وهو باب في التمسك بما عليه الجماعة
قال الله ﷿: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾. وجاء عن النبي ﷺ: (من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام). وأنه قال: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية. ومن قاتل تحت راية حمية أو يدعو إلى عصبية فقتل، فقتلته جاهلية، ومن خرج على أمتي بضرب برها وفاجرها لا يتحاشى مؤمنها، ولا يفي لذي عهد بعهده فليس مني ولست منه).
وقال سماك بن الوليد: قلت لابن عباس ما تقول في سلطان علينا يظلمنا ويشتمنا ويتعدى علينا: ويأخذ صدقاتنا فلا يؤدون منها حقها بمنعهم، قال: لا، أعطوهم. قلت: إنهم يظلموننا ويحرموننا ويشتموننا، أنقاتلهم؟ قال: لا يا حنفي، إن أتاك أهدل الشقين متنفس المنخرين، فأعطه صفقتك، فلنعم القلوص قلوص يأمن المرء من عرسه ووطئه. ثم أخذ بذراعي فغمزها، ثم قال: يا حنفي، الجماعة الجماعة، إنما هلكت الأمم الخالية بتعدمها. أما سمعت قول الله ﷿: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾.
وجاء عن عمر بن العاص ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاثة من أهل السنة: الصلاة مع كل إمارة، والجهاد مع كل خلافة لك جهاده وعليه شره، والصلاة على من مات من أهل القبلة).
[ ٣ / ١٨٠ ]
وعن النبي ﷺ قال: (ثلاثة أن تجامعوا عليهم أمراءكم فهي الهلكة: الجمعة تجمعون معهم، وهذا النسك ينسكون معهم، وهذا العدو تجاهدون معهم). وقال رسول الله ﷺ: (من مات مفارقًا للجماعة مات ميتة جاهلية). وعنه ﷺ في حديث آخر: (من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية).
وعنه ﷺ: (إن الله كتب عليكم الجمعة فريضة واجبة إلى يوم القيامة، فمن تركها جحودًا أو استخفافًا بها (في) حياتي أو موتي، وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله شمله ولا أتم له أمره).
وعنه ﷺ أنه قال: (أطيعوا أمراءكم ما كان، فإن أمروكم بما حدثتكم به فإنهم يؤجرون عليه ويؤجرون بطاعتكم، وإن أمروكم بشيء مما لم آتكم به فهو عليهم، وأنتم منه براء، ذلك بأنكم إذا لقيتم الله جل وعلا، قلتم: ربنا لا ظلم فيقول: لا ظلم. فتقولون: ربنا أرسلت إلينا رسلًا فأطعناهم بإذنك، واستخلفت علينا خلفًا فأطعناهم بإذنك، وأمرت علينا أمراء فأطعناهم بإذنك. فيقول: صدقتم هو عليهم وأنتم منه براء).
وعنه ﷺ أنه قال: (يا أبا ذر كيف تصنع إن أدركت أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال فقلت له: كيف تأمرني أن أصنع؟ قال: صل الصلاة لوقتها واجعل صلواتك معهم نافلة).
فبان بهذه الأخبار وجوب التمسك بالجماعة وترك الشذوذ والمحالفة. فهذا باب يتسع ويتشعب، وتلحق شعبة منه بالباب الذي قبله، لأنا كتبنا فيه، وجوب طاعة الإمام، وفصلنا من جميع العلماء على إمامته. ومن يختلفون في إمامته، وكان المقصود منه إثبات الإمامة والأمارة ووجوب الطاعة لأولي الأمر في الجملة.
[ ٣ / ١٨١ ]
فأما هذا الباب، فإنه يذكر فيه الحكم في ولاة الجور والمجاهرين بالفسق والحال التي ينبغي أن يصاروا فيها. والحال التي ينبغي أن يجاهدوا فيها، ثم سائر ما يشتمل عليه معنى هذا الباب مما لا يتصل بأحكام الولاة ولا يرجع إليهم، فيقول: أما الإمام العادل الثابت إمامته من بعض الوجوه التي تقدم ذكرها فطاعته واجبة ومخالفته حرام، والثبات على عهده وعقده فرض. قال النبي ﷺ: (فمن نكث صفقته فلا حجة له يوم القيامة، ومن مات وهو مفارق الجماعة فموتته موتة جاهلية). وهذا لا يختص به من عقد الإمام، فأعطى بها صفقته بيمينه، لأن الذين لم يعقدوا لما لزمهم عقد الذين عقدوا صاروا في الحكم عاقدين، فمن خالف منهم الإمام ورفض إمامته واعتزل طاعته، فقد نكث صفقته، فالجائز ذكرنا الاختلاف فيه، وفي كل فاسق، سواء كان فسقه بالجور أو بغيره، فمن قال: إن الفسق لا يناقض الإمامة احتج بظواهر هذه الأخبار، وقال: إنها نطقت بإيجاب الطاعة للعادل والجائر وتسميتها جميعًا إمامًا، ويصلي الصلاة لوقتها ومخرجها عن وقتها وإخراجها عن وقتها بلا ضرورة فيق. فصح أن الفاسق إمام، كما أن العادل إمام، وإذا كان إمامًا وجب من طاعته ما يجب من طاعة الإمام العادل. ومن قال أن الفسق يناقض الإمامة، قال: إن ذكر الإمام الجائر منفردًا عن الإمام العادل، ليس إلا لأن الجائر إمام في صورة أمره وظاهر حاله ومن إثبات أن يكون إمامًا بالإطلاق كالعادل، وخرجوا عن طاعته، ونبذ طاعته إذا كانت لا تكون إلا لنقض الجماعة، وجبت الطاعة.
وفي ذلك دليل على أن مفارقته إذا أمكنت بغير نقض الجماعة وجبت مفارقته. ومعنى مفارق الجماعة: أن الجمهور إذا كانوا يريدون أن فسقه لا يناقض إمامته، وكان نفر يرون أن يناقضها، فهؤلاء النفر ليس لهم أن يتوخوا بما في نفوسهم لأن الجمهور يخالفونهم، ويردونهم عن رأيهم. فأما أن ينفع الفرقة، وأما أن تصيبهم من الإمامة المعرة استظهارًا فيه بالجمهور، فيكونون قد تعرضوا من البلاء ما لا يطيقونه، وذلك ما قد نهو عنه. وهكذا إن كان أهل الرأي اضطربوا وماجوا، وثارت الفتنة، واضطرب الحبل فسألهم أن يسكنوا ويلزموا الجماعة. ومعنى لزوم الجماعة في هذه الحال الثبات على
[ ٣ / ١٨٢ ]
الأمر الجامع، وهو احتساب صاحبهم إمامًا، والتزام طاعته وترك الخوض فيما يفرقه فواجب السكوت عنه، فأقام الصلوات وجب إثباتها وإقامتها. فإذا سأله الصدقات، فاعتدى فيها وأراد فوق الواجب ولم يكن رده أعطى، ويكون قول رسول الله ﷺ (ومن سئل فوقها فلا يعطه) خارجًا عن ما يمكنه أن يمتنع من الزيادة، أو دلالة على أن الإمام وإن طالت بها، فليست الزيادة بصدقة تلزم لزوم الأصل. وهكذا إن علم منه أنه يأخذ الصدقات فلا يضعها مواضعها أعطي، إذا المصدق إن لم يكن أن يعطي ويكتم وتسقط الصدقة بذلك عن طالب المال كما يسقط حد الإمام الباغي إذا ثبت تأويله، وهكذا إن نصب قاضيًا وجب الترافع إليه إذا وقعت الضرورة ووجبت طاعته. فأما إن استقروا واستبصروا فإن ذلك يختلف. فإن كان في جهاد وجبت طاعته، وإن كان في دفع واحد مثله عن نفسه، أو قصد جائر قتله ليقمعه أو يلحقه بجملته أعين، وليكن بينه من يعينه يوهن المدفوع والمقصود، وكسر شوكته وإبطال أمره عليه لفسقه وفساده، لا أعلمه من هو خارج معه لتقوى يده وتشتد شوكته. وإن كان في دفع جنده وقصدوه بالحق، ليزيلوه عن مكانه ويجلسوا فيه من هو أهدى سبيلًا وأقوم طريقًا منه، فإن أبصر الناس فيه قوة، وكانت غلبتهم له أظهر، وألهم في رأيهم من خلافها، لم يكن لهم أن يعينوا صاحبهم، فكان عليهم أن يواصلوا الجند القاصرين له، ويسألوا الله تعالى أن يكفيهم جميعًا أمره، وإن كان بهم ضعف ووهن فيما يريدون ويخشون أن لا يثبتوا ولا يطيعوا صاحبهم، وإن أجابوهم ابتلوا معهم، كان على من يعذر في القعود أن يتعدوا إن رادوا صاحبهم عن الخروج معه، ولم يقبل له عذرًا خرج معه، وينكث للرمي والضرب والطعن ما أطاق. فإن حمل على كل شيء من ذلك رمى رميًا ضعيفًا لا يبلغهم بمثله سهمه، أو قويًا يتجاوزهم، ولا يسكن بينه وبينهم حموه، وإشارة بالرمح ولم يطعن، وبالسيف ولم يضرب، وأكل مما يرميهم به لو يشير به نحوهم نعتًا له. وإن قدر على تحذير الناس من حيث لا توقف على أمره فعلت، فإن هموا بالانصراف كان أول منصرف وبالله التوفيق.
فإن قيل: ليس شيء من هذا بطاعة قلنا: ولا قلنا إن طاعته واجبة بالإطلاق. وإنما
[ ٣ / ١٨٣ ]
قلنا: إنها تجب تقية له، ووجوب التقية في الظاهر لا تمنع من الاحتياط الذي في الباطن والله أعلم.
وأيضًا فقد قلنا: إن أمكن عزله بلا فتنة وجب، وإذا أمكن ترهين أمره سرًا بلا شر يحدث، فكيف لا يجب أو لا يجوز؟ والله أعلم.
فصل
وأما ما لا يتصل بأمر السلطان من هذا الباب، فهو أن أهل البلد إذا أخرجوا للجهاد، فينبغي لهم أن يخرجوا معًا ولا ينقصوا، فيتبدد عقبة ويخرج عصبه. ولا ينبغي إذا أقيمت الصلاة أن يأتيها فريق ويشذ عنها فريق بشيء في نفوسهم، إما من الصلاة، وإما من طريق آخر، ولا ينبغي لهم إذا تفرقت بهم مذاهب الاجتهاد في أحكام الدين أن يتهاجروا ويتباينوا ويتعادوا ويتباغضوا، لاختلاف مقالاتهم، بل يعذر بعضهم بعضًا، ويعلموا أن الاجتهاد لا يؤدي المجتهد إلى ما يحبه ويهواه، ولكن إلى ما جعل طريقًا إليه، ود ألا يأذن الله عليه، فلا يحسبوا اختلاف الرأي خلافًا ولا إفراقًا، ويقتدوا في بالصحابة ﵃، فإنهم كانوا يختلفون ثم لا يتباغضون ولا يتهاجرون.
معنى لزوم الجماعة في هذا لزوم الأمر الجامع، وترك الخوض فيما يفرقه، إتيان أبدى كل واحدة من الفرق وإعجازهم عن القيام بنصرة الدين وأطماع الأعداء أو المخالفين. وكفر أن نعمة الله تعالى التي أنعمها على النبي ﷺ إذ يقول وقوله الحق: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانًا﴾. وقال: ﴿هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعً ما ألفت بينهم، ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم﴾.
وأنهم إذا ساروا بعد النبي ﷺ إلى ما كانوا عليه قبلت قلوبهم منعه من التخريب والتفريق واستحبوا العادة الجاهلية على العادة الشرعية، فلا يؤمن إذا أسكنت نفوسهم ذلك وضربوا
[ ٣ / ١٨٤ ]
عليه أن يبتغوا أشكالها من الأمور القديمة المكروهة شيئًا فشيئًا، حتى ينسلخوا من الدين، ولعل ذلك هو الذي أشفق النبي ﷺ منه عليهم حين قال: (ألا لا تعودون ضلالًا) أو قال: (كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض).
وما نزل هذه المنزلة فينبغي أن يحسم الشيء المؤدي إليه في أوله. هذا وقد قال الله ﷿: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾. وقال: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾. وجاء عن النبي ﷺ: (لا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا). فهكذا ينبغي أن يكونوا وليس التفرق من ذلك. وبالله التوفيق.
[ ٣ / ١٨٥ ]