥ ]
حصاة، كل جمرة بسبع، فمن قال: أن المقصود بالرمي الشيطان جعل المقام بمنى، في هذه الأيام -بمنزلة المرابطة في سبيل الله. والرمي كل يوم منها بعد الزوال، بمنزلة ركضة تقع من العدو، فيرموا بالسهام ليزجروا على دار الإسلام.
ومن قال: إن المقصود بها الاستغفار جعل المقام بما في هذه الأيام كالاعتكاف في المسجد، والرمي كل يوم منها بعد الزوال كالصلاة والاستغفار، وكل واحد منهما محتمل والله أعلم، وفي الوجهين يراد للثبات على حكم قصد البيت، وترك الاستعجال بالصدر عنه، والتبرك بالرجوع إلى الموضع الذي فيه لحقتهم البركة، ورجوا فيه آثار الوفاق، وإمارات القبول، وليكون قصدهم البيت لطواف الوداع والصبر منه، كما كان قصدهم إياه لزيادة منه، ولم يرجعوا إلى عرفة لأن عليهم بقايا نسك ليست بعرفة موضعًا، ولأنها كانت مباحهم حين كانوا محرمين وهم الآن محلون فكان المقام بمنى الذي الإحلال أليق بهم من المقام بعرفة والله أعلم.
فصل
ولأجل ما وصفنا به الحج من الكمال والتمام وبينا الغرض في التعبد به، لم يشرع في العمر إلا مرة واحدة، ولم يفرض إلا على من كمل حاله. فإن الفرض الكامل كما لا يليق إلا بكامل الحال، وإن كان الغرض من الحج الإنابة والتوبة والأعذار إلى الله تعالى، لم يلق به العدد، وكان دخول العدد فيه موهنًا أمره. فإن النفس إنما مالت من إعدادها إلى خلاف الجميل تعجلًا على بلاء فيه بما يستقله منها. وإذا كان الحج واحدًا كانت النفس من مثل هذا أنزع، والقلب من الهم به أنزع وبالله التوفيق.
فصل
ويرجع إلى ما بدأنا به من الكلام في قوله تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس﴾.
فنقول: قد روى في الأخبار أنه أهبط لآدم خيمة من خيام الجنة، فضربت في موضع
[ ٢ / ٤١٦ ]
ليسكن إليها، يطوف حولها، ولم تزل باقية حتى قبض الله آدم، ثم رفعت. وهذا من طريق وهب.
وروى أنه أهبط معه بيت، فكان يطوف حوله والمؤمنون من ولده كذلك إلى زمن الغرق ثم رفعه الله، فصار إلى السماء. وهو الذي يدعي البيت المعمور، ويسمى الصراح.
وذكر رسول الله ﷺ أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يصلون فيه، ثم لا يعودون إليه أبدًا. والذي وقع إلي من الحديث هذا لا يتجاوز إلى قتادة إلى آخر قومه.
وجاء عن ابن عباس: إن آدم عندما أهبط إلى الأرض قال: يا رب، مالي لا أسمع صوت الملائكة وجنتهم؟ قال: خطيئتك، ولكن اذهب فابن لي بيتًا تطوف حوله كما رأيت الملائكة يصنعون حول عرشي. فأقبل آدم يتخطى حتى أتى مكة، فوضع البيت.
فقد يجوز أن يكون معنى ما قال قتادة مع أنه أهبط مع آدم بيت، أي أهبط معه مقدار البيت المعقور، طولًا وعرضًا وسمكًا. ثم قيل له: أين بيت تقدره.
ويجوز أن يكون في الأرض تختًا له، فكان خياله موضع الكعبة فبناها فيه. وأما الخيمة، فقد يجوز أن تكون أنزلت وضربت في موضع الكعبة، فلما أمر ببنائها، فبناها كانت في جوف الكعبة طمأنينة لقلب آدم، عاش، ثم رفع، فتتفق هذه الأخبار.
ثم لما كان زمان الغرق رفع البيت الذي بناه آدم، فصار البيت المعمور، ذلك الذي كان معمورًا في السماء، أي بطل أثره بالغرق، فخاض البيت المعمور ما كان في السماء.
وأما الذي كان في الأرض بحياله فإنه ضرب، ولم يزل خرابًا إلى أن أمر إبراهيم ﵇ بتحديده. فاجتمع بما وصفنا للبيت من الفضائل الموجبة لتعظيمها، أنه بدل بخيمة من خيام الجنة كانت مضروبة. ثم أن أهله بني آدم صلوات الله عليه، وأنه أمر ببنائه ليكون له في الأرض مكان العرش للملائكة فوق السموات. ثم أنه يقدر البيت المعمور وحياله، ثم أنه رفع، وبقي ما بقي، فأراد الله تعالى تجديده، أجرى ذلك على يدي إبراهيم وإسماعيل صلوات الله عليهما، وأحيى تلك المشاعر كلها بهما، وأراهما المناسك، ولم تزل باقية من ذلك الوقت إلى الآن تشهد وتؤدي حقها من الوجه الذي أمر الله ﷿.
ثم أن إبراهيم ﵇ لما فرغ من بناء البيت؛ دعا فقال: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولًا
[ ٢ / ٤١٧ ]
منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم﴾. فاستجاب الله دعاءه وبعث فيهم نبينا محمدًا ﷺ، فكان يقول: (أنا دعوة أبي إبراهيم) وإذا كان كذلك فهو إذًا من بركات البيت وخيراته، إذ كان سببه الدعاء الذي دعا به إبراهيم ربه لحين فرغ من بنائه، واجبًا أن تكون طاعته له لي ببناء البيت وسيلة يوفى بها سؤله، وتستجاب دعوته.
ثم أن الله ﷿ خلق نبينا بمكة وبناءه فيها، وابتدأ تنزيل الكتاب عليه فيها. وفتحها بعد استيلاء المشركين عليها له وعلى يده، حتى طهر البيت من أرجاس المشركين وأخرج الأصنام والتماثيل التي كانوا نصبوها فيه منه. وأعاده ركنًا نقيًا كما كان مكان البناء والعمارة جاريين على يدي إبراهيم وإسماعيل والتنزهه والطهارة واقعين على يدي نبينا محمد ﷺ جميعًا.
ثم أن الله ﷿ جعله قبلة للناس، فقال ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ وقال لنبيه ﷺ: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ وأن فرض مع هذا كله قصده وزيارته، وأمر عباده أن يخفوا حوله بالطواف إظهارًا للولوع والملازمة له، كما يحف العبيد ببيوت ساداتهم، ثم يشرع لهم لذلك القصد آدابًا، وهيأ قبله أسبابًا، بها يتم منهم التعظيم، ويكمل الإجلال والتفخيم، ويتوفر التشريف والتكريم كما سبق بيانه حبًا به، وتفضيلًا لم يكن في ذلك ما ينكره إلا ضعيف عقله سفيه، وأنه كما قال الله ﷿: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ وبالله التوفيق.
فصل
فأما ما دون البيت فإن المسجد فلا يعتد به، وأما خارج المسجد ففي تقدير الحرم
[ ٢ / ٤١٨ ]
للمسجد إلى آخر حدود الحرم، وجملة الحرم ما أذكره وهو على طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت تقارب ثلاثة أميال، ومن طريق اليمن طرف أصله لبن في بينة لبن سبعة أمثال. ومن طريق جدة منقطع الأعشاش عشرة أميال، ومن طريق الطائف على طريق عرفة من بطن نمره أحد عشر ميلًا، ومن طريق العراق على بينة جبل بالمنقطع سبعة أميال، ومن طريق الجعرانة شعب أبي عبد الله بن خالد سبعة أميال. وجاء في الآثار: أن إبراهيم أول من نصب أنصاب الحرم، وأن جبريل ﵇ دله على مواضعها، فإن غنم إسماعيل كانت ترعى في الحرم، ولا تجاوزه ولا تخرج، فإذا بلغت منتهاه من ناحية من نواحيه رجعت حنانة فيه.
وقيل أن حدود الحرم مواقف الملائكة التي كانت تحرس آدم لئلا تؤذيه الشياطين والسباع، ثم أنه قد جاء في تعظيم البيت والحرم أخبار: فمنها ما جاء عن رسول الله ﷺ أنه وقف على الحجون يوم الفتح فقال: (والله أنك لخير أرض وأحب أرض الله إلى الله، ولو أني أخرجت منك ما خرجت). وقال: (إن مكة حرام حرمها الله يوم خلق السموات والأرض والقمر، ووضع هذين الأحبشين لم تحل لأحد قبل، ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم عادت كحرمتها بالأمس، وهي في ساعتي حرام هذه لا يجلى جلاؤها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يرفع لقطتها إلا منشدها! فقال العباس: يا رسول الله، إلا الاذخر فقال: إلا الاذخر).
وعن النبي ﷺ قال: ستة لعنهم الله وكل نبي مجاب الدعوة: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمسلط بالحروب ليذل من أعز الله، أو يعز من أذل الله، والمستحل من غير في ما حرم الله، والتارك لسنتي). ومعنى قوله (وكل نبي مجاب الدعوة) أراد بقوله (ستة لعنهم الله) الدعاء لا الخبر، ثم قال: (وكل نبي مجاب الدعوة) أي قد دعوت عليهم، وأنا نبي، والنبي لا ترد دعوته. وعنه ﷺ قال: (كان النبي إذا
[ ٢ / ٤١٩ ]
هلكت أمته لحق بمكة فتعبد فيها ومن معه حتى يموت، فإن بها نوح وهود وصالح وشعيب، وقبورهم بين زمزم والحجر).
وعنه ﷺ: (لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها، فإذا ضيعوها هلكوا). وعنه ﷺ: (لا يكون بمكة سافك دم، ولا آكل ربا ولا نمام). ومعناه: لا ينبغي لساكنها أن يكون أحد الثلاثة، فإن لم يتمالك فليفارقها ولا يهتك حرمة حرمها الله بتعاطي الفواحش فيها.
وعنه ﷺ قال: (الركن اليماني والركن الأسود روضة من رياض الجنة). وروى أن إبراهيم قال لإسماعيل ﵉: ائتني حجرًا أجعله للناس آية فذهب إسماعيل ثم رجع ولم يأته بشيء، ووجد الركن عنده. فلما رآه قال: من أين لك هذا؟ قال إبراهيم جاء به من لم يكلني إلى حجرك، جاء به جبريل. قال: فوضعه إبراهيم ﵇ في موضعه هذا، وأنار شرقًا وغربًا ويمنًا وشامًا، فحرم الله ما انتهى إليه نور الركن من كل جانب، وهذا قول آخر في تحريم الحرم.
وعن رسول الله ﷺ: (من مات بمكة فكأنما مات في السماء الدنيا ومن مات في أحد الحرمين حاجًا أو معتمرًا بعثه الله ﷿ يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب). وعنه ﷺ: (من نظر إلى البيت إيمانًا واحتسابًا غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وحشر يوم القيامة في الآمنين).
وعنه ﷺ: (صلاة في المسجد الحرام بألفي صلاة في سواه. وجاء لألف وخمسمائة) وعنه ﷺ: (من جلس مستقبل الكعبة ساعة واحدة محتسبًا حبًا لله ورسوله، وتعظيمًا
[ ٢ / ٤٢٠ ]
للقبلة، كان له أجر الحج والمعتمر والمحافظ والمرابط الصائم القائم، وأول من ينظر الله ﷿ من عباده أهل الحرم. فمن يراه طائفًا غفر الله له، ومن رآه قائمًا عفر له، ومن رآه جالسًا مستقبل القبلة غفر له).
وعنه ﷺ: (إن الله ﷿ خلق لهذا البيت عشرين ومائة رحمة ينزلها كل يوم، ستين للطائفين وأربعين للمصلين وعشرين للناظرين). وعنه ﷺ: (من صبر على حرمة مكة ساعة من نهار تباعدت عنه النار، وتقربت منه الجنة، ومن مرض يومًا بمكة كتب الله له من العمل الصالح الذي كان يعمله عبادة ستين سنة).
وعنه ﷺ: (إن الركن والمقام يأتيان يوم القيامة ولهما عينان ولسانان وشفتان، يشهدان لمن وافاهما بالتصديق). وقال: (أنه لم يبق في الأرض شيء من الجنة غير هذا الحجر، ولولا ما مسه من أنجاس المشتركين ما استشفى به ذو عاهة إلا برأ). ويجور أن تكون الجنة في هذا الحديث الجنة التي كان فيها آدم.
وعنه ﷺ: (إن أسلافهما جعلاه للخطايا). ومن قبل هذا قصة الفيل وهي سابقة للإسلام، وما كان للحبش من قصد الكعبة بالتخريب وسوق الفيل إليها، وأخذ الله إياهم وتنكيله بهم كما اقتصه في كتابه، فلو لم يكن جلال قدر الحرم برهان سوى هذا المكان على الكفاية زائدًا. وقد ذهب بعض الناس في قوله ﷿: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾. إلى أن المراد به إعتاق الله تعالى إياه من الجبابرة، فلا يذكر أن درأ أحد منهم امتدت إلى أهله.
يروى هذا الخبر عن مجاهد، وأن ذكر ذاكر الحجاج بن يوسف ونصبه المنجنيق على
[ ٢ / ٤٢١ ]
الكعبة حتى كسرها، قيل إنما أعتقها عن كفار الجبابرة لأنهم إذا كانوا بأنفسهم متمردين وبحرم الحرم غير معتقدين، وقصدوا الكعبة بالسوء، فعصمها الله منهم، ولم تنلها أيديهم، كان ذلك دلالة على أن الله تعالى صرفهم عنها جرًا. فأما المسلمون الذين اعتقدوا حرمتها، فإنهم لئن كفوا عنها، لم يكن في ذلك من الضلالة على منزلتها عند الله مثل ما يكون منها في كف الأعداء، فنصر الله تعالى هذه الطائفة على الكف بالنهي والوعيد، ولم يتجاوز إلى الصرف بالإلجاء والاضطرار، وجعل الساعة موعدهم، والساعة أدهى وأمر.
وعن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: إن كانت الأمة من بني إسرائيل لتتقدم مكة، فإذا بلغت ذا طوى، خلعت نعالها تعظيمًا للحرم، وكان لعبد الله بن عمرو بن العاص فسطاتان: أحدهما في الحل، والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاين الأهل عاينهم في الحل. وإذا أراد أن يصلى صلى في الحرم. فقيل له في ذلك: إن كنا لنحدث أن أمر لحال في الحرم أن يقال: كلا والله، وبلى والله، وقال ابن عباس: استشارني الحسين بن علي ﵃ في الخروج، فقلت له: لولا أن تدري من أبوك لألبست يدي في رأسك، فقال لئن أقبل فكان كذا وكذا، أحب إلي من أن يستحل بي الحرم، فذلك الذي لوت بنفسي عنه.
قال طاووس: والله ما رأيت أشد تعظيمًا للمحارم من ابن عباس. وقال عمر بن الخطاب ﵁: لخطبة أصبتها بمكة أعز علي من سبعين خطبة بغيرها، وكان يقول لفريقين يا معشر قريش، الحقوا بالأقارب. فهو أعظم لأخطائكم وأقل لأوزاركم، يعني أن تتعاب الذنوب في الحرم أعظم وأثقل.
وسئل عمر بن عبد العزيز ﵁ أن يقيم بمكة فأبى. وسئل: لم تأت فقال: مخافة الحدث، ووافق أمره شهر رمضان بمكة فخرج منها إلى الطائف وصام بها. وقال سعيد بن المسيب لرجل من أهل المدينة وأوفى مكة، وذكر أنه جاء بطلب العلم: ارجع إلى المدينة، فأنا كنا نسمع أن ساكن مكة لا يموت حتى يكون الحرم عنده بمنزلة الحل لما يستحل من حرمتها.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
وقال عمر بن الخطاب ﵁: يا أهل مكة لا تحتكروا الطعام، فإن احتكار الطعام للبيع بمكة الحاد، يعني بقول الله تعالى: ﴿ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾.
وقال عبد الله بن عمر ﵄: ظلم الخادم فما فوقه في الحرم الحاد. وقال ابن عباس: حج الحواريون فما دخلوا لحرم فثبتوا تعظيمًا للحرم، وكان أهل الجاهلية يغير بعضهم على بعض، ويسفك بعضهم دماء بعض، فإذا رأى أحدهم قاتل ابنه وأخيه في الحرم أو في الشهر الحرام أو محرمًا أو مقلدًا هديًا لم يعرض له وذلك لما توارثوه من تعظيمه من لدن إبراهيم إلى ذلك الوقت.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه، وقال ابن عمر: لو وجدت فيه قاتل عمر ما يذهبه، وقال عبد الله بن عمر: أن الحرم محرم مقداره من الأرض في السموات السبع، وأن بين المقدس مقدس مقداره من الأرض في السموات السبع.
وقيل لعكرمة ما قوله لا ينفر صيدها؟ قال: أن تحوله من الظل إلى الشمس وينزل مكانه. وقال طاووس ﵀: يكره السجن بمكة، ويقول: لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة.
وفي الحرمين زمزم، جاء في الروايات أن جبريل بسطه الله للنبي إسماعيل صلوات الله عليه من إبراهيم صلوات الله عليه خليل الخليل، وقال النبي ﷺ: (يا زمزم، لما شرب منه). وقال: (زمزم لا يبرح ولا ينزم، ويسقي الحجيج الأعظم) وجاء عن بعضهم: طعام من طعم وشفاء من سقم.
وقال الحسن ﵁: يقال أنه يستجيب الدعاء بمكة في خمسة عشر موضعًا:
[ ٢ / ٤٢٣ ]
عند الماء، وتحت الميزان، وخلف المقام، وفي الطواف وبعرفة ومنى ويجمع، وعند الحجرات الثلاث، وعلى الصفا والمروة، وفي البيت، وعند زمزم، وفي المشعر.
وما يبين عظم تحريمة المعظم، أنه ليس لأحد أن يدخله إلا محرمًا لحج أو لعمرة إلا من كان يتردد من أهلها من الحل إلى الحرم، ومن الحرم إلى الحل في حوائج أهلها كالحطابين والدعاة وحملة الألبان، الذين يتعذر عليهم أن يجمعوا بين النسك وبين ما هم بصدده من الشغل. واتفق العلماء على هذا حتى قال بعضهم: أن دخل الحرم بغير إحرام فعليه القضاء، فبان بجميع ما اقتضيناه جلال قدر الحرم وما يلزم من تعظيمه وتفخيم أمره والله أعلم.
ثم جاء في فضل الحج والعمرة والحث على المبايعة بينهما، والتغليظ على تارك الحج، مثل ما جاء في تعظيم شأن الحرم. قال النبي ﷺ: (تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر، كما ينفي الكير خبث الحديد). وجاء عنه ﷺ: (الحج المبرور ليس له ثواب إلا الجنة). وقال ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ: (من كان عنده مال يبلغه الحج فلم يحج، أو عنده مال تحل فيه الزكاة فلم يزكه، سأل عند الموت الرجعة).
فقيل يا ابن عباس: أنا كنا نرى هذا للكافر! قال: إنما اقرأ عليكم به قرآنًا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون. وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت، فيقول: رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين﴾. قال الحسن بن صالح في تفسيره: فأزكي وأحج.
وقال سعيد بن جبير: لو مات جار لي وله ميسره، ولم يحج لم أصل عليه. وقال الأسود لمولاه حقلاص: هل حججت، لئن مت ولم تحج لم أصل عليك، وقال رسول
[ ٢ / ٤٢٤ ]
الله ﷺ: (والذي نفسي بيده ما بين السماء والأرض من عمل أفضل من جهاد في سبيل الله، أو حجة مبرورة لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال).
وعنه ﷺ قال: (الحجاج والمعتمرون وفي الله بحظهم ما سألوا ويخلف عليهم نفقاتهم) وعنه ﷺ قال: (العمرة تكفر إلى العمرة، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة).
وعنه ﷺ: (أفضل الأعمال عند الله إيمان لا شك فيه، وغزو لاغلول له، وحج مبرور)
وعنه ﷺ: (من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه). وعنه ﷺ: (اللهم اغفر للحجاج ولمن استغفر له الحاج).
وعنه ﷺ: (النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف) وعنه ﷺ: (إن الله تعالى يقول: إن عبدًا صححت له جسمه وأوسعت عليه مني المعيشة، يمضي عليه خمسة أعوام ولا يعد إلي محروم).
فصل
وإذا ثبت عظم قدر المحرم وثبت فرض الحج وفضله، وظهر معناه وغرضه، فمن آدابه أن يبدأ فيحاسب نفسه ثم يبرئها مما يلزمها من المظالم والآثام ويتوب إلى الله ﷿، ويندم مما فرط منها في الطاعات، وفارقه من السيئات، وينزع عنها، ويستغفر الله تعالى منها ويعزم على أن لا يعود إليها، وأبعد نفقته من أطيب مال وأجله. فإن رسول الله ﷺ قال: (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا الطيب، وأن الله أمر المؤمنين بما أمر
[ ٢ / ٤٢٥ ]
المرسلين). وقال الله ﷿: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا﴾ وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ ثم ذكر الرجل يطيل الشعر أشعث أغبر، حمد يديه إلى السماء، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وقد غرق في الحرام، فأني يستجاب له؟ وعن رسول الله ﷺ قال: (إذا يمم هذا البيت حاج فكسب حرامًا فشخص في غير طاعة، حتى إذا أقل ووضع رجله في الركاب وابتغيت به راحلته وقاله: لبيك، اللهم لبيك، نادي مناد من السماء، لا لبيك ولا سعديك، كسبك حرام وقيامك حرام، وزادك حرام، ارجع مأزورًا غير مأجور. وإذا خرج حاجًا بالمال الحلال ووضع رجله في الركاب وابتغيت به راحلته، فقال: لبيك اللهم لبيك، نادي مناد من السماء، لبيك وسعديك، راحلتك وثيابك حلال، وزادك حلال وحجك مبرور، فابشر بما يسرك، استأنف العمل ويتزود منها ما يحتاج إليه، فإن الله ﷿ إنما أمر بالحج من يستطيعه).
فقال النبي ﷺ: (الاستطاعة الزاد والراحلة). وروى أن رهطًا من أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون، ففيهم أنزل الله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾. فقد يحتمل أن يكون المعنى في هذا، قال: خير الزاد ما اتقى به المسافر من الهلكة أو الحاجة إلى السؤال والتكفف.
وقال عبد الله بن الزبير وقد تلا هذه الآية: كان الناس يتكل بعضهم على بعض في الزاد، فأمروا أن يتزودوا. وقال عكرمة: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون يقولون نحن متوكلون، فإذا جاءوا مكة: سألوا الناس، فأنزل الله تعالى ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾.
وكان النبي في مسيرة راحلة عليها زاده، وقدم عليهم ثلاثمائة رجل من مرتبه: فلما
[ ٢ / ٤٢٦ ]
أرادوا أن ينصرفوا قال: (يا عمر، زود القوم ولا تخاطر بالخروج وحده أو في رفقة غير قومه أو يسألونك طريق بحر هائج، فإن الخطر بالنفس ليس من البر).
وعن النبي ﷺ: (من ركب البحر في حال ارتجاجه فقد برئت منه الذمة، فإذا أراد الخروج من بيته فليودع بيته ركعتين يصليهما لله ﷿، ويدعو على أثرهما لنفسه بالسلامة وحسن الغربة، ولأهله ولولده وماله وسائر ما يخلفه بالسلامة والكفاية).
جاء النبي ﷺ أنه قال (ما خلف عبد خليفة على أهله وماله أفضل من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد سفرًا). وقال علي ﵁: إذا خرجت في سفر فصل ركعتين، وإذا قدمت فصل ركعتين والدعاء لأهل، ما يروى عن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يخرج في سفر قال: (اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم أصبحنا في سفرنا واخلفنا، إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، ومن الجور وبعد الكدر، ودعوة المظلوم وسوء المنظر في الأهل والمال، اللهم اقبض لنا الأرض وهون علينا السفر) فإذا نهض من مجلسه قال: (اللهم بك انتشرت وإليك توجهت، وبك اعتصمت، وعليك توكلت، اللهم بك نفنى وأنت رجائي اللهم الفناء ما همني وما لا أهتم له، وما أنت أعلم به مني، عز جارك، وجل ثناؤك ولا إله غيرك، اللهم زودني التقوى، واغفر لي ذنبي ووجهني للخير أينما توجهت). ويودع أهله وسائر من يخلف عنه من أهل داره وغيرهم إذا أراد مفارقتهم فيقول لهم: (استودع الله دينكم وأمانتكم وخواتم أعمالكم) ويقول له مودعوه أيضًا: (نستودع الله دينك وأمانتك وخواتم عملك) ثم يخرج.
فإذا خرج، لقد روي عن النبي ﷺ أنه كان إذا خرج من بيته قال: (بسم الله،
[ ٢ / ٤٢٧ ]
لا حول ولا قوة إلا بالله التكلان على الله). وعنه ﷺ أنه كان إذا خرج من بيته قال (بسم الله، اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أضل أو أظلم أو أظلم أو أجهل، أو يجهل علي). فإذا أراد أن يركب راحلته فليقل: (بسم الله)، وإذا استوى عليها فليقل: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون. الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، إني ظلمت نفسي فاغفر لي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).
وروى أن رسول الله ﷺ فعل ذلك، وينبغي له ولكل مسافر أن يكثر ذكر الله في سفره، وتجنب الغيبة والكذب، وكل ما لا يرضاه الله. فإنه روى أن رجلًا أراد السفر فقال: يا رسول الله، أوصيني فقال: (أوصيك بتقوى الله والتكبير على كل شرف).
وقال جابر: كنا إذا كنا في الأسفار، فصعدنا كبرنا، وإذا انحدرنا سبحنا، وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صعد أكمة أو بشر قال: (اللهم لك الشرف على كل شرف، ولك الحمد على كل حمد). وإذا أشرف على بلد أو قرية يريد نزولها فليقل إذا رآها ما روي أن رسول الله ﷺ لم ير قرية ويريد دخولها إلا قال حين يراها: (اللهم رب السموات السبع وما أقللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أنا نسلك خير هذه القرية وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها). وفي حديث آخر أنه كان يقول: (اللهم ارزقنا جناها وجنبنا وباءها، وحببنا إلى أهلها وحبب إلينا صالحيها). وإذا أصبح في سفره فليقل ما روى أن رسول الله ﷺ كان إذا كان في سفر فأسحر يقول: (سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا، فانا نحمده على أنه صاحبنا فاضل علينا وأنه
[ ٢ / ٤٢٨ ]
عائذ به من النار). فيكون قوله: سمع بما كان من نعمة الله علينا، وبحمدنا فإنه صاحبنا فأفضل علينا، فنحن نحمده على ذلك ونستعيذ به من النار. ومن الناس من يقول: صاحبنا فأفضل علينا، يعني النداء.
وإذا أقبل الليل فقد روى عن النبي ﷺ أنه كان إذا سافر فأدركه الليل قال: (يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما يخرج منك، وشر ما يدب عليك. وأعوذ بالله من أسد وأسود وحية وعقرب، ومن شر ساكني البلد ووالد وما ولد).
وإذا نزل منزلًا، فإنه يروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق، لم يضره في ذلك المنزل شيء حتى يرتحل منه).
وحسن أن يتعوذ عند إقبال كل ليلة وإقبال كل نهار بالمعوذتين، وكذلك إذا نزل منزلًا، فإن رسول الله ﷺ قال: (ما تعوذ المتعوذون بمثلهما). وكلما ارتحل من منزل ودعه بركعتين، فإنه يروى أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر فنزل منزلًا، فأراد أن يرتحل ودع المنزل بركعتين. وإذا طال السير ومل الناس وخيف أن يغلب النعاس، فلا بأس أن يحدو الحادي وينشد المنشد من أراجيز الأعراب التي لا عناء فيها ولا فحش. ولا يسبت بمن لا يحل، يرون أن البراء كان حميد الحداء وكان حادي الحال، وكان أبخشة يحدوا بأزواج النبي ﷺ فلما حدا أعتقت الإبل، فقال النبي ﷺ: (يا أنجشة، رويدًا سوقك بالقوارير).
وروى أن النبي ﷺ كان يسير من مكة إلى المدينة في جوف الليل إذا سمع رفقة فيها حادي، فأتاهم هو وصاحب له، فسلم ثم قال: (من القوم؟ قالوا: من مضر. قال: وأنا من مضر، ونادي حادينا فسمعنا حاديكم فدنونا منه: يا رسول الله، أما أنا نقول: أنا
[ ٢ / ٤٢٩ ]
أول حي سن للحداء. كان منا رجلًا يسوق ابلًا له، فاشتكى يده، فجعل يقول: وايداه وايداه، فجعلت الإبل تنساق وتجتمع، فإذا سكت تفرقت. فنحن نقول: إنا أول من سن الحداء).
وروى أن النبي ﷺ كان يسير فقال لعبد الله بن رواحة: (يا عبد الله ألا تحرك بنا الركاب، فنزل فجعل يسوق بالنبي ﷺ ويقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام أن لاقينا
أن الذين قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا
فقال النبي ﷺ: اللهم ارحمه).
ومر عمر رضي الله عليه برجل يغني وهو محرم، فقيل لعمر: انظر إلى هذا يغني وهو محرم فقال عمر: أن الغناء زاد، وكان سعد بن مالك يتغنى بين مكة والمدينة وهو محرم فقال له: أتتغنى وأنت محرم؟ فقال: هل تسمعني أقول بأسًا، وقال عمر لحاد: أحد ولا تعرض لذكر النساء، وليعاشر رفقاه بالمعروف، وليكن لهم جانبه ويوسعهم خيره، وليكفف عنهم شره أساؤوا أو أحسنوا، وعرفوا حقدًا أو لم يعرفوا. قال الله ﷿ ﴿وبالوالدين إحسانًا وبذي القربي واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب، والصاحب بالجنب﴾. وقيل في تفسير: الرفيق في السفر، وليختر لصحبته ومرافقته الأخيار وذوي الأخلاق الحسنة والشمائل المرضية. يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا تصحب إلا مؤمنًا ولا تأكل طعامك إلا تقي).
وعنه ﷺ: (مثل المؤمن كمثل الفرس في أخيه يجول ثم يرجع إلى أخيه، وأن المؤمن يسهو ثم يرجع إلى الإيمان واطعموا طعامكم الأتقياء، وولوا معروفكم المؤمنين).
[ ٢ / ٤٣٠ ]
وقال شعيب السمان، قلت لطاووس: إني صحبت قومًا إلى مكة ورأيت في أخلاقهم سوءًا، فجعل الرجل يلقاني فيقول: كيف وجدت صحبة رفقاتك! أخبر عنهم، فقال: لا تخبر عنهم، وقال عمرو بن العاص لقومه: ليس الواصل من فضله من وصله، ويقطع من قطعه قالوا: وما ذاك؟ قال: ذاك المنصف. إنما الواصل من يصل من وصله ويعطف على من قطعه. وليس الحكيم الذي يحلم عن قومه ما حملوا عنه، فإذا جهلوا عليه جاهلهم، إنما ذاك المنصف. إنما الحليم من يحلم عن قومه ما حملوا عنه، فإذا جهلوا عليه حلم عليهم. وأولى من هذا ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال لأصحابه: (ألا أدلكم على أفضل مكارم الأخلاق، قالوا: بلى. قال: أن تعفوا عمن ظلمك، وأن تعطي من حرمك، وأن تصل من قطعك) ومما يؤثر عن عيسى بن مريم ﵇ أنه قال: ليس الإحسان إن تحسن إلى من أحسن إليك، إنما ذلك مكافئًا المعروف، ولكن الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك.
وسئل ابن عباس وسعيد بن المسيب عن المدين هل له حج أم لا؟ قال: نعم، حج حسن جميل إذا اتقى الله وأدى الأمانة وأحسن إلى أصحابه. وإذا أراد السفر أن يترافقوا فقد جاء عن النبي ﷺ قال: (خير الأصحاب الرفقة، فإن لم يريدوا عليها كان ذلك أمكن لأسلافهم، وإن وافق الرجل غير قومه ما لم يكن في ذلك قطع رحم فهو خير).
قال رسول الله ﷺ (اغزو مع غير قومك يحسن خلقك، وتكرم على رفقائك).
وقال الحسن ﵀: لا تصحبن من يكرم عليك في السفر، فإن السفر يفرق بينك وبينه، وقيل لعون بن عبد الله: مالك لا تصحب فلانًا؟ قال: لنا أخلاق نكره أن نختبرها بقضاء من بعض، وإذا بلغ السفر ثلاثًا فصاعدًا، فينبغي لهم أن يؤمروا على أنفسهم أحدهم، فيسيرون إذا سار، وينزلون إذا نزل، ويتحرى لهم موضع نزولهم. فيقبلون منه. وإذا رأى أن يسير الليل دون النهار، والنهار دون الليل لم يخالفوه، وإذا نزل للصلاة نزلوا بنزوله، وإذا رأي تقديمها للجمع أو تأخيرها اتبعوه.
[ ٢ / ٤٣١ ]
قال النبي ﷺ: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم، وأكثرهم قرآنًا أحق أن يكون أميرهم).
روي أن رسول الله ﷺ بعث بعثًا ذوي عدد واستقر أهم القرآن فأتى من أحدثهم سنًا، قال: (ما معك يا فلان؟ قال: معي كذا، حتى ذكر سورة البقرة. قال أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم. قال: اذهب فأنت أميرهم).
ويستحب للمسافر إذا كان رفيقه صالحًا أن يعينه ويكفيه بعض أمره. روي أن رفقة من الأشعريين خرجوا إلى الشام، فلما رجعوا، قالوا: يا رسول الله، ما رأينا رجلا بعد النبي ﷺ أفضل من فلان، ما نزلنا منزلًا إلا قام يصلي، ويظل النهار صائمًا: قال: (من كان يرحل له، من كان يكفيه المهنة؟ قالوا: نحن: قال: كلكم أفضل منه).
وروى أن النبي ﷺ خرج في سفر، فصام قوم، وأفطر قوم. فضعف الصوام عن العمل، وعمل المفطرون، فقال النبي ﷺ: ذهب المفطرون بالأجر اليوم).
وعن النبي ﷺ: (خادم القوم أعظمهم أجرًا) وعن النبي ﷺ: (سيد القوم في السفر خادمهم). وعنه ﷺ أنه كان يصلي على الرجل يراه يخدم أصحابه، وقال مجاهد: صحبت ابن عمر وما أريد أن أخدمه، وكان ابن عمر يريد أن يخدمني. وكان يأخذ لي الركاب فأخذه مرة فرآني كرهت ذلك. فقال: يا مجاهد إنك لضيق الخلق.
وكان عامر بن عبد القيس إذا فصل عازمًا وقف ييوسم الرفاق، فإذا رأى رفقة توافقة قال: يا هؤلاء أني أريد أن أصحبكم على أن تعطوني من أنفسكم ثلاث خلال، فيقولون: ما هن؟ فيقول: أكن لكم خادمًا لا ينازعني أحد في الخدمة، وأن أكون مؤذنًا لا ينازعني أحد في الآذان، وأنفق عليكم بقدر طاقتي. فإذا قالوا نعم، انضم إليهم وإن نازعه أحد منهم شيئًا من ذلك رحل منهم إلى غيرهم.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وقال طارق بن شهاب: ضرب على الناس بعث، فخرج مع سلمان الفارسي فقلت: أخدمه. فجعلت إذا عجنت ذهب واختبز، وإن علفت الدواب ذهب واحتطب، فجعلت لا أعمل عملًا إلا عمل مثله وأفضل منه حتى جعل لا أدري أينا أفضل على صاحبه.
وقال معاوية بن قرة: إذا اصطحب الرجلان فتقدم أحدهما فقد لبى الصحبة، وينبغي أن يبسط في الاتفاق إذا كان خارجًا إلى الحج. قال رسول الله ﷺ: (النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف). وإنما يراد بهذا الإعانة والمواساة لا الإستكثار من ألوان الطعام والشراب.
وقال رسول الله ﷺ: (حج مبرور ليس له جزاء إلا الجنة. قالوا: يا نبي الله، وما ترى الحج؟ قال: إطعام الطعام، وطيب الكلام).
وإن اجتمعت الرفقة على المناهدة وتراضوا بها فلا بأس وقد فعلها قوم من السلف إلا أن تركها الشبه بالورع. وإن كانت الرفقة تجتمع كل يوم على طعام أحدهم، فذاك أحب إلي من الشهد، لأنهم يتناهدون إلا لنصب كل واحد منهم من ماله، ثم لا يدري أحدهم يقصر عن ماله، ويأكل غيره أكثر من ماله. وإن كان يومًا عند هذا، ويومًا عند هذا فلا شرط، فإنما يكونون أصنافًا وكل ما كان أشد انبساطًا منها دعي إليه، وكان أكرم على من دعاه، وأحب إليه.
وقال أيوب السجستاني: إنما كان النهد أن القوم إذا كانوا في السفريسبق أحدهم المنزل فيدلج، ويهيء الطعام، ثم يأتيهم، ثم يسبق أيضًا إلى المنزل. فيفعل مثل ذلك. فقالوا إن هذا الذي يصنع، كلنا نحب أن نصنع مثل هذا، فتعالوا نجعل شيئًا فشيئًا، لا يفضل بعضنا على بعض فوضعوا لهديتهم، وكان الصلحاء إذا تناهدوا ويحتذي أفضلهم أن يزيد على ما يخرجه أصحابه وإن لم يرضوه بذلك منه إذا علموا فعله سرا منهم دونهم.
قال أحد أصحاب الحسن: كان الحسن يجازينا، فكان النهد يوضع على يدي فيعطيني
[ ٢ / ٤٣٣ ]
كما يعطي القوم في العلانية، ثم يأتي بمثله في السر. فأقول: يا أبا سعيد، هؤلاء المتبقون قوم مناكير. فيقول خذها أيها الرجل.
وروى أن ابن عون كان في سفر، فقال: إذا أنفق كل واحد منكم على حدة فلم ير ذلك، فليخرج كل واحد منكم ما استطاع، ودليل ذلك رجل وأحب أن أكون ذلك الرجل. فقالوا: نعم. فأخرجوا ودفعوا إليه فجعل ينفق عليهم في سفره حتى أنفق عليهم مالًا من مال نفسه. فجعلوا يقولون يا أبا عون، فتقول الجماعة: فيها بركة، فلما انصرفوا استوي لكل إنسان منهم هديته، فدفعها إليه.
وقال قتادة: أردت الخروج في سفر، فجاءني ابن عون، ومعه حماد بن يزيد فسلم علي وقال: أحفظ عني خلتين: عليك بحسن الخلق والبدل، ولا ينبغي السفر أن يعلقوا الأجراس في أعناق دوابهم، ولا أن يصحبوا (الكلاب) فإن رسول الله ﷺ قال: ولا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس).
وينبغي لهم إذا سافروا أن يرتفقوا بدوابهم ولا يحملوها فوق الطاقة شيئًا، ويعلفوها ويسقوها. فإن كان السير في الحرب، وكان في إسراع السير عليها تخليصها والتخليص عليها، فلا بأس بالإسراع. قال النبي ﷺ: (إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الظهر حقها). وفي بعض الروايات (واعطوا الركب اشتانها) أي مكنونها، من اشتهاء والاشتان جمع لبان، أي دعوها ترتع. وقيل: هو حسن اللبان، وهو مثل ضرب الشحم واللحم، فإنها بكمالها تقوى على السير، فجعلهما لها بمنزلة السنان للمقاتل.
وفي حديث آخر: ما روي أن النبي ﷺ قال: (إذا خصبت الأرض فأعطوا الظهر حقه، وإذا جدبت فانجوا عليها بنقيها) وإن لم يمنعهم من السير مانع فهو أولى، وإن سمعوا فيه صوتًا لا يعرفونه فليؤذنوا، وإذا أرادوا النزول ليلًا لنومة يتحممون بها،
[ ٢ / ٤٣٤ ]
أو التباس الطريق عليهم، فليتنحوا عن الطريق لقول النبي ﷺ: (عليكم بسير الليل فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار، وإياكم والتفرس على الطريق فإنها طرق الدواب ومأوى الحيات، وإذا تغولت عليكم الغيلان فافزعوا إلى الآذان). ومعنى أن الأرض تطوى بالليل: إن السير ينشر بالليل ما لا ينشر بالنهار فإن الناس قد يهتمون للأكل والشراب، فينزلون له، وربما تأخر واحد وتقدم واحد، فيسير كل واحد منهم كما يكون أرفق له اعتمادًا على صاحبه وأنه لا يضل مع الطريق ولا يخفي على الرفيق حال الرفيق، وقد ندعوا ذلك المتقدم إلى أن يقف على المتأخر فينتظره، وإذا سافروا بالليل اجتمعوا ولم يتخلف بعضهم عن بعض خيفة أن يضل المتخلف الطريق، وأن يخفى على المتقدم حال المتأخر فلا يقف على عارض إن عرض له، فيقيم عليه، ولا يتعلق القلب فيه بمأكل أو مشرب، وإنما يكون الهم كله السير، ومن شأن الدواب إذا تزاحمت أن تتسابق وترى كل واحد منها أن تسبق ولا تسبق، فهي لذلك تسرع السير (في الليل) وتطوي الأرض بأقدامها أشد ما تطوي بالنهار والله أعلم.
ولا ينبغي لراكب دابة أو حامل عليها أن يلعنها أو يضرب وجهها، أو يضربها في غير وقت الضرب، أو فوق ما تدعو الحاجة إليه، فإنه روي عن النبي ﷺ أن امرأة من الأنصار كانت على ناقة لها في بعض المسير فضجرت، فلعنتها. فقال صلى الله علي وسلم: (خذوا متاعكم عنها ودعوها فإنها ملعونة). فكانت تجول في الناس لا يعرض لها أحد.
وروي أن النبي ﷺ كان في سفر، فلعن رجل ناقته، فقال: (أين الذي يلعن ناقته؟ فقال الرجل: أنا هذا يا رسول الله، فقال: أخرها عنك فقد أخسها).
فلا ينبغي لعن الراحلة لأن صاحبها لا يدري لعله يخاف منها، فلا يتضرر بذلك غيره. ولأنه إن كان يلعنها لما يشكوه منها، فهي إذا أدركها اللعن صارت شرًا، ولم تزدد خيرًا، فلا معنى إذًا للعن.
وأما ضرب الوجه، فقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: لا تسبوا طريق
[ ٢ / ٤٣٥ ]
السبكة، ولا تزيدوا في ثلاثة على دابة، وإذا ضربتم فاتقوا وجوه البهائم، فإنه ليس من شيء إلا يسبح بحمده، وإذا دعت الحاجة إلى الضرب فلا بأس، قال جابر: بينما أنا أسير على جمل، فيه تنازعني خطاياه. وإذا كان في السير ركاب ومشاة، فمن كان فوق الظهر، فينبغي له أن يرتدف من المشاة واحدًا في بعض الطريق نفسه بذلك، ومن لم يكن ظهره بذلك القوى فليقف، وأما الارتداف، فقد جاء فيه عن النبي ﷺ أنه كان إذا سافر وغزا، أردف كل يوم رجلًا من أصحابه.
وأما الأعقاب، فإن جابرًا روى أن رسول الله ﷺ أراد أن يغزو، فقال: (يا معشر الأنصار، أن من أخوانكم قومًا ليس لهم مال ولا عشيرة: فليقم إليه الرجلان والثلاثة، فما لأحد، من ظهر يحمله جمله إلا عقبه كعقبة أحدهم: فضممت إلي اثنين أو ثلاثة مالي من حمل إلا عقبة واحدة كعقبة أحدهم).
وينبغي لأصحاب الدواب أن ينزلوا عنها في بعض الأوقات ويريحوها، كذلك إذا كان للرجل دابة واحدة. وأما من كانت له دابتان، فإنه يريح إحداهما بالأخرى. روى أن رسول الله ﷺ كان يقود راحلته في السفر ويمشي هنيهة بعد العصر وبعد الصبح. وعن رسول الله ﷺ: (من مشى عن دابة له عقبة كان له عتق رقبة).
وقال بعضهم: رأيت الحسين بن علي ﵄ في طريق مكة بفرس، فإذا حل الصبح أمر بدابته، فعاد وخرج يمشي، فأمر عباد الله أخذ يمر به فيجوز، حتى رأيت سعد بن أبي وقاص نظر إليه فأباح، ثم جاء يمشي إلى جنبه. فإذا أكثر الناس دعا بدابته فركب، وقال الزهري: كان أبو بكر وعمر وعثمان يقتادون بعد الصبح حتى تطلع الشمس، يرون أن ذلك سنة لا يسع تركها. فهذه آداب الركاب وسنتهم.
ومن الكلام في أصل الباب: إن من قدر على الحج ماشيًا، فذاك أفضل له من الحج راكبًا. ومن عجز عن المشي من بيته، فليمش من المقيات إذا أحرم. ومن عجز عن ذلك فليمشي إذا بلغ الحرم. ومن عجز عن ذلك فليمشي من الابطح إذا اغتسل وأراد
[ ٢ / ٤٣٦ ]
دخول مكة. قال الله تعالى: ﴿وأذن في الحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾.
فذكر الرجل قبل الراكب. وقال الله ﷿: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾. ولا خلاف في أن المشي أخضع وأخشع من الركوب. فدل ذلك أنه أفضل فقال قائل: الركوب أفضل لأنه يستعمل به بدنه وماله، وليس في المشي إلا عمل البدن.
والجواب: أنه يقدر على ما يستعمله من ماله إذا ركب، بتركه من استعمال بدنه. واستعمال البدن أفضل من استعمال المال. وقال ابن عباس: أنه يحرج في نفسي أن أموت قبل أن أحج ماشيًا، وذكر مجاهد أن إبراهيم وإسماعيل ﵄ حجا ماشيين، يراد بذلك خروجهما إلى عرفة، وافاضتهما منها إلى مكة. وقال حفص بن محمد عن أبيه: حج الحسين بن علي ماشيًا وبجانبه معاذ، وحج سعيد بن جبير ماشيًا. وإذا خرج الناس يريدون البيت الحرام. فسئل: ماذا أردت. فقال أنس بن مالك قال: لا تقل إني حاج حتى تهل وقل: إني مسافر.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: من أراد هذا الوجه، فلا يقل إني حاج حتى تهل، إنما الحاج المحرم. وليقل إني وافد. ومن كان الطريق بينه وبين مكة بعيدًا، فليخرج في سعة من الوقت، وليمهل في السير. ولا يفر بالرواحل. ومن كان بينه وبينها قريبًا فهو بالخيارين: أن يقصدها متمهلًا، وبين أن يتعجل إليها بطن الراحل.
ومعنى ما روي عن النبي ﷺ من قوله (من أراد الحج فليتعجل) عندنا: ليس ما قدره من وضعه في هذا الباب، وحمله في إسراع السير. وإنما هو من أراد أن يكون له الحج فليحتط بالتعجيل. فان العوارض قد تعرض والعوائق قد تعوق. وهو كقوله (حجوا قبل أن لا تحجوا) والله أعلم. فإذا بلغ الميقات احرم، وإن احرم قبله فهو أفضل. وقال الله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
وجاء عن علي ﵁: من تمام الحجج أن يحرم الرجل من دويرة أهله. وهذا إذا كان مخرجه في أشهر الحج. فأما إذا كان قبلها وأراد التعجيل فإنه يحرم من أول أشهر الحج وهو شوال، وذلك أفضل له من أن يؤخر الإحرام إلى الميقات.
وإذا احرم ولبى فلا يغفلن عما هو فيه، وليعلم أن عند الله تعالى دعاءه على لسان رسولين كريمين: أولهما الخليل إبراهيم، والآخر المصطفى خاتم النبيين صلوات الله عليهما. وبترك كل ما حرم الله عليه ويستشعر من الخشوع أتمه، ومن الترهيب أقصاه وابلغه حتى يوافي البيت وقد اعد نفسه وهيأها للعبادة وخلصها ونزها من الافوات التي لا تليق بمن يدعي هذه الدعوة ويؤهل لورود تلك الحفرة. ولا يزال يلبي متمسكًا متبعًا الإجابة كما ذكر في كتب الأحكام ذاتها مقيمًا على الإحرام حتى إذا بلغ الحرم، فخشي أن يمشي فيه إلى البيت حافيًا. قال الله تعالى: ﴿إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى﴾.
وقال مجاهد: كانت الأنبياء ﵈ إذا أتوا علم الحرم نزعوا نعالهم. قال ابن الزبير: لقد كان هذا البيت يحجه سبعمائة ألف من بني إسرائيل يضعون نعالهم بالتنعيم ويدخلون حفاة تعظيمًا للبيت. وليقل إذا دخل الحرم: اللهم هذا حرمك وأمنك، فحرم لحمي ودمي على النار، الله صل على محمد عبدك ورسولك، اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك، اللهم امني من غضبك وعقابك، وعدوان تؤذي فيه أحدًا، ويظلم فيه حقًا، ويخطر بقلبه أنه حرم الله الذي أوجب لأجله، ولمن دخله الأمان. ويمضي فإذا وصل إلى البيت استشعر من الهيبة له ما يحق استشعاره، وليعلم أنه لا مكان في الأرض أفضل ولا أعظم حرمة منه. فإنه أن أثاب فيه فقد فاز، وأن رد عنه فقد هلك، إلا أن يتداركه الله برحمته فليجتهد في الإخلاص والصدق واصفًا الضمير وتعديل السر لئلا يكون قلبه مكذبًا لسانه وباطنه، مخالفًا ظاهره، ويخطر بقلبه أنه بحيال العرش وعند بيت مشهور محفوف بالملائكة لا يؤتي إلا لعباده، ولا يقصد الإذعان والطاعة.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
وليقل عند دخول المسجد: بسم الله، اللهم صلي على محمد النبي وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك. فإذا رأى البيت تعظيمًا وتكريمًا وتشريفًا ومهابة ومجدًا، ورد من شرقه. وكرمه ممن حج أو اعتمر تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا وبرًا، ويرفع يديه إذا دعا كما يرفعهما الداعي .. روى عن النبي ﷺ أنه كان إذا رأى البيت رفع يديه فقال: (اللهم زد هذا البيت .. الخ. وليقل: اللهم أنت السلام ومنك السلام حببنا ربنا بالسلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام).
وروى ذلك عن عمر ﵁ إلى قوله (تباركت).
وإذا أراد الطواف قبل الحجر الأسود إن أمكنه، وأن قدر على أن يسجد عليه بعد التقبيل سجد. فأما التقبيل فإنه روى عن النبي ﷺ. وعن عمر ﵁ أنه قبل الحجر وقال: إني لأعلم انك حجر لا تضر ولا تنفع، ولكني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك، وفي بعض الروايات أنه قال: ولكني رأيت رسول الله ﷺ بك حفيًا، وروى عن ابن عباس أنه قبل الحجر وسجد عليه. وعن عمر أنه قبل الحجر ثلاثًا وسجد عليه بعد كل قبلة بسجدة. وذكر أن النبي ﷺ فعله. وليقل إدا قبله: بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعًا لسنة رسولك محمد ﷺ عبدك ورسولك. ثم يمضي عن يمينه ويدع البيت عن يساره، ويطوف سبعًا. فإذا انتهى إلى الركن اليماني استلمه ولم يقبله. إلا أنه روى أن النبي ﷺ كان يسلمه ويضع يده عليه.
وأما الركنان الآخران لا يقبلهما، هكذا فعل رسول الله ﷺ وإن كثر الزحام على الركن الأسود ولم يقدر على تقبيله استلمه ثم قبل يده قيل لعطاء: أتقبل يدك إذا استلمته قال: فلماذا استلمه إذا كنت لا اقبل يدي، وإن لم تصل يده إليه فتسلمه، أشار إليه ببيده ثم قبل يده. وإذا أراد تقبيل الحجر واستلامه، فليستقبله بوجهه وخصوصًا إذا أراد السجود عليه ولا يوليه جنبه ثم يلوي رأسه نحوه.
ويروي عن النبي ﷺ أنه كان إذا انتهى إلى البيت، استقبل الحجر فكبر ثم استلم. وقال مجاهد: لا يستلم الحجر عن يمينه ولا عن شماله، ولكن تستقبله استقبالًا.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
وعن علي ﵁ أنه كان إذا رأى عليه رجاحًا كبر وقال: اللهم تصديقًا بكتابك وسنة نبيك، وكلما بلغ في طوافه إلى الحجر كبر ثم مشى ويقول فيما يقول فيه من طوافه: اللهم اجعله حجًا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا. ويقول في الأطواف التي لا يؤمل فيها: اللهم اعف وارحم وتجاوز عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم. اللهم أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ويصلي على النبي ﷺ ويسأل الله ﷿ ما يجوز له أن يسأل من أمر دنياه وآخرته.
وقال سفيان بن عيينة: سمعت الناس منذ أكثر من سبعين سنة وهم يقولون في الطواف اللهم صل على محمد وأبينا إبراهيم، وهذا إنما هو له ولد إبراهيم. فأما من لم يكن من ولده فليقل: اللهم صلى على محمد نبيك وإبراهيم خليلك، ومن كان من ولده فليقل: اللهم صل على نبينا محمد وأبينا إبراهيم، وهذا أحسن، لأن المناسك كلها ارث إبراهيم، والبيت من بنائه، وتلبية الناس إجابة لدعوته.
قال ابن عباس: إن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه نام على أبي قبيس، فقال: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن إبراهيم رسول الله، أيها الناس، إن ربي أمرني أن أنادي في الناس بالحج يأتوا رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق. أيها الناس، فأجيبوا ربكم. فأجابه من وحد الله تعالى. ثم أن الله تعالى لما فرض الحج فيمما شرعه لنبينا محمد ﷺ خطب الناس فقال: (إن الله تعالى فرض عليكم الحج). وتوعد على من تركه بما تقدمت روايته.
روى عن ابن عمر ﵁ أنه كان إذا أتى على الركن اليماني قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، فإذا جاء الحجر قال: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وقال رجل: فقلت له: ما سمعتك تزيد على كذا وكذا، فقال: إني شهدت بكلمة الإخلاص، وانبت على الله رسالته من الخير كله، واستعذت به من الشر كله، والمحفوظ من هذا كله عن النبي ﷺ أنه كان يقول بين بني جميع وبين الركن الأسود: (ربنا آتنا في الدنيا
[ ٢ / ٤٤٠ ]
حسنة وفي الآخرة حسنة) وهذا أولى الأذكار في مشاهد النسك، لقول الله ﷿ ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا. فمن الناس من يقول. رببنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق. ومنهم من يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، أولئك لهم نصيب مما كسبوا﴾.
ولا ينبغي للطائف أن يحدث غيره في طوافه، ولا أن يتكلم بأمر الدنيا، ولا أن يضخك أو يلهو، ولا أن يخطر بقلبه شيء سوى ما فيه من النسك، ويعتقد أن طوافه قربة إلى ربه، وأن يحرص على أدائه وإتيانه من جميع جهاته، لئلا يكون هجر وجهًا منه مع استواء الجهات في أنها قبلة للمسلمين في الصلوات. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما جعل الطواف والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله).
وعن ابن عباس ﵄ أنه كان من الدعاء الذي يتبركه إذا مشى بين الركن اليماني إلى الحجر الأسود: اللهم متعني بما رزقني، وبارك لي فيه واخلف على كل عائبة لي بخيره، وعن النبي ﷺ أنه قال: (إنما الطواف بالبيت صلاة، فإذا طفتم فاملوا الكلام). وعنه ﷺ: (من نطق فلا ينطق إلا بخير). وقال عطاء: طفت خلف ابن عباس وابن عمر، فما سمعت واحدًا منهما متكلمًا حتى فرغ من طوافه، وسئل سفيان بن عيينة عن القراءة في الطواف فقال: سبح وكبر واذكر الله، فإذا فرغت من طوافك فاقرأ ما شئت، وقرأ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم. وقال إنما هي رحمة أن جعله صلاة بغير قراءة. وليس ينبغي لك أن تحمل على نفسك ما لم يحمله الله.
وقال عطاء: القراءة في الطواف محببة. وقال الشافعي ﵀: استحب القراءة في الطواف والقراءة أفضل ما تكلم به المرء، وما قاله غيره أدل. لأنه لو كانت القراءة أفضل في ذلك المقام لما ترك رسول الله ﷺ الأفضل لغيره. ولو قرأ لنقل كما أنقل الذكر غيره.
[ ٢ / ٤٤١ ]
وأيضًا فكل حال من أحوال الصلاة، لم يكن الوجه فيها إلى البيت، لم يكن حال القراءة كالركوع والسجود، وإذا أتى المسعى بدأ بالصفا فرقى عليه وقام حيث يبدو له البيت، ثم استقبله وكبر سبع تكبيرات يحمد الله تعالى بين كل تكبيرتين ويثني عليه، ويصلي على النبي ﷺ، ويدعو لنفسه بما يجوز أن يدعي الله تعالى به من أمر الآخرة والأولى، ويرفع يديه ويدعو به، ويفعل على المروة مثل ذلك.
روى هذا عن عمر بن الخطاب ﵁ في خطبته. وذكر الشافعي ﵀ أنه استقبل البيت قال: الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا وأولانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون، ثم يدعو ويلبي ثم يعود فيقول مثل هذا القول ثلاثًا، ويدعو فيما بين كل تكبيرتين بما بدا له من دين ودنيا.
روى عن ابن عمر ﵁ أنه كان يدعو ثلاثًا ثلاثًا سبع مرات، ثم يقول: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون، ثم يدعو فيقول: اللهم اعصمني بدينك، وطواعيتك وطوعية رسولك، اللهم حببني حدودك، اللهم اجعلني ممن يحب ملائكتك، ويحب رسلك، ويحب عبادك الصالحين، اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك ورسلك وإلى عبادك الصالحين. اللهم يسرني لليسرى، وحببني اليسرى واغفر لي في الآخرة والأولى، واجعلني من ورثة جنة النعيم، واجعلني من أئمة المتقين، واغفر لي خطيئتي يوم الدين. اللهم إنك قلت ﴿ادعوني أستجب لكم﴾. وأنت لا تخلف الميعاد. اللهم إذ هديتني للإسلام فلا تنزعني منه، ولا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا على الإسلام، وكان إذا أتى على المسعى كبر، وينبغي أن يسعى طاهرًا تحل له الصلاة، فإن لم يكن طاهرًا أجراه وليس السعي في ذلك كالطواف. ويعتقد الساعي بقلبه إذا سعى، الانكماش في طاعة الله تعالى والجد والاجتهاد في طلب عفوه وغفرانه،
[ ٢ / ٤٤٢ ]
والإسراع نحو أمر موضوع له، وهو ينتظر له حتى إذا حضر وفر حظه منه، وتميز في ذلك ما كان هاجر ﵍ في ذلك المكان من السعي الذي رجعت منه إلى ما ينظر وتكليف قد سقط، وذلك كان سؤلها ومأمولها. ولذلك قوبل لكل ممن اتبع في ذلك أثرها، أن يرجع منه إلى حج مبرور، وسعي مشكور وذنب مغفور، فإن ذلك سؤل الحج ومأموله.
ومن العلماء من ذكر أنه كان يقول في سعيه: اللهم اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، أنك أنت تعلم ما لا تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، كما ذكرته في الطواف.
ومن قدر على الطواف والسعي ماشيًا فذلك أولى به لأنه أخشع وأخضع، ألا ترى أن التنقل بالصلاة على الأرض أفضل منه على الراحلة، فكذلك الطواف. وأما النبي ﷺ فإنه طاف وسعى راكبًا، إلا أن ابن عباس قال: جاء رسول الله ﷺ وقد اشتكى، فطاف بالبيت على بعير ومعه معجن، كلما مر على الحجر استلمه، فلما فرغ من طوافه أناخ ثم صلى ركعتين وقال عطاء: أراد التوسعة على أمته. وفيه وجه ثالث: وهو أنه كان علما، والطواف والسعي إنما كانا يقعان منه في الجميع، فكان يقول: (خذوا عني مناسككم). فأراد أن يرى لتؤخذ عنه، ويعلم كم طاف وكم سعى، ومن أين ابتدأ وكيف افتتح وإلى أين انتهى، وكيف ختم، وفي أي موضع أحل الشعر، وفي أية لزم سحبة المشي؟
وقال هشام بن عروة: كان إذا رآهم يسعون بين الصفا والمروة وهم ركبان قال: (خابوا وخسروا).
فصل
وإذا أتى الموقف من عرفة فليتحر أن يقف وراء الإمام. قيل لنافع: أين كان ابن
[ ٢ / ٤٤٣ ]
عمر يقف في حجه؟ قال: يحاذي الإمام أو وراءه لا يخطئه أبدًا، ثم لا يخطئه أبدًا، ثم لا يبرح واقفًا حتى يدفع الإمام إلى أن يزحم زاحم من ورائه فيقدمه ويخطر بقلبه في الموقف أنه فسح فيه على البيت إلى أن يؤذن له في الزيارة، فليجتهد جهده قيامًا وذكرًا ودعاءًا بصدق يتفق فيه القلب واللسان، وإخلاص يشترك فيه الأسرار والإعلان، ولا ينبغي للواقف بعرفة أن يستظل، فإنه روى أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يصحون إذا أحرموا، فرأى ابن عمر رجلًا محرمًا قد استظل فقال: صح لمن أحرمت له، وكان سالم والقاسم إذا أحرما يضعان ردنيهما على ظهورهما.
وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قيل بعرفة، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهم اجعل في سمعي نورًا وفي بصري نورًا، وفي قلبي نورًا، اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري، اللهم إني أعوذ بك من وساوس الصدر وشتات الأمر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، ومن شر ما يلج في النهار، ومن شر ما تهب به الرياح، ومن شر بواتق الدهور).
وروي أنه وقف بعرفات وهو رافع يديه لا يجاوزان رأسه، زاد بذلك: كرفع الداعي يديه إذا دعاه. وعن ابن عباس ﵁ قال: كان فيما دعا رسول الله ﷺ في حجة الوداع: (اللهم إنك تسمع كلامي وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفي عليك شيء من أمري، وأنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المغرور، المعترف بذنبه. أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، فمن خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك شقيًا، وكن بي رؤوفًا رحيمًا يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين).
وذكر أبو مخلد أنه وقف مع عمر ﵁ فقال: الله أكبر ولله الحمد، لا إله
[ ٢ / ٤٤٤ ]
إلا الله وحده لا شريك له، لهه الملك وله الحمد. أهدني للهدى، ووفقني للتقوى، واغفر لي في الآخرة والأولى، ثم سكت. ثم يقول بهذا. فقلت لسالم: ما تقول في سكوته؟ فقال: نحو ما سمعت. وزاد عن غيره: وارزقنا من فضلك رزقًا مباركًا، فيه ما أحببت من شيء فحببه إلينا، يسرنا له. وما كرهت من شيء فكرهه إلينا، وجنبنا له، اللهم لا تنزع الإسلام منا بعد إذ أعطيتنا.
وقال ابن جريج: بلغني أنه كان يؤمر أن يكون أكثر دعاء المسلم في الموقف: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).
وروي عن عمر بن عبد العزيز ﵁: أنه كان يقول في دعائه بعرفة: اللهم زد محاسن أمة محمد إحسانًا، وارجع بمسيئهم إلى التوبة برحمتك، اللهم أهلك من كان في هلاكه صالح لأمة محمد، وأصلح من كان صلاحه لأمة محمد، اللهم وأحفظهم من ورائهم برحمتك، ويقول: يا منيعة تذرها عليهم، اللهم دعوت إلى حج بيتك ووعدت المنفعة على شهود مناسكك وقد أجبناك، فاجعل ما ينفعنا به أن تؤتينا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وتقينا عذاب النار. اللهم بارك في الإسلام والإيمان ومتعنا بهما.
قال سفيان الثوري: سمعت إعرابيًا وهو مستلق بعرفة ويقول: اللهم من أول بالزلل والتقصير مني، وقد خلقتني خلقًا ضعيفًا. ومن أولى بالعفو عني منك، وعلمك في سابق وأمرك إلي محفوظ، أطعتك بإذنك والمنة لك، وعصيتك بعلمك والحجة لك، فأسألك بفضل رحمتك وانقطاع حجتي وفقري إليك وغناك عني، أن تغفر لي وترحمني اللهم إنا أطعناك بنعمتك لنا أحب الأشياء إليك: شهادة أن لا إله إلا الله، ولم نبغضك أبغض الأشياء إليك: الشرك بك، فاغفر لنا ما بينهما، اللهم أنت أنس المؤانسين لآياتك وأقربهم بالكفاية من المتوكلين عليك، تشاهدهم في ضمائرهم وتطلع على سرائرهم، وسري اللهم إليك بمعروف، وإني إليك ملهوف. إذا أوحشتني الغربة آنسني ذكرك، وإذا أتممت على الهموم لجأت إلى الاستجارة بك، علمًا بأن أزمة الأمور بيدك، ومصورها عن فضائلك.
وعن سفيان بن عيينة ﵁ قال: سمعت إعرابيًا بعرفة يقول: عجت إليك
[ ٢ / ٤٤٥ ]
الأصوات بصروف اللغات يسألونك الحاجات، وحاجتي أن تذكرني عند الليل إذا نسيني أهل الدنيا، وعن سفيان أنه سمع بعرفة من يقول: يا حسن الصحبة أسألك بسرك الذي لا تهيله الرياح ولا تخرقه الرماح.
فصل
فإذا أفاض إلى المزدلفة، فليحمد الله تعالى على ما شهد له من الابتهال من الحل إلى الحرام، والدنو من بيته المحرم وليتأكد رجاءه، بأن الله تعالى قابله ومبلغه من الخير ما يؤمله، وليكثر من ذكر الله فإن الله ﷿ يقول: ﴿فإذا أفضتم من عرفات، فاذكروا الله عند المشعر الحرام، واذكروه كما هداكم، وإن كنتم من قبله لمن الضالين﴾.
فقد يجوز أن يكون ذكره كما هداه أن يذكره، كما قال الله ﷿: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾. فيحسن أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر على ما هدانا، وله الحمد على ما أولانا وأبلانا، والله أكبر ولله الحمد، يكرر ذلك ويردده والله أعلم.
فصل
وإذا أتى من النهار منا فليأت من جمرة العقبة ضحى، فيرميها بسبع حصيات تترى متتابعة، لأن النبي ﷺ كان فعل. وينبغي أن يكون طاهرًا تحل له الصلاة، فإن لم يكن أجراه، ويقطع التلبية إذا ابتدأ الرمي، ويكبر مكانها، فلا يلبي بعد ذلك.
فأما قبل الوحي، فقد كان له أن يلبي وقتًا ويكبر وقتًا، لأن التلبية شعار للإحرام خاصة، وهو تحلل منه بالرمي، والتكبير شعار المحل والمحرم. ويرميها من بطن الوادي مستقبلًا القبلة، ويكبر مع كل حصاة ويقول: اللهم اجعله حجًا مبرورًا وسعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا، وينوي الرامي عند رميه، أنه يجاهد مخالفة الشيطان ويقول له: لو
[ ٢ / ٤٤٦ ]
ظهرت لحصيتك هكذا ورجمتك، لو كنت حاضرًا عندما اعترضت لإبراهيم صلوات الله عليه -يريد إدخال الشبهة عليه -فرماك ودحرك لرميتك مثل رميه هكذا. أو أنه رمى الموبقات عن نفسه ونيرانها فليس بعابد لها أبدًا.
وروي عن أبي مخلد قال: لما فرغ إبراهيم من البيت، جاءه جبريل ﵇ فأراد الطواف بالبيت، قال: واحسبه قال والصفا والمروة. ثم انطلقا إلى العقبة فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات، وأعطى إبراهيم سبع حصيات، فرمى وكبر، وقال لإبراهيم ارم وكبر. فرمى وكبر مع كل رمية حق أفل الشيطان. ثم انطلقا إلى الجمرة الوسطى فعرض لهما الشيطان. فأخذ جبريل ﵇ سبع حصيات، وأعطى إبراهيم سبع حصيات، فقال: ارم وكبر، فرمى وكبر مع كل رمية حتى أفل الشيطان. ثم أتيا الجمرة القصوى، فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات وقال: ارم وكبر، فرمى وكبر مع كل رمية حتى أفل الشيطان.
ثم أتى به جميعًا، فقال: هاهنا يجمع الناس الصلاة. ثم أتى عرفات، فقال: عرفت؟ فقال: نعم، من ثم سمي عرفات.
وروي أنه قال له: عرفت عرفت، أي منى والجميع وهذا، فقال: نعم، فسمي ذلك المكان عرفات.
ومعنى لمن يرمي أن يرمي ماشيًا ولا يركب إلا من عذر، روي أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى رجلًا يقول بأصواته على بعير فرمى الجمر، فعلاه بالدرة إنكارًا لركوبها. وكان ابن عمر ﵄ يمشي إلى الجمار ويمشي ماشيًا، وابن الزبير مثله. وكان جابر يكره الركوب عل الجمار إلا عن ضرورة. فأما ركوب رسول ﷺ وما روي من أنه رمى جمرة العقبة على ناقة صهيب لا ضرب ولا طرد، فإنما كان لعلة كما روينا في الطواف. وأما لتؤخذ عنه أو يقتدي به ثم يرجع إلى مباحه فينحر هديًا إن كان معه أو يذبح. وسيذكر معنى ذلك وما فيه من باب القرابين إن شاء الله.
ثم يحلق رأسه ويجلس عند الحلق مستقبل القبلة، ويبدأ الحالق بشق رأسه الأيمن. فإنه يروى أن رسول الله ﷺ أتى مني، فرمى الجمرة ثم أتى منزلة بمنى فنحر، ثم قال
[ ٢ / ٤٤٧ ]
للحلاق: خذ وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس، ويكبر إذا بدأ الحلاق بحلق رأسه، ويخطر بقلبه عند الحلق، إن ذلك لوصية من الله تعالى لحقة وكرامة أكرمه بها أمام زيارة بيته.
ومن الناس من قال: إنه يعتقد أنه يفارق الزينة بسفاسفها. وبهذا فإن الشعر من الزينة ويرمي بعد ذلك كل يوم بعد الزوال الجمرات الثلاث: الأولى التي تلي مسجد منى، والوسطى وجمرة العقبة، من بطن الوادي كل جمرة سبع حصيات، يكبر مع كل واحد منها، ويدعو بما ذكرت، ويقف عند الأولى وقوفًا طويلًا يثني على الله تعالى ويحمده ويستغفره ويدعو.
وكان ابن عمر يرى أن يقف بقدر سورة البقرة، ويقف عند الثانية نحوًا من ذلك، ولا يقف عند جمرة العقبة بعدما يرميهم، وكذلك روي عن رسول الله ﷺ. وعنه ﷺ أنه جعل رمي الجمار والطواف بالبيت لإقامة ذكر الله، ليس لغيره ومهما أراد الرجوع إلى النقر الأول أو النقر الآخر إلى البيت مودعًا وطاف سبعًا، وصلى عند المقام ركعتين، ثم أتى الملتزم من الركن الأسود وبين الباب فالتزمه. بما روي عن النبي ﷺ فيه أنه قال (هذا موضع تسكب فيه العبرات). وتعلق بأستار الكعبة، فالرجل يتعلق بثوب من أذنب إليه ذنبا، فهو يتضرع إليه ليعفو عنه. وقال الشافعي ﵀ أحب له إذا ودع البيت أن يقف في الملتزم وهو بين الركن والباب، فيقول: اللهم البيت بيتك والعبد عبدك وابن عبدك وابن أمتك، احملني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك، وبلغتني بنعمتك وأعنتني على قضاء مناسكك، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضي، وإلا فمن الآن، قبل أن تنأى عن بيتك داري، هذا أوان انصرافي، إن أديت في غير فتور بك ولا بنسكك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فامنحني العافية في بدني والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني.
وعن إسماعيل بن عبد الملك عن أبي أمية قال: قل، الحمد لله رب العالمين الذي رزقني حج بيته المحرم والطواف به إيمانًا وتصديقًا فأعوذ بعظمة وجه الله، وجلال وجه الله،
[ ٢ / ٤٤٨ ]
وكرم وجه الله، وسعة رحمة الله. إن أصت بعد مقامي هذا خطية مخطئة، أو ذنبًا لا يغفر، هذا مقام العائذ بك من النار، قال: فإنك تصدر بأفضل ما صدر به حاج أو معتمر إلا من قال مثل ما قلت، أو زاد، هذا عند طواف الوداع.
فإذا فرغ من الدعاء أتى زمزم، فشرب منها متزودًا إياه متبركًا به، قال مجاهد: وكانوا يستحبون إذا ودعوا البيت، أن يأتوا زمزم فيشربوا منها، ثم عاد إلى الحجر فقبله ومضى. فإذا أراد الخروج من المسجد، فقد قال بعض أهل العلم: يلتفت إلى البيت كالمتحزن على ما تغيب عنه، لا يكاد يسبح نفسه، برفع طرفه عنه. وكره ذلك بعض السلف، وروي عن ابن عباس ﵄ أنه كره قيام الرجل على باب المسجد إذا أراد أن ينصرف إلى أهله متحرقًا إلى الكعبة ينظر إليها ويدعو، وقال: اليهود يفعلون ذلك، وعن مجاهد مثله، وهذا أشبه، لأنه قد ودع البيت، فإذا حدث بعد ذلك عهدًا به ولم يجبه بالطواف فقد خطأه. ولأن يكون آخر عهده بالبيت تحية أولى به من يكون آخر عهده به حفاوة والله أعلم.
ومن الناس من يرى أن يقول إذا طاف طواف الوداع: اللهم لا تجعل هذا آخر عهدي بالبيت، فإن قال هذا ومضى دون أن يلتفت إليه وما يدريه لعل ذلك دعوته أجيبت له، ثم لا يراه.
وينبغي أن لا يفارق الحاج البيت راغبًا عنه مستثقلًا ما عاناه في طريقه، بل يستخف كل جهده رغبًا ويصيب أصابه في حب ما رزقه الله تعالى وأهله له، من زيارة بيته وقضاء مناسكه، ويكون قوي العزم على أن يتوب إليه راغبًا إلى الله تعالى في ذلك، داعيًا إياه به.
ومما جاء في التزام البيت ما روي أن عبد الله بن عمرو طاف بالبيت، فلما كان خلف الكعبة قيل له: ألا تتعوذ،: أعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، وقام بين الركن والباب، فوضع صدر وجهه وذراعيه وكفيه مبسطًا على الباب. قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل. وقال صالح جنان: قال لي أنس بن مالك وأنا أطوف معه: ارفع الأستار ثم الزم بطنك. أو قال: كبدك بالبيت، ثم تعوذ برب هذا البيت من النار، وعن سعيد بن جبير أنه كشف عن بطنه والزقه الملتزم. وعن القاسم بن محمد وعمر
[ ٢ / ٤٤٩ ]
ابن عبد العزيز وعمر بن ميمون أنهم كانوا يلتزمون خلف البيت، ويلزمون بطونهم به ويقولون القاسم: اللهم إني أعوذ بك من رأسك ونقمتك وسلطانك، وعن الأسود أنه كان ملتزم خلف البيت، وكان جابر بن زيد لا يتقي من البيت مشيًا أي يلتزم كله، وكان عروة يشيح جبينه وظهره وبطنه بالكعبة، وقال مجاهد: إذا أردت أن تفوز، فات البيت فطف ثم وصل ركعتين، ثم آت زمزم فاشرب منها، ثم ما بين الحجر والباب فألزم بطنك بالبيت ثم ادع اله ﷿، وصل ما أردت. ثم آت الحجر فاستلمه، ثم انطلق ولا تعرج في سفر ما لا يعنيه، ويكون به غناء عنه، ليتعجل رجوعه إلى أهله. فإنه يروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (السفر قطعة من العذاب، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره، فليتعجل الرجوع إلى أهل).
فصل
ومن ورد مكة، إن كان مقيمًا بها فليكثر من الطواف بالبيت، وليصلي كلما طاف سبعًا ركعتين خلف المقام. فإن طاف عدة أطواف متتابعة ثم انصرف عنها، فصل أجزاءه، لأن الصلاة سنة الانصراف عن الطواف.
جاء عن النبي ﷺ في فضل الطواف أنه قال (من طاف بالبيت لم يرفع قدمًا ولم يضع أخرى إلا كتبت له حنة وحطت عنه بها خطيئة، ورفعت له بها درجة). وعنه ﷺ: (كان كعدل رقبة يعتقها).
روى طاووس عن عائشة ﵂ أنها كانت لا ترى بأسًا أن يطوف الرجل ثلاثة أسباع أو خمسة ثم يصلي، وعن عطاء عن عائشة ﵂ أنها كانت تقرن بين الأسابيع. وفعل ذلك المسور بن محزمة إذا أقرن بين الأسابيع، ثم صلى ركعتين فبناه.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
لأن عطاء روى عن عائشة أنها قالت: لا بأس أن يطوف الرجل ثلاثة أسباع ثم صلى ست ركعات، وإذا عني في طوافه جلس واستراح ثم قام فبنى.
روي أن عمر ﵁ طاف بالبيت ثلاثة أطواف ثم قعد يستريح، ثم قام فبنى على طوافه، وفعل ذلك الحسن، وأجازه عطاء في الطواف والسعي بين الصفا والمروة. وكره مجاهد.
وينبغي للطائف أن يحصي طوافه، وفي ذلك شيئان. أحدهما أنه يقدر ما يقاس بقدر الطواف، يتزحزح عما لا يليق بذلك المقام من أمور الدنيا. والآخر أنه لا ينصرف على شفع، وهو لا يدري. روي عن عبد الله بن عوف قال: كنت أطوف مع النبي ﷺ، فقال له: (كم تعد؟ ثم قال: أن سألتك لتحفظ). وفي هذا الحديث إرشاد إلى أن معلم الفقه يحسن به أن يعافص المتعلم بالسؤال عن بعض ما يسمع.
وسئل عبد الله بن عمر عن السعي بين الصفا والمروة، فقال: إن خشيت أن لا تحصي فخذ معاك أحجار أو حصيات، قالوا بالصفا واحدة، وبالمروة أخرى. وكره مجاهد أن يقال لعدد الطواف أشواط وأدوار. وهذا بفعل دور العادة واللغو، كما قد يقال للاعتكاف بيت وللصائم حمية. ولأن الله ﷿ قال: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾. وقال النبي ﷺ: (من طاف سبوعًا) واختلف في الصلاة بمكة والطواف أيهما أفضل؟ فكان ابن عباس يقول: أما أهل مكة فالصلاة لهم أفضل وأما أهل الأمصار فالطواف، وتابعه على ذلك سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وهذا لأن الطواف مألوف لأهل مكة والصلاة لغيرهم، غير المألف أكثر كلفة من المألوف.
ومن جلس في المسجد الحرام فليكن وجهه إلى الكعبة، وينظر إليه إيمانًا واحتسابًا. فإنه يروى أن النظر إلى الكعبة عبادة. وقد تقدمت في هذا رواية خير، وقاله عطاء ومجاهد.
ومن تمام زيارة البيت وليس بواجب، دخوله والصلاة فيه. دخل رسول الله ﷺ الكعبة وصلى فيها ركعتين، متيامنًا بين العمودين المقدمين. وفي أي نواحي البيت صلى فجائز.
[ ٢ / ٤٥١ ]
وينبغي إذا دخلها أن يخر ساجدًا حيال الجذع الملصق بحائط الكعبة، ثم يرفع رأسه ويقعد، فيدعو ثم يقوم فيصلي ركعتين ويقوم فيدعو ويستغفر ويسبح الله ويحمده ويهلله ويكبره، ثم يأتي والمستقبل من الكعبة، فيضع وجهه عليه، ويدعو ويستغفر ولا يرفع رأسه إلى سقف البيت ولا يطوف إلا نحو الأرض تعظيمًا لله وحياء منه. ويأتي نواحي البيت فيدعو ويستغفر، ثم يخرج. ويأتي الملتزم ويضع وجهه عليه، ويدعو ويستغفر. ومن لا يمكنه دخول البيت دخل الحجر، فإن النبي أخبر أن الحجر من البيت. ولا ينبغي أن يؤخذ من كسوة الكعبة، فإنه يهدي إليها ولا ينقص منها شيئًا.
روي عن سعيد بن جبير ﵁ أنه كان يكره أن يؤخذ من طيب الكعبة يستسقي به، وكان إذا رأى الخادم يأخذ منه قذفها قذفة لا يألو أن يرجعها. وقال عطاء كان أحدنا إذا أراد أن يستسقي به جاء بطيب من عنده ثم مسح به الحرام، ثم أخذه.
ومن قدم مكة من حاج أو معتمر، فلا ينبغي له أن يخرج منها حين يقرأ القرآن قال: الحسن وإبراهيم كانوا يحبون ذلك ونفحهم. وقال أبو مخلد: كان يستحب لمن قدم شيئًا من هذه المساجد أن لا يخرج منه حين يقرأ القرآن: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس وقال إبراهيم: كانوا يكرهون أن يسند إنسان ظهره إلى الكعبة يستدبرها، ولهذا إذا لم يكن منه غرض صحيح. فأما إذا أراد رجل أن يروي السنن وبين يديه مستمعون، أو قوم يكتبون، أو يذكر لهم أو يفتي أو يفقه، وبين يديه قوم فاستدبروا لهم متبركًا بالاستناد إليها. وأما على المأخوذ منه العلم، كما أن الكعبة أمام، وحق الإمام أن يستقبل، فأسند ظهره إلى الكعبة ليكون الإمامان في وجهه واحد ومن نظر إليهما معًا فهذا غرض صحيح. أو قيل: لا كراهية فيه والله أعلم.
ولهذا خطب النبي ﷺ وهو مسند ظهره إلى الكعبة وبالله التوفيق. وإذا حج الناس فليحجوا على الاقباب والقطائف، كما روي أن النبي ﷺ حج على بغل رث وقطيفة رثة وقال: (اللهم حجة لا سمعة فيها ولا رياء).
وقال طاووس ﵁: حج الأبرار على الرحال، ورأي ابن عمر رضي الله
[ ٢ / ٤٥٢ ]
عنهما رفقة من أهل اليمن رحالهم الادم، فقال: من أحب أن ينظر إلى أشبه رفقة بأصحاب النبي ﷺ فلينظر إلى هؤلاء، وقال محمد بن سيرين ﵀: كان يكره الحج على المحمل، وهذا- والله أعلم- لما فيه من الرفاهية التامة، ثم إخماد الراحلة، فلا ينبغي الحج على المحمل إلا أن يكثر الناس وتقد الرواحل، ثم لا تنقش المحامل ولا تزين، ولا تفرض فيها الفرش الوطبة، ولا تشحن بالأمتعة التي تنقل على الراحلة ويجهدها والله أعلم.
ومن رأى مقام إبراهيم صلوات الله عليه فليصل عليه، ولا يلتمس المقام ولا يقبله. رأى ابن الزبير قومًا يمسحون المقام، فقال: لم تؤمروا بهذا إنما أمرتم بالصلاة عنده، وقال مجاهد: لا يقبل المقام ولا يلمس، والأفضل لمن قدم مكة حاجًا أن يخاص الحج، فإن ضم إليه تجارة لم يضره. قال الله ﷿ فيما يخاطب به الحجاج: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾. قال ابن الزبير وعكرمة: نزلت في مواسم الحج.
وسئل ابن عمر ﵁ عن الرجل يحج ويجعل معه تجارة، فقال: لا بأس به، ولا يبتغون فضلًا من ربهم ورضوانًا. وقال مجاهد: كانوا لا يتحرون حتى نزلت: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾. ويكره إخراج تراب الحرم إلى الحل وإدخال تراب الحل إلى الحرم. ومن ذلك عن ابن عباس وابن عمر وعن ابن الزبير أنه لما هدم الكعبة فساقها كره أن يبنى فيها من تراب الحل. وكره عطاء ومجاهد إخراج تراب الحرم إلى الحل. فأما التراب والقطاع المتحدة من فخار مكة، والقدور المتحدة من أحجارها فلا بأس بإخراجها لأنه يستحل منها في الحل إلا ما يستحل في الحرام، والتراب يثبت، فيكون حكم ما يبينه حلاله غير ما يبينه حرامه، وإذا اختلط التبس الأمر، ولم يكن حفظ الحرمة. وكان عطاء يرخص في القصب والسواك من شجر الحرم. وهذا يبين وجهه إذا كان ما يقطع من فصول الشجر. وإما إذا قطع من أكرم أغصانه، فذلك غير جائز والله أعلم.
فصل
واختلف الناس في العمرة، فقيل إنها للحج كسنة الصلاة لفريضتها. وقيل: إنها فريضة مثله، وبهذا نقول لأن عماد الحج الوقوف بعرفة، وليس في العمرة وقوف. فلو
[ ٢ / ٤٥٣ ]
كانت كسنة الحج لوجب أن أسلوبه في أفعاله، كما أن سنة الصلاة تساوي فريضتها في أفعالها والعمرة لا وقت لها من السنة، ولكن جماعة من السلف رأوا أن عمرة المحرم من أوجب العمر، قاله القاسم وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وابن سيرين.
وجاء عن النبي ﷺ: (عمرة في رمضان تعدل حجة). ومعناه في الأجر. واعتمر ابن عمر في رجب، وكانت عائشة ﵂ تعتمر من المدينة في رجب.
وعن عبد الرحمن بن حاطب أنه اعتمر مع عثمان في رجب. وسئل أبو الحسن الشيعي عن عمرة رمضان فقال: أدركت أصحاب عبد الله لا يعدلون بعمرة رجب. وكان القاسم ابن محمد يعتمر في رجب والأسود مثله.
فصل
وينبغي للحاج والمعتمر بعدما أحرما أن يكون صمتهما أكثر من كلامهما، ولا يتكلما فيما لا يعنيهما. قال الله ﷿: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾. وجاء عن ابن عباس ﵁: الحلال أن تماري صاحبك حتى تعصه في الفسوق والمعاصي، وقال عطاء والضحاك. ولم يختلف في أن الوقت المباشرة، ألا ترى أنه روي عن بعضهم أن التعريف من الوقت، وهو أن يقول المحرم لامرأته: لو قد أحللت لكنت أصبت منك. فلا ينبغي أن يكلمها بما يهدمنه. روى كراهية مثل ذلك عن ابن عباس وابن الزبير وبايعهما عليه طاووس وعطاء. فلا بأس بالزجر وما يشبهه، أن يقوله المحرم في معنى نسكه. كما يروى أن عمر ﵁ لما بلغ وادي خيبر حرك راحلته. وكان يقول: إليك تعدو قلعا وحنينها، مخالفًا دين النصارى دينها، فقال ابن عمر كان يريد معترضًا في بطنها جنينها.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
وروي عن النبي ﷺ أنه سعى في بطن الوادي وهو يقول: (لا تقطع الأبطح الأشد) فهذا وأمثاله لا بأس بها والله أعلم.
فصل
واختلف الناس في التعريف لغير مكة، فروي عن الحسن قال: أول من عرف بالبصرة ابن عباس: وقال موسى بن أبي عائشة: رأيت عمر بن حريث يخطب يوم عرفة، وقد استمع الناس إليه وذلك يحسن، لأن أهل الأمصار يكبرون أيام منى كما يكبر الحج، ويصلون يوم النحر بدلًا من طواف الحج، ويضحون كما يضحى الحجاج والعمار عن مكة، فينبغي لهم أن يأتوا المدينة ليزوروا المدينة تربة رسول الله ﷺ، ويسلوا عليه وعلى صاحبيه. فماذا أشرفوا عليها ورأوها قالوا: ما ذكرنا قبل هذا أن المسافر يقول كلما أشرف على بلد وقرية يريد نزولها، فإذا دخلوا المدينة قالوا: اللهم أجعل حرم رسولك أمنًا لنا من العذاب وسوء الحساب بمنك وطولك، ثم لا يعرجوا على شيء حتى يأتوا مسجد رسول الله ﷺ. فإذا دخلوه بدأوا بالصلاة، فحيوا المسجد بركعتين، ثم يمضون إلى حضيرة القبر، فاستقبلوا وجه رسول الله ﷺ، وقالوا: السلام عليك يا رسول الله، نشهد إنك بلغت رسالة ربنا وأديت إلينا كتابه، وثبت فينا أحكامه، وبينت لنا حلاله وحرامه، وعرفتنا وعده ووعيده، وجاهدت في الله حق جهاده، ونصحت أكمل النصح لعباده، وأظهرت شرائع الحق في بلاده، ولم تزل قائمًا بدينه هاديًا بأمره حتى توفاه إلى كرامته، وقبضك إلى روحه وراحته، فصلى الله عليك، وأحسن عنا جزاءك، وأتاك الوسيلة والرفعة والفضيلة، وسلم عليك تسليمًا يوازي قدرك ويقضي عنك حقك.
ثم تسلم على صاحبيه فتقول: السلام عليك يا أبا بكر صفي رسول الله ﷺ، وثانيه في الغار، وخليفته على الصلاة بالمهاجرين والأنصار، وجزاك الله عن أمتك رسوله حقًا، ولقاك يوم القيامة أمنًا وبرًا، السلام عليك يا عمر، أعز الله بك الإسلام، واستخلف فيك دعاء نبيه ﵇ جزاك الله عن أمة نبيه أحسن الجزاء، كما كنت فيهم مثلنا خير البلاء
[ ٢ / ٤٥٥ ]
ولولا أن رسول الله ﷺ قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم) لوجد من محامده وما يثني عليه ما يكل الإنس عن بلوغ مداه، وتخسى الأوهام عن إدراك منتهاه. ولكن المحال أن يبتغي الفضل في خلافه، والبر في عطائه، فلنعدل عن التوسع بحضرته، وعلى عينيه ووجهه إلى ما هو أولى وألزم، وهو الدعاء له فيقال كما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (إذا صليت على رسول الله ﷺ فأحسنوا الصلاة، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه، وقالوا: يا أبا عبد الرحمن؟ قال: فقولوا اللهم صلواتك ورحمتك وبركاته على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير، ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقامًا محمودًا يغبط به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وإن زاد ما روي عن ابن عباس ﵁ فحسن. وهو أن يقول: اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى، وارفع درجته العلى وآته سؤله في الآخرة والأولى كما أتيت إبراهيم وموسى.
ولا يجوز أن يدعى له بالوسيلة وقد ذكرتها، فإنه يروى عنه ﷺ أنه قال: (صلوا علي فإن بها زكاة لكم، واسألوا الله الدرجة والوسيلة من الجنة، وهي درجة في أعلى الجنة ولا يسألها لي مؤمن، إلا كنت له يوم القيامة شهيدًا أو شفيعًا).
ويقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وحسن أن يقول: الله صل على محمد، كما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره العاملون. ثم يمضي إلى منبر رسول الله ﷺ، ويلتمس موضع قدميه بيده وهي نظيفة، ثم يمسح بها وجهه ويصلي عليه ﷺ، ويستغفر ويدعو لنفسه، ويصلي بين المنبر والقبر في الموضع الذي وصفته بأنه روضة من رياض الجنة،
[ ٢ / ٤٥٦ ]
ركعتين، ويكثر الصلاة عليه ﷺ والدعاء والاستغفار لنفسه ولوالديه وجميع من يعينه ويرفع حوائجه، وما يهمه من أمر دنياه وآخرته فيه.
وذكر بعض العلماء أنه يدعو بهذا الدعاء فيقول: يا غياث المستغيثين، أنت المنفس عن المكروبين والمفرج عن المغمومين، ويا مجيب دعوة المضطرين، ويا كاشف البلاء العظيم ويا إله العالمين، اكشف عن كربتي وغمي، واكفني ما همني من أمر دنياي وآخرتي، واجعل لي من كل ذلك فرجًا ومخرجًا، واغفر لي ذنوبي، وثبت قلبي، واقطفه ممن سواك، حتى لا أرجو إلا أنت، ونهى بعض أهل العلم عن الصاق البطن والظهر بجدار القبر ومسحه باليد، وذلك من البدع. وما قاله يشبه الحق، لأنه ما كان يتقرب في حياته بمسح جدار بيته، ولا بإلصاق البطن والظهر به. وإن كان مثل ذلك بالكعبة، ويطاف بالكعبة ولا يطاف بالقبر، فلا ينكر أن يمسح الكعبة ولا يمسح جدار القبر. ويستكثر من الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ، فإنه قال: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه حاشا الحرام).
وإن أتى مسجد قباء المؤسس على التقوى، فصلى فيه ودعا أحرز بذلك فضلًا إن شاء الله وإن خرج إلى زيارة قبور الشهداء ببقيع العرقد، وخص قبور آل الرسول بالزيارة فذلك أحسن وأفضل. ويقول إذا دخل البقيع: سلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم تقبل منهم أحسن ما عملوا، وتجاوز على سيئاتهم في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.
وإذا أراد الانصراف رجع إلى قبر النبي ﷺ وقال مثل قوله الأول. وكان من أول ما تقدم إلى أن يرجع مستشعرًا لتعظيمه، ممتلئ القلب من هيبته كأنه شاهده ولا يزال ببصره ولا يخفى عليه شيء، وتخطر بقلبه رأفته بأمته وشفاعته لأهل دينه واهتمامه بأمرهم في أولاه وآخرته. ولا يحل ذلك من ذكر ما رفع الله من قدره وعظمته من أمره، بأن ختم به شأن بنوته وخصه بأفضل رسالته، وأنزل عليه آخر كتبه الذي لا يأتي بعده ما ينسخه، ولا يتعقبه ما برفعه، فلا يطول دعاؤه له، المنخفض غير الموقر، والمتعطف
[ ٢ / ٤٥٧ ]
غير المعظم، فإن أشكل عليه من ذلك شيء فليلزم الحد المحفوظ عنه، وعن صحابته في الصلوات عليه وبالله التوفيق. ثم يسلم على الإمامين ﵄ كما سبق ذكره، وليس ما قلت بحد موقت وكيفما سلم ودعا بعد أن يكون حسنًا جميلًا فهو جائز. ثم يودع المسجد بركعتين ويدعو بما شاء ويقول: اللهم لا تجعل هذا آخر العهد بحرم رسولك، واجعل إلي العود إليه سبيلًا عاجلًا بمنك وفضلك.
فصل
وينبغي للحجاج إذا قدموا أن يتلقاهم أهل بلدهم ويلقوا أولادهم. قال عبد الله بن جعفر: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفره يلتقي بضعاف أهل بلده، وأنه قدم مرة من سفر، فسبقت إليه فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة، فأردفه خلفه، فدخلت المدينة ثلاثة على دابة وقالت عائشة: أقبلنا مع رسول الله ﷺ قافلين من مكة حتى إذا كنا بذي الخليفة- وأسيد بن حصين بيني وبين رسول الله ﷺ- فتلقانا غلامان من بني عبد الأسهل، وكانوا يتلقون أهاليهم إذا قدموا.
وقال مالك بن أبي عامر: كان عمر وعثمان ﵄ إذا قدموا من الحج تلقاهما الغلمان، هم الذين يتلقون لأنهم كانوا هم المخلفين من الرجال دون غيرهم. وكان عمر يقول: تلقوا الحجاج ولا تشيعوهم، وهذا لما في الانصراف وترك مصاحبتهم مما ينبغي أن يجد المؤمن في نفسه منه.
قال ابن عباس: لو يعلم المقيمون ما للحجاج عليهم لأتوهم حتى يقبلوا رواحلهم، إنهم وفد الله من جميع الناس، وعن عمر بن الخطاب ﵁: تلقوا الحجاج والعمار والغزاة، فمردهم أن يستعفروا لكم. قبل أن يتدنسوا، وينبغي للناس إذا تلقوا الحجاج أن يلتزموهم، بتأويل أنهم قد التزموا البيت الحرام. فإن قبلوا ما بين أعينهم لأنهم سجدوا على الحجر وفي الكعبة مسحوا جباههم عليها. وأعينهم لأنهم نظروا بها إلى الكعبة فذاك حسن.
والأصل في تلقي المسافر أن جعفر بن أبي طالب قدم يوم فتح خيبر من الحبشة فقال
[ ٢ / ٤٥٨ ]
رسول الله ﷺ: (ما أدري، لأنها أشد فرحًا بفتح خيبر أم بقدوم جعفر). فتلقاه فالتزمه وقبل ما بين عينيه. ويستحب للمسافر إذا رجع أن يدعو بما جاء عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا أقبل من سفر كبر ثلاثًا وقال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون، ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده). يقول ذلك كلما علا شرفًا أو أبنية، أو هبط واديًا. وينبغي للقائل أن يقدم ضحى النهار، فإذا بلغ نزل مسجده فصلى فيه ركعتين. وإن كان ممن يزار جلس لمن يزوره. وإذا رجعوا دخل بيته.
كذلك روي أن رسول الله ﷺ يفعل. لا يقدم إلا نهارًا في الضحى، وبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين، ثم بالناس في قيامهم ومسائلهم. وإذا دخل بيته قال: بسم الله وصلى الله على رسوله، ثم سلم.
وروي أن رسول الله ﷺ إذا دخل على أهله راجعًا من سفره قال: (توبا توبا لدينا أوبا لا يغادر علينا حوبا).
وقال سفيان الثوري: إذا أردت سفرًا فصل ركعتين حق تخرج من بيتك وإذا رجعت فدخلت بيتك، فصل ركعتين، وإذا دخلت فقل: السلام عليكم، اللهم أسألك خير هذا المدخل، وأسألك خير هذا المخرج بسم الله دخلنا وبسم الله خرجنا، وعلى الله توكلنا، ولا ينبغي أن يقدم ليلًا إلا أن يكون أعلمهم قادم بيوم أو بيومين، فإن رسول الله ﷺ نهى أن تطرق النساء ليلًا. وأرسل رسولًا فأذن للناس فأخبرهم أنه قادم بالغداة.
وقدم عبد الله بن رواحة من سفر فتعجل إلى أهله ليلًا، فإذا في بيته مصباح وشيء قائم مع امرأته، فأخذ السيف فقالت امرأته: هذه فلانة مشطتني. فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ: (لا تطرقوا النساء ليلًا). وإذا قدم المسافر فينبغي أن يبدأ بأفضل أهله إن كانوا متفرقين في بيوت، فإنه يروى أن رسول الله ﷺ كان إذا قدم
[ ٢ / ٤٥٩ ]
من سفر، دخل المسجد فصلى ركعتين، ثم أتى فاطمة فسلم عليها ثم أتى منزله فقدم من سفر فصلى ثم أتاها فسلم عليها فجعلت تقبله وتبكي. وكان عبد الله إذا قدم من سفر، دخل على ابنته فأخذ برأسها وقبلها.
ويقال للحاج إذا قدم: بر الله حجك وغفر ذنبك. ومن لم يكثر صح فحسن أن يقول: ورزقنا مثل ما رزقك. ويروى أن ابن عمر ﵄ كان يقول: تقبل الله نسكك، وعظم أجرك، واخلف نفقتك، وكان ابن سيرين لا يزيد على أن يقول: تقبل الله منا ومنكم وغفر لنا ولكم.
ويستحب للمسافر إذا دنا من منزله أن يبر زاده ويطعمه للناس. روى نافع عن ابن عمر أنه كان إذا دنا من المدينة بر زاده فأطعمه. وقيل إنما نعمل بالمتزود من عند الأهل. فأما إذا استجده في سفره، فإذا شاء أدخله منزله، والأحسن أن يكن ذا حاجة إليه أن يتصدق به شكرًا لله على رده إلى أهله وماله. ويستحب للمسافر إذا رجع واستقر في منزله أن يطعم الناس، فعله الصالحون من سلف هذه الأمة. قال نافع: كان ابن عمر لا يصوم في السفر، ولا يكاد يفطر في الحضر إلا أن يمرض، فإنه كان رجلًا كريمًا يحب أن يؤكل عنده. وقال حماد بن زيد: كان أيوب السجستاني ﵁ إذا قدم من سفر أطعم الناس ثلاثة أيام، يأتيه إخوانه فيضع مائدته ويضع يده مع كل ما جاء، ثم يقول: لقد أكلت اليوم كذا وكذا مرة، قال: وقدم من مكة فجعل يدخل عليه ناس من إخوانه فيقرب إليهم فسمعته من آخر النهار، وقد قرب إلى قوم شيئًا يقول: أكلت اليوم عشرين مرة.
[ ٢ / ٤٦٠ ]