وهو باب في الإيمان بالقرآن المنزل على نبينا محمد ﷺ
وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء صلوات الله عليم
والإيمان بالقرآن يتشعب شعبًا فأولاها: الإيمان بأنه كلام الله تعالى، وإلا تبين من وضع محمد ﷺ، ولا من وضع جبريل ﵇.
والثانية: بأن معجز النظم، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يقدرون عليه.
والثالثة: اعتقاد أن جميع القرآن الذين يوفى النبي ﷺ عنه، هو هذا الذي في مصاحف المسلمين، لم يفت منه شيء، ولم يصغ بنسيان ناس، ولا ضلال نجيب ولا موت فادي، ولا كتمان كاتم، ولم يحرف منه شيء ولم يزد فيه حرف، ولم ينقص منه حرف.
فأما الوجه الأول: فأن الله تعالى يقول: ﴿يا أيا الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله، والكتاب الذي أنزل من قبل﴾.
وقوله ﷿: ﴿والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾.
وقوله تعالى: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾.
وقال: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوحدوا فيه اختلافًا كبيرا﴾. وقال: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه﴾.
وقال تعالى: ﴿لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيدًا﴾.
[ ١ / ٣١٧ ]
وقال: وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين﴾. وقال: ﴿إنا أنزلناه قرآنًا عربيأ لعلكم تعقلون﴾.
وآيات القرآن في هذا المعنى كثيرة، فإن عارض معارض بقول الله ﷿ في كتابه: ﴿إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلًا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن﴾.
وفي سورة أخرى: ﴿إنه لقول رسول كريم ذي قوة، عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين﴾ وزعم أن هاتين الآيتين دلالة على أن القرآن كلام جبريل، قيل أنه ليس معنى الآية ما توهمت لأن الله ﷿ قال في آية أخرى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾
فأثبت أن القرآن كلامه، ولا يجوز أن يكون كلامه وكلام جبريل معًا، فثبت أن معنى قوله: ﴿إنه لقول رسول كريم﴾ (أي قول تلقاه عن رسول كريم أو نزل عليه رسول كريم).
فدل على هذا أن الله ﷻ قال: ﴿لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله﴾. فثبت أن القرآن معجز. فلو كان من وضع جبريل لم يكن معجزًا لأن المعجز ما لا يقدر عليه إلا الله ﷿.
فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون قول الله ﷿: ﴿إنه لقول رسول كريم﴾. يجري على ظاهره، ويكون معنى قوله حتى يسمع كلام الله أي الكلام الذي أمر الله ﷿ جبريل بإلقائه إلى نبيه.
فأما قوله تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه﴾ وسائر ما في مثل معناه، فإن وجهه: أن الله ﷿ إذا أمر جبريل أن ينزل على نبيه كتابًا ثم يحمله إليه، ففعل الكتاب ذلك أن يقال: هذا كتاب ذلك الملك، صدر بأمره أو بعلمه.
وأما الإعجاز فقد يجوز أن يوصف به القرآن، وإن كان من قول جبريل لأن الملك يقدر على ما لا تقدر عليه الإنس والجن، ولم يذكر الله ﷿ في التعجيز عن الإتيان بمثل
[ ١ / ٣١٨ ]
القرآن إلا الإنس والجن، فما الذي أحال أن يقدر على القرآن، ولا تقدر عليه الإنس ولا الجن.
هذا وقد جعل الله هذا، وقد جعل الله تعالى فعلًا من أفعال الملائكة علمًا يصدق نبي من الأنبياء، وهو الذي أخبر قومه بأن الله بعث لكم طالوت ملكًا، فلما قالوا: ﴿أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال﴾. قال: ﴿إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة﴾.
فجعل الله ﷿ حمل الملائكة ذلك التابوت المأنوس لبني إٍسرائيل من الوصول إليه، إنه لصدق النبي الذي أخبرهم أن الله تعالى ملك عليهم طالوت، فلا ينكر أن يجعل الله إلقاء جبريل بالقرآن إلى نبينا صلوات الله عليه دلالة على صدقه، وإن جبريل هو الذي تولى وضعه ونظمه.
فالجواب: إن الله ﷿ لم يقصر التعجيز عن الإتيان بمثل القرآن على الإنس والجن لأن الملائكة تقدر على الإتيان بمثله، ولكن لأن الرسالة كانت إلى الإنس والجن فوقع التحدي للفريقين حتى إذا عجزوا كان عجزهم دلالة على أن النبي ﷺ عاجز مثلهم فيظهر بذلك أنه لم يأت بالقرآن من عند نفسه وإنما أتى به من عند الله.
فأما الملائكة فلم يتحدوا عن ذلك، لأن الرسالة إذا لم تكن إليهم لم يكن القرآن حجة عليهم فنبئوا أكانوا قادرين على مثله أو عاجزين، وهم عندنا عاجزون.
وليس الإتيان بمثل القرآن من قلب المدائن، والإتيان بالتابوت في شيء، لأن قلب المدينة وحمل التابوت العظيم كالذي يوصف من تابوت بني إسرائيل، لقصور قواهم عنه، فإذا زادت قوة الملك على قوة الآدمي أضعافًا مضاعفة زاد عمله أيضا كذلك.
وأما نظم القرآن فإنه ليس من جنس نظم كلام الناس ولكنه مباين لهذا، فلا يهتدي إليها فيحتذي ويمثل، فهو تركيب الجواهر غير الأجسام، لتصير أجسامًا، ولا على قلب الأعيان ولا يقدرون عليه من ذلك. والملائكة أيضًا لا يقدرون عليه كذلك.
[ ١ / ٣١٩ ]
وما لا يقدر عليه الإنس والجن من الإتيان بمثل القرآن، والملائكة أيضا لايقدرون، وفي ذلك ما أبان نظام القرآن ليس من عند جبريل، لكنه من عند الله اللطيف الخبير، وبالله التوفيق.
وقد دخل فيما ذكرته من هذا الوجه الثاني من الأوجه الثلاثة التي تقدم ذكرها في صدر الكتاب.
فأما الوجه الثالث فبيانه أنه الله تعالى حفظ القرآن، فقال عند ذكره: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾. وقال: ﴿وإنه كتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه تنزيل من حكيم حميد﴾. فمن أجاز أن يتمكن أحد من زيادة شيء في القرآن أو نقصانه منه، أو تحريفه أو تبديله، فقد كذب على الله تعالى فيث خبره، وأجاز وقوع الخف فيه، وذلك كفر.
وأيضا فإن ذلك لو كانت ممكنًا لم يكن أحد من المسلمين على ثقة من دينه ويقين مما هو متمسك به، لأنه لا يأمن ان يكون فيما كتب من القرآن أوضاع نسخ الصلوات أو بعض شيء منها، أو تغيير أوقاتها أو الزيادة عليها، أو نسخ الزكاة، أو تغيير الأموال بها، والزيادة في مقاديرها، أو النقص منها، أو نسخ الصيام أو الزيادة على شهر رمضان أو تبديله بغيره. أو نسخ الحج أو إيجاب تكريره، أو منع الجهاد، أو تحليل الخمر والميسر وإطلاق المحرم من الفروج، أو تحريم المحلل منها.
فكان أحد من الناس لا يقيم عبادة إلا متشككا، ولا يقدر على شيء ولا ينزع عن شيء إلا متشككا. ثم كان لا يؤمن أن يكون وصف نبينها بأنه خاتم النبيين زيادة من نقصان الناس دون أن يكون تنزيلا، فلعله عن قريب يبعت بعده نبي، أو يكون قوله: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا﴾. تحريفا وتبديلا، ويكون المنزل يا بني إسماعيل، وإخباره هذا يدعو إلى تشريع كل خارج من الإسلام أن لا يدخل فيه، وإن الثقة به لا توجد لأهله، وهذا غير الكفر، فصح أن من تمام الإيمان الإعتراف: بأن جميعه هذا، المتوارث خلفًا عن سلف لا زيادة فيه ولا نقصان وبالله التوفيق.
[ ١ / ٣٢٠ ]
فأما الإيمان بسائر الكتب مع الإيمان بالقرآن، فهو نظير الإيمان بسائر الرسل مع الإيمان بنبينا ﷺ وعليهم، لأنه قد أخبر عنه الله ﷿: أنه أنزل كتبا على أنبياء كانوا قبله، كما أخبر عنه بأنه كانت لله تعالى قبله رسل وأنبياء فلا يكمل تصديقه فيما يذكر أنه أنزل عليه إلا بتصديقه عليه إلا بتصديقه فيما أنزل على غيره.
وهذا هو المعنى الذي ذكرته في وجوب الإيمان بسائر الرسل معه إلا أن الإيمان بما أنزل عليه يقتضي قبوله واتباعه والعمل به على ما يلزمه ويدعو إليه.
والإيمان بما أنزل قبله لا يقتضي إلا الاعتراف بأنها كانت من عند الله، وكانت في أوقاتها حقًا وصدقًا واتباعها واجبًا للمتبعين المخاطبين بها، كما أن الإيمان به يقتضي الإيمان بقبول ما جاء به واتباعه في عامة ما أمر به، ويدعو إليه.
والإيمان بالرسل قبه لا يقتضي إلا بالاعتراف بأنهم كانوا صادقين محقين، وكانت طاعتهم لازمة للذين بعثوا إليهم والله أعلم.
وفي الإيمان بالرسل قبله معنى آخر لا لبس فيه: وهو أن عامتهم أتوا بمعجزات وبينات دلت على صدقهم، فمن آمن بالنبي ﷺ بمعجز، ليقولوا نؤمن بالنبي بعد قوة مع إثباتهم بالمعجزات، كان قد أجاز على صحاب المعجزة مع إجازة المعجزة لغير النبي ﷺ ضدان يقتضيان لا ما يلقيان ولا يليقان. فلهذا كان الإيمان بعامة الرسل من تمام الإيمان بنبينا صلوات الله عليه وعليهم وبالله التوفيق.
فإن قال قائل: إن الله ﷿ قال: ﴿والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾. بدأ بنفسه وثنى بملائكته وثلت بكتبه وذكر الرسل أخيرًا، وأنتم خالفتم هذا الترتيب فجعلتم الشعبة الثانية للإيمان بالرسل، والشعبة الثالثة للإيمان بالملائكة، والرابعة للإيمان بالكتب، فهل لكم من عذر في هذا؟
قيل له: أما التنبيه بالرسل فلان الله ﷿ قال في آية الأمر: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله﴾. وقرن الإيمان برسوله بالإيمان به. وقال: ﴿يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله﴾.
[ ١ / ٣٢١ ]
وقال في آية الوعد: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم﴾ فأوجبنا التثنية بالرسل عند تعديد شعب الإيمان، هذا ولان العلى الملائكة، إنما وقع بخبر الرسل، فكانت التثنية بالرسل لذلك أولى من التثنية بالملائكة.
ثم ذكر الملائكة بعد الرسل أولى من ذكر الكتب، لأنهم من جملة الرسل وإن كانوا صنفًا غير الرسل الذين من البشر، ولأن الكتب تنزيل الملائكة، فالأحسن إذًا تقديم ذكرهم على ذكر تنزيلهم.
فصل
ونقول: أن الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء الذين كانوا قبل نبينا ﷺ وعليهم، وإن كان واجبًا فلا يؤخذ بقراءة ما في أيدي اليهود والنصارى منها، لأن الله ﷿ قد خوفهم وزجرهم ونسبهم إلى أنههم يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، ﴿ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾. وقال: ﴿يحرفون الكلم من بعد مواضعه﴾ وقال: ﴿يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون﴾
وإذا كطان هذا هكذا، لم يقع للمسلم تقديمًا بقول اليهود أنه من التوراة، ويقول النصراني أنه من الإنجيل، أو يقولان: أنه من الزبور، إذ كان لا يأتيه أن يكون من وصفهم الذي أخبر الله ﷿ بأنهم ينسبونه إلى الله ﷿، يعلمون من أنفسهم بأنهم كاذبون.
وأيضا فإن الكفار لا شهادة لهم أصلا، فكيف يقبل قولهم على الله تعالى ورسله، لكنهم أبعد الناس من ذلك، فأولاهم بالرد والتكذيب. هذا وقد ظهر أكثر ما في أيديهم، لا يجوز أن يكون منزلا من عند الله ﷿ لأن ما يدعونه إليه، إنه التوراة مغازي موسى وقصته بعد فرعون، وما دار بينه وبين بني إسرائيل طول مقامه بين أظهرهم، وصفة وفاته
[ ١ / ٣٢٢ ]
فلا يخفى على عاقل إن ذلك على وجهه لم ينزل عليه، وأنه بمنزلة الأخبار التي جاءت من السنن ومحاورات النبي ﷺ وأصحابه وسائليه والقادمين عليه من الوفود وغيرهم، وعن جابر أن يلحق شيء من ذلك بالقرآن، أو يدعى باسمه، فلذلك ما كان ذلك لموسى ﵇، لا يجوز أن يلحق بالتوراة أو يدعي باسمها.
فأما ما في القرآن من ذكر بعض حروب النبي ﷺ، وليس على معنى الاقتصاص له بتلك الحروب ولأصحابه وإنما هو ذكر أحوال ومقامات اكرمهم الله تعالى فيها بيده ونصره، فقرر عندهم نعمه التي أنعمها عليها، لئلا يغفلوا عنها، ويزداد بصيرة في دينهم لأجلها، ويحمدوه عليها.
وذكر أمور وقعت منهم على وجهه لم يرضه الله ﵎، فأنكرها عليهم، لئلا يعودوا لمثلها، وما في التوراة أن يدعو بها ليس على هذا الوجه، وإنما هو اقتصاص مجرد لجميع ما كان من موسى وقومه ظعنًا وإقامة، فما ذلك إلا كحديث رسوله ﷺ الذي رواه جابر فاستوفاه، وسائر المغازي، وما جاء في وفاة رسول الله ﷺ. فإذا لم تجز دعوى التنزيل في هذه فتلك مثلها وبالله التوفيق.
وأما ما يدعى النصارى أنه الإنجيل، فإن فيه من الكفر الصريح من نحو قولهم: ﴿باسم الأب والإبن والروح القدس﴾، وقولهم: يا ملكوت الرحمخن، مالا شكل على عاقل أن الله ﷿ لا يرضى من عباده باطلا، فضلا عن أن يأمر بانزاله، وعند علماء المسلمين أنه ليس عند النصارى ذلك الإنجيل المنزل على عيسى صلوات الله عليه، وأنه فات ما جرى على بيت المقدس وبني إٍسرائيل أيام بخت نصر.
ولكن جماعة من علمائهم وضعوا لها كتبًا تجمعهم، وسموه الإنجيل، ليكون ذلك أعظم لاسمه، وعى الناس إلى قبوله، وما كان بهذه المنزلة فالبر في مجانهبته لا في قراءته وبالله العصمة.
ولو ثبت أن شيئًا مما في أيدي اليهود والنصارى منزل من عند الله تعالى لكان الأحب
[ ١ / ٣٢٣ ]
- واسأل الله التوفيق- أن لا ينسخ ولا يدرس لم روى عن عمر ﵁ أنه جاء رسول الله ﷺ بصحيفة فيها التوراة، فكان يقرأها ورسوله ﷺ بتغير لونه من الغضب، وعمر ﵁ لا ينظر إليه فلا يراه، فلما فرغ قال له: (أمنهو كون فيها أنتم يا ابن الخطاب، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي). فقال عمر: فوددت مما رأيت رسول الله لو كنت أسلمت يومئذ.
ففي هذا الخبر أنه لا ينبغي للمسلم أن يدرس التوراة، فلا يجعل لها صحيفة عنده، ومعنى ذلك- والله أعلم- أن النسخ والدرس إنما يراد بهما حفظ الكتاب عن الفناء والضيع، وليس على المسلمين من ضياع تلك الكتب من أيدي اليهود والنصارى ضرورة لأنهم في بقائها في أيديهم نفع، بل ذهابها خير على المسلمين من بقائها، وبقاؤها أضر لهم من ضياعها، لأنها ما دامت عندهم وفي أيديهم، فإنهم يدعون لأجلها أهل الكتاب ويظهرون من أنفسهم الاستغناء بها مما عندنا، وإذا عفت ودرست ولم يبق عندهم منها شيء انقطعت عنا مضاهاتهم إياها، وما تقدرونه من مكافأتنا ومساواتنا، ولعل الضرورة تحملهم على الدخول في ديننا، كما دعت كثيرًا من العرب من الفترة في الدخول في دين أهل الكتاب.
فأما القرآن، فإنما ينسخ ويعلم ويتعلم ويتلى آناء الليل والنهار لأنها معجزة رسول الله ﷺ وحجته الباقية بعده، وجامع الأحكام الثانية التي لا معقب لها إلى قيام الساعة، فلا غنى عن حفظه وصونه عن الذهاب والضياع، وهذا المعنى غير موجود في تلك الكتب فيما بينه في النسخ والدرس والله أعلم.
وأيضا فإن المسلم إذا قرأ التوراة وقف على الأحكام التي كانت يومئذ، ووجد بينها وبين الأحكام المشروعة لنا ذلك التباين العظيم، لم يؤمن أن يكيده الشيطان فيوسوس إليه في بعضها أنه ما يليق به أنه يكون حكمًا، لأنه لا يجد له فيما عنده وجهًا. وفي بعضها أن هذا لو كان اليوم حكمًا لكان أشبه لما تجده في قلبه قرب وجهه وحسن
[ ١ / ٣٢٤ ]
موقعه، وكل واحد من هذين باب يسرع إلى الكفر، فكان ابقاؤه أولى من التعرض له والله أعلم.
وأما ما جاء عن النبي ﷺ من استدعاءه التوراة، واستقرابه الرجمخ، فإنما كان لأن الذين أراد رجمها كانا يهوديين، وكان عبد الله بن سلام أخبره، وهو يومئذ مسلم، أن الحكم عندهم في مثلها الرجم، فأراد النبي ﷺ، أن يضرب ذاك عليهم لئلا ينسبوه إلى أنه قبلا إدخالا للنقص على أهل دينهم، لا لأن القتل كان واجبًا عليهم وليصحح عليهم أنهم يكتمون الحق وهم يعلمون، وإن كتمانهم أمره الذي يجدونه في كتبهم، مثل كتمانهم الحكم الذي كان عندهم، ولم يكونوا يعترفون به، والله أعلم، وبالله التوفيق.
[ ١ / ٣٢٥ ]