- وهو باب في حب النبي ﷺ وأصحابه -
فإنه يروى عنه ﷺ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده). وعنه ﷺ قال: (ثلاث من كن فيه فقد وجد حلاوة الإيمان منها أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواه).
وأصل هذا الباب أن يوقف على مدائح رسول الله ﷺ، والمحاسن الثابتة له في نفسه ثم على حسن أثارة في دين الله، وما يجب له من الحق على أمته شرعًا وعادة فمن أحاط بذلك، وسلم عقله، علم أنه أحق بالمحبة من الوالد الفاضل في نفسه، البر الشفيق على ولده. ومن المعلم الرضي في نفسه المقبل على التعليم المجتهد في التخريج ومدائح رسول الله ﷺ كثيرة منها. شرف أصله، وطهارة مولده. ومنها. اسماؤه التي اختارها الله له وسماه بها. ومنها. إشارة الله تعالى بذكره قبل أن يخلقه حتى عرفه الأنبياء صلوات الله عليهم. وأصمهم قبل أن يعرف نفسه ويعرف ابنه.
ومنها حسن خلقه، وكريم خصائله وشمائله. ومنها بيانه وفصاحته، وقوله: (اوتيت جماعة واختصر لي الحديث اختصارًا). ومنها. حدبه على امته ورأفته بهم وما ساق الله تعالى به إليهم من الخيرات العظيمة في الدنيا، وعرضهم له من شفاعة لهم في الآخرة. ومنها. زهده في الدنيا وصبره على شدائدها ومصائبها.
فأما المرتبة العظمى وهي النبوة والرسالة فله فيها من المآثر الرفيعة عموم رسالة الثقلين
[ ٢ / ٤٥ ]
وشمولها من بين الخافقين، وأنه مقامًا. وذلك أنه أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع ومشفع، وهو صاحب اللواء المحمود، وصاحب الحوض المورود، وأقسم الله بحياته، ولم يخاطبه في القرآن باسمه ولا كنيته، بل دعاه باسم النبوة والرسالة، واصطفاه بذلك على الجماعة.
فأما شرف أهله، فأول ذلك أن إبراهيم صلوات الله عليه لما أخذ في بناء البيت، دعا الله تعالى أن يجعل ذلك البلد آمنًا، ويجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، ويرزقهم من الثمرات والطيبات، ثم قال:﴾ ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ﴿فاستجاب الله دعاءه بنبينا صلوات الله عليه، وجعل الرسول الذي سأله إبراهيم صلوات الله عليه ودعاءه أن يبعثه إلى أهل مكة فكان النبي ﷺ يقول: (أنا دعوة أبي إبراهيم).
وروى العرباض بن سارية السلمي قال: قال رسول الله ﷺ: (إني عبد الله في أم الكتاب بخاتم النبيين، وأن آدم لمجدل في طينته، وسوف انبئكم بتأويل ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى قومه، ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نورًا أضاءت له قصور الشام، وكذلك ترى أمهات النبيين). فيحتمل هذا الحديث أن يكون قضى الله تعالى بأنه خاتم النبيين سبق خلقه، وكان قبل أن يكون أبو البشر، وأول الأنبياء صلوات الله عليهم، وأما قوله سأنبئكم بتأويل ذلك دعوة أبي إبراهيم، فيحتمل أن يكون معناه أن الله تعالى لما قضى بأن يجعل محمدًا خاتم النبيين. وأثبت ذلك في أم الكتاب أنجز هذا القضاء بأن قبض إبراهيم الدعاء الذي ذكرنا ليكون إرساله إياه بدعائه كما تكون نقلته من صلبه إلى مكة أولاده أمام عيسى صلوات الله عليه. فبشر به قومه فعرفه بنو إسرائيل قبل أن يخلق، وأرى أمه أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، ليدلها ذلك، على أنها تلد ولدًا تضيء بهداه الأرض، ويخرج به الناس من الظلمات إلى النور والله أعلم.
[ ٢ / ٤٦ ]
وله ﷺ فيما اقتضت من الحال فضيلة أخري. وهو أنه كان نبي الحرم الذي فيه بنته الحجوج والماء من المعلوم فإن إبراهيم صلوات الله عليه بذلك دعا ربه فقال:﴾ ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم ﴿. وقد قال الله ﷿ في تفضيل البيت،﴾ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين. فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا، ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) وقال: (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ﴿ولم يخص بلدًا سواه بإضافته إلى نفسه بتخصيصه مكة بها، فدل ذلك على شرفها وفضلها عنده.
وقال النبي ﷺ: (إني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت) فثبت بخبره. أن مكة أفضل البلاد والله أعلم.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أن الله خلق الخلق، فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر واختار من مضر قريشًا، واختار نم قريش بني هاشم واختار من بني هاشم، فأنا من خيار إلى خيار، فمن أحب العرب فيحبني أحبهم، ومن أبغض العرب فيبغضني أبغضهم) وجاء عن ابن عباس ﵄ في قوله ﷿:﴾ وأنه لذكر لك ولقومك ﴿. قال: يقال ممن الرجل؟ فيقال: من العرب. فيقال: من أي العرب؟ فيقال؟ من قريش. وأما طهارة مولده، فقد روى عنه ﷺ أنه قال: (إنما خرجت من فحاح، ولم أخرج من سفاح من لدن آدم، ولم يصبني سفاح الجاهلية، لم أخرج إلا من طهر).
وأما أسماؤه ﵇، فقد رويت عنه أخبار منفردة، فإذا جمعت بلغت عشرة أسماء
[ ٢ / ٤٧ ]
وهي: محمد، وأحمد، والحاشر، والماحي، والمقفي، والعاقب، والخاتم، ونبي الرحمة، ونبي التوبة، ونبي الملحمة.
فأما محمد وأحمد فاسمان نم أسماء الأعلام التي يراد بها التمييز بين الأشخاص، وهذه الأسماء وإن كان لا يراد ما تحتها من المعاني فالذي يشتمل منها على معنى من معاني الفصل مقدم في الاستحسان على خلافه. ألا ترى أن النبي ﷺ قال لرجل (ما اسمك؟ قال: حزن. قال: أنت سهل) وقد كان الكفار يضنون بهذين الاسمين عليه فيقولون مذمم حتى قال ﷺ (ألا تعجبون كيف يصدق الله ﷿ عني بشتم قريس ولعنهم؟ يسبون مذممًا ويلعنون مذممًا وأنا محمد) ومن تأمل علم أنه ليس من أسماء الناس ما يجمع من الحسن والفضل ما ينتظمه محمد وأحمد، لأن محمدا هو المبالغ في حمده، والحمد في هذا الموضع المدح، وأحمد هو الأحق بالحمد وهو المدح أيضًا. فمن سمي بهذين الاسمين، فقد سمي بأجمع الأسماء لمعاني الفضل والله أعلم.
وأما الحاشر فهو الذي يحشر الناس على قدميه. والمعنى أنه أول من يبعث من القبر، وكل من عداه فإنما يبعثون بعده. وهو أول من يذهب إلى المحشر ثم الناس بعد على أثره.
وأما الماحي فمعناه أنه يمحي به الكفر وكل باطل، وقيل يمحى به سيئات من اتبعه وإذا كان معنى الحاشر والماحي ما ذكرنا، فمعلوم أن الله تعالى هو الحاشر والماحي، وإنما سمي النبي ﷺ بهذين الاسمين، لأن الله ﷿ يحتمل حشره سببًا لحشر غيره، ونبوته سببًا لإرهاق الباطل كله من الكفر وغيره. فصار من طريق التقدير كأنه الحاشر والماحي.
وأما المقفي فمعناه المتبع، فقد يحتمل أن يكون المراد المقفي لإبراهيم صلوات الله عليه فإن الله ﷿ قال:﴾ ثم أوحينا إليك أن أتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴿. ويحتمل أن يكون المقفي لموسى وعيسى وغيرهما من أنبياء بني إسرائيل ﵈، لنقل قومهم عن إتباعهم إلى إتباعهم، وعن اليهودية والنصرانية إلى الحنيفية السمحة.
[ ٢ / ٤٨ ]
وأما العاقب: فالذي جاء بعد الأنبياء ﵈، فإنهم يقدموه في أوائل الزمان وتأخر عنهم وكان مجيئه في آخر الزمان.
وأما الخاتم: فالذي لا نبي بعده، كما ليس بعد خاتمه الأمر منه شيء، وليس بعد ختم الكتاب بشر، ولا بعد ختم الكيس إخراج شيء منه والله أعلم.
وأما نبي الرحمة: فقد جاء عنه ﵇ أنه قال: (أنا رحمة مهداة) وذلك على معنى أن الله ﵎ بعثه ليرحم به عباده ويخرجهم على لسانه من الظلمات إلى النور كما قال ﷿ حين امتن عليهم:﴾ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانا. وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ﴿.
وأما نبي التوبة: فلأنه أخبر عن الله أنه يقبل التوبة عن عباده إذا تابوا، ولا يأبه، إذا أنابوا، أكبرت ذنوبهم أو صغرت حتى أن معاني شريعته أن حدود الله تعالى كلها تسقط التوبة، ولعل الأمر في شرائع المتقدمين لم تكن بهذه السهولة، فلذلك قال: (أنا نبي التوبة، وأنا نبي الملحمة) فلأن الله تعالى فرض عليه جهاد الكفار وجعل شريعته باقية لها قيام الساعة. وما فتحت هذه البلدان إلا بحد السيف أو خوف السيوف ما عدا فإنما فتحت بالقرآن.
وقال ﷺ: بعثت بين يدي الساعة بالسيف، وجعل رزقي تحت ظل رمحي والذلة والصغار على من خالفني).
وأما إشادة الله تعالى بذكره قبل أن يخلقه، فقد أخبر الله تعالى أنه أنزل ذكره في التوارة والإنجيل، فقال فيما أخبر به أنه كلم موسى ﵇ فقال:﴾ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم
[ ٢ / ٤٩ ]
عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون).
وقال ﷿:﴾ وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فإن قيل: فإن نبيكم يعرف بمحمد. قيل: ويعرف أيضًا بأحمد. وعلى أن عيسى إنما أدى إليهم هذا الاسم بالسريانية، فقال: ما معناه أحمد وهو يريد محمد. لأن تأويل الاسمين واحد. فإن وصفت الشخص بأنه أحق بالحمد مبالغة في حمده، والمبالغة في حمده تقديم له في الحمد على من لم يبالغ في حمده، فأحمد هو علي هذا محمد، ومحمد أحمد. وقال الله تعالى لنبيه ﷺ:﴾ ورفعنا لك ذكرك ﴿فقيل في تفسيره أنه شهد قبل خلقه وإعلاء ذكره في الأولين قبل أن يخرجه نبيًا في الآخرين. وعن كعب الأحبار قال: قال الله ﷿: (محمد عبدي المتوكل، ليس فظًا غليظًا ولا صخابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، ومهاجرة المدنية، وملكة بالشام، امته الحامدون، يحمدون الله على كل حال وفي كل منزلة يغضون أطرافهم ويأتزرون على إنصافهم رعاة الشمس، يصلون إذا أدركتهم الصلاة ولو كانوا على ظهر كتائبه صفهم في القتال كصفهم في الصلاة) وفي حديث آخر زيادة على هذا. وهي لعينه وأعطته مفاتيح ليفتح عيونًا عمياء وآذانًا وقرًا، ويحمي قلوبًا غلفًا، ويقيم ألسنًا معربة حتى تشهد أن لا غله إلا الله).
وفي قصة موسى ﵇ أن الله ﷿، ذكر له نبينا صلوات الله عليه، ووصفه له فقال: وضاح الجبين براق الثنايا، يتلألأ نوره، لونه تلألأ الذهب الأحمر، أكحل العينين، كان إنسان عينيه لون الخمر العتيق، وكأن حبات الماء حين ينحدرن من وجهه اللؤلؤ المنظوم بيمينك بأصل الحكمة ويعطي أمته فروعها، ويأمر بني إسرائيل من بعدكم بالمعروف
[ ٢ / ٥٠ ]
وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم أجرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعززوه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه. أولئك هم المفلحون، ولأنه رأفة ورحمة وحكمة وعلمًا وحلمًا، املأ الأرض خيرًا ونعما نفعا، ولا يضر شيئًا. ولا ينزع بعصاه ولا بسوطه إلا في سبيل الله من سبلي. اسمه أحمد، إلا في مولده بمكة ومهاجرة بطيبة ثم يظهر التوحيد في الأرض، والتسبيح والتكبير والتحميد، وبه تكثر وتفشو أمته الحمادون الموحدون خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إيمانًا بي وتوحيدًا وإخلاصًا لي وتصديقًا لما جاءت به رسلي.
وفي حديث آخر. إن الله تعالى لما قرب موسى قال:﴾ رب إني أجد في التوراة أمة في صدورهم أناجيلهم، وكان من قبلهم يقرأون كتبهم تطيرًا، ولا يحفظونها، فاجعلهم أمتي، قال تلك أمة محمد. قال: فإني أجد في التوراة أمة يأكلون صدقاتهم في بطونهم وكان من قبلهم إذا خرج صدقته بعث الله عليها نارًا يأكلها، فإن لم يقبل لم تقدمه النار، فاجعلهم امتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في التوراة أمة إذا هم أحد بسيئة لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف، فاجعلهم امتي. قال تلك امة محمد: وقرأت فيما يقال أنه برحمة زبور داود، قال لنبي إسرائيل ومر سليمان يقل من بعدك أن الأرض أورثها محمد وأمته وهي خلافتكم، فلا تكون صلاتهم بالطنابير، ولا يقدسوني بالأوتاد. وهو الذي يشبه أن الله تعالى أراده بقوله:﴾ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴿.
ومما ذكر العلماء أنه في التوراة. إذا جاءت الأمة الأخيرة إتباع راكب البعير، يسبحون الرب في الكنائس الجدد، بأيديهم سيوف ذات شهرتين ينقضون من الأمم، فاستبشروا بهم، وبادروا إليهم. وفيها أن سيأتيكم نبي من أخوانكم فاسمعوا له وأطيعوا. ولا يمكن أن يكون أراد بهذا عيسى ﷺ، لأنه من قبل أمة نبيهم لا من إخوانهم. إنما إخوانهم
[ ٢ / ٥١ ]
بنو إسماعيل وهو بنو إسحاق، ولا يجوز أن يكون أراد نبيًا من أنبياء بني إسرائيل، لأنه لما أخبرهم أنه يأتيهم من أخوانهم شمل بالخبر جميع بني إسرائيل، فكانوا جميعًا نابين. فينبغي أن يكون إلا في غيرهم وبالله التوفيق.
وفيها: جاءكم النور من جبل سيناء أي التوراة، وأيضًا من جبل ساعين أي الإنجيل، واستعان من جبل قاران أي القرآن. فإن جبال قاران من جبال مكة. وقال: خسوف النبي جاء الله بالبيان من جبال قاران وامتلأت السموات والأرضون من تسبيح أحمد وأمته ﷺ.
وفي الزبور. قد أتيت موسى التوراة، وأعطيت عيسى برهانًا لم أعطه أحدًا قبله، ولا ظهرت من جبال القرف شمسًا لا تغيب ولا تظلم. ومعنى أعطيت عيسى، أي قضيت له به. وفي التوراة يقول الله تعالى لإبراهيم ﷺ. وفي إسماعيل سمعت دعاك وباركت عليك، وكثرته بمحمد، ولأخرجن من صلبه اثنى عشر عظيمًا ولا جازيبه بالدين العظيم. وما تسميه النصارى الإنجيل. إن عيسى قال لقومه: أنا أذهب وسيأتيكم الفار قليط وروح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه، وإنما يقول كما يقال له: وكل شيء أعده لكم يخبركم به وفيها ومما أتيت بحبس الحواريين حين نسخ الإنجيل أن عيسى قال في كلام ذكره: فلو قد جاء المتحميا هذا النبي يرسله الله إليكم فهو يشهد معي. وقيل: المتحميا بالسريانية محمد، وهو بالرومية الفرقليط. وفي التوراة لن يعدم سبط يهودا نبيًا مرسلًا أو مليكًا مسلطًا حتى يلقى الله له الملك، اليعرب إياه يرتجون، وفي ترجمة أخري. حتى يأتي الذي بني له وإياه ينتظر السحرت، ولا يمكن أن يكون المراد بهذا المسيح صلوات الله عليه. لأنه لم يكن له الملك، ولا لأحد أن يقول: إن كان المراد ما يدعون، فإنما أخبر عنه بالملك، لأن الملك لا يقطع النبوة، فلما أخبر أن سبط يهودا تنقطع عنه النبوة والملك معًا بمجيء المنتظر علمنا أن ذلك إنما يكون لاجتماع النبوة والملك للمنتظر. ووجدنا أحد الأمرين باتًا لسبط يهودا إلى وقت نبينا ﷺ، ثم انقطعنا، فعلمنا أنه كان المراد بالمنتظر
وفي قصة شعيبا النبي ﵇
أنه لما خرج أمر نبي إسرائيل وفيهم شعيا لا يقتلون منه أوحي الله تعالى إليه "قم في
[ ٢ / ٥٢ ]
قومك أوح على لسانك" فلما قام أطلق الله لسانه بالوحي. وقال: يا سماء أسمعي ويا أرض انصتي، فإن الله ﷿ يريد أن يقبض شأن بني إسرائيل فذكر معاتبة الله إياهم إلى أن قال "وزعموا أنهم لو شاءوا أن يطلعوا على الغيب بما توحي إليهم الشياطين اطلعوا، وكلهم يستخفى بالذي يقولونه، وهم يعلمون أني أعلم غيب السموات والأرض، واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون، وإني قضيت يوم خلقت السموات والأرض فيما اتيته وصححته على نفسي وجعلت دونه أجلًا واقعًا، فإن صدقوا بما ينتحلون من علم الغيب فليتخيروا مني أبعده، وفي أي زمان يكون، وإن كانوا يقتدرون على أن يأتوا بما يشاءون، فليأتوا بمثل القدرة التي اقضيت، فإني مظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وإن كانوا يقدرون على أن يؤلفوا ما شاءوا، فليؤلفوا مثل الحكمة التي أدبر ذلك العصر كانوا صادقين. فإني قضيت يوم خلقت السموات والأرض، أي اجعل النبوة في الآراء، واجعل الملك في الرعاة، والعز في الأذلة والقوة في الضعفاء والغنى في الفقر، والثروة في الإملاء، والمدائن في الفلوات، والآجام في المفاوز، والبردي في الغيطان، والعلم في الجهلة، والحكم في الأميين، فسلهم متى هذا، ومن القائم بهذا؟ وعلى يد من أسبب؟ ومن أعوان هذا الأمر وأنصاره، وإن كانوا يعلمون فإني سبقت كذلك نبيا أميا أعمى من عميان، ضالًا من ضالين، وليس فقط غليظ، ولا صحاب في الأسواق، ولا يبر من الفحش، ولأقوال للخنساء، أسدده بكل جميل، وأهب له كل خلق كريم. أجعل السكنية لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة معقوله، والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه أهدى بعد ضلاله، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، واسموا بعد النكرة، وأكبر به بعد القلة، وأتمنى به بعد الصلة، وأجمع به بعد الفرقة، وألف به بين قلوب مختلفة، وأهواء مشتتة، وأمم متفرقة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر. وتوحيدًا إلى وإيمانًا بي وإخلاصًا يصلون لي قيامًا وقعودًا، وركعا وسجدًا، ويقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا، يخرجون من أموالهم ابتغاء رضوان الوفاء، إلهمتهم التكبير والتحميد والتوحيد والتسبيح والتحميد في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم، يكبرون ويهللون ويقدسون على رؤوس الأشراف، ويظهرون إلى
[ ٢ / ٥٣ ]
الوجود والأطراف، ويعقدون النيات في الأنصار، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم صدورهم، رهبانا بالليل، ليوثا بالنهار ذلك فضلي أرينه من أشاء وأنا ذو العقل العظيم".
وروى عن ثعلب بن مالك أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبا مالك عن صفة النبي ﷺ في التوراة، وكان من علماء اليهود، فقال: صفته في كتاب بني هارون الذي لم يبدل ولم يغير، أحمد من ولد إسماعيل بن إبراهيم وهو آخر الأنبياء وهو النبي العربي الذي يأتي بدين إبراهيم الحنيف مئذر على وسطه، ويغسل أطرافه في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة مثل زر الحجلة، ليس بالقصير ولا الطويل، يلبس الشملة ويحتوي بالبلغة، ويركب الحمار ويمشي في الأسواق معه حرب وقتال وينبي سيفه على عاتقه، لا يبالي من لقي من الناس معه صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان ولو كانت في قوم عاد ما أهلكوا بالصيحة مولده بمكة، ومنشأه بها، ونبوته دار هجرته يثرب. بين لا نبي حر ويحل وسبحه، وهو أمي لا يكتب بيده، وهو انجماد على كل شدة ورخاء، سلطانه بالشام صاحبه من الملائكة جبريل، يلقى من قومه أذى شديدًا، ويجبهونه جبها شديدًا ثم يدال على قومه فيجدهم تحصيدًا يكون له وقعات يثرب منها له، ومنها عليه، ثم تكون له العاقبة، معه أقوام هم إلى الموت أسرع من الماء من رأس الجبل إلى أسفله، صدورهم أناجيلهم، قربانهم دماؤهم، رهبان الليل ليوث النهار، يرعب منه عدوه مسيرة شهر يباشر القتال بنفسه حتى يخرج ويكلم لا شرطة معه ولا حرس يحرسه.
ومما روى من أمر تبع أنه لما قدم المدينة نزل بقباء بعث إلى أحبار تيماء وخيبر ووأدي القرى وممن كان بيثرب من زهرة وقينقاع وقريظة والنضير وغيرهم وقال: اللهم إني مخرب هذا البلد حتى لا يقوم يهود به أبدًا، ويرجع الأمر إلى دين العرب، فقال الأحبار: أن يدعنا فسنخيره. فلما تكلموا قال: سأتولى اليهودي، وهو يومئذ أعلمهم، أيها الملك. أن هذا بلد يكون إليه مهاجر من ولد إسماعيل. مولده بمكة واسمه أحمد. هذه دار هجرته، وإن منزلك هذا الذي أنت فيه يكون به من الجراح والقتل أمر كثير في أصحابه وفي عدوهم. قال تبع: ومن يقاتله يومئذ وهو نبي كما تزعمون قال: يسير إلى قومه فيقتتلون هاهنا. قال: فأين قبره؟ قال: بهذا البلد. قال: فإذا قوتل فلمن تكون الدحرة؟ قال تكون له مرة وعليه مرة. وبهذا المكان الذي أنت به يكون عليه، ويقتل
[ ٢ / ٥٤ ]
أصحابه، لم يقتلوا في موطن، ثم تكون له العاقبة فلا ينازعه في هذا الأمر أحد. قال: وما صفته؟ قال: رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حمرة، يركب البعير، ويلبس الشملة، سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقاه أخا أو عما أو ابن عم، حتى يظهروا أمره.
قال تبع: مالي إلى هذه البلدة من سبيل، وما كان ليكون خرابها على يدي: فخرج تبع منصرفا إلى اليمن، وذكر الحديث.
وقيل: أنه قدم على تبع شافع بن كليب الصدمي، وكان كاهنًا فأقام عنده. فلما أراد توديعه، قال له تبع: ما بقي من علمك؟ قال: حبر ناطق وعلم صادق. قال: فهل تجد لقوم ملكًا يوازي ملكي؟ قال: لا، غلا لمثل غسان، قال: فهل تجد ملكًا يزيد عليه؟ قال: نعم. قال: لمن! قال: أجده لبار مبرور، أيد بالطهور، ووصف في الزبور، وفضلت أمه في السفور، بقدح الظلم بالنور، أحمد النبي طوبي لأمته، حين يجيء نبي لؤي ثم أخذ بني قصي. فبعث تبع إلى الزبور، فنظر فيه، فإذا هو يجد صفة محمد ﷺ.
وقال أبو سعيد الخدري ﵁، سمعت أبا مالك بن سنان يقول جئت بني عبد الأسهلي يومًا لنتحدث فيهم، ونحن يومئذ في هدنة من الحي، سمعت يوشع اليهودي يقول: أطل خروج نبي، يقال له أحمد، يخرج من الحرم، فقال له خليفة بن تغلبة الأسهلي، كالمستهذئ به. ما صفته؟ قال: رجل ليس بالطويل ولا بالقصير في عينيه حمرة، يلبس الشملة، ويركب الحمار سيفه على عاتقه، وهذا البلد مهاجره. قال فرجعت إلى قومي بني خدرة، وأنا يومئذ أتعجب مما يقوله يوشع. فقالوا ويوشع يقول هذا، وكل يهودي بيثرب يقول هذا: قال أبي: فخرجت حتى جئت قريظة فأخذ جمعًا منهم، فتذاكروا النبي ﷺ فقال الزبير بن باطا: قد طلع الكوكب الأحمر الذي لم يطلع إلا لخروج نبي وظهوره، ولم يبق إلا أحمد وهذه مهاجره.
قال أبو سعيد الخدري ﵁: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة مهاجرًا، أخبره أبي هذا الخبر، فقال رسول الله ﷺ: (الزبير وذووه من رؤساء اليهود، لأسلمت
[ ٢ / ٥٥ ]
يهود كلها، إنما هم لهم تبع، ولكنهم أهل حسد).
وذكر المغيرة بن شعبة ﵁ أنه خرج مع بني مالك إلى المقوقس، فقال لهم: كيف تخلصتم إلى طائفيكم ومحمد وأصحابه بيني وبينكم؟ قالوا: أتينا البحر وقد خفناه على ذلك. قال: فكيف صنعتم؟ فيما دعاكم إليه؟ قالوا: ما تبعه منا رجل واحد. قال: ولم ذاك؟ قالوا: جاءنا بدين لا يدين به الآباء ولا يدين به الملك. ونجز على ما كان عليه آباؤنا. قال: فكيف صنع قومه؟ قالوا: تبعه أحزابهم وقد ناظر من خالفه من قومه، وغيرهم من العرب في مواطن تكون عليهم الدائرة مرة، وتكون له مرة. قال: ألا تخبرونني وتصدقونني، إلى ماذا تدعون؟ قالوا: ندعو إلى الصلاة والزكاة. قال: وما الصلاة والزكاة؟ ألهما وقت يعرف، وعذر ينتهي إليه؟ قالوا في اليوم والليلة خمس صلوات كلها لمواقيت، وعدد قد سموه له، ويؤدون من كل ما بلغ عشرين مثقالًا نصف مثقال، وكل إبل بلغت خمسًا شاة، وقال: حتى أخبروه بصدقات الأموال كلها. قال: أفرأيتم إذا أخذها، أين يضعها؟ قالوا يردها على فقرائهم، ويأمر بصلة الرحم والوفاء بالعهد ويحرم الزنا والخمر، ولا يأكل ما ذبح لغير الله. قال: هو نبي مرسل إلى الناس كافة، ولو أصاب القبط والروم تبعوه، وقد أمرهم بذلك عيسى بن مريم، وهو الذي يصفون، بعث به الأنبياء من قبله، وستكون له العاقبة حتى لا ينازعه أحد، ويظهر دينه إلى منتهى الخف والحافز، ومنقطع البحور ويوشك قومه يدافعونه بالراح، قال: فقلنا لو دخل معه الناس كلهم ما دخلنا معهم. قال: ما يغض رأسه، وقال: أنهم في الملعب، ثم قال: كيف نسبه في قومه؟ قلنا: هو أوسطهم نسبًا. وقال: وكذلك المسيح والأنبياء تبعث في نسب قومها. قال: فكيف صدق حديثه؟ قلنا: ما يسمى إلا الأمين من صدقه. قال: انظروا في أمركم أترونه بصدق فيما بينكم وبنيه، وتكذب على الله. قال: فمن اتبعه؟ قال: الأحداث. قال: هم أحداث الأنبياء قبله. قال: فما فعلت يهود يثرب، فهم أهل التوراة، قلنا خالفوه، فأوقع بهم، فقتلهم وسباهم وتفرقوا في كل وجه. قال: هم قوم حسد حسدوه أما أنهم يعرفون من أمره مثل ما نعرف. قال المغيرة: فقمنا من
[ ٢ / ٥٦ ]
عنده وقد سمعنا كلامًا ذللنا لمحمد وخضعنا، وقلنا: ملوك العجم يصدقونه ويخافونه في بعد أرجائهم منه، ونحن أقرباؤه وجيرانه لم نوجل منه، وقد جاءنا داعيًا إلى منازلنا. قال المغيرة: فرجعت إلى منزلنا بالإسكندرية، لا أدع إلا كنيسة إلا دخلتها وسألت أساقيفها من قبطها ورومها عما يجدون في صفة محمد ﷺ. وكان أسقف من القبط هو رأس الكنيسة التي يحبس كانوا يأتونه بمرضاهم فيدعو لهم، لم أر أحدًا قط أشد اجتهادًا منه. فقلت: أخبرني، هل بقي من الأنبياء أحد؟ قال: نعم، واحد وهو آخر الأنبياء ليس بينه وبين عيسى بن مريم أحد، وهو نبي، أمرنا عيسى باتباعه، وهو النبي الأمي العربي اسمه أحمد، ليس بالطويل ولا بالقصير في عينيه حمرة، ولا بالأبيض ولا بالأدهم. ويضفر شعره ويلبس ما غلظ من الثياب، ويحتوي بما بقي من الطعام، سيفه على عاتقه، ولا يبالى من لاقى، يباشر القتال بنفسه، ومعه أصحابه يفدونه بأنفسهم هم له أشد حياء منهم لأولادهم وآبائهم، ويخرج من أرض القرط من حرم يأتي وإلى حرم يهاجر إلى أرض ساع ويجل بدين إبراهيم ﷺ.
قال المغيرة: زدني من صفاته. قال: يأتزر على وسطه ويغسل أطرافه، ويخص بماله يكن للأنبياء قبله ﵈ قبله، كان النبي يبعث إلى قومه وبعث إلى الناس كافة وجعلت له الأرض مسجدًا طهورًا، أين ما أدركته الصلاة تيمم وصلى. ومن كان قبله كان مشددًا عليهم لا يصلون غلا (في الكنائس والبيع). قال المغيرة: فوعيت ذلك كله من قوله وقول غيره: وجئت إلى النبي ﷺ فأسلمت، ثم أحببته ﷺ عند مخرجنا من الطائف حتى قدمنا الإسكندرية، ثم أخبرته بما قال الملك وقالت الأساقفة ورؤساء القبط والروم، فأعجب ذلك رسول الله ﷺ وأحب أن يسمعه أصحابه، فكنت أحدثهم بذلك.
ويروي عن قصة إسلام ثعلبة بن شعبة وأسد بن شعبة وأسد بن عبيد: إنما كان إن رجلًا من اليهود قدم عليهم المدينة من الشام قبل الإسلام بسنوات، لم ير رجلًا يصلي الخمس أفضل منه، كان إذا أحبس عنهم المطر، قالوا له: أخرج فاستسق لنا، فيأمرهم أن يقدموا صدقة، ثم يخرج بهم إلى ظاهر واديهم، فلا يبرح مجلسه حتى تمطر، فعل ذلك مرات كثيرة وحضرته الوفاة، فقال: يا معشر اليهود دماء الذي تروني، أنه أخرجني من أرض
[ ٢ / ٥٧ ]
الحمر والحمير إلى أرض البؤس والجوع معًا. فقالوا: أنت أعلم. قال: إني إنما خرجت أتو كف نبيًا يبعث، وقد أظلكم زمانه، هذه البلدة مهاجرة، فكنت أرجو أن أدركه فاتبعه، فإن سمعتم به فلا تسبقن إليه، فإنه يبعث بسفك الدماء وبسبي النداري، فلا يمنعكم ذلك منه، ثم مات.
فلما كان في الليلة التي في صباحها صبحت قريظة، قال لهم ثعلبة وأسيد وأسد، كانوا فتيانًا شبابا. يا معشر يهود. أنه الرجل الذي كان وصف لنا، فاتقوا الله واتبعوه، قالوا: ليس به بلى والله، أنه هو ثم نزلوا فأسلموا.
وفي حديث سيف بن ذي يزن: أنه لما ظهر على الحبشة، وذلك بعد مولد رسول الله ﷺ بسنين أتاه وفود العرب وأشرافها وشعراؤها مهنئة، ونذكر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه، وأتاه وفد قريش فيهم عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس وعبد الله ابن جدعان وأسد بن عبد العزى ووهب بن عبد مناف وقصي بن عبد الدار، فدخل عليه بأذنه، وهو في رأس قصر يقال له غمدان، عليه بردان أخضر أن مرا به يأخذهما متزر بالآخر، سيفه بين يديه، وعن يمينه وشماله الملوك وأبناء الملوك. فأخبر بمكانهم فأذن لهم، فدخل عليهم فدنا منهم عبد المطلب فاستأذنه في الكلام، فأذن له، فقال: أن الله أحلك أيها الملك محلًا رفيعا باذخا منيعا شامخا وأتاك بأطايب ارومية، وعظمة حرنونية وثبت أصله وبسق فرعه في أطيب مواطن وأكرم معدن، وأنت أبيت اللعن - ملك العرب وما فيها، وربيعها الذي به يخصب، وأنت ملك العرب، الذي له سباد وعودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي يلتجئ إليه العباد، سلفك خير سلف، وأنت لنا منه خير خلف، فلن يهلك ذكر من أنت خلفه، ولن يحمل ذكر من أنت سلفه، نحن أهل حرم الله وسدنة نبيه، أشخصنا إليك الذي أنهجنا من كشفك العرب الذي فرحنا فنحن وفد التهنئة، لا وفد الرزئة. فقال له الملك: ما أنت أيها المتكلم، فقال: عبد المطلب بن هاشم. قال: ابن أخي؟ قال نعم قال: أدنه ثم أقبل عليه وعلى القوم وقال: مرحبا وأهلًا وناقة ورجلًا ومشتاقا سهلًا وملكا ونجلًا يعطي عطاء جزلًا، وقد سمع الملك مقالتكم، وعرف رسالتكم، وقبل وسيلتكم فأنتم أهل الليل والنهار، لكم الكرامة ما أقمتم والخباء إذا أطعتم وكان أول من قال مرحبا وأهلًا وناقة ورجلًا فأرسلها مثلًا،
[ ٢ / ٥٨ ]
ثم انهضوا إلى دار الضيافة والوفود وأجرى عليهم الإنزال، فأقاموا بذلك شهرًا لا يصلون إليه ولا يؤذن لهم بالانصراف. ثم أن الملك انتبه لهم انتباهه، فأرسل إلى عبد المطلب، فأدناه، ثم قال له: يا عبد المطلب، إني مفض إليك بسر علمي، لو غيرك يكون لم أبح به، ولكني رأيتك معدله، فأطلعتك عليه، فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه. إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذي اخترناه لأنفسنا وحجبناه عن غيرنا خبرًا عظيما وخطرًا جسيما فيه شرف الحياة وفضله للناس عامة وأهلك كافة ولك خاصة. فقال له عبد المطلب مثلك أيها الملك سر وبر، فما هو فداك أهل الوبر زمرًا بعد زمر. قال إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة، ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة.
قال عبد المطلب: أبيت اللعن أيها الملك، لقد أتيت بخبر ما آت به وافد قوم ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من ساره إياي، ما ازداد به سرورًا.
فقال له الملك: هذا حينه الذي يولد نيه أوفد، ولد اسمه محمد، يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه، وقد ولد له مرارًا، والله باعثه جهارًا. أو عاجل له منا أنصارًا يعز بهم أولياءه، ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس عن عرض، وسيفتح بهم كرائم الأرض، يخمد النيران، ويعبد الرحمن، ويدحر الشيطان، ويكسر الأوثان. قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهي عن المنكر ويبطله. فقال له عبد المطلب: عز جدك ودام ملكك وعلا كعبك، فهل الملك يساري إفصاح وقد أوضح لي بعض الإيضاح؟ فقال ابن ذي يزن: والبيت ذي الحجب، والعلامات على النصب، إنك يا عبد المطلب بجده غير كذب. فخر عبد المطلب ساجدًا. فقال ابن ذي يزن: ارفع رأسك، ثلج صدرك وعلا كعبك. فهل أمسست بشيء مما ذكرت؟ قال: نعم أيها الملك، أنه كان لي ابن وكنت معجبا به وعليه تنبيقا، وأنه زوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فجاءت بغلام فسميته محمدًا، فمات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه. فقال له الملك: أن الذي قلت كما قلت فاحتفظ من أنبأك واحفظ عليه فإنهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، وأطر ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك فإني لست آمن أن يدخلهم التعاسة من أن تكون لك الرياسة، فينصبون لك
[ ٢ / ٥٩ ]
الحبائل ويبغون لكل العوائل، وهم فاعلون ذلك وابناؤهم غير شك، ولولا إني أعلم أن الموت مخرمي قبل مبعثة، لسرت بخيلي ورحلي حتى أجعل يثرب دار ملكي، فإني أجد في الكتاب الباطن، والعلم السابق، أن يثرب استحكام أمره ودار نصرته وموضع قبره، ولولا أني أقية الآفات، واخذر عليه العاهات، لا عليت على حدائه سنة أمره، ولا وطأت العرب كفيه، ولكني صارف ذلك لك من غير تقصير بمن معك. ثم دعا القوم، فأمر لكل واحد منهم بعشرة أعبد وعشر اماء وكرسي بماء وعنبر، ومائة من الإبل، وحلتين من حلل البرود وخمسة أرطال ذهب وعشرة أرطال فضة، وأمر لعبد المطلب بأضعاف ذلك، وقال: إذا كان الحول فاتني بما يكون من أمره سيف بن ذي يزن، قبل أن يحول عليه الحول. فكان عبد المطلب كثيرًا ما يقول: يا معشر قريش، لا يغتطبن أحد منكم بجزيل عطاء الملك وإن حل فإنه إلى نفاذ، ولكني يغبطني مما يبقى لي ولعقبى ذكره وفخره، فإذا سئل ما هو؟ قال: ستعلمون ما أقول: ولو بعد حين.
وفي قصة إسلام كعب: قال كعب الحبر: كان أبي أعلم الناس بما أنزل الله على موسى ابن عمران صلوات الله عليه، فكان لم يدخر عني شيئًا ما كان يعلم، فلما حضره الموت دعاني فقال: يا بني، إنك قد علمت أني لم أدخر عنك شيئًا فما كنت أعلم إلا إني حسبت عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يبعث. وقد أطل زمانه، وقد جعلتها في هذه الكوة التي ترى، وظننت عليهما، فإذا يرد الله بك خيرًا، وخرج ذلك النبي تتبعه، ثم أنه مات فدفناه، ولم يكن شيء أحب إلى الله من المأتم حتى أنظر ما في الورقتين. فلما انقضى المأثم فتحت الكوة ثم استخرجت الورقتين فإذا فيها. محمد رسول الله. خاتم النبيين، لا نبي بعده، مولده بمكة، ومهاجره طيبة، لا فظ ولا غليظ، ولا صحاب في الأسواق، ويجري بالحسنة، ويعفو أو يصفح امته الحامدون، يحمدون الله على كل حال بذلك ألسنتهم بالتكبير، وينصر نبيهم على من ناو أهم، يغسلون فروجهم ويأتزرون على أوساطهم، أناجيلهم صدورهم، وتراجمهم بينهم، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم. فلما قرأت ذلك قلت في نفسي: وهل علمني أبي شيئًا خيرًا من هذا. فمكثت بذلك ما شاء الله، ثم بلغني أن النبي ﷺ خرج بمكة، فهو يظهر مرة ويستخفى أخرى. فقلت: هوذا. فلم يزل كذلك حتى قيل لي: أتى المدينة، ثم بلغني بعد، أنه توفي.
[ ٢ / ٦٠ ]
فقلت في نفسي. لا أدخل في هذا الدين حتى أعلم أنهم الذين ارجأوا وانظر سيرتهم وأعمالهم. فلم أزل أدافع ذلك وأوخر لا سبب، حتى قدم علينا عمر بن الخطاب ﵁. فلما رأيتهم ووفاءهم بالعهد وما صنع الله لهم على الأعداء، علمت أنهم الذين كنت أنتظر، فحدثت نفسي بالدخول في دينهم، فو الله إني ذات ليلة في سطحي، إذا رجل من المسلمين يتلو قول الله ﷿ "يا أيها الذين أوتوا الكتاب، آمنوا بما نزلنا مصدقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوهًا فنزدها على أدبارها، أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت، وكان أمر الله مفعولا. فلما سمعت هذه الآية حسبت إني لا أصبح حتى يحول وجهي في قفاي. فما كان شيء أحب إلى من الصباح، فغدوت على المسلمين، فقال كعب: وقلت لعمر بالشام: أنه مكتوب في هذه الكتب أن هذه البلاد التي كانت لبني إسرائيل، أهلها مفتوحة على يد رجل من الصالحين، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكفارين، سره مثل علانيته وقوله لا يخالف فعله، والقريب والبعيد سواء في الحق عنده، أتباعه رهبان في الليل، وأسد بالنهار، متراحمون متواصلون متبارون
فقال عمر ﵁: ثكلتك أمك، أحق ما تقول؟ فقلت: أي والذي اسمع ما أقول: فقال الحمد لله الذي أعزنا وأكرمنا وشرفنا ورحمة لنبينا محمد ﷺ ورحمته التي وسعت كل شيء.
وفي قصة إسلام سلمان ﵁، قال: كنت رجلًا فارسيًا من أهل أصفهان، وكانت لأبي صنيعة عظيمة، فأمرني أن أذهب إليها، فاطالعيا. فمررت بكنيسة النصارى، فسمعت أصواتهم منها وهم يصلون. فدخلت عليهم انظر ما يصنعون، فأعجبتني صلاتهم، وقلت هذا والله خير من الذي نحن فيه، فما برحت حتى غربت الشمس، وقلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. فقدمتها. فقلت: من أفضل هذا الدين علمًا، قالوا: الأسقف في الكنيسة. فدخلت معه إلى أن مات. وجعلوا مكانه رجلًا فما رأيت أحدًا يصلي الخمس إني به حتى هرم في الدنيا ولا أذوب ليلًا ونهارًا منه، فأقمت معه إلى أن حضرته الوفاة، فأمرني أن الحق برجل بالموصل، فلما مات وغيب لحقت بالموصل. ووجدته على أمر صاحبه، فأقمت عنده، فلما حضرته الوفاة سالته، فأمرني أن الحق برجل بنصيبين، ذكره لي، فلحقت به وأقمت معه خير رجل، فلما
[ ٢ / ٦١ ]
حضرته الوفاة، قلت ما تأمرني، قال والله ما أعلم أحدًا بقي على أمرنا إلا رجلًا بعمورية فإن أحببت فاته. فلما مات وغيب بحثت بصاحبه بعمورية. وأخبرته، قال: أقم عندي، فأقمت عنده واكتسبت، ثم نزل به أمر الله تعالى، فقلت: ما تأمرني، أي شيء لم يهيج على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد ظلك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم صلوات الله عليه، يخرج بأرض العرب مهاجرًا إلى أرض بين حربين، تحل به علامات لا تخفى، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد، فافعل، ثم مات.
فمر بي نفر من كلب تجار العرب، فأعطيتهم ما عندي ليحملوني إلى أرض العرب، فحملوني إلى وادي القرى، ثم باعوني من يهودي، وقدم ابن عم له من أهل المدينة من بني قريظة فاتباعني منه، واحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن ترابها فعرفتها بصفة صاحبي فأقمت بها فبعث الله رسوله ﷺ، فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له ذكرًا مما أنا فيه من شغلي، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي عذو أعمل فيه، إذ قبل ابن عمر لسيدي، فقال: فاتك الله نبي قبيلة، والله أنهم لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي، فلما سمعت أخذتني العذو حتى ظننت إني أسقط ونزلت عن النخلة وجعلت أقول لابن عمه: ماذا يقول؟ فغضب سيدي، فكلمني كلمة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا؟ ولقد كان عندي شيء جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء. فدخلت عليه، فقلت: هذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، فقربته إليه فقال لأصحابه: كلوا ولم يأكل. فقلت في نفسي هذه واحدة. فانصرفت عنه، فجمعت شيئًا، وتحرك رسول الله ﷺ إلى المدينة، فجئته به، وقلت: هذه هدية أكرمتك بها لما رأيتك لا تأكل الصدقة، فأكل منها، وأمر أصحابه فأكلوا. فقلت في نفسي: هاتان اثنتان. ثم جئت رسول الله ﷺ وهو جالس في أصحابه عليه شملتان، فسلمت عليه، ثم ابتدأت انظر إلى ظهره، وهل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي، فعرف إني أتيت في شيء وصف لي، فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه اقبله وأبكي. فقال لي رسول الله ﷺ تحول فتحولت، فقصصت عليه حديثي. فأعجب رسول الله ﷺ أن اسمع ذلك، وشغلفي الرق حتى يأتي يد
[ ٢ / ٦٢ ]
زوجتي، ثم قال لي رسول الله ﷺ، كاتب يا سلمان، فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة ابتعتها له بالعفر وأربعين وقية ذهب. فقال رسول الله ﷺ: (أعينوا أخاكم فأعانوني بالنخل، الرجل بثلاثين ودية. والآخر بالعشرين والرجل بالخمسة عشر والرجل بعشرة حتى اجتمعت ثلاثمائة ودية. فقال لي رسول الله ﷺ: اذهب يا سلمان فقعرها فإذا فرغت فأتني أكن أنا أصفها بيدي فقعدت حتى إذا فرغت جئته، فخرج إليها فضرب له الوادي فيضعه بيده حتى فرغنا فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة. فأديت النخل وبقي على المال. فأتى رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة فرد هي من بعض المعادن، وقال: (فماذا فعل الفارسي إذ كانت قد دعيت له، قال (خذ هذه فأد بها ما عليك يا فارسي، قلت: وأين تقع هذه يا رسول الله؟ قال: خذها، فإن الله سيؤدي بها عنك) فأخذتها فوزنت له منها، والذي نفس سلمان بيده أربعين أوقية وشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق حرًا.
وما ذكر وهب بن منبه ﵁ أن الله تعالى أوحي إلى داود صلوات الله عليه. يا داود، أنه يأبى من بعدك نبي يسمى أحمد ومحمد صادق سيد لا أغضب عليه أبدًا، وقيل: غفرت له، قيل: أن بعض ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وأمته مرحومة، أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء، وأفرضت عليهم الفرائض التي أفرضتها على الأنبياء والرسل، حتى يأتوني يوم القيامة، ونورهم مثل نور الأنبياء، قبلهم. وأمرتهم بالجوار كما أمرت الأنبياء قبلهم. أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم، لا اؤاخذهم بالخطأ والنسيان، وكل ذنب ركبوه عن غير عمد، إذا استغفروني منه غفرته لهم، وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبه به تقواهم، عجلت لهم أضعافا مضاعفة، ولهم في المدخور عندي أضعاف مضاعفة، وأعطيتهم على المصائب والبلايا إذا صبروا، وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، الصلاة والهدى والرحمة إلى جنات النعيم. فإن دعوني استجب لهم فأما أن يروه عاجلًا وإما أن أصرف عنهم سوءًا، وإما أن أدخر لهم في الآخرة. يا داود من لقيني من أمة محمد. وقد كذب محمدًا أو كذب بما جاء به، واستهزأ بكتابي، صببت
[ ٢ / ٦٣ ]
عليه في قبره العذاب صبا، وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره من قبره، ثم ادخله الدرك الأسفل من النار.
وأما خلقه وخلقه ﷺ: فقد روى عظمها في حديث جامع سوى ما جاءت به الأخبار متفرقة. وروى عن الحسن بن علي ﵄، وأنا استهي أن يصف لي منها شيئًا اتعلق به. قال: كان رسول الله ﷺ فخمًا مفخمًا يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر إن انفرقت عقيصته وإلا فلا تجاوز شحمة أذنيه إذا هو وفره. أزهر اللون واضح الجبين، ازج الحاجب، سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، اقنى العرنين، اشنب، مفلج الأسنان، دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادن متماسك، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المكبين، ضخم الراديس، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري اليدين والبطن، مما سوى ذلك أشعر الذراعين والمنكبين، وأعلى الصدر وطول الزندين، رحب الراحة، سبط العجب، شتى الكعبين والقدمين، سابل الأطراف خمصان الأخمصين، مسح القدمين ينبو عنهما الماء، إذ زال زال فلعًا يخطو بكفؤ أو يمشى هونًا، ذريع المشية، كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت جميعًا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسبق أصحابه يبدأ بالسلام من لقيه.
قلت: صف لي منطقه؟
قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكر، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتح الكلام ويختم بأشداقه. ويتكلم بجوامع الكلم فضل لا فضول ولا بقصير. دمث ليس بالجاهل ولا المهين. يعظم النعمة وإن دقت ولا يدم منها شيئًا ولا يذم ذواقًا. ولا يمدحه ولا تعصبه الدنيا وما كان لها فإذا به وطئ الحق، لم يعرفه أحد، لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب نفسه ولا ينتصر لها. إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث ليفصل بها يضرب براحته اليمنى على باطن إبهامه اليسرى. وإذا غضب أعرض واشاح، وإذا فرح غض طرفه جل ضحكه النسيم. ويفتر عن مثل حب الغمام.
[ ٢ / ٦٤ ]
قال الحسن: فكتمنها للحسين زمانًا، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه، فسألته عما سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه ومجلسه وشكله فلم يدع منه شيئًا.
قال الحسن: سألت أبي عن دخول رسول الله ﷺ، قال: كان دخوله ماذونًا له، فكان إذا أوتى منزلة جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزء لله تعالى وجزء لأهله وجزء لنفسه. ثم جزا جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالحياضة ولا يدخر عنهم شيئا، فكان جزء سيرته في جزء الأمة اثبارًا أهل بأذنه. وقسمه على قدر تفضلهم في الدين. فمنهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحوائج فيشاغل لهم ويشغلهم فما أصلحهم والأمة من مسألتهم عنهم، وأخبارهم بالذي ينبغي لهم. ويقول: ليبلغ الشاهد الغائب. وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من بلغ سلطانا حاجة من يستطيع إبلاغها إياه، ثبت الله قدميه، يوم القيامة لا يذكر عنده إلا ذلك ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون عليه روادًا ولا يتفرقون إلا عن ذواق ويخرجون أذلة.
قال: فسألته عن مخرجه، كيف كان يصنع فيه؟ قال رسول الله ﷺ يخزن لسانه إلا بما يعنيه، ويؤلفهم ولا يفرقهم، أو قال: ولا يقربهم يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليه، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي على أحد شره، ولا خلقه ويتفقد أصحابه ويحسنى الحسن ويقويه، ويقبح القبح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفلى مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عباد، لا يقصو عن الخلق ولا يجوزه الذين يلونه من الناس خيارهم وأفضلهم عنده، أعمهم نصيحة وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
قال: فسألته عن مجلسه، فقال: كان رسول الله ﷺ - لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر لا يوطن الأباكر وينهى عن أبطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحتسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المتصرف. ومن سأله عن حاجة لم يرده غلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منهم بسطه وخلقه، فصار لهم أبا وصاروا
[ ٢ / ٦٥ ]
عنده في الحق سواء. مجلسه مجلس حكم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤتى فيه الحرم، ولا ينبي فلياته، وقيل لا يثنى متفاضلون فيه بالتقوى، ويحفظون القريب متواضعين، يوقرون فيه الكبير ويرحمون الصغير ويؤثرون الحاجة.
قلت: كيف كانت سيرته في جلساته؟ قال: كان رسول الله ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب. ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحاش، ولا غياب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهى. ولا يوس منه ولا يحب فيه. قد نزل نفسه من المراء والإكبار ما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث، كان لا يذم أحدًا ولا يعيره، ولا يطلب عورته ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه. إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده، من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ حديثهم عنده حديث أوليهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون.
ويصير للقريب على الجفوة في منطقة ومسألته، حتى أن كان يستجلبونهم. ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة فارفدوه ولا يقبل إنشاء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجور فيقطعه بنهي أو قيام.
قال فسألته: كيف كان سكوته؟ قال: كان سكوت النبي ﷺ على أربع: الحلم والحذر والتقدير والتفكير. فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع من الناس. وأما تفكيره ففيما يبقى ويغنى وجمع له الحلم والصبر فكان لا يغضبه شيء ولا يستنفره وجمع له في الحذر في أربعة أخذه بالحسن ليقتدي به. وتركه القبح بسلها عنه، واجتهاده الرأي فيما أصلح أمته، والقيام فيما جمع لهم الدنيا والآخرة.
ومنها ما يروي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ لم يكن بالطويل البائن ولا بالمشذب الذاهب، ولا القصير المتردد، وكان ينسب إلى الرفعة إذا مشي، ولم يكن على ذلك يماشيه أحد من الناس. بسبب إلى الطول إلا طاله رسول الله ﷺ وربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما، وإذا فارقا نسبا إلى الطول، ونسب رسول الله ﷺ إلى الرفعة ويقول: جعل الخير كله في الربعة. وكان لونه ليس باهق ولا بأدم وكان أزهر اللون، وكان عرقه في وجهه مثل اللؤلؤ، أطيب من المسك الأدفر. وكان
[ ٢ / ٦٦ ]
أول من سدل ناصيته بين عينيه كما تسدل نواصي الخيل، ثم جاءه جبريل صلوات الله عليه بالفرق ففرق، وكان أحسن الناس قضاء وأنورهم لونًا لم يصفه واصف قط إلا شبه وجهه بالقمر ليلة البدر. وقال بعضهم: رأيت النبي ﷺ ليلة أصحبان، وهو في حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فهو كان أدنى في عيني من القمر.
وقال ﷺ: (إني أشبه الناس بأبي آدم، وكان أبي خليل الرحمن أشبه الناس به خلقًا وخلقًا) وقال بعضهم: كان أقنى العرنين، له نور يعلوه بجبينه، من لم يتأمله أثم، وكان كفه كأنه كف عطار مس طيبًا، أو لم يمسه بمصافحة المصافح فيظل يوم يجد ريحها أو يضعها على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان من ريحها على رأسه وكان بين القوم إذا سارع إلى خير أو مشى إليه، ويسوقهم إذا لم يسارع إلى شيء. وكان واسع الظهر، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو مما يلي منكبه الأيمن، فيه شامة سوداء تضرب إلى الصفرة، حولها شعرات متواليات، كأنها من عرق فرس. ومنهم من قال: كانت شامة النبوة بأسفل كتفه خضراء منحفوة في اللحم قليلًا، وكان إذا طلع جبينه من بين السفر أو عند طفل الليل، أو طلع بوجهه على الناس، رأو جبينه كأنه ضوء السراج المتوقد تلألأ.
تفسير ما عسى يشكل من ألفاظ هذه الأخبار:
قوله: فخمًا مفخمًا، أي ممتلئ الوجه جميلًا مهيبًا. والمربوع: بين الطويل والقصير. والمشذب: المفرط في الطول. رجل الشعر: أي ليس بالسبط الذي لا يكثر فيه. والقطط: الشديد الجعوده. والعقيصة: الشعر المعقوص، وهو نحو من المظفور. والرجع في الحاجب: أي يكون فيه تقوس مع طول في أطرافها، وهو السبوع. والقرن: اتصال الحاجبين، فإذا كانت بينهما فرجة فذاك البلح، والعرب تستحبه بينهما عرق يدره القصب، أقنى الأنف أي علوه، والقنا في الأنف: أي يكون مستويًا لا تعوج في نصبته. والشمم: الارتفاع. وقوله: كث اللحية، أي كثيفة من غير عظم ولا طول. ضليع الفم: يعني حد الشفتين. الأشنب: الذي في لسانه دقة وتجرد. والفلج: مفرق الأسنان. والمسربة: الشعر الذي من اللبة إلى السرة. جيد دمية. الجيد العنق، والدمية. الصورة. ضخم الكراديس.
[ ٢ / ٦٧ ]
قيل عظم الألواح. وقيل رؤوس العظام والزندان العظيمان اللذان في الساعدين، المتصلان بالكفين. سبط العصب. أي ممتد، كل عظم فيه مخ، كالسلقين والعضدين والفراعين. شتن الكفين والقدمين. أي فيها بعض الغلظ. والأخمص من القدم. ما بين صدرها وعقبها وهو الذي يلصق بالأرض في الوطئ. وقوله خمصات الأخمص. يعني دقيق بطن القدمين فيه تجاف عن الأرض. فسيح القدمين. متساويان، ليس في ظهورها تكسر، فالماء ينبو عنهما كذلك إذا خطا بها أي تمايل. وذريع المشية واسع الخطى، كأنما ينحط في صبب، أي مقبل على ما بين يديه. لا يرفع بصره إلى السماء. وكذلك يكون المنحط قد فسره، فقال: خافض البصر. نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء. قوله: إذا التفت التفت جميعًا. يريد لا يلوي عنقه دون جسده، فعل أهل الخفة والطيش. والدمث: اللين السهل. وقوله: اعرض وأشاح، يعني جد وبالغ يغتر عن مثل حب الغمام: أي يكسر ضاحكًا من غير قهقهة. وحب الغمام: البرد. يدخلون رواد: أي طالبين واحدهم رائد. ويخرجون أدلة. قيل الخبر. فكان المعنى: يدخلون متعلمين ويخرجون أئمة بكل حال عنده عباد: أي شيء أعده له. لا يوطن الأماكن: أي لا يجعل شيئًا منها، وطيئًا لنفسه بل يجلس حيث تيسر له الجلوس فيه. وقوله: لا تؤثر فيه الحرم. أي لا توصف فيه النساء إلا بشيء قليل أي لا يتحدث بالسقطات. والأمهر: الأبيض الذي يضرب بياضه إلى الشهية. والأزهر: الأبيض الناصع البياض الذي لا تشوبه حمرة ولا صفرة. قال صاحب هذا التفسير: فأما ما روى أنه كان أبيض مشرب حمرة، فإنما أريد به واضحًا منها الشمس والرياح، وما عدا ذلك فإنما كان أزهر، والذي تدل الأخبار عليه أنه لم يبعث بالأزهر لنصوع بياضه، لكن لإشراقه، كما قيل للزهرة التي هي أحد الكواكب السبغة زهرة لأنه ليس في أمثالها أشد إشراقًا منها في مناظر الناس. وقد كتبنا في جملة صفاته أن جبينه كان يكون كالسراج المتوقد وأنه على أنفه نور يعلوه فيحسبه لذلك متى يتأمله أشم، فإنما قيل له أزهر عن هذا الوجه والله أعلم.
وكانت عيناه نجلاوين، والنجلاء: الواسعة الحسنة. والدعج: شدة سواد الحدقة. وجاء أنه كان في عينيه تموج من حمرة، وأهدب الأشقار: كثيرها وطويلها. سهل الخدين صلتهما: أي أسيل مسنون. أي لا يفوق بعض لحمه لحمًا. وليس بالطويل الوجه ولا المكلثم
[ ٢ / ٦٨ ]
أو كانت لبكاء بارزتين. أي ما حول العنفقة من جانبيها، لم يكن فيه شعر، بل كان في بياض اللؤلؤة. كان عريض الصدر ممسوحه كالمرايا في شدتها واستوائها لا يعدو بعض لحمه بعضًا. وكان قليل الكند وهو مجتمع الكتفين والظهر. ومن قال: كان طويه مسربه الظهر، أراد بها القضاء، والذي في الظهر من أوله إلى آخره.
وفي حديث الهجرة. خرج رسول الله ﷺ، ليله هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة ومولى أبي بكر ودليلهم عبد الله بن أريقط. فمروا بخيمتي أم معبد الخزاعية، فسألوا تمرًا أو لحمًا ليشتروه، فقالت: لو كان لم نعوزكم القرى. فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر خيمتها فقال: (هذه الشاة يا أم معبد. فقالت: شاة خلفهما الجهد عن الغنم. فقال هل بها لبن؟ فقالت: هي أجهد من ذلك؟ قال: أتأذنين أن أحلبها؟ قالت نعم. بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا فاحلبها. فدعا رسول الله ﷺ بالشاة، فمسح ضرعها، وذكر اسم الله وقال: اللهم بارك لها في شاتها. فتفاحت وأدرت وأحبرت، فدعا بإناء لها بربص الرهط، فحلب فيها نجاء فسقاها حتى رويت، ثم سقى أصحابه فشربوا حتى رووا وشرب آخرهم، وقال بباقي القوم آخرهم شربًا فشربوا جميعًا، ثم قعد نهل حتى أراضوا، ثم حلب فيه ثانيًا، فغادره عذبًا، ثم ارتحلوا عنها فقفل. ما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا حبلًا عجافًا، شاؤك هزلى فيجهر قليل، لا بقي لهن. فلما رأى اللبن عجب وقال: من أين لكم هذا والشاة عازبه، ولا حلوب في البيت. فقالت: والله ألا أخه مر بنا رجل مبارك وكان من حديثه كيت وكيت. قال إني والله لأراه صاحب قريش الذي يطلب. صفيه لي يا أم معبد؟ قالت رأيت رجلًا ظاهر الوضأة ملح الوجه حسن الخلق، لم تعيه نحله ولم ير بربه صلعه وسيم قسيم في عينيه دعج وفي أشفاره وطف، وفي صوته ضحل، أحور أكحل أزج أقرن، رجل شديد سواد الشعر، في عنقه سطح، وفي لحيته كثافة، إذا صمت يعلوه الوقار وإذا تكلم سماه البهاء، كان منطقه جهرات نظم يتجرون، جلو المنطق، فصل لا نزر ولا هدر، أجهد الناس وأجملهم من بعيد وأجلاهم وأحسنهم من قريب. ربعة لا تساوه عين من طول، ولا يفتحه من قصر غصن من غصنين، فهو من أنصر الثلاثة منظرًا وأحسنهم قدرًا له رفقا يحفون به. إن قال اجتمعوا لقوله: وإن أمر تبادروا إلى أمره، ولو كب وافقته لالتمست أن أصحبه ولا فعلته إن وجدت سبيلًا إلى ذلك.
[ ٢ / ٦٩ ]
التفسير. كسر الجمجمة: مؤخرها. ففاحت: فزحت بدخلها مجي. يعني سبيلًا. أراضوا: شربوا من لبن مصبوب فوق لبن يشارك بشين. مسينا: ضعيفا. والحل: جمع حائل خلاف الحامل. الوجأة: الجمال المشلح. المين. التحلة. عظيم البطن. الصلعة: بصغر الرأس. الوسيم: القسيم، الجميل. الدعج: سواد الحدقة. الوطف: طويل الأشعار. الصهل: يشبه القبح لا الشديد لكن قدر ما استحسن. السطع: الطول. الازح: المنقوش الحاجبين. والاقرن: الملتقي حاجباه ولم يسمع ذلك في صفة الرسول إلا في هذا الحديث. الهذر: الكثير. ولا يقتحمه عزيز قصير: أي لا تزدريه قلبه، ولكن يفعله المحقود المجذوم والمحسود المحفوف. حشده أصحابه: أطافوا به.
ذكر ما تدل عليه الصفات التي تقدم ذكرها من الأخلاق والشمائل عند أهل الفراسة:
روى عن عبد الله بن سلام أنه لما قدم رسول الله ﷺ وكنت فيمن جاء، فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وقد قال بعض الصالحين:
لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تنبيك بالخير
أما اللون: فقد قيل أنه كان أبيض وقيل أزهر، وقيل أبيض مشرب حمرة. وقالوا: البياض الناصع يدل على سكون الطبع، وهذا موافق لما وصف الله به رسوله ﵇ من اللين والدمائة في قوله:﴾ فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴿.
قالوا: البياض المشرب حمرة، يدل على اعتدال المزاج، ومعلوم أن المزاج إذا اعتدل لم يكن الخلق منه إلا حسنًا كريمًا. وقد قلنا أن الأزهر هو المشرق، والإشراق لا يكون من شيء يذهب البياض. ألا ترى أن الفجر يطلع أول ما يطلع أبيض، فإذا أذنت الشمس من الطلوع أشرق. فيقرب إذا معنى الأزهر من معنى الأبيض المشرب حمرة. إلا أن الإشراق الزائد على أن المعهود كان له ﵇ من أعلام النبوة.
[ ٢ / ٧٠ ]
وقالوا من علامات الفهم الدقيقة الطبع أن يكون بين الأبيض والأحمر، ويكون للونه رونق وبرق.
وأما القامة. فقد قالوا أن الاعتدال فيها أن يكون بين الطول والقصر هو من علامات الفهم الرقيق الطبع. وقالوا: أن العين إذا كانت متشربة من السهلة ما يكسر سوادها، كانت أبهر العيون وأقربها من الذكاء والوفاء وحسن الأمانة. وهذه صفة عين المصطفي ﷺ لأنا روينا أنه كان يمازج الدعج منه خمرة. وقالوا إذا ضيقت العين وحسن ناظرها، ولم يكن رحبًا ولا ضيقًا، فإن ذلك دليل على عقل وصلاح.
وأما الشعر. فإنهم قالوا إذا كان بين السبط والجعد، دل ذلك على الفهم ودقة الطبع. وكذلك ميل الجبهة إلى السعة دليل الفهم والعلم. كما أن مثيلها إلى الضيق دليل على سوء الفهم وقلة العلم. وأما الأنف فإنهم قالوا ارتفاع القصبة واستواء الأنف بالجبهة دليل على الفهم وحسن العقل. وهكذا كان أنفه ﷺ أقنى الأنف، إلا أنه كان عليه نور يحسبه لأجله من لم يتأمله أشم.
وأما الحاجبان. فإنه يقال فيهما أن القرن دليل على ضيق الخلق، وأن البلج دليل على سعة الخلق، والأخبار كلها سوى خبر أم معبد - ناطقة بأن المصطفي ﷺ كان أبلج، ويجوز أن يكون البلج يخفى عن الناظر من بعد ولا يدركه، لاسيما أن كان يسيرًا، أو من القرن قريبًا، وأكثر صفاته ﷺ أنه مائل إلى الاعتدال كشعره وقامته. فلعل حاجبيه كانا بين القرن والبلج. وقالوا: من كان واسع الفم، فهو فم شجاع، وقالوا: اعتدال الفم دليل على الفهم والعقل والحياء، وجاء أن النبي ﷺ كان ضلع الفم، فإذا كان الضلع الكبير فهو الواسع الذي هو القول عليه. وإذا كان الضليع التام ليس إلى العظيم أقرب منه إلى الصغير، فهو الذي حكينا قولهم فيه، وقد فسرنا هذا اللفظ بالمعنيين جميعًا.
وأما الرأس. فقد قالوا أن أعظم الرأس واستواءه ما لم يفرط دليل على ارتفاع الهمة وحسن الفهم.
[ ٢ / ٧١ ]
وأما الصدر والأكتاف، فإنهم قالوا: استواء الصدر واتساع جوفه يدل على حسن العقل وكثرة العلم. وأما ضخامة الكراديس وهي ضخامة عظم المنكبين والمرفقين والركبتين والكتف فإنهم قالوا: عن ذلك دليل الشدة والقوة.
وأما طول اليدين. فإنهم قالوا أنه يدل على حسن السيرة وقلة السوء وملء النفس وعظم الهمة. وقالوا: طول العضد يدل على بعد الهمة. وقالوا: كثرة لحم العضد والساعد يدل على سوء الحفظ وبطئ التعلم.
والنبي ﷺ يجل عن كل وصف مسترذل ما كان، فلا يحل ذكره به ولا إطلاق عليه. فإن ذهب وهم وأهم إلى تحقيق هاتين الصفتين له ﵇ لما خاطبه الله تعالى من قوله:﴾ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه، وقل رب زدني علمًا ﴿وقوله:﴾ لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه ﴿قلنا إن كان لضنه بالقرآن وإشفاقه عليه من أن ينساه يتلقى الوحي باستعجال، فيحرك به لسانه ويعيده قبل أن ينقضي على نفسه، فآمنه الله تعالى مما كان يخافه، ونهاه عن العجلة، وأمره أن يدعوه، فيقول:﴾ رب زدني علمًا ﴿فلا يقول: أنه كان يسيء الحفظ ويبطئ التعلم. والذين قالوا هذا لم يعنوا به نبينا، وإنما قالوا ذلك على الجملة.
وجاء في الحديث استواء البطن والصدر مع انتصاب القامة وقوة المفاصل والأصابع علامات الشجاعة. وقالوا أيضًا: لطافة البطن تدل على جودة العقل. وقالوا: استواء الظهر من أعلام الخير والصلاح. وقالوا إذا رأيت الرجل مستوى القامة مشربًا حمرة. رجل الشعر عتل الالواح، ضعيف شعر الجسد العقبين وسعها سبط رحب الصدر، حسن الجبهة، ليس باللحم ولا الضعيف، في عينه شهلة خفيفة مشفر الوجه تبين فيه البشر فلا شك في عقله وفهمه أنه من أهل الحكمة والصلاح. وهذا الذي أجمله هذا القائل قد سبق ذكره مفصلًا فيما بعث به النبي ﷺ، لأنا ذكرنا في اللواء واستواء القامة، وصفة الشعر، وضخامة الألواح، وأنه كان موصول ما بين اللبة والسرة شعر كالخط وكان عادي الثديين
[ ٢ / ٧٢ ]
والبطن، والفه شثن الكفين والقدمين، XXX الاخمصين، وفي هذا تخصيص العقبين بالكبر والقوة. وأنه كان سبط العصب وهو كل عظم فيه مخ، وأنه كان عريض الصدر أجلس الجبين، وأنه كان في سواد عينيه مزاج من حمرة، وذلك هو الشهلة. وفي بعض الأخبار أنه كان أسعر العينين، فيقال: السحرة أن يكون سواد العين مشربا بحمرة وأنه كان وضيء الوجه وهذه هي الصفات التي ذكر للقائل أنها صفة الصلاح والعقل والحكمة وبالله التوفيق.
وأما الشامة التي رويت أنها شامة النبوة، فقد يحتمل أنها كانت شامة لم تعهد في بدن أحد غير نبي، وإنما كان مثلها فيما خلا لنبي. وقد تكلموا في الشامات وقالوا: من كانت على ظهره شامة سوداء فإنه يكون كثير العناء ويلقى الشدة. وقالوا: إن كان عليها شعر نابت أصاب أهل بيته منه مكروه، ولا يطول عمره، ويكون موته من قبل السموم، فهذا الحكم حكموه به في الجملة وقد كان رسول الله ﷺ. كثير العناء ولاقى من الشدائد ما لا يخفى وأصاب بني هاشم لأجله من جفاء مشركي قريش ما قد عرف، وقتل من قتل من قراباته في دفعهم عنه، وذلك كله في العاجل مكروه لقضية الطبع والحيلة، وإن كان الله تعالى يأمرهم عليه. قال ﷿:﴾ كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم ﴿فإذا القتال مكروهًا لهم فلا يكون نفسه مكروهًا.
وأما الموت فمن قبل السم، فقد روى أن رسول الله ﷺ قال: (ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع ابهري) وهذا ما وجدنا من قبل المتقدمين في صفات رسول الله ﷺ. وقد قال الله ﵎ لنبيه ﷺ:﴾ وإنك لعلى خلق عظيم ﴿أي عظيم القدر، لا يكون مثله إلا للأنبياء. والأغلب أن الخلق توصف بالكريم دون
[ ٢ / ٧٣ ]
العظيم، لكن الوصف بالكريم يراد به الثناء على صاحبه بالسماحة والديانة. ولم يكن خلق رسول الله ﷺ مقصورًا على هذا، بل كان رحيمًا بالمؤمنين، رفيقًا بأولياء الله أجمعين، غليظًا على الكافرين شديدًا على المخالفين. لا يغضب لنفسه ولكن يغضب لربه أشد الغضب حتى ينتقم له. وكان مهيبًا في صدور الأعداء منصورًا بالرعب ينهزم العدو منه مسيرة شهر فرقا منه. فلم يكن من حقه أن يقتصر في وصف خلقه على الكريم بل كان الوصف العظيم أولى به ليدخل فيه الأنعام والانتقام معا، والغلظ والشدة جميعا، ويعلم أنه لم يكن يتصرف راجي خير منه بيأس ولا يسلم له عدو من بأس.
وقال سعد بن هشام: قلت لعائشة ﵂، أخبريني عن خلق رسول الله ﷺ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت بلى. قالت: أنه كان خلق رسول الله ﷺ.
قال بعض العلماء: المعنى شاهدًا أن خلقه كان ما أمر الله تعالى في القرآن من الاجتهاد في طاعته والخضوع له والانقياد لأمره والتشدد على أعدائه، والتواضع لأوليائه ومواساة عباده، وإرادة الخير لهم والحرص على نجاتهم، الاحتمال لأذاهم والقيام على مصالحهم وإرشادهم إلى ما يجمع خير الدارين لهم، والحلم على جهالهم وخفض الجناح لهم، والتعفف عن أموالهم. لم يتغير في حال من الأحوال، ولا زمن من الأزمان عن ذلك، ولم يؤخذ خلق محمود إلا وهو أول الناس حظا منه، ولا خلق مذموم إلا وهو وهو أبعد الناس عنه.
وفي بعض الروايات أن عائشة ﵂ لما قالت: كان خلقه القرآن. قرأت العشر الآيات من أول سورة المؤمن إن كان خلقه على ما ذكر في هذه السورة. وأبين من هذا أنه إذا حيل بيان خلقه على القرآن أن يقال: كان في خلافه وما جمله الله بقوله:﴾ خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين، وأما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ﴿. وقوله:﴾ ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ﴿وقوله تعالى:﴾ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ﴿وما يشبه هذه الآية ويلتحق بها من
[ ٢ / ٧٤ ]
معانيها. ومن رغب في الزيادة على ما أوردت في هذا الفصل من حال الرسول المصطفى ﷺ في حسن خلقه وخلقه، فلينظر فيما ألف من شمائله وفضائله ليصل بها إلى أقصى غرضه إن شاء الله.
وأما حدبه على أمته ﷺ ورأفته بهم فإن الله تعالى يبين بقوله:﴾ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ﴿. وجاء عنه ﷺ أنه قال: (لم يكن لنبي إلا كانت له دعوة مستجابة، وإني خبأت دعوتي شفاعة).
وعنه ﷺ. (أنه ضحى بكبشين فقال في أولهما: اللهم عن محمد وآل محمد. وقال في آخرهما: اللهم عن محمد، ومن لم يضح من أمة محمد). وهذا أبلغ ما يكون من البر الشفقة.
وعنه ﷺ أنه قال: (لولا أن أشق على أمتي لأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل، ولأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). وأنه امتنع من الخروج في الليلة الثالثة من شهر رمضان لما كثر الناس وقال: (خفت أن حرص عليكم فلا ترعوا الحق برعايته، فيصيروا في استحباب الذم أسوة من قبلكم) وهذا كله رأفة ورحمة ﷺ، وجزاه عنا أفضل جزاء، رسولًا نبيًا عن أمته، وسمى الله تعالى نبينا في كتابه﴾ سراجًا منيرًا ﴿وذلك على معنى. أخرج الناس به من ظلمات الكفر والطغيان إلى نور الهدى والبنيان كما قال ﷿:﴾ كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ﴿. وقال:﴾ وأذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾.
[ ٢ / ٧٥ ]
وقد علم تعالى أنه إنما فعل ذلك كله وغيره على لسان النبي ﷺ ومما وقفه له من البلاغ وحبه وحث الناس على إتباعه وزجرهم عن مخالفته ومقاصاته الشدائد في نظم العرب عما كانوا ألفوه في الجاهلية الجهلاء عن سفك الدماء وقطع الأرحام وسلب الأعراض ونهب الأموال. وحملهم على شريعة أيسر الشرائع كلفًا، وأخفها محملًا، وأبعدها من الأصفاد والأغلال. التي هي على من تقدمهم من غير أن يسألهم على أمر من أمورهم في حال اجرًا، أو ألزمهم لنفسه مؤونة. إنما قطع الله تعالى له من مال المشركين ما قطع، ومنعه من مال المسلمين ما صنع، لئلا تكون يده ولا نفسه الشريفة محمل منه، ولا موضع ظهره.
فإذا تأمل العاقل مواقع الخيرات التي ساقها الله تعالى إلى عباده بالنبي ﷺ في الدنيا، وما هو سائقة إليهم بفضله من شفاعته لهم في الآخرة علم أنه لا حق بعد حقوق الله تعالى أوجب نم حق النبي ﷺ أنه ألزم لكل أحد من أمته من حق أبويه لم يكونا إلا سبب كونه ووجوده. والنبي ﷺ كان سبب انتفاعه بنفسه وحياته وعقله وسمعه وبصره وجميع أعضائه وجوارحه، والزمان الذي يحويه، ألا ترى أن الذين لم يرزقوا شرف الإيمان به، كيف دعوا صمًا بكمًا عميًا، وقال:﴾ إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا ﴿وسبب سلامة روحه وبدنه وأهله وولده وماله. فإن الناس عند استيلاء الكفر عليهم، كانوا متمازجين تمازج السباع وقوامها عن عزيز، ومن فكر بتلك لا آمن لأحد منهم على نفس ولا عرض ولا مال ولا ولد ولا أهل.
فلما رزقوا الإسلام بمجيء الرسول ﷺ ودخلوا في طاعته، نالوا الأمن ووجدوا رفاهية العيش ولذة الحياة، وسلم لكل أحد زوجه وبدنه وعرضه وماله، مما أرسله الله تعالى به نم الأمر والنهي. وشرع على لسانه من الحدود الرادعة عن الظلم والعدوان، المانعة من الفسوق والعصيان، فكانت همته ﷻ عليهم بمكانه أعظم من نعمة الوالدين اللذين لم يكونا إلا سبب الوجود، ولئن علما وأذنا وراضًا ونصرا، فبأمره ﷺ وبحب شريعته ومنهاجه، ولهذا جعل الله منزلته من أمته فوق منزلة الوالد. فقال النبي ﷺ:
[ ٢ / ٧٦ ]
(أولى بالمؤمنين من أنفسهم) وجعل أزواجه كالأمهات لهم. وكانت بركاته على أمته أعظم من بركة رجل يأتي إلى قوم في فلاة سبعة لا يؤمن شرها ولا يهتدي إلى الخروج منها، فيرشدهم إلى طريق ويعرفهم وجوه الاحتراز من تلك السباع، ويقوم عليهم أحسن القيام حتى يأمنوا ويخرجوا منها سالمين.
ومعلوم أن من كان يمثل هذه المعونة لم ير أن حقه يقضي، وإن تنكره يؤذي، فالنبي ﷺ إنما أرسل الناس إلى ما يسلمون به في الدنيا من غوائل الشيطان وشرور أنفسهم الأمارة بالسوء في الآخرة من الخلود في النيران، فإن كان حب من يوالي ويحب يتبع مواضيع فضله ومواقع نفعه، فلا أحد ينظر النظر الذي وصفنا إلا ويحب النبي ﷺ، أكثر من حبه لنفسه وأبيه وأمه، ويعلم أن تلك وإن بالغ فيه دون حقه وبالله التوفيق.
وأما بيانه وفصاحته فأشهر وأظهر من أن نحتاج إلى وصفه، ولو لم يكن على ذلك دلالة سوى أن الله تعالى نصبه منصب البيان لكتابه فقال:﴾ وأنزلنا إليك الذكر ﴿ليبين للناس كتابه والكشف عن معاني خطابه.
وقد جاء عنه ﷺ أنه سئل عن سحائب مرت أحقًا أم وميضًا أم يستق سقاء. فقالوا: اسق سقاء. فقال رسول الله ﷺ: (جاء الحياء، وإن القوم قالوا: ما أفصحك يا رسول الله. قال: حق لي، وإنما أنزل القرآن بلساني).
ويحتمل أن يكون هذا إشارة إلى ما جاء إن القرآن نزل بلغة قريش، إني كنت قرشيًا، ولغة قريش أفصح اللغات وكذلك نزل القرآن بها فحق إلى أن أكون فصيحًا وإذا تتبع ما في كتبه ومحاوراته من الألفاظ الجزلة، وجدت كثيرة، فمنها كتابه لوائل ابن حجر الخضرمي:
(من محمد رسول الله إلى الاقبال العياهلة من أهل حضرموت باقام الصلاة وإيتاء الزكاة
[ ٢ / ٧٧ ]
لما بالتبعوه شاة والنتمة لصاحبها، وفي السبوب الخس لا خلاط ولا وراط ولا ساق ولا شفار ومن اجتبى فقد أوتى وكل مسكر حرام) فالاقيال الملوك دون الملك الأعظم، والعباهلة المجلون، والتبعوه الأربعون من الغنم، والنتمة الشاة التي تقتن في البيت فتعلف والسبوب جمع السبب وهو العطية، والمراد به في هذا الموضع الزكاة وقوله: (لا خلاط ولا وارط) لقوله: (لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع). والوراط الخديعة والفتن. وقوله: (لا يعارض رب المال في السيق) وهو ما بين الفريضتين. والشغار لا يزوج بنته أو أخته الرجل على أن يزوجه الآخر بنته أو أخته، على أن كل واحد منهما صداق الآخر. ومن اجتبى فقد أوتي الأضابيع الحرب قبل أن يبدوا إصلاحه.
وله من الكتب الفصيحة ما هو موجود عند الفقهاء والكتاب، فمن أراد أن يزداد علمًا بفصاحة نبيه ﷺ وبلاغته فلينظر فيها، ولسائلها نقول أوتيت جوامع الكلم، واختصر إلى اختصارًا فيقال: أن من جوامع الكلم قوله ﷺ الذي سأله ما يدعو به (سل ربك اليقين والعافية) وذلك أنه ليس شيء مما يعمل للآخرة يتقبل إلا باليقين، وليس شيء من أمر الدنيا يهيأ صاحبة الأمر، والصحة وفراغ القلب) جمع أمر الآخرة كلها في كلمة، وجمع أمر الدنيا كله في كلمة أخرى، ومما يدل في حسن الجوامع وجادة الكلام، جوابه عن كتاب مسليمة إليه إذ كتب:
أما بعد فإني أشركت في الأمر معك، فلي نصف الأرض ولك نصفها ولكن قريشًا يعتدون. فكتب إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
ومن جوامع كلامه. (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، ولا يقتل مؤمن كافر، ولا ذو عهد في عهده).
[ ٢ / ٧٨ ]
فإن كان فصل من فصول هذا الحديث إذا بسط اقتضى كلامًا وشرحًا طويلًا، ومن أراد استيفاء هذا الباب، فلينظر في الكتاب المعروف بجوامع الكلم المفرد لهذه الأخبار إن شاء الله.
وأما زهده وصبره على شدائد الدنيا، فإن الله تعالى اختار ذلك له ووصاه به فقال:﴾ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ﴿. فروى عنه ﷺ: أن عمر بن الخطاب دخل عليه وفي البيت أهاب معلقة وقرظ رسول الله ﷺ نائم على حصير قد أثر في جنبه فوجد ريح الاهاب. فقال: يا رسول الله، ما هذه الريح؟ قال. (يا ابن الخطاب، هذه متاع الحي، فلما جلس رسول الله ﷺ كان الحصير أثر في جنبه فقال عمر ﵁. أما أنا فأشهد أنك رسول الله، وإنك أكرم على الله من كسرى وقيصر، وهما فيما هما فيه من الدنيا، وأنت على حصير قد أثر في جنبك! فقال رسول الله ﷺ. أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال. بلى. قال. (لنا الدنيا ولنا الآخرة). وخيره الله تعالى بين أن يكون عبدًا نبيًا وبين أن يكون ملكًا نبيًا فاختار أن يكون عبدًا نبيًا. وروى أنه ﷺ كان يقول. (اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين) كان ذلك تواضعًا وتذللًا لله ﷿، وإشفاقًا على نفسه من الطغيان والاشتغال بالمال من عبادة الرحمن. وكان فراشة الذي قبض عليه محشوًا من وبر الإبل، طوله ذراعان أو نحوهما، وعرضه ذراع وشبر أو نحوه وكان له فراش من أدم، حشوه ليف، ووسادة حشوها ليف. وجاء أنه ما شبع آل محمد ﷺ من خبز البر مذ قدموا المدينة ثلاثة أيام تباعًا حتى قبضه الله ﷿. ولما أفاء الله تعالى عليه القرى القريبة كان يحبس من غلاتها لعياله قوت سنة ويصرف ما فضل إلى الكراع والسلاح عدة في سبيل الله والأخبار في هذا الباب كثيرة وهي موجودة فيما جمعه الناس في الزهد والوقوف عليها ممكن.
[ ٢ / ٧٩ ]
وأما براءته ﷺ في النبوة، فمنها أنه كان رسول الثقلين. وأما الأنس فإن الله ﷿ قال:﴾ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا ﴿"وأمره أن يقول﴾ وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ﴿. وأما الجن فإن الله تعالى يقول له.﴾ وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن، فلما حضروه قالوا. انصتوا، فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين، قالوا: يا قومنا إنا سمعنا كتابًا أنزل من بعد موسى مصدقًا لما بين يديه، يهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم، يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ﴿.
وقال:﴾ قل أوحي إلى أنه اجتمع نفر من الجن فقالوا: إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا ﴿فبان بقولهم، يا قومنا أجيبوا داعي الله أنهم عرفوا أنه مبعوث إليهم وسمعوا دعوته إياهم، والذين لم يحضروه من جملتهم، فلذلك قالوا: يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به. فقالوا: آمنا به.
فإن قيل: ما أنكرتم أنه كان مبعوثًا إلى العرب وحدهم، لقول الله ﷿:﴾ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ﴿فلما كان عربي اللسان، علمنا أن قومه كانوا من العرب، وذلك لا يمنع أن يكون مبعوثًا إلى غيرهم فيؤدي إليهم على لسان نبيه، ويأمرهم أن يبلغ نم وراءه.
ألا ترى أن موسى وعيسي ﵉ بعثا إلى بني إسرائيل، فلو كان من جملتهم جماعة ولدا بين ظهران العرب، وكان لسانهم لسان العرب دون العبرية والسورية لكان رسولًا إليهم. ألا ترى أن عيسى صلوات الله عليه كان رسولًا إلى الروم، والروم لم يكونوا يعرفون السورية، وعيسى ﵇ لم يكن يعرف اليونانية، وغير هذا من اللغات بالروم، والإنجيل لم يكن نزل بجميع اللغات ولا التوراة بالعبرية، والإنجيل بالسورية، وقد أوجبتم أن يكون الروم محجوجين بهما، ولسانهم غير هذين اللسانين. فإن كل واحد من موسى وعيسى مرسل إلى الروم. فلا ينكر أن يكون نبينا ﷺ مبعوثًا إلى بني إسرائيل وغيرهم
[ ٢ / ٨٠ ]
من أصناف الناس، وإن كان عربيًا ولا يعرف لسانه إلا العرب، وإن القوم الذين بعث فيهم النبي إذ كانوا يعرفون لسانه كان في ذلك كفاية، فإن جهل غيرهم لسانه لم يخلوا من أن يكون فيهم واحدًا وأكثر على لسان غير العرب، لأن الناس لن يزالوا متخالطين وإن تنأى ديارهم ولا يحد بعضهم من بعض بل أنهم يتلاقون ويتخالطون وإن حالت بينهم البوادي والبحار، ولا سبيل مع التخالط إلى قضي ما في نفوس من الأوطار إلا التخاطب، ولا معنى للتخاطب من غير التفاهم، فكان اغوار من يؤدي إلى الأعاجم من العرب ممتنعًا بعيدًا، ولاسيما إذا كانت الدعوة إنما يقصد بها الملوك، ثم يكون غيرهم تبعًا لهم وما من ملك إلا وقد أعد فيما أعد لنفسه من يترجم له وعنه، ما لا يفهمه من لسان غيره عنه من لسانه. وفي ذلك ما لا يدفع الاستحالة عن عموم دعوة النبي ﵇ الناس كلهم من حيث إن ما عدا العرب لا يفهمون عنه، إذ قد ثبت أن اتهامهم كان ممكنًا من الوجهين اللذين ذكرناهما، وبين أن الاستحالة إنما هي في جهل الرهط الذي يختصون بالشيء ويكون بعينه فيهم بلسانه في جهل من عداهم الذين جعلوا إتباعا وبالله التوفيق.
وأيضًا فإن الذين علمهم الله تعالى من الأولين الطب والحساب وعلم الهيئة، ولم يعلمهم ذلك ليختصوا به ويستأثروا بإدراكه دون غيرهم من عباد الله تعالى، وإنما علمهم لينتفعوا به وينفع من يحتاج إليه من الناس. ومعلوم أن أكثر الناس لم يكونوا يعرفون لغاتهم ومع ذلك تأدى ما كان عندهم إليه فعرفوه، وشملت حكم الله ونظره العباد كلهم بما علمه بعضهم من العلوم التي ذكرناها، فلا ينكر لذلك أن تشملهم رحمته وبصرهم بالمصطفي ﷺ فيكون رسولًا إليهم وينادي بما أرسل عنه إلى قومه، وإلى الذين لا علم لهم بلسانه كما فادت العلوم التي ذكرنا عن الذين علموا بها إلى غيرهم الذين لم يكونوا يعرفون لسانهم والله أعلم.
وقال قائل: إن كان الأمر على ما وصفتم، أفكان نبيكم رسولًا إلى يأجوج ومأجوج قبل كان التبليغ، أو كان رسولًا إلى إبليس ليبلغه؟
قيل له: إنه كان لا يقوم لدعي خصومه برسالته حجة أبدًا، وذلك لأنه اعترف بأنه كان رسولًا إلى الرعب، لزمه أن يبرئه وينزهه عن الكذب فإن الكذاب لا يكون نبيًا. وإذا لزمه ذلك وقد ثبت أنه ﷺ كتب إلى النجاشي وإلى هرقل وإلى كسرى يدعوهم
[ ٢ / ٨١ ]
إلى الإسلام لم يمكنه أن يقول: أنه يعرض لدعوتهم من غير أن يكون رسولًا إليهم، وادعى أنه مرسل إليهم من غير أن يكون كذلك بالحقيقة لم يلزمه أن يصدقه. فإنه إن أجاز عليه الكذب انتقض إثباته أن يكون رسولًا إلى العرب وإذا أثبت رسالته إلى العرب لزمه تصديقه على عامة ما يخبر به عن الله تعالى. وإذا قال (إني رسول الله إلى الناس كلهم وإلى الجن معهم) لزم تصديقه وبالله التوفيق.
وأما تبليغ إبليس فإنه إن كان بعث قد بلغه، وإن كان لم يلقه فإنما بلغ الجن الذين لقيهم على شرط أن يبلغ شاهدهم غائبهم، كما كان كذلك يبلغ من يحضره من الناس ويقول: (ألا فليبلغ الشاهد الغائب) فأي وقت بلغت يأجوج ومأجوج فيه دعوته، فقد صاروا مبلغين.
وقد أخبر الله تعالى أن السد الذي بيننا وبينهم سدل يومًا، ووردت الأخبار بأنهم يخرجون، فإذا خرجوا وراء المسلمين، وحاط بهم إمامهم يومئذ أو سلطانهم وعرفهم أن الغيث الذي هم فيه حرام لا يرض به الله تعالى، فقد بلغتهم الدعوة. ومن أنكر ما قلنا وزعم أن محمدًا ﷺ رسول على العرب خاصة، لم يمتنع أن يكون رسولًا إلى الموجودين، كانوا يومئذ، وإلى من يوجد من أولادهم، وأولاد أودلاهم، معلوم أنه لم يكن له إلى التبليغ إلى الأصحاب قبل أن يكونوا سبيل. ولكن دعوته إذا بلغتهم عند وجودهم صار في ذلك الوقت مبلغًا بتبليغ غيره عنه بإرشاده وتعليمه، فكذلك هذا في يأجوج ومأجوج وبالله التوفيق.
وأما أنه ﷺ خاتم النبيين. فإن الله تعالى يقول:﴾ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ﴿كان خاتم الرسل لأن كل نبي، وإن لم يكن نبي رسولًا. وقال ﷺ لعلي ﵁. (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) وقال (بعثت أنا والساعة كهاتين) وقد تقدم تفسيره. فإن قيل: فإن
[ ٢ / ٨٢ ]
غيركم يدعي من هذا التنبيه مثل ما يدعونه لنبيكم. فإن اليهود تزعم أن موسى أخبرهم أن شريعتهم قائمة ما قامت السموات والأرضون.
قيل: إنهم إن كانوا صادقين في قولهم، فإنما أراد موسى ﵇ بما قال: التوحيد الذي أراد الله تعالى بقوله:﴾ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ﴿وإنما أراد به التوحيد، فإن الله تعالى لم يشرع خلافه ولم يرض من أخذ به وإنما شرع التوحيد وأمر به. فإن كان موسى صلوات الله عليه: يدعونه. فإنما أراد أن شريعته وهي ملته ودينه الذي هو التوحيد لا يزال هو الدين. وإن المجوسية والفرس لا يكونان دينًا أبدًا ولم يرد الشرائع التي تحتمل النسخ والتبديل، وما قال نبينا ﷺ: فإنه لا يحتمل مثل هذا التأويل، لأنه ذكر أنه لا نبي بعده، لأن شريعته تدوم. فتناول هذا التوحيد فضح أنه آخر الأنبياء كما قال وبالله التوفيق.
ويدل على أن نبينا ﷺ كان رسولًا إلى الأنس والجن، وأنه خاتم النبيين، إن الله تعالى جعل القرآن حجة له، ودلالة على نبوته، وينزل بين الجن والأنس على وصفهم على الإنسان بمثله، فدل ذلك على أن المشركين في هذا العجز مشركين في لزوم الحجة إياهم. ولا يجوز أن تكون دعوته خاصة وحجته، لأنه لو جاز أن يكون أحد من العاجزين عن الإتيان بمثل القرآن من داخل في دعوته لجاز أن يكونوا كلهم غير داخلين في دعوته، وفي هذا إبطال أن يكون العجز الذي ذكرنا حجة على أحد. وإذا كان هذا في زمانه إلى يومنا هذا هكذا، فهو إلى أن تقوم الساعة مثله لأنه لو كان بعده رسول لكانت رسالته لا تحيل وجود القرآن في قلوب الناس وفي مصاحفهم. ومعلوم أنه كان لا يكون مع القرآن إلا معجوزًا عن الإتيان بمثله، لأنه لو استطاع يومئذ أحد أن يأتي بمثله لصار قوله:﴾ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ﴿كذبًا. لأن الخلف إذا عرض فيه ظهر أنه يمكن من عند الله، ولأن الناس كلما تطاول الأيام عليهم ازدادت حظوظهم من اللسان العربي نقصانًا، وقلبه يدل على ذلك، أنهم اليوم فيه دون ما كانوا
[ ٢ / ٨٣ ]
قبل خمسين سنة، دون ما كانوا فيه بمائة سنة. فإذا جاء واحد منهم من الذين يأتون بعد. وقد غلب الجهل باللسان العربي، ونقصت بلاغتهم وفصاحتهم جمل القرآن كان ذلك دلالة على أن المتقدمين كانوا على ذلك أقدر، ولكنهم امتنعوا بسبب، أو قد جاءوا بمثله، ولكنه كتم ولم يعترف به. فإن كل واحد من هذين الدليلين يوجب أن تكون الدعوة من أصلها فاسدة لا منقطعة متناهية. وقيل: بل هو القول يدفعه عن الرجاء له إلى العرب، فلم يكن أن يجيز واحدًا من الأمرين اللذين ذكرتهما، فبان إن رسولًا لو جاء لم يجيء إلا عاجزًا ومن معه عن الإتيان بمثل القرآن. والإعجاز حجة النبي ﷺ، فلم يجز بأن تكون حجته باقية ودعوته منقطعة، إذ لو جاز هذا بعد سنين لجاز في عصره وزمانه أن يكون القرآن معجزًا عن مثله، ولا يكون له مع إثباته به دلالة على دعوته، وإذا أوجب أن تكون دعوته باقية لبقاء حجته فقد بان أنه النبي ﷺ، وإذا قال لا نبي معي أو بعدي صح أن الذي جاء مدعيًا أنه نبي مبطل في دعواه.
فإن قيل: أرأيتم لو قال من خالفكم أنه بعث بعده نبي رفع القرآن من بين الناس، فلم يكن من أحد منهم معجوز عن مثله ولا مقدور على مثله.
قيل: هذا غير جائز، لأنه لو وقع لصار الناس مضطرين إلى العلم بانتهاء دعوة القرآن وتجدد غيرها، ولا يجوز أن يكون العلم بدعوة نبي ضرورة. فصح أن رفع القرآن من الوجه الذي قاله المعترض غير ممكن والله أعلم.
وأما أن محمدًا ﷺ سيد المرسلين، فإنه روى عنه ﷺ أنه قال: (أنا سيد ولد آدم) وهذا دليل قاطع في الباب.
ووجه آخر أن شرف الرسول بالرسالة. ونبينا ﷺ خص بأشرف الرسالات أنها تستحب، تقدمها من الرسالات، لا يأتي بعدها رسالة تنسخها. وإلى هذا المعنى أشار ربنا ﷿ فيما وصف به كتابه إذ قال:﴾ وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من
[ ٢ / ٨٤ ]
بين يديه ولا من خلفه ﴿فقيل في معناه. وليس فيما تقدم به ما يكذبه ولا بعده ما يوقفه. وفي هذا ما دل على أن هذه الرسالة أفضل الرسالات، فصح أن المرسل بها أفضل الرسل.
ووجه ثالث: وهو أن أمته خير الأمم لقول الله ﷿:﴾ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴿. فدل ذلك على أن أصحابه خير الأمم.
ووجه رابع: وهو أن الله تعالى أقسم بحياته، ومعقول أن من أقسم بحياة غيره، فإنما يقسم بحياة أكرم الأحياء عليه. فلما خص الله تعالى نبينا ﵇ من بين البشر بأن أقسم بحياته فقال:﴾ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴿بأن أنه أفضلهم وأكرمهم.
فإن قيل: فقد أقسم بالتين والزيتون وطور سينين فما في هذا؟
قيل: ما من شيء أقسم به إلا وذلك دلالة على فضله على ما يدخل في عداده والله أعلم.
ووجه خامس. وهو أن الله ﵎ جمع له. بين إنزال الملك عليه وإصعاده إلى مساكن الملائكة، وبين إسماع كلامهم الملك وارائه إياه في صورته التي خلق عليها. وجمع له بين إخباره عن الجنة والنار وإطلاعه عليهما، فصار العلم واقعًا بالعالمين، ودار التكليف ودار الجزاء عيانًا. وأصل النبوة أنه الخبر والمعرفة. إما أن يكون ضرورة أو إكتسابًا، ولا شك أن درجة الضرورة فوق درجة الاكتساب. فلما أعلم الله تعالى نبينا ﷺ ما ذكرنا خبرًا، كما أعلم غير من إخوانه ﵈، زاده من علم الضرورة ما لم يؤتهم علمنا أنه أوضح في النبوة وأعلى قدمًا فيها من الذين تقدموه، وبالله التوفيق.
ووجه سادس. وهو أن من ينزل عليه الملك كرامة له إذ كان أفضل ممن لم ينزل عليه فيتجاوز مكانته إلى مقاتلة المشركين عنه حتى يظفره الله تعالى عليهم أفضل من لا يكون من الملك إلا إبلاغ الرسالة إياه، ثم الانصراف عنه، ومعلوم إن هذا لم يكن إلا لنبينا ﵇. فينبغي أن يكون لذلك أفضل الأنبياء صلوات الله عليهم.
[ ٢ / ٨٥ ]
فإن قيل: أرأيتم لو استدل مستدل على تقديم آدم صلوات الله عليه على الجماعة بمثل هذا الدليل فقال: إن الله أسجد ملائكته لآدم، ولم يسجدهم لغيره، وسجودهم أكبر من مقاتلتهم عمن قاتلوا عنه من وجهين.
أحدهما أن عامة الملائكة اشتركوا في السجود ولم يشتركوا في القتال يوم بدر.
والآخر أن السجود من الخضوع للمسجد له ما ليس في المقابلة مع المعاني بالقتال عنه، فوجب لهذا أن يكون أفضل الجماعة.
فالجواب -وبالله التوفيق- أن السجود لآدم إنما كان سجودًا لله عند خلقه لآدم تعظيمًا لله ﷿ إذ لم يخلق قبل آدم خلقًا أجمع، فإنه جمع فيه من المعاني. الخلائق السماوية والخلائق الأرضية التي كانت قبل آدم، فقال لهم قبل أن يخلقه:﴾ إني خالق بشرًا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ﴿. فكان المعنى. فقعوا عند إتمامي خلقه ساجدين، كما كان معنى قوله تعالى:﴾ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ﴿أي عنده. وقوله ﷿:﴾ اسجدوا لآدم ﴿جملة وتفسيرها ما ذكرنا من قوله: أي خالق بشرًا من طين من هذا القول أمرًا لهم في ذلك الوقت بالسجود.
والدليل على صحة ما قلت ما جاء عن النبي ﷺ. (لأن ابن آدم إذا سجد أدبر الشيطان) وقال أمر ابن آدم في السجود فأطاع فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار، ومعلوم أن ابن آدم إنما أمر بالسجود لله تعالى لا لغيره، فدل ذلك على أن السجود الذي أمر به الشيطان فلم يفعله إنما كان من جنس ما أمر به ابن آدم ففعله وهو السجود لله تعالى. وإذا كان السجود الذي أمرت به الملائكة لله جل ثناؤه لكن عند خلقه آدم إعظامًا لقدرة الله ﷿ التي أظهرها لهم بخلقه مؤلفًا من أضداد شيء من قلبه إياها بشرًا حيًا سميعًا بصيرًا عاقلًا ناطقًا. ومعلوم أن أولاد آدم إذا كانوا مشاركين له في أوصاف خلقه، وكانوا مع ذلك متفرعين عنه، لم يخلوا من مشاركته عن غرض
[ ٢ / ٨٦ ]
الملائكة الذين كان لهم في السجود لله تعالى عند خلقه، وأما قتال الملائكة مع نبينا ﷺ فإنما كان لنصرته ونصرة الدين الذي بعث به، وذلك مما لا يتعداه إلى الذين تقدموه، ومنها بجنهم. والمتأخرون عنه ليسوا مبعوثين بالدين إيمانهم، مأمورون بإتباعه، فليست منزلتهم فيه كمنزلة ولد آدم من آدم والله أعلم.
وجواب آخر وهو أن السجود من الملائكة أن كان لآدم، فقد يحتمل أن ذلك إنما كان غير حالهم على قولهم لله ﷿ ثناؤه لما قال لهم:﴾ إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴿.
ولئن أمرهم بالسجود له قبل أن يخبرهم إني جاعل إياه خليفة، فإذا كان أمرًا معلقًا بحال إتمامه خلق آدم، فقد يجوز أن يكون أمرهم بالسجود له إذا خلقه، لعلمه أنه يقول لهم قبل أن يتم خلقه، إني جاعل في الأرض خليفة ويحسبون بما أجابوا به. فأراد أن يكون ذلك عند فعلهم إياه عقوبة لهم بما قدموه من القول. وهذا وإن كان فيه كرامة لآدم صلوات الله عليه، فإن عرض الكرامة له فيه وليس يخلص من عرض العقوبة لهم، وإيصال عرض العقوبة بعرض الكرامة موهن عرض الكرامة إذا كان المقصود تكريمه، ثم لهذه الكرامة حتى حديث إليها داعية سوى قدره ومنزله، وهي القصد إلى معاقبة المأمورين بالسجود.
وأما قتال الملائكة مع النبي ﷺ فإنها كرامة خالصة عرضه الله تعالى فيما يفضله دلالة الأولين والآخرين على نفاسة قدره وعظم منزلته، فاستحق به التفضيل كما بينا والله أعلم.
ووجه سابع: وهو أن الأفضل من يفضله الله تعالى يوم القيامة ويكرمه بما لا يكرم به غيره، وجاء عن نبينا الصادق في أخبار الدنيا والآخرة وما كان ويكون صلوات الله عليه أنه قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأنا أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع ومشفع ولواء الحمد بيدي، منحته آدم ومن دونه ومن بعده من المؤمنين ولا فخر)
[ ٢ / ٨٧ ]
ومعنى ولا فخر، أي ولا أقوله متطاولًا ولا متمدحًا على أحد. ولم يرد أنه لا فخر له فيه، فإن له منه أعظم الفخر.
ووجه ثامن: وهو أنه في الدنيا أكثر الأنبياء صلوات الله عليهم إعلامًا ومعلوم إن أقل الأعلام إذا كان يوجب الفضيلة له، فإن كثرة الأعلام توجب كثرة الفضيلة، وكثرتها توجب لصاحبها اسم الأفضل. وقد ذكر بعض المصنفين. إن إعلام نبينا ﷺ تبلغ ألفًا، وفيها مع كثرتها معنى آخر وهو أنه ليس في شيء من أعلام المتقدمين ما ينحو نحو اختراع الأجسام، وإنما ذلك في إعلام نبينا ﷺ خاصة مثل ما سنبين من إعلامه المشهورة دون ما نحتاج إلى تتبعه والتقاطه من الكتب المتفرقة أسأل الله التوفيق.
وهذا ذكرها:
أولها: القرآن المجيد المنزل من عند الوحي الحميد، وقد تقدم في الأبواب السالفة ذكره.
ومنها: (ما روى إن فاطمة ﵍ دخلت على النبي ﷺ وهي تبكي، فأخبرته إن ملأ من قريش في الحجر يتعاقدون لو رأوك ليقتلوك.
فقال: اتيني بوضوء، فتوضأ وخرج إلى المسجد فلما رأوه قالوا: ها هو ذا، وطأطأوا رؤوسهم وسقطت أقانهم بين أيديهم، فلم يرفعوا إليه أبصارهم، فتناول النبي ﷺ قبضة من تراب مجمرتهم وقال: شاهت الوجوه، فما أصاب رجلًا منهم حصاة إلا قتل يوم بدر كافرًا).
ومنها: ما أشار إليه الكتاب من قوله ﷿:﴾ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابًا مستورًا ﴿. وروى أنه لما نزلت﴾ تبت يدا أبي لهب وتب ﴿جاءت امرأة أبي لهب إلى أبي بكر الصديق ﵁، وأبو بكر جالس مع رسول الله ﷺ، فلما رآها أبو بكر قال: (يا رسول الله امرأة بذيئة، وأنا أخاف أن تؤذيك. قال: أنها لن تراني، وقرأ قرآنًا اعتصم به. فجاءت فقالت: يا أبا بكر، هجاني صاحبك. فقال أبو بكر وما يقول الشعر: قالت فإنك عندي مصدق وانصرفت. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما رأتك؟ قال: ما زال الملك يسترني منها بجناحه).
[ ٢ / ٨٨ ]
ومنها: أن يهودية أهدت رسول الله ﷺ إما شاة وإما شملة مسمومة، فلما قربته إليه وبسط القوم أيديهم قال: (أمسكوا فإن عضوًا من أعضائها يخبرني إنها مسمومة) فدعا صاحبها، وقيل جمع اليهود رؤساءهم واعترفوا وقالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن نبيًا لم يضرك.
ومنها: إن النضر بن الحارث كان ممن يؤذي النبي ﷺ، فاتبعه يومًا وقد أبعد في قضاء حاجته ليغتاله. وقال: لا أجده أخلا منه الساعة. فلما دنا منه ولى مذعورًا، فلقي أبا جهل، فقال له: من أين الآن؟ فقال: اتبعت محمدًا رجاء أن أغتاله وليس معه أحد، فإذا أساود تضرب بأنيابها على رأسه فاتحة أفواهها، فهالني فذعرت منها ووليت راجعًا.
ومنها أن عامر بن الطفيل وأربد بن قيس، قدما على رسول الله ﷺ متوافقين على الغدر. فقال عامر: يا محمد حاكني! فقال: لا، حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له. فقال: أما والله لأملأنها عليك خيلًا ورجلًا. وخرج من عنده فقال لاربد: أين ما كنت أوصيك به. فقال أربد: لا أبا لك، لا تعجل، فوالله ما هممت بالذي أمرتني به غلا حيل بيني وبينه، لو ضربت بالسيف ما ضربت غيرك. فترى إن كنت ضاربك لا أبالك. وقال رسول الله ﷺ لما ولى عامر: (اللهم اكفني عامر بن طفيل) فلما كان عامر ببعض الطريق أصابه الطاعون في عنقه فقتله.
ومنها: حراسة السماء من الجن عنده، وقد تقدم القول فيها.
ومنها: إن رسول الله ﷺ (شكا إلى جبريل المستهزئين، وأراه الوليد بن المغيرة، فأومأ إلى عينيه وقال: كفيته. ثم أراه الأسود بن عبد يغوث فأومأ إلى رأسه وقال: كفيته. ثم أراه الحارث بن عطل السهمي، فأومأ إلى بطنه وقال: كفيته. ثم أراه العاص بن وائل السهمي، فأومأ إلى أخمصه وقال: كفيته).
[ ٢ / ٨٩ ]
فأما الوليد فمر برجل من خزاعة يرس سلاله، فتعلق سهم بازاره فخدش في رجله فمات. وأما الأسود بن عبد المطلب فإنه عمي، وأما ابن عبد يغوث فخرجت في رأسه قروح فمات منها.
وأما الحارث فأخذه الماء الأصفر في بطنه فمات منه.
وأما العاص بن وائل فدخل في أخمص رجله شوكه فقتلته.
ومنها: أن أبا جهل لعنه الله ابتاع من غريب ابلا ومطله بأثمانها، فأقبل الرجل حتى وقف على ناد من قريش، ورسول الله ﷺ جالس بناحية، فقال: من رجل يعديني أبي الحكم بن هشام، فإني غريب وابن سبيل، وقد غلبني على حقي. فقال أهل المجلس: ترى ذلك الرجل - لرسول الله ﷺ - وهم يهزأون، اذهب إليه فهو يعديك عليه. فأقبل الرجل حتى وقف على رسول الله ﷺ، فاتبعه القوم رجلًا لينظر ما ينصع. فجاءه رسول الله ﷺ، وضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ قال: محمد، فاخرج إلى. فخرج وقد امتقع لونه، وقال: أعط هذا الرجل حقه، لا يبرح حتى أعطيه الذي له. فدخل، فأخرج إليه حقه فدفعه إليه. وجاء الرجل الذي بعثوا معه، فقص عليهم القصة فلما جاء أبو جهل قالوا: ويلك مالك؟ وماذا نبا منك الذي صنعته؟ فقال: ويحكم أما والله لو أبيت لأكلني.
ومنها: أهل مكة سألوا النبي ﷺ آية! فانشق القمر فرأوه فلقتين والحبل بينهما، وقيل في ذلك: "اقتربت الساعة وانشق القمر".
ومنها: (أن ملكين أتيا النبي ﷺ فذهبا به إلى زمزم، فشقا بطنه، فأخرجا حشوته في طست من ذهب فغسله بماء زمزم، ثم ملأ جوفه حلمًا وعلمًا). وفي حديث آخر قال: (أتيت بطست من ذهب مليء حكمة وإيمانًا).
ومنها: أنه أسري إلى بيت المقدس ثم عرج به، ولما رجع وأخبرهم من الغداة استواء
[ ٢ / ٩٠ ]
صفوة بيت المقدس بحضرة من كان رآه وعرفه، فلم يزل يصفه لهم حتى كاد يشكل عليه بعض البعث، فمثل له حتى نظر إليه ووصفه لهم أنه رأى غيرهم في موضع كذا، ومر عليهم ليلًا فند بعض الإبل من فرسه. وإنه استسقى لهم ماء فسقوه، فشربه حتى لم يبق في الإناء شيء. وأنه كان يقدم العير جمل أو رق، فسألوه عن وقت ورودهم مكة، فقال: بعد الغد، أراه عند طلوع الشمس. فوردوا للوقت الذي ذكر يقدمهم جمل أورق. وسألوهم: هل مر عليهم راكب فندت الإبل من فرسه، فقالوا نعم. وسألوهم عن الماء فأخبروهم بمثل الذي قال لهم.
ومنها: إن النبي ﷺ، لما خرج من مكة مهاجرًا إلى المدينة ومعه الصديق ﵁ تبعه سراقة بن جعثم، فدعا عليه رسول الله ﷺ فساحت قوائم فرسه في الأرض إلى بطنه، ووثب عنه. وقال: يا محمد. قد علمت أن هذا عملك، فادع الله أن يخلصني مما أنا فيه، ولك علي أن لا يمنن على من ورائي. فدعا له.
ومنها ما روي في هذه القصة. إن فارسًا لحق فقال أبو بكر: يا رسول الله هذا فارس قد لحق، فالتفت نبي الله ﷺ، فقال: اللهم اصرعه فصرعه فرسه فقام يجمع. فقال: يا رسول الله، مرني بما شئت. فقال (قف مكانك، لا تتركن أحدًا يلحق بنا) فكان أول النهار جاحدًا على رسول الله ﷺ، وفي آخر النهار مسلحة له.
ومنها ما روى في هذه القصة أيضًا: قال عبد الله بن مسعود، وكنت أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط. فمر بي رسول الله ﷺ وأبو بكر، فقال لي (يا غلام، هل من لبن؟ قلت: نعم، ولكني مؤتمن. فقال: هل من شاة لم ينز عليها الفحل؟ قال: فأتيته بشاة، فمسح ضرعها، فنزل اللبن فحلبه في إناء فشرب، وسقى أبا بكر، وقال للضرع: أقلص فقلص).
ومنها ما روى في هذه القصة أيضًا: إن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، مروا في مهاجرتهم إلى المدينة على حمى أم معبد، وقد ذكرنا هذه القصة.
[ ٢ / ٩١ ]
ومنها ما روي: أن النبي ﷺ لما دخل الغار، أمر الله ﷿ العنكبوت فنسجت على مدخل الغار، وأمر حمامتين فوقعتا بفم الغار، وأقيل فتيان قريش من كل بطن رجل، حتى إذا كانوا من النبي ﷺ أربعين ذراعًا، فجعل ينظر في الغار، فرأى حمامتين بفم الغار، فرجع إلى أصحابه، فقالوا له: مالك لم تنظر في الغار؟ قال: رأيت حمامتين بفم الغار فخلت أن ليس فيه أحد. وقال: أمنه ابن أبي بكر يعرف النبي ﷺ أن الله قد درأ عنه.
ومنها أنه قدم على النبي ﷺ اسقفا نجران: السيد والعاقب، ويقال: الطبيب والعاقب، فدعاهما إلى الإسلام، فامتنعا، فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه الغداة. فغدا رسول الله ﷺ وأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين ﵈، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيبا أو قالا ومر عليهما يعوذ بالله، فقال: فإن أبيتم فاعطوا الجزية، فقبلوها، فجعل عليهم كل سنة ألفي حلة، ألف في رجب، وألف في صفر.
ومنها: أن الله ﷿ أمر نبيه ﷺ أن يقول لليهود:﴾ إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ﴿ثم أخبره أنهم لا يتمنوه قال:﴾ ولن يتمنوه أبدًا بما قدمت أيديهم ﴿فلم يتمن أحد منهم الموت ولا أطلق به لسانه، فدل ذلك على أنهم صرفوا عنه وحيل بينهم وبينه ليحق خبر الله الذي أخبر به عنه نبيه ﷺ، إذ لو لم يصرفوا عنه لابتدروا إليه، وكان دفعهم إياه به أهون من تكلف الحروب له.
ومنها ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: بينا أعرابي في غنم له إذ عدا الذئب فأخذ بشاة منها، فأدركه فاستنقذ منه، فعانده الذئب يمشي واقعي مستقرًا بذنبه ثم استقبله وقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله فأخذته مني. فصقق الإعرابي بيده وقال: والله ما رأيت كاليوم قط. فقال له الذئب: وما يعجبك، قال: والله ما يزيدني إلا عجبًا، لم لا أعجب من ذئب يخاطبني. فقال: والله إنك لترى أعجب من ذلك قال: وما أعجب من ذلك؟ قال: نبي الله في النخيلات بين الحرتين يحدث الناس قرآنًا، ما
[ ٢ / ٩٢ ]
قد سبق وعن ما هو كائن. فأتى الرجل وكان يهوديًا وأخبر رسول الله ﷺ بما سمع وأسلم.
ومنها ما روى أن رسول الله ﷺ كان جالسًا بالمدينة إذ أقبل ذئب فوقف بين يديه وعوى. فقال رسول الله ﷺ: (هذا وفد السباع إليكم، فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئًا لا تعيدوه إلى غيره، وإن أحببتم تركتموه واحترزتم منه، فما أخذ فهو رزقه. فقالوا: يا رسول الله ما تطيب أنفسنا بشيء! فقال: فأومأ إليه النبي ﷺ فولي وله عسلان).
وقد روى في مثل هذا، وأنه قد جاء مائة ذئب دفعة واحدة. أخبار من طرق شتى. ومنها ما روى أن النبي ﷺ مر بإعرابي قد صاد ظبية، فصاحت يا رسول الله، إن هذا قد صادني عشية أمس في سفح هذا الجبل ولي حشف صغير، فقل له يرسلني حتى أرضعه ثم أعود إليه قال: وتعودي؟ قالت: نعم، عذبني الله عذاب النار إن لم أعد. فأطلقها، فمرت تعدو. فما كان للغد، وافته على باب الخباء، والإعرابي نائم فاستيقظ. فقال هل لك فيها حاجة يا رسول الله، قال. نعم قال. خذها فاطلقها رسول الله ﷺ دخل حائطًا للأنصار ومعه أبو بكر وعمر ﵄ ورجال من الأنصار، وفي الحائط غنم، فسجدت له فقال أبو بكر. كنا نحن أحق بالسجود لك من هذا الغنم، قال (أنه لا ينبغي أن يسجد أحد لأحد، ولو كان ينبغي أن يسجد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها).
ومنها. ما روى عن جماعة من الأنصار جاءت إلى رسول الله ﷺ، فقالوا يا رسول الله أنه كنا لنا جمل نستسقي عليه فاستصعب علينا، ومنعنا ظهره، وقد يبس النخل والزرع، فقال له رسول الله ﷺ. قوموا فقاموا معه، فجاء إلى الحائط، والجمل قائم في ناحية، فجاء يمشي حتى خر ساجدًا بين يديه. فقال أصحابه. هذه يهيمة لا تعقل، ونحن نعقل، فنحن أحق بالسجود لك منه، فقال رسول الله ﷺ. (لا يصلح البشر أن تسجد للبشر) وفي حديث آخر في مثل هذه القصة إلى النبي ﷺ قال (السجود ليس إلا إلى
[ ٢ / ٩٣ ]
الحي الذي لا يموت). والأخبار في سجود الجمل الصائل، إنما يكون بتسخير الله تعالى إياه كذلك. وقد كان يجوز إذا فعل ذلك وقتًا، إن لا يفعله وقتًا، كما أن الله تعالى قد يشفي من مرض وقتًا ولا يشفي منه وقتًا، فلو يعوذ متعوذًا، من مرض كان به فعوفي، فلم ينكر ذلك. وكذلك أن أسلم النبي ﷺ مرات. فزاده الله تعالى على السلامة، إن أسجده له جحده على الكفار، فذلك غير مانعه من أن يتعوذ بالله تعالى منه. وقد كان يجوز أن تكون سلامته من صول الصائل، ثم أتي له به غاية وتعوذ بالله من شره، واسجاد الصائل له بعد السلامة للاحتجاج به على الكفار، هذا ولم يتفق الناس على أن أحدًا لا يخاف من الجمل الصائل. وقد قيل أنها السيل والحريق والله أعلم.
ومنها: ما روى أن النبي ﷺ دخل حائط رجل من الأنصار، فإذا جمل، فلما رأى النبي ﷺ حن وذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح سرابه ودفر به فسكن، ثم قال: (من رب هذا الجمل، فجاء فتى من الأنصار، فقال: هو لي يا رسول الله. فقال: الا تتق الله في هذه البهيمة التي ملكك إياها، فإنه شكا إلى أنك تجيعه وتذئبه).
ومنها ما روى في قصة الحج أن رسول الله ﷺ قدمت إليه بديات خمس أرست فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ.
وقد روى في شكاية البعير إخبار منها ما روى بعلي بن مرة قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فنزلنا منزلًا، فقال: إيت ذلك الأسى فقل للأسابين أن رسول الله ﷺ يأمر كما لتجتمعا. فوثبت إحداهما إلى الأخرى. فاجتمعا فجاء النبي ﷺ فقضى حاجته، ثم قال لي: قل لهما يتفرقا، فقلت لهما فوثب كل واحد منهما إلى مكانها.
وفي رواية ابن عباس ﵄، قال: قال لي اذهب إلى الاسابين فقل لهما أن رسول الله ﷺ يأمركما أن تتعلقا بعروقكما وأصولكما وطنبكما حتى تستراه، ففعلنا ذلك، فسترتاه حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته. ثم قال له: إيتهما فمرهما أن ترجعا إلى مكانهما ففعل.
[ ٢ / ٩٤ ]
ومنها ما روي أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: لا أعرف أنك رسول الله قال: (أرأيت أن دعوت لك هذا العذق من هذه النخلة، أتشهد أنني رسول الله قال: نعم. فدعا العذق، فجعل العذق ينزل من النخلة حتى سقط في الأرض فجعل يبعد حتى النبي ﷺ، ثم قال: ارجع فرجع حتى عاد إلى مكانه، فقال: أشهد أنك رسول الله وأقر به).
ومنها: أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت، فأرني شيئًا ازدد به يقينًا، قال: (إيت تلك الشجرة فادعها، فأتاها فقال لها: يدعوك رسول الله ﷺ، فمالت على جانبها فقلعت عروقها، ثم مالت على مقدمها، فقلعت عروقها، ثم مالت على مؤخرها فقلعت عروقها، ثم أقبلت تجر عروقها وفروعها، حتى عادت إلى مكانها. فقال له الرجل: إئذن لي فاسجد لك: قال: لا يسجد أحد لأحد). والإخبار في مثل هذا وفي الحصا مع الشجر كثيرة.
ومنها ما روى عن طريق جابر بن عبد الله ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر وذكر الحديث إلى أن قال: فإذا نحن بامرأة قد عرضت لرسول الله صلى الله عليه وسمل معها صبي تحمله، قالت: يا رسول الله، ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرات فلا يدعه، فوقف رسول الله ﷺ فتناوله فجعله بينه وبين مقدم الرجل، فقال رسول الله ﷺ: (إخسأ عدو الله، أنا رسول الله، فأعاد رسول الله ﷺ ذلك ثلاث مرات. ثم ناولها إياه). فلما رجعنا فكنا بذلك الماء عرضت لنا امرأة لها كبشان يقودهما والصبي يحمله، فقالت: يا رسول الله، اقبل مني هذين، فوالذي بعثك بالحق إن ما عاد إليه بعد فقال رسول الله ﷺ: خذوا أحدهما وردوا الآخر).
ومنها ما يرويه أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى
[ ٢ / ٩٥ ]
خشبة يسند ظهره إليها، فلما كثر له الناس بني له منبر، فلما قام عليه يخطب بكت الخشبة حنين الوالد، فما زالت تحن حتى نزل إليها فاحتضنها فسكتت) فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكي ثم قال: يا عباد الله الخشب يحن إلى رسول الله ﷺ شوقًا إليه لمكانته من الله ﷿، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه. وهذا الحديث يحتمل من المعنى أن يكون الله تعالى أحدث في الجذع حنينًا لحنين الوالد من غير أن يركب فيه حياة وعقال ليبين للناس أنه لو كان يعقل ويميز لكان من حقه إذا فقد خطبة من رسول الله ﷺ أن يحن هذا الحنين ويجز هذا الجزع. ثم إذا وجد من ذلك ما فقده سكن ليكون ذلك دلالة لهم على وجوب السكون إليه، والفرح بلقائه والقرب منه، وليكون ذلك من إعلام نبوته إذا كان أمرًا خارجًا من العادات، وله ﷺ كرامة رفعه والله أعلم.
ومنها ما روى جابر ﵁ قال: (أصاب الناس عطش يوم الحديبية، وبين يدي النبي ﷺ ذكوة فتوضأ منها. فأقبل الناس نحوه فقال: ما لكم؟ قالوا: يا رسول الله ليس عندنا ماء فجعل الماء يغور أصابعه أمثال العيون، حتى شربنا وتوضأنا) قيل لجابر كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمسة عشر مائة والإخبار في مثل هذا كثيرة جدًا.
ومنها ما روى جابر ﵁ في قصة الخندق قال: كنا نعمل فيه نهارنا، فإذا أمسينا رجعنا إلى أهلينا. وكانت عندي شويهة غير جد سمينة، فقلت لو صنعناها لرسول الله ﷺ، فأمرت امرأتي فطحنت شيئًا من شعير، فصنعت لنا خبزًا أورى تلك الشاة فشويناها فلما أمسينا، قلت يا رسول الله: إني صنعت لك شويهة كانت عندنا وصنعنا شيئًا من خبز هذا الشعير فأحب أن تنصرف معي إلى منزلي، وأنا أريده وحده فقال: نعم، ثم أمر صارخًا، فصرخ، أن انصرفوا مع رسول الله ﷺ إلى بيت جابر، فأقبل الناس معه، فجلس وأخرجناها فبرك وسمي ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم وجاءنا ناس حتى صدر أهل الخندق عنها وهم ثلاثة آلاف.
[ ٢ / ٩٦ ]
ومنها ما رواه رجل عن الصحابة، يقال له نافع. قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة ونحن أربعمائة، فنزل رسول الله ﷺ عن عين ماء ونزل الناس، قالوا: يا رسول الله أنك نزلت على عين ماء، فبيناهم إذ جاءت شاة محدودة القرنين حتى قامت بين يدي رسول الله ﷺ، فدعا بإناء فحلبها، فلم يزل يحلبها حتى أروى الجيش كلهم وهم أربعمائة، ثم قال لي: (يا نافع، املكها ولا أراك تملكها، فانطلقت بالشاة إلى رجل، فأخذت عودًا فركزته في الأرض، وأخذت حبلًا فشددتها ولم أزل استوثق، فقمت، فلما قمت فإذا بحبل مشدود ولا شاة. فقال: يا نافع، ألم أقل أنك لا تملكها، أن الذي جاء بها هو الذي ذهب بها.
ومنها ما رواه زياد بن الحارث العوائي قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته على الإسلام وذكر حديثًا طويلًا قال فيه: فقلنا يا رسول الله أن لنا بئرًا، إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها، فاجتمعنا عليه، وإذا كان الصيف فني ماؤها وتفرقنا عما حولها، وإنا لا نستطيع الآن أن نتفرق وكل من حولنا عدو، فادع الله أن يسعنا ماؤها. فدعا نبي الله ﷺ بسبع حصيات، فجرهن في يده فقال: إذا رأيتموها فألقوا واحدة واحدة، واذكروا اسم الله، فما استطاعوا أن يسببوا قعرها بعد.
ومنها ما روى أن النبي ﷺ رمى المشركين يوم بدر بحصيات من يده فسمعوا وقعها كأنها فرقعت في طست فانهير مواقعها نزل قوله ﷿:﴾ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنًا ﴿.
ومنها: ما روى أنه كان في يد رسول الله ﷺ حصيًا يسبحن، فدفعهن إلى غير واحد من أصحابه فسبحن في يده، وكل ذلك يسمعه من في الحلقة، ثم دفعهن إلى آخرين فلم يسبحن في يد واحد منهم.
ومنها ما روى عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نأكل مع رسول الله ﷺ ونحن نسمع تسبيح الطعام.
[ ٢ / ٩٧ ]
ومنها ما روي أن النبي ﷺ قال للعباس: (يا أبا الفضل، الزم منزلك عنا أنت وبنوك، فإن لي فيكم حاجة، فصحبهم فقال: تقاربوا فزحف بعضهم إلى بعض، حتى إذا أمكنوا اشتمل عليهم علامة ثم قال: يا رب، هذا عمي صفو أبي، وهؤلاء أهل بيتي، فاسترهم من النار كستري إياهم فامنت اسكنه الباب وحوائط البيت آمين آمين).
ومنها ما روى أبو هريرة هل معك شيء؟ قلت نعم. ثم في مزود معي فأخرجت التمر فإذا هي سبع وعشرون تمرة، فصفهن رسول الله ﷺ وعنده ناس، فقال: (كلوا باسم الله فأكلوا حتى شبعوا، وبقي منه، فقال: يا أبا هريرة خذه فأعده في مزودك. فإذا أردت أن تأخذ منه شيئًا، فداخل يدك ولا تلبه، فما زال معي أكله حتى كان حصار عثمان فسقط مني وكنت في شغل منه).
ومنها ما رواه أبو هريرة قال: (كنت ألزم النبي ﷺ ملء بطني وإن شهتيه، فقال من بسط رداءه حتى أقضي مقالتي فليس تنس شيئًا سمعته مني أبدًا، فبسطت بردة كانت علي، فلما قضي مقالته قضممتها إلي. فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئًا سمعته منه ﷺ).
ومنها ما روى جابر قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فلما رجعنا أعيا علي بعيري، فلحقنا رسول الله ﷺ فقال: (يا جابر ما خلفك؟ قلت: أعيا علي لو نصحتي فأخذ عودًا من الأرض فمسحه به ثم قال: اركب بسم الله، فما ركبت بعيرًا قبله ولا بعده كان أوسع ولا أوطأ منه).
ومنها خبر الذي سماه رسول الله ﷺ سفينة، قال: (خرج رسول الله ﷺ، ومعه أصحابه يمشون، فثقل معهم متاعهم، فقال: رسول الله ﷺ: أبسط كساءك، فبسطت، فجعلوا فيه متاعهم ثم حملوه علي، فقال رسول الله ﷺ احمل، فإنما أنت سفينة)
[ ٢ / ٩٨ ]
فلو حملت منه يومئذ ومر بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل علي إلا أن يخفوا.
ومنها ما يرويه أنس ﵁ قال: فزع الناس فركب رسول الله ﷺ فرسًا لأبي طلحة بطيئًا، ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون، فقال لي: فراعوا أنه لبحر. قال: والله ما سبق بعد ذلك اليوم.
ومنها: إن صوته كان يبلغ حيث لا يبلغه صوت البشر، فروى أنه خطب بمنى وكان الناس في منازلهم يسمعون ما يقولون، وأنه جلس على المنبر يوم الجمعة فقال: اجلسوا فسمع عبد الله بن رواحة قوله وهو في بني تميم، فجلس. فقيل له: يا رسول الله! ذاك عبد الله بن رواحة جالس في بني تميم سمعك وأنت تقول للناس اجلسوا، فجلس في مكانه وليس معنى هذا أنه كان أندى صوتًا من سائر الناس بمقدار تباين العادات، وإنما معناه أن صوته على ما كان عليه من موافقة أصوات أهل بيته وصحابته كان يخلص إلى الأسماع البعيدة. ولهذا تعجب الناس من سماع ابن رواحة قوله اجلسوا. فإنه لو كان صرخ بهذا القول لم يكن في سماع ابن رواحة إياه. وهو بحيث يذكره أنصار من عند المنبر موضع تعجب والله أعلم.
ومنها ما روى: أن النبي ﷺ بزق في بئر كانت في دار أراس فلم يكن في المدينة بئر أعذب منها.
ومنها أنه دعا على مضر، فقال: (اللهم أشدد وطأتك على مضر، واجعلها سنين كسني يوسف) أصابتهم السنة حتى هلكوا، فاكلوا الميتة والعظام، ويرى الرجل ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان.
وقيل: إن الذين أنذرهم الله ﷿ إياه بقوله﴾ فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ﴿. كان هذا. وأن البطشة الكبرى اصطدام صناديد يوم بدر.
[ ٢ / ٩٩ ]
ومنها أن النبي ﷺ استسقي لقومه، وما في السماء قزعة فسقوا مكانه ولم تحبس السماء قطرها حتى دعا وقال: (حوالينا ولا علينا) فانجاب السحاب عن المدينة كأنه الإكليل والأخبار في هذا كثيرة.
ومنها ما روى عن أم سليم أنها قالت: يا رسول الله، أنس خادمك، ادع الله له، فقال: (اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته) قال أنس فما من الأنصار أكثر مالًا مني، وأخبرني بعض ولدي أنه قد دفن من ودلي وولد ولدي أكثر من مائة.
ومنها ما روى أن رسول الله ﷺ قال لبشر بن راعي العنز من أسجع وقد رآه يأكل بشماله: كل بيمينك فقال: لا أستطيع فقال: لا استطعت، فما وصلت إلى فيه بعد.
ومنها ما روى أن راعيًا لبني عمرو بن تميم في إبلهم يقال له أنو شر وان، رأى رسول الله ﷺ قد تخلل الإبل لخوف أصابه من قريش، فقال له: من أنت! فقال: لا تسل رجل أردت أن استأنس إلى إبلك فقال له: أي! إياك الرجل الذي تزعمون أنه خرج نبيًا؟ فقال رسول الله ﷺ: أجل، أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله! فقال له أنو شروان: أخرج فلا تصلح إبل أنت فيها! وأبي أن يدعه. فدعي رسول الله ﷺ فقال: (اللهم أطل شقاءه وبقاءه) قال هارون بن عبير فأدركته شيخًا كبيرًا سقيمًا يتمنى الموت، فقال له القوم: ما نراك إلا هلكت، دعا عليك رسول الله ﷺ فقال: كلا إني أتيته بعد فأسلمت ودعا لي، ولكن الأولى قد سبقت.
ومنها إن رسول الله ﷺ تلا:﴾ والنجم إذا هوى ﴿فقال عتبة بن أبي لهب. كفرت برب النجم. فقال رسول الله ﷺ: (اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك). فخرج عتبة مع أصحابه في عير إلى الشام، حتى إذا كانوا في الشام، زأر الأسد فجعلت فرائصه ترتعد فقيل له: من أي شيء ترتعد؟ فقال: إن محمدًا دعا علي، ولا والله ما أظلت السماء واهجة
[ ٢ / ١٠٠ ]
أصدق من محمد. ثم وضعوا العشاء فلم يدخل يده فيه، حتى جاء النوم فحاطوا عتباهم ووسطوه بينهم. وناموا، فجاءهم الأسد يشنشق غروبتهم رجلًا رجلًا، حتى انتهى إليه فضغمه ضغمة فقتله.
ومنها ما روى عمران بن حصين ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ إذ أقبلت فاطمة، فنظرت إليها، وقد ذهب الدم من وجهها وعلتها الصفرة من شدة الجوع فنظر إليها النبي ﷺ فأدناها، فوضع يده على صدرها وفرج أصابعه ثم قال (اللهم مشبع الجماعة ورافع الوضعة لا تجع فاطمة بنت محمد) قال عمران: فنظرت إليها وقد علا الدم على الصفرة في وجهها، فلقيتها بعد، فقالت: ما جعت يا عمران.
ومنها ما روى أن النبي ﷺ دعا لعلي ﵁ قال: (اللهم أذهب عنه الحر والبرد) فكان يلبس ثياب الصيف في الشتاء وثياب الشتاء في الصيف قال: لا وجدت حرًا ولا بردًا يومئذ.
ومنها خبر يرويه جابر بن عبد الله ﵁ عن بلال ﵁ قال: أذنت في ليلة باردة، فقال النبي ﷺ: (اللهم أذهب عنهم البرد).
قال: فرأيتهم يتروحون.
ومنها خبر ترويه أم جندب ﵂ قالت: رأيت رسول الله ﷺ رمي جمرة العقبة ثم انصرف، وتبعته امرأة من خثعم ومعها صبي أصابه بلاء، فقالت يا رسول الله، هذا ابني وبقية أهلي وإن به بلاء لا يتكلم. فقال رسول الله ﷺ: (أئتوني بشيء من ماء، فأتي بماء فغسل يديه ومضمض فاه، ثم أعطاها فقال: اسقيه منه، واستسقي الله له) فلقيت المرأة من الحول، فسألتها عن الغلام فقالت: برأ وعقل عقلًا ليس لعقول الناس.
ومنها حديث ابن أبي العاص ﵁ قال: شكوت إلى رسول الله ﷺ سوء
[ ٢ / ١٠١ ]
حفظي للقرآن، قال: (ذلك شيطان، أدن مني يا عثمان، ثم تفل في في ووضع يده على صدري، فوجدت بردها بين كتفي، وقال: يا شيطان! أخرج من صدر عثمان).
قال: فما سمعت بعد ذلك شيئًا إلا حفظته.
ومنها ما رواه عثمان بن حنين ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ وجاء إليه ضرير فشكا بصره قال: يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي. قال: (إيت الميضأة وصل ركعتين، وقل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بالنبي، نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فتجلي عن بصري، اللهم شقعه في وشفعني في نفسي). قال عثمان: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل الرجل كأنه لم يكن به ضرر.
ومنها ما روى حبيب بن مدرك إن أباه خرج إلى رسول الله ﷺ وعيناه مبيضتان فنفث رسول الله ﷺ في عينيه، فأبصر، قال: فرأيته يدخل الخيط في الإبرة، وإنه لابن ثمانين سنة عيناه لمبيضتان.
ومنها ما روى محمد بن خاطب قال: قالت لي أمي أقبلت بك من أرض الحبشة، فطبخت طبيخًا، فتناولت القدر فانكفأت على ذراعك. فقدمت بك المدينة حتى أتيت بك النبي ﷺ فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، هذا محمد بن حاطب أول من تسمى بك فتقل فيك ومسح على رأسك ودعا لك، وجعل يتفل على يدك ويقول: (اذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما) قال: فما قمت بك من عنده إلا وقد برأت يدك.
ومنها ما روى أن رسول الله ﷺ كان يدعو يوم عاشوراء بالصبيان فيتفل في أفواههم ويقول لأمهاتهم: لا ترضعنهم إلى الليل، فكان ريقه يحرسهم.
ومنها إن امرأة وقفت بين يديه وهي تبكي وهو ﷺ يتوضأ، فأخذ كفًا من ماء
[ ٢ / ١٠٢ ]
فنضحه في وجهها. فكانت بعد ذلك في المصائب ترمي الدموع من عينيها ولا تسيل على خدها. والأخبار في دعواته المستجابة في عظائم الأمور كثيرة.
ومنها ما روى عيسي بن مطاوع بن مسعود، إن رسول الله ﷺ سمى أباه مطاعًا، وقال له يومًا: جاءني جبريل صلوات الله عليه، فأخبرني إن ابن مسعود يقاتلني بكرة مشركًا ويأتيني بالعشى مؤمنًا، فلما كان من زوال الشمس، قالوا: يا بني الله أما ترى شخصًا مقبلًا فأقبل مسعود إلى النبي ﷺ فآمن.
ومنها أن الله ﷿ أمده يوم بدر بألف من الملائكة فقاتلت معه، وقال مالك بن ربيعة للذين كان يحدثهم بعدما ذهب بصره، لو كنت معكم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي صفت به الملائكة، لا أشك ولا أعادي.
وقال ابن عباس ﵁ عن رجل من ظفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى اصعدنا في جبل أشرف بنا على بدر إذ دنت منا سحابة وسمعت فيها حمحمة الخيل، وسمعت قائلًا يقول: أقدم حيزوم. فأما ابن عمي فانكشف قناع قتله فمات. وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت.
وقال ابن دارة: حدثني رجل من قومي قال: أبي المنهزم يوم بدر، إذ أبصرت رجلًا منهزمًا بين يدي، فقلت ألحقه فاستأنس به قندلي من حرف فلحقته، فإذا رأسه مذ زائله ساقطًا وما رأيت قربه أحدًا.
وقال أبو داود المازني إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن قد قتله غيري. وروى أن رجلا من الأنصار حضر أحدًا والعباس يوم بدر أسيرًا، فقال العباس: يا رسول الله، إن هذا والله ما أسرني. لقد أسرني رجل أجلخ من أحسن الناس وجهًا على فرس ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسيره يا رسول الله، فقال له: اسكت قد أيدك الله بملك كريم.
ومنها أنه لما أتي بالعباس أسيرًا فأفداه بمائة أوقية من ذهب، فقال: للقرابة، صنعت هكذا فوالذي يحلف به العباس، لقد تركني فقير قريش ما بقيت كيف يكون فقيرًا وقد استودعت بنادق الذهب أم الفضل ثم أقبلت إلي فقلت: إن قبلت فقد تركتك غنيه ما
[ ٢ / ١٠٣ ]
بقيت، وإن ارجع فلا يهمنك شيء فقال: إن الذي يقوله قد كان وما طلع عليه إلا الله ﷿ وأشهد أن لا إله إلا الله وإنك رسول الله وما أخبرك بذلك إلا الله ﷿
ومنها أن عمرو بن وهب الجمحي واطأ صفوان بن أمية على أن يقوم المدينة فيفتك بالرسول صلى الله عليه والسلام، وضمن له صفوان دينه، وعياله، وأمر بسيفه فصقل وسم، وكان ابن عمرو أسير في يدي رسول الله ﷺ فقال: إن لي عنده علة، أقول قدمت على أبي، فقدم المدينة ونزل بباب المسجد، وعقل راحلته، وتقلد السيف، ففزع أصحاب رسول الله ﷺ لما رأوه وأخبروه بخبره، ثم أدخل عليه فقال رسول الله ﷺ: فما اشترطت لصفوان بن أمية بالحجر، ففزع عمرو وقال: ماذا اشترطت له؟ قال (تحملت له قتلي على أن يعول بيني وبينك، ويقضي دينك، والله حائل بينك وبين ذلك) فقال عمرو: أشهد أنك رسول الله وأشهد أن لا إله إلا الله، إن هذا الحديث كان بيني وبين صفوان بالحجر، كما قال رسول الله لم يطلع أحد غيري وغيره ثم أخبرك الله به، فآمنت بالله ورسوله والحمد لله الذي ساقني بهذا المساق.
ومنها قول عمر ﵁، أرانا رسول الله ﷺ مصارع أهل بدر بالأمس يقول: (هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا تلك الحدود يصرعون عليها، ثم جعلوا في بئر بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله ﷺ حتى انتهى إليهم، فقال: يا فلان ابن فلان، يا فلان ابن فلان، أوجدتم ما وعد ربكم حقًا، فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا، فقال عمر ﵁. يا رسول الله، كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها؟ فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئًا).
ومنها أن أبي بن خلف كان يقول: لأقتلن محمد، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال (بل أنا أقتله إن شاء الله. فلما كان يوم أحد، حمل على النبي ﷺ فقال: بل أنا أقتله، فطعنه النبي ﷺ بحربته فوقع عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم. فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو
[ ٢ / ١٠٤ ]
يخور خوار الثور، فقالوا: ما أجهز عليك إنما هو خدش. فقال: والذي نفسي بيده لو كان الذي في بأهل ذي الحجار لقتلهم، أليس قد زعم أنه يقتلني والله ما كذب.
ومنها ما روى أن عين قتادة بن النعمان أصيبت يوم أحد حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله ﷺ، فكانت أحسن عينيه وأبصرهما.
ومنها أن حنظلة بن الراهب استشهد يوم أحد، فقال رسول الله ﷺ: (إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضة). وقال أبو سيد: فنظرنا فإذا رأسه تقطر ماء، فرجعت إلى النبي ﷺ فأخبرته، فأرسل إلى امرأته فسألها، فأخبرته أنه خرج وهو جنب.
ومنها ما ورد به القرآن من ذكر الريح التي أرسلت قبل كفار قريش لما ورد المدينة وتحصن أهلها منها بالخندق، قال الله ﷿:﴾ يا أيها الذين آمنوا، اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود، فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها ﴿.
وروى أن الريح التي أرسلت عليهم لم تدع لهم مضربًا إلا أسقطته، ولا قدرًا إلا أكفأته، ولا رمحًا منصوبًا إلا وضعته، فكان يتعلق بأوتاد فسطاطه وخيمته، فلا يمكنه ضبطها ولا إمساكها والمسلمون هنالك لا يفصل بينهم وبين أولئك إلا الخندق وهم سالمون من أذى الريح آمنون.
ومنها ما روى في غزوة بني المصطلق، أنه هاجت ريح شديدة أشفق الناس منها، فقيل (يا رسول الله، ما شأن هذه الريح؟ فقال رسول الله ﷺ: مات منافق عظيم النفاق، لذلك عصفت، وليس عليكم منها بأسًا إن شاء الله).
فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد أخا بني قنيقاع، وكان من عظماء اليهود وكهفًا للمنافقين مات ذلك اليوم.
[ ٢ / ١٠٥ ]
ومنها ما روي في هذه القصة أن الناس جمعوا أظهرهم، وفقدت راحلة رسول الله ﷺ فسعى لها الرجال يلتمسونها، فقال رجل من المنافقين أفلا يحدثه الله بمكان راحلته، فأنكر عليه أصحابه وسبوه. فأقام المنافق معهم شيئًا، ثم قام وتركهم، ثم جاء إلى رسول الله ﷺ يلتمس الحديث، فوجد الله، قد خبره حديثه، فقال رسول الله ﷺ والمنافق يسمع. (إن رجلًا من المنافقين شمت إن ضلت ناقة رسول الله ﷺ، فقال ألا يحدثه الله بمكان ناقته، وإن الله قد حدثني بمكانها، وإنها في هذا الشعب المقابل لكم، قد تعلق وحابها بشجرة فجاءوا لها، وأقبل المنافق حتى أتى النفر الذين سمعوا قوله، فوجدهم لم يتفرقوا ولا حضر أحد منهم رسول الله ﷺ، فبات وجاء إلى رسول الله ﷺ، واعترف بذنبه واستغفر له).
ومنها ما روى أن النبي ﷺ اكمدي طلول فوضعت بطنها على الأرض فأخذ حفنة من تراب، فرمي بها وجوه المشركين، وقال: (شاهت الوجوه). فأخلق الله منها إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا فانهزموا.
ومنها إن النبي ﷺ لما غزا خيبر قال: (لأعطين الراية عبدًا يحب الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح الله عليه فلما أصبحوا، أقبل علي ﵁ يشتكي عينه، فأرسل إليه فتفل في عينه، قال سهل بن سعد الساعدي ﵁. فرأيتها صحيحة ما بها من علة. ودفع إليه الراية، فلم يرجع إليه حتى فتح عليه).
ومنها ما روى أبو هريرة ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ بخيبر لرجل يدعى الإسلام ممن معه. إن هذا في النار. فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراح. فجاء رجل فقال: يا رسول الله أن الرجل قد قاتل في سبيل الله أشد القتال. فقال رسول الله ﷺ: إما أنه من أهل النار فكاد بعض الناس يرتاب. فبينما هو كذلك إذ وجد الرجل ألم الجراح، فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها سهمًا فانتحر
[ ٢ / ١٠٦ ]
بها، واشتد رجال من المسلمين إلى رسول الله ﷺ فأخبروه بذلك فقال الله أكبر، أشهد إني عبد الله ورسوله).
ومنها ما روى أن حميد الساعدي قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك حتى أتى وادي القرى، فإذا امرأة في حديقة، فقال: اخرصوا، فخرص القوم وخرص رسول الله ﷺ عشرة أو سق، وقال للمرأة احصي ما يخرج منها حتى أرجع إليك. فسار حتى أتى رسول الله ﷺ، فقال: أنه سيأتيكم الليلة ريح شديدة فلا يهز من فيها أحد، ومن كان له بغير فليربطن عقاله. فهبت ريح شديدة فلم يقم إلا رجل واحد فألقته في جبل طي. فلما رجع رسول الله ﷺ إلى وادي القرى، قال للمرأة: كم جاءت حديقتك؟ قالت عشرة أوسق، خرص رسول الله ﷺ.
ومنها ما روى في غزوة تبوك أن الناس أصابهم جوع فقالوا: يا رسول الله يخرج الروم وهم شباع ونخرج ونحن جياع وهم الأنصار أن ينحروا رواحلهم فنهاهم. وقال: إلا من كان عنده شيء فليأتينا به. فجعل الرجل يأتي بالصاع وآخر بالمد، فوضعوا، فحرر جميع ما جاءوا به بضعًا وعشرين صاعًا. والناس أكثر من أربعة آلاف. فجاء رسول الله ﷺ، ودعا بدعاء كثير، ثم أدخل يده في الطعام، وقال: لا يتذاكر صاحبه ولا يأخذن أحد حتى يذكر اسم الله عليه. فجعل الرجل يربط كم قميصه ويأخذ، ويحبون بالجوالبق فيحملون حتى قام الناس وقد ملأوا أوعيتهم، وفضل فضل فحرر ما بقي مثل الذي كان حين وضعوه. فقال رسول الله ﷺ: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني رسول الله، وأشهد أن لا يقولها عبد أبدًا من حقيقة من قلبه إلا وقى الله وجهه من النار).
ومنها ما روى في قصة دومة الجندل أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد ﵁ في تبوك في أربعمائة وعشرين فارسًا إلى كثير. قال خالد: كيف لي به في وسط بلاد كلب وأنا في أناس يسير؟ فقال رسول الله ﷺ: (ستجده يصيد البقر
[ ٢ / ١٠٧ ]
فتأخذه) فخرج خالد ﵁، حتى إذا كان من حصنة بمنظر العين في ليلة قمراء صافية، وهو على سطح له مع امرأته، فصعد على ظهر الحصن وقينه تعينه، ثم دعا بشراب. فأقبلت البقر تحك بقرونها باب الحصن وأشرفت امرأته على الحصن فرأت البقر فقالت: ما رأيتك الليلة. هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: فمن ترك هذا؟ لقد كنت أضم الخيل، فإذا أردت أحدها شهرا، ثم اركب بالرجال والالة. فنزل وأمر بفرسه فأسرج، وأمر بخيل فأسرجت، وركب معه نفر من أهل بيته وأخوه حسان، ومملوكًا له، فخرجوا من حصنهم بمطاردهم، فلما فصلوا من الحصن وخيل خالد تنظر إليهم لا يصهل منها فرس، فأخذته الخيل فاستأسر وقابل حسان حتى قتل.
ومنها ما روى عبد الله بن عبيد أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ في مسير فمروا بقبر فقال رسول الله ﷺ: (هذا قبر أبي رغال، وكان من قوم ثمود، فلما أهلك الله قومه منعه لمكانه من الحرم، فخرج فلما بلغ هذا الموضع مات. فدفن ودفن معه غصن من ذهب) فابتدرنا فاستخرجناه.
ومنها أخباره: بالكوائن التي تكون من بعده، وبأمور وقعت لا في بلده ولا في حضرته فكان كما قال:
ومنها قوله: ﷺ لسراقة بن جعثم، وقد نظر إلى ذراعيه. (كأني بك وقد ألبست سواري كسرى) فألبسهما إياه عمر بن الخطاب ﵁.
وقوله ﷺ: (تفتح عليكم الآفاق ولتصبن عليكم الدنيا صبا، ولتكثرن عليكم الخبز واللحم حتى لا تذكر على كثير منه اسم الله تعالى).
وقوله ﷺ: (إذا امتنت أمتي المطيطاء وجد منهم أبناء الملوك أبناء فارس والروم، سلط الله على خيارهم شرارهم) وقوله ﷺ: وقد أشرف على أطم من أطام المدينة.
[ ٢ / ١٠٨ ]
(سبحان الله، هل ترون ما أرى مواقع القبر خلال بيوتكم كمواقع القطر) فكانت بعده الفتنة بقتل عثمان ﵁، ثم جرى على أهل بيته في أيام يزيد ما جرى.
وقوله ﷺ لعدي بن حاتم: لعله إنما يمنعك من الإسلام ما ترى أصحابي من الخصاصة هل رأيت الحيرة قط؟ قلت: نعم. قال: يوشك أن يخرج الظعينة من الحيرة حتى يطوف بالبيت، يعني حوله، ويوشك أن يفتح على أصحابي هؤلاء كنوز كسرى. قلت: كسرى هرمز. قال: كسرى بن هرمز. قال عدي: فلقد رأيت المرأة تخرج من الكوفة حتى تطوف بالبيت يعني حوله. وقد كنت في أول خيل غارت بالمدائن. وقوله ﷺ: (إذا فتحتم مصر فاستوصوا بالقبط، فإن لهم رحمًا وذمة). وقيل: أراد أن هاجر أم إسماعيل صلوات الله عليه كانت قبطية.
وقوله ﷺ: (يفتح اليمن، فيأتي قوم فيحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون). وقوله ﷺ: (يظهر المسلمون على فارس والروم ويظهرون على الأعور الدجال. وقد حق مما يبرئه واحد ويستحق الأحزان إذا شاء الله).
وقوله ﷺ: (لا تقوم الساعة حتى يقاتلوا صغار الأعين حمر الوجوه ذلف الأنف، كان وجوههم المجان المطرقة) وقوله ﷺ: (إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة، ثم تكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكًا ثم يكون سلطانًا وجبروتًا، يحلون الفروج ويشربون الخمور، ويلبسون الحرير ويرزقون على ذلك، وينصرون حتى يأتي الله).
وقوله ﷺ: (إن خير التابعين رجل يقال له أويس ولده والده وكان فيه بياض، فدعا الله ﷿. فذهب منه الأمر صفاء كالدر في بشرته) قال عمر بن الخطاب
[ ٢ / ١٠٩ ]
﵁. سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يدخل بشفاعته الجنة مثل ربيعة ومضر).
وقوله: (يخرج رجل من أهلي عند انقطاع من الزمن وظهور من الفتن، يقال له السفاح يكون عطاؤه حسنًا) وفي رواية أخرى. أنه ﷺ قال: (منها السفاح ومنصور ومهدي).
وقوله ﷺ قال: أخبر ﷺ وقد مر ابن عباس ﵄، وعليه ثياب قال: (أتعرف هذا؟ قال نعم، إما أن ولده يلبسون السواد).
وقوله ﷺ لعثمان ﵁: (إن الله مقمصك بيعا فإن أرادك المنافقون على خلعه، فلا تخلعه حتى تلقاني) ثم فسرها يوم دخل عليه وهو محلل الازار. فرقاها النبي ﷺ بيده، وقال له: (كيف أنت يا عثمان إذا لقيتني يوم القيامة وأود أهل يشجب وما خافوك من فعل بك هذا، فيقول: بين قائل وجادل وآمر).
وقوله ﷺ لما ارتج أحد، وعليه ومعه أبو بكر وعمر وعثمان. (أثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) وفي بعض الروايات (جرى مكان أحد).
ومنها ما روى عن علي ﵁ أنه قال: إن رسول الله ﷺ عهد إلى أن لا أموت، حتى ازمرتم تخضب هذه هذه يعني لحيته من هامته فكان كما قال.
ومنها أنه ذكر المارقين فقال: (يخرجون على خير فرقة من الناس أبيهم ادعج، إحدى يديه مثل يدي المرأة). فقال أبو سعيد: إني سمعت هذا من رسول الله ﷺ وأشهد إني كنت مع علي حين قتلهم، فالتمس في القتلى فأتي به على البعث الذي بعث رسول الله ﷺ. وفي حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، وذكر رسول الله ﷺ
[ ٢ / ١١٠ ]
ذا اليدية، فقال إلى راع الخيل يحتذره رجل يجيلة يقال له الأشهب أنه قال: ابن الأشهب علامته في قوم ظلمة. قال سفيان: فأخبرني حماد الذهبي. أنه جاء به رجل من يجيلة يقال الأشهب أو أبو الأشهب.
وقوله ﷺ لطلحة، وقد مر (الشهيد يمشي على وجه الأرض).
وقوله ﷺ وقد بكى الحسين، فقال: (أخبرني جبريل ﷺ، إن أمتي تقتل ابني الحسين ثم قال لي: هل لك أن أريك من تربته، فقلت: نعم. فمد يده، فقبض قبضة، فلما رأيتها لم أملك عيني أن فاضتا).
وقوله ﷺ للحسن: (إن ابني هذا سيد، وعسى الله يصلح به بين فئتين من المسلمين).
وقوله ﷺ لعمار: (تقتلك الفئة الباغية) فلما كان يوم صفين استسقى فأتى بصاع من لبن، اليوم ألقى الأحبة محمدًا وحزبه ثم تقدم فقتل.
ومنها ما روى عن حذيفة ﵁ أنه قال: لو حدثتكم ما سمعت من رسول الله ﷺ لرجمتموني، قالوا: سبحان الله، نحن نفعل هذا؟ قال: أرأيتم لو حدثتكم إن بعض أمهاتكم يأتينكم في كنفه. قلنا: سبحان الله من يصدق بهذا. ثم قام فدخل مخدعًا له.
ومنها قوله ﷺ: (التسابه أبكي صاحبه الجمل تنبح عليها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثيرة، وينجو ما كادت فلما كان من أمر عائشة ما كان وبلغت بعض مياه بني عامر نبحت عليها الكلاب، فقالت: ما هذا؟ قالوا: الجوأب. قالت: ما أظنني إلا راجعة. فقيل لها: لا ترجعي لعل الله يصلح بك الناس).
وقوله ﷺ: وقد ولد بها غلام فسموه الوليد. (أتسمون باسم فراعنتكم هو أشد على هذه الأمة من فرعون على قومه).
[ ٢ / ١١١ ]
ومنها ما رواه معاذ بن جبل ﵁ قال: بينما أنا وأبو عبيدة بن الجراح وسلمان جلوس ننتظر رسول الله ﷺ. أن خرج علينا من الهجر مرعوبًا متغير اللون. فقال: (من ذا يا معاذ أبو عبيدة، وسلمان؟ فقلت: نعم. قال: أنا محمد النبي أوتيت فواتح الكلام وجوامع الكلم. فأطيعوني ما دمت بين أظهركم. فإذا مت فعليكم بكتاب الله، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، إلى أن قال. امسك يا معاذ ابن أم معاذ، وأخبر ما حدث من أبي بكر). فلما بلغت يزيد. قال: رب لا تبارك في يزيد ودمعت عيناه قال هي إلى حبيبي وسبطي الحسين بن علي وأنبت بربه، وأخبرت بقاتله إلى أن قال: فلما بلغت ثلاثة عشر. قال الوليد اسم فرعون هادم الشرائع فهو يذمه رجل من أهل نبيه.
ومنها ما رواه أبو ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ، ذكر أهل الكوفة فقال: أنهم ستنزل بهم بلايا عظام. ثم ذكر أهل البصرة فقال: أقوم الناس قبلة وأكثرهم مؤذين، يدفع الله عنهم ما يكرهون.
ومنها أخبار برده تكون بعيده. قال أبو الدرداء: قلت يا رسول الله، بلغني أنك تقول ليرتدن قوم بعد إيمانهم، قال: أجل، ولست منهم.
ومنها قوله: (إن ربي وعدني بأبي الدرداء أن يسلم) فجاء فأسلم. وأخباره أبا ذر بأنه يموت فردا ويبعث فردا، وهو إشارة إلى القرية التي عرضت له. وقوله ﷺ لأبي هريرة ﵁، وقد مر ببقعة من الأرض: (رب أمتني في هذا المكان لا يصعد إلى الله ﷿).
قال أبو هريرة: (فمررت بعده بها، فإذا فيها النخاسون).
ومنها قوله ﷺ لعبد الله بن بشر وقد مسح برأسه. (بأبي أنت وأمي يا رسول الله. وكم القرن؟ قال: مائة سنة) وقوله ﷺ لأم ورقة وقد استأذنه في الغزو لتمرض
[ ٢ / ١١٢ ]
المرضى؟ وتداوي الجرحي، لعل الله يرزقها شهادة. (اجلسي في بيتك فإن الله مهد لك شهادة) وكان لها غلام وجارية فاغتالاها وقتلاها. وكان عند عمر بن الخطاب ﵁ فدخل عليها فوجدها مقتولة فقال صدق الله ورسوله.
وقوله ﷺ لأصحابه يوم مات النجاشي (مات اليوم عبد صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم).
وقوله ﷺ وقد نام في بيت خزام بنت ملحان زوج عبد الله بن الصامت ثم انتبه وهو يضحك. فقالت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: (ناس من أمتي عرضوا على غزاة في سبيل الله، يركبون لجج هذا البحر، ملوكًا على الأسرة. فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا) فغزت فيمن غزا، وركبت معهم البحر.
ومنها ما رواه علي ﵁، بعثني النبي ﷺ والزبير والمقداد، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة ضاح فإن فيها ظعينة معها كتاب فخذوه منها حتى تأتوني قال: فانطلقنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة معها كتاب فقلنا لها: اخرجي الكتاب. فقالت: ما معي كتاب. فقلنا لها: لتخرجن الكتاب أو لتلقي الثياب. فأخرجته من عقاصها. فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه. من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ. فدعا رسول الله ﷺ حاطبًا فقال: ما هذا؟ فقال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرءًا من قريش، ولم أكن من أنفسهم، وليس أحد من أصحابك إلا وله بمكة قرابة تحفظ في أهله، وماله غيري. فأحببت أن أتخذ فيهم ليحموا بها قرابتي، ولم أفعله كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني. فقال رسول الله ﷺ: صدقكم).
ومنها قوله ﷺ لعشرة من أصحابه في بيت أحدهم سمرة بنت جندب. (آخركم موتًا في النار) وكان آخرهم سمرة ومات في الحريق.
[ ٢ / ١١٣ ]
وقوله ﷺ (تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم).
وقوله ﷺ لوابصة وقد جاء يسأله عن البر والإثم. (أخبرك عما جئت تسأل عنه أم تسل؟ قال: يا رسول الله أخبرني قال: جئت تسأل عن البر والإثم. قال: البر ما اطمأن القلب واطمأنت إليه النفس. والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر، وإن افتاك الناس وافتوك).
وقوله ﷺ لرجلين جاءا يسألانه إن شئتما أخبرتكما، بما جئتما تسألاني وإن شئتما إن اسكت لتسألاني. قالا: بل أخبرنا يا رسول الله نزداد إيمانًا. فأخبرهما أنهما جاءا ليسألا عن مناسك الحج، فأجابهما عن كل شيء منها فأجلاه فعلا. فقالا: والله الذي بعثك بالحق لعن هذا نسألك.
ومنها ما روى أن رجلًا من المسلمين حمل على رجل من المشركين، لما غشيه الرمح فقال: أشهد أن لا إله إلا الله إني مسلم فطعنه، فأتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله استغفر لي. فقال: ماذا؟ فأخبره بما صنع. فقال له ﷺ: (فهلا شققت عن قلبه، فعلمت ما في نفسه؟ فقال: يا رسول الله لئن شققت عن قلبه. أكنت أعلم ما في نفسه. فقال: فلا أنت قبلت قوله، ولا أنت تعلم ما في قلبه) فسكت عنه فلم يلبث إلا يسيرًا حتى مات. فدفن، فأصبح على وجه الأرض. فقالوا: لعل عدوًا نبشه فدفنوه، وأمروا غلمانهم فحرسوه. فأصبح على وجه الأرض، فقالوا: فلعل الغلمان نبشوه وكفنوه ثم حرسوه فأصبح على وجه الأرض، فألقوه في بعض تلك الشعاب.
ومنها إخباره ﷺ فاطمة بأنها أول أهله لحوقًا به. وقوله ﷺ لأزواجه: اسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا). فكانت زينب أول من ماتت. وقيل كانت تعمل بيدها وتتصدق به.
[ ٢ / ١١٤ ]
ومنها ما أخبر ﷺ ابن عباس من أن بعده سيذهب، فذهب بعده، وأنه يغرق، فغرق في بحيرة الطبرية ثم نجا.
ومنها ما روت أم سلمة قالت أهديت لي قدرة من لحم، فقلت للخادم: ارفعوا لرسول الله ﷺ حتى يجيء فنقدمها بين يديه. فجاء رسول الله ﷺ، فقلت للخادم: قدمي إلى رسول الله ﷺ القدرة من اللحم، فجاءت بها فأرتها أم سلمة فإذا هي قد صارت مروة حجر. فنظر رسول الله ﷺ فقال: مالك يا أم سلمة؟ فقصت عليه القصة فقال: (لعل قام على بابكم سائل فاهنتموه؟ قالت: أجل يا رسول الله. قال: إن ذاك لذلك).
ومنها ما روى عن جابر بن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال يا رسول الله، إن أبي أخذ مالي. فقال رسول الله ﷺ (اذهب فائتني بابيك فنزل جبريل صلوات الله عليه على النبي ﷺ فقال: إن الله يقرئك السلام، ويقول لك. إذا جاءك الشيخ فسله عن شيء قاله في نفسه فما سمعته أذناه. فلما جاء الشيخ قال له النبي ﷺ أنه دعاه من هذا. أخبرني عن شيء قلته في نفسك فما سمعته أناك؟ فقال الشيخ: والله يا رسول الله ما تراك تزيد ما بك يقينًا، قلت في نفسي شيئًا فاسمعته أذناي. فقال: قل فأنا اسمع. قال: قلت:
غذوتك مولودًا وعلتك يافعًا لعل بما أحنى عليك وتنهل
إذا ليلة ضاقتك بالسقم لم أبت لسمعك إلا ساهرًا أتململ
كاني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني فعيني تمهل
تخاف الردى نفسي عليك وأنها لتعلم أن الموت وقت مؤجل
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما فيك كنت أؤمل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إن لم ترع حق أبوتي كما يفعل الجار المجامل يفعل
[ ٢ / ١١٥ ]
قال فحينئذ أخذ النبي ﷺ بيد ابنه وقال أنت ومالك لأبيك. ومنها ما روى محمد بن حمزة الأسلمي عن أبيه، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فتفرقنا في ليلة ظلماء، فأصاب أصابعي حتى جمعوا عليها ظهورهم.
ومر آياته ﷺ ما ظهر بعد موته:
فروى أنهم لما أرادوا غسله سمعوا نداء ألا تنزعوا عن رسول الله ﷺ قميصه ويروى أنهم أتاهم في وقت التعزية آت يسمعون ولا يرون شخصه فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم، إلا أن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله فثقوا وإياه فارجوا، فإنما المصاب من حرم الثواب والسلام عليكم ورحمة الله.
وروى أن عمر ﵁ خرج بالعباس ﵁ لما قحطوا يستسقي به فقال: اللهم إنا كنا إذا قحطنا على عهد رسول الله ﷺ فاستسقينا به سقينا، وإنا نتوسل نعم نبيك فاسقنا، فسقوا وروى عن سفينة قال: ركب البحر فانكسرت السفينة، فخرجت على لوح فرماني إلى أجمة، فأقبل الأسد يتمطى. قلت أبا الحارث أنا مولى رسول الله ﷺ، فجاء فخضع برأسه، وجعل يدفعني أمامه حتى افاضني على الطريق ثم همهم وولي عنهم.
وإعلام الرسول ﷺ كثيرة، ومما كتب ما يحقق أنه ﷺ أكثر الرسل إعلامًا، وإن من إعلامه ما لا يوجد في إعلام غيره، مما ينحو نحوه اختراع الأجسام فعله الله تعالى لأجله وليكون حجة على من يشك في نبوته، دلالة ظاهرة على فضله وأربابه على معاني الكرامة على غيره.
ومما يدل على فضل نبينا محمد المصطفي ﷺ: إن الله ﷿ لم يخاطبه في القرآن قط إلا بالنبي ﷺ أو الرسول أو لم يناده باسمه، بل قال: ﴿يا أيها
[ ٢ / ١١٦ ]
النبي ﴿وأما سائر الأنبياء صلوات الله عليهم فإنه دعاهم بأسمائهم. فقال:﴾ يا آدم، اسكن أنت وزوجك الجنة ﴿﴾ ويا آدم أنبئهم بأسمائهم ﴿﴾ يا نوح، إنه ليس من أهلك، يا نوح اهبط بسلام منا ﴿﴾ يا إبراهيم اعرض عن هذا ﴿﴾ يا موسى إني أنا الله ﴿﴾ يوسف اعرض عن هذا ﴿﴾ يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس ﴿.
وهذا في الشريعة والصلوات دلالة التفضيل لمن يدعي باسم شخصه، إلا ترى أن الأعراب لما كانوا إذا دعوا رسول الله، قالوا: يا محمد، ويا أبا القاسم، نهوا عن ذلك، وقيل:﴾ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا ﴿. أي عظموه وفخموه فقولوا: يا بني الله، ويا رسول الله، وكذلك عادة الناس، لأن الوالد يدعو الولد باسمه، والولد لا يدعو الوالد باسمه. والعالم يدعو المتعلم باسمه، والمتعلم لا يدعو العالم باسمه، فلما فاوت الله تعالى بين الأنبياء ﵈ فدعاهم كلهم بأسمائهم إلا محمد ﷺ، فإنه دعاه باسم النبوة والرسالة، علمنا أنه أراد بذلك إظهار كرامته وفضله على إخوانه، إذا كان يستحيل أن يقال أنه فضله على نفسه والله أعلم.
ومما يدل على فضله ﷺ: ما ورد به الخبر من أن آدم في الجنة يكنى أبا محمد فلولا أنه أفضل النبيين لما خص عند القصد إلى أن يكنى باسم أحدهم دون اسم نبينا ﷺ فيكنى به دون اسم نوح أو إبراهيم أو غيرهما. وفي تخصيصه بذلك ما يدل على أن أفضلهم، وأولادهم بأن يحمل آدم أن يدعى أباه والله أعلم.
فإن قال قائل: من أين استجزت المفاضلة بين الأنبياء، ثم تفضيل أحد منهم على غيرهم وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تخايروا بين الأنبياء).
قيل له: قد قال الله ﷿ "تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض" فأخبر أنه
[ ٢ / ١١٧ ]
فاوت بينهم في الفضل. فإن وصفناهم بما وصفهم الله تعالى فلا عيب علينا في ذلك. فأما المخايرة بين الأنبياء الذي ورد فيه النهي، فإنما يراد بذلك محاذات أهل الملك في تفضيل نبينا ﷺ كاليهود تجادل في موسى، والنصارى تجادل في عيسى، وتفضيل نبينا ﷺ وعليهما.
أو المعنى في ذلك. إن هذه المخايرة إذا وقعت بين أهل دينين مختلفين لم يؤمن أن يخرج كل واحد من المخايرين في تفضيل من يريد تفضيله إلا الازراء بالآخر، والتعيير منه، فيكفي بذلك.
فإذا كانت المخايرة من مسلم يريد الوقوف على الأفضل، فيقابل بينهما ليظهر له رجحان فليس هذا بنهي عنه، لأن الرسل إذا كانوا متفاضلين وكان الأفضل يوجب فضل حق، وكان الحق إذا وجب لا يهتدي إلى أدائه إلا بعد معرفته، ومعرفة مستحقيه، كانت إلى معرفة الأفضل حاجة، ووجب أن يكون الله تعالى دلالة. وطلب العلم المحتاج إليه من قبل إعلامه المنصوبة عليه ليس مما ينكر والله أعلم.
فإن قيل: لم لا فضلتم إبراهيم صلوات الله عليه لأنه خليل الرحمن، وقد علم أن الله يحب أولياءه كلهم، فالذي لا ينكر غيره أن يكون إنما خص إبراهيم باسم الخليل، لأنه أحب أوليائه إليه، ولأن الله ﷿ جعل نبينا ﷺ تابعًا له، بقوله:﴾ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴿وليس التابع كالمتبوع، ولأن مكة حرم إبراهيم، والمدينة حرم نبينا ﷺ، فإنه روى عن النبي ﷺ أنه قال: (اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم المدينة) ووجدنا المتبوع من حرم إبراهيم من الصبر والشجر مضمونًا بجزاء، والمتبوع في حرم النبي ﷺ مضمون، فكان ذلك إمارة تشهد بفضل حرم إبراهيم. وفي طور ذلك وجوب أن يكون محرمه أفضل.
ولأنه روى في الصحيح. (أنكم محشورون عراة، فأول من يكن إبراهيم) وفي
[ ٢ / ١١٨ ]
ذلك دليل على فضله وتقدمه، وإن أفضل ما يدعو به نبينا ﷺ، أن نقول: اللهم صلى على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، فإذا كان أقصى ما نسأل ربنا ﷿ لنبينا ﷺ أن يلحقه إبراهيم فيصلي عليه كصلاته على إبراهيم، أفلا ذلكم دليل على فضل إبراهيم صلوات الله عليه.
فالجواب. أن الله ﷿ قد أخبر أنه اتخذ إبراهيم خليلا، ولم يخبر أنه اتخذ النبيين خليلا، فيكون ذلك حكمًا بتفضيله عليهم. إنما معنى ذلك ما أشار قوله ﷿ أن إبراهيم كان قانتًا لله، ولم يكن من المشركين شاكرًا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم.
وقيل: (إن إبراهيم ﵇ إنما هداه الله إلى معرفته ووفقه الله لتوحيده، حتى كان الكفر طبق الأرض، ولم يكن في الدنيا نسمة تعرف الله ﷿ ويعترف به غيره واتخذ خليلا بأن جعله أهلًا لهدايته أولا، ثم بأن أمره ونهاه وظهرت منه الطاعة ثانيًا بأن ابتلاه، فوجد منه الصبر ثالثًا فكان يومئذ خليله، وأهل الأرض كلهم أعداءه، لأنه كان المطيع، والناس غيره عصاه.
فأما أن يقال: أنه اتخذه خليلا على الذي لا يشك في أنه كان يحبهم ويحبونه من عامة النبيين فلا يقال ذلك، لأن من خالف الخليل فهو عدوه. وقد علمنا أنه ليس في الأنبياء لله عدو، فصح أن اتخاذ إبراهيم خليلا ليس عليهم، وإنما هو على أعداء زمانه كما بينا، ويدل على ما قلت أن الأولياء كلهم يحبون الله ويحبهم، ودرجة المحبة فوق درجة الخلة، وكل حبيب خليل، وليس كل خليل حبيبًا، فكيف يجوز مع هذا أن يكون اتخاذ الله إبراهيم خليلا اتخاذه إياه خليلا على إخوانه مع النبيين بل الأشبه أن يكون ذلك على عناء، ولم يؤهل أحد منهم للهداية غيره. فهكذا ثم هدى به من أراد، فكان ذلك اتخاذ أباه خليلا والله أعلم.
وأما قوله جل وعز:﴾ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴿فإنما فيه أمره بإتباع ملة إبراهيم لا إتباع إبراهيم. وملة إبراهيم لم يلزم إتباعها لأجل إبراهيم لكن
[ ٢ / ١١٩ ]
لأنها الحق الذي لا يتسع إنكاره، ولذلك كان يلزم إبراهيم، فكذلك يلزم غيره كما وصف الله ﷿ في هذه الآية التوحيد. بأنه ملة إبراهيم فكذلك أدخل معه غيره في آية أخرى، فقال:﴾ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴿لا يوجب أن يكون نبيًا ﷺ تبعًا لموسى وعيسى فكذلك لا يوجب ما احتج به القائل أن يكون نبينا ﷺ تبعًا لموسى وعيسى فكذلك لا يوجب ما احتج به القائل أن يكون نبينا تبعًا لإبراهيم صلى الله عليهما.
وأيضًا فإن المعارضة بإبراهيم ﵇ تسليم لفضل نبيا ﷺ على ما عدا إبراهيم. وقد ذكر الله ﷿ في كتابه نوحًا ثم قال:﴾ وإن من شيعته لإبراهيم ﴿فإذا جاز هذا المعارض تفضيل نبينا ﷺ على نوح فكيف يأبي تفضيله على من هو شيعة نوح وبالله التوفيق.
وأما المعارضة بالحرمين فلا يلزم، لأن مكة حرم الله تعالى حرمها يوم خلق السموات والأرضين، وبذلك وردت الأخبار وجعلها مع ذلك موضع النسك وما عداه من الحرم فهو تحريم الدار للدار. ويحتمل أن يكون معنى إبراهيم حرم مكة، أن أمر البيت والحرم كان قد عفى ودرس. فلما أحياه الله تعالى على يدي إبراهيم بين على لسانه الحل والحرم. فأخذ الناس حكم الحرم عنه، لأن التحريم كان في ذلك الوقت. وأما تحريم المدينة، فإن كان على عهد الرسول ﷺ ولم يكن قبله، ولا المدينة أيضًا موضع نسك، واختلف الحرمان من هذا الوجه الذي قدره المعارض والله أعلم.
وأما أن أول من يكتسي إبراهيم، فقد ذكرت فيه ثلاثة أوجه فيما تقدم. وأما قولنا اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. فلا يدل على ما قاله للسائل، لأن محمدًا لو كان في الفضل دون إبراهيم لما جاز لنا أن نقول. اللهم صلى على محمد كما صليت على إبراهيم، ولما كان ذلك مطلقًا، علمنا أنه ليس في الفضل دون إبراهيم.
[ ٢ / ١٢٠ ]
فإن قيل: فما معنى هذا التشبيه؟ قيل: معناه إن الله ﷿ أخبر أن الملائكة قالت في بيت إبراهيم مخاطبة لسارة:﴾ رحمة الله وبركاته عليكم، أهل البيت إنه حميد مجيد ﴿. وقد علمنا أن نبينا ﷺ من أهل بيت إبراهيم، وكذلك آله كلهم. فمعنى قولنا: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين أي أجب دعاء ملائكتك الذين دعوى لآل إبراهيم فقالت: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت في محمد وآل محمد. كما أجبته في الموحدين كانوا يومئذ من أهل بيته أيضًا، وكذلك تختم هذا الدعاء بقول: "إنك حميد مجيد" فإن الملائكة ختمت دعاءها بقوله "إنه حميد مجيد" وليس في هذا ما يقصر بمحمد عن إبراهيم وبالله التوفيق.
فإن قال قائلون: لم تفضلون محمد على موسى وقد جاء عنه إنه لا تفضلوني على موسى لئلا يحمل ذلك اليهود على الرفعة فيه، فيكون ذلك مما عرضه له المسلمون وجروه إليه. وهو كقول الله ﷿:﴾ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ﴿. يدل على ذلك قوله:﴾ ولو كان موسى حيًا ما وسعه إلا إتباعي ﴿. فإن قيل: فلم تفضلونه على يونس، وقد قال:﴾ لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى ﴿.
قيل معناه: ليس لأحد أن يفضل نفسه على يونس، وهذا لأن الله ﷿ أخبر عنه أنه اتق وأنه هب مغاضبًا، وأنه لم يصبر على ما ظن أنه يصبه من قومه فقد كان يمكن أن يتوهم متوهم إذا وجد صابرًا على ما يصيبه في ذات الله، قوي العزم على مجاهدة أعداء الله أنه خير من يونس. فأبان النبي ﷺ أن ذلك لا ينبغي لأحد أن يقوله، لأن يونس كان نبيًا، وغير النبي لا يكون خيرًا من النبي، فهذا معنى الحديث والله أعلم.
[ ٢ / ١٢١ ]
وإذا ظهر أن حب رسول الله ﷺ من الإيمان. وبينا ما جمع الله له من المحامد والمحاسن التي هي الدواعي إلى محبة اعتقاد مدائحه وفضائله والاعتراف له بها، والولوع بذكرها، وإكثار الصلوات عليها. وخصوصا في الليلة الغراء، وباليوم الأزهد كما جاء ذلك من أمره ولزوم طاعته، والحرص على إظهار دعوته، وإقامة شريعته، والتسبب إلى استحقاق شفاعته، والمقام مع البعد من زمانه على الحال التي كان ينبغي أن يستحي منه، أو كان المقام عليها يصرف عينه، والفرح باللون من أمته، ومستحي دعوته، وإدمان التلاوة للقرآن الناطق بحججه. فمن فعل ما ذكرنا وما يتصل به من أمثاله فقد أحبه.
ويدخل في جملة حبه ﷺ حب آله وحب أهل بيته الذين حرمت عليهم الصدقة، وأوجب لهم الخمس لمكانتهم. فإن الله ﵎ ألحقهم بهم، وميزهم على غيرهم، فاقتضى ذلك أن يعرف العباد حق هذه الرفعة والرتبة، ويحبونهم بحب النبي ﷺ، كما أكرمهم الله تعالى بكرامته، وصان أقدارهم كما صان عنه قدره، وعوضهم عما حرمهم مثل ما عوضه. ويتبع ذلك حب صحابته لأن الله جل ثناؤه أثنى عليهم ومدحهم فقال:﴾ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، كرزع أخرج شطأة فآزره فاستغلظ فاستوي على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار، وعد الله الذين أمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرًا عظيمًا ﴿. وقال﴾ لقد رضي عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا ﴿.
وقال:﴾ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم ﴿. وقال﴾ والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقًا لهم مغفرة ورزق كريم﴾.
[ ٢ / ١٢٢ ]
فإذا نزلوا هذه المنزلة استحقوا على جماعة المؤمنين أن يحبوهم ويتقربوا إلى الله ﷿ بمحبتهم، لأن الله ﷿ إذا رضي عن عبد أحبه، وأوجب على العبد أن يحب من يحبه مولاه، ثم أن النبي ﷺ قال: (من أحب الأنصار فيحبني أحبهم، ومن أبغض الأنصار فيبغضني أبغضهم).
وعنه ﷺ: (حب الأنصار من الإيمان، وعلامة المؤمنين حب الأنصار) وهذا لأن حب المهاجرين لله ورسوله كما ظهر بهجرتهم ديارهم وأموالهم وأبقارهم أنفسهم، فكذلك حب الأنصار لله ورسوله قد ظهر بايوائهم النبي ﷺ وعامة المهاجرين في نصرهم إياهم. وقد قال ﷿:﴾ والذين تبوأ الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴿وإنما أراد بذلك الأنصار من أهل المدينة، فمن كانت صفته هذه الصفة، وثنى الله عليه الثناء، فلا شك في محبة الله تعالى إياه ومحبة رسوله ﷺ. وفي ظهور ذلك وجوب محبتهم على الأمة. فإن ظهر أن حب الصحابة من الإيمان فكذلك لن يعتقد فضائلهم ويعرف لهم بها، ويعرف لكل ذي حق حقه، ولكل ذي غناء في الإسلام غناه، ولكل ذي منزلة عند النبي ﷺ منزلته، وييسر محاسنهم، ويدعي بالخير لهم، ويقتدي بما جاء في أواب الدين عنهم، ولا يتبع ولاتهم وصفواتهم، ولا يعمد بهجين أحد منهم بيت ما لا يحسن عنه، ويسكت عما لا يقع فلأصرفنه إلى الخوض فيما كان بينهم وبالله التوفيق.
[ ٢ / ١٢٣ ]