وهو باب في تحريم أعراض الناس وما يلزم من تحريم الرتع منها
قال الله ﷿: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة﴾. وقال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم﴾. وقال: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ويدرأوا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾.
فتوعد الوعيد الغليظ على قذف المحصنات وحكم على القاذف برد شهادته على التأييد إلا أن يتوب، والجلد وشبه بالفسق تشديدًا عليه وتهجينًا لما كان منه. ولم يجعل للزوج مخرجًا من عذاب القذف إلا بإيجاب اللعن على نفسه، إن كان كاذبًا في قوله: كما لم يجعل للمرأة مخرجًا من عذاب الزنا إلا بإيجاب الغضب على نفسها إن كان صادقًا في قوله. فدل ذلك على غلظ الذنب في قذف المحصنات، ووجوب التورع عنه والاحتراز من تبعاته والله أعلم.
والفرق الرابع من الزوجين في اللعن والغضب، وإنما هو التغليظ على المرأة فإن كانت توجب الغضب على نفسها بأن يكون الزوج صادقًا عليها، وذلك أن تكون زنت. والرجل يوجب اللعن على نفسه بأن يكون كاذبًا في قذفه، وذلك أن تكون المرأة لم تزن. ولا شك
[ ٣ / ١٠٨ ]
أن الزنا أغلظ من القذف. فالزنا يدل ذلك على أن الغضب أعلى رتبة من اللعن، فلذلك وضع في موضع التبرؤ من الزنا، واللعن في موضع التبرؤ من القذف. والمعنى في ذلك أن الله تعالى إنما يراد به تمام مؤاخذته وعقوبته، حتى لا يبقى شيء مما يستحق المذنب إلا وينزله به، وليس يراد به ما يراد بغضب المخلوق ولو أراد أن يغيظه ويغيره عما كان عليه إلى حال قلق وضجر، وشيء من هذا غير جائز على الله تعالى، ولا لائق به بغضبه، وإذا كان كذلك وجب أن يكون أغلظ من اللعن، لأن اللعن الطرد، والطرد لا يتحقق مع الإيمان، وإنما يكون من وجه دون وجه، وفي شيء دون شيء فلم يكن القطع بأنه أغلظ من الغضب.
فإن قيل: بل اللعن أشد من الغضب، لأن الله تعالى هو القائل: ﴿وغضب الله عليه ولعنه﴾. فلما ثنى باللعنة عليه، علمنا أنه لا منزلة وراء الغضب.
قيل: فقد قال في الشهود ﴿من لعنه الله وغضب عليه﴾. ما يدل ذلك على أن الغضب منزل وراء اللعن، وإلا فليعلم أن المراد بالاثنين اجتماع الأمرين لا ترتيب أحدهما على الآخر والله أعلم.
وكما لا يحل أن نقذف المحصنة البريئة، ولذلك لا ينبغي له أن يقذف غير البريئة قال ذلك يؤذيها ويهتك سترها ويعرضه أيضًا لخصومتها ومطالبتها بالحد، ولعله لا يمكنه تثبيت الزنا عليها فيجلد. وإن كان الزنا قد ثبت عليها فحدث عزر الأذى، فلا ينبغي أن يعرض نفسه للتعزيز، كما لا ينبغي أن يعرض نفسه للجلد، والله أعلم.
ولا يجوز لمسلم أن يقول لمسلم يا كافر. فإنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال لمسلم يا كافر فقد باء بها أحدهما). ويحتمل أن يكون معنى ذلك أنه إن وصف ما عليه بأخوه المسلم بأنه كفر؟ فقد كفر نفسه، ولم يكن على أخيه منه شيء. وإن كان المقول له ذلك يبطن الكفر ويظهر الإسلام، فقد صدق عليه وليس على القائل شيء. وبين الحالتين حالة ثالثة وهو أن يقول له: يا كافر أي يا من تبطن الكفر ولا تظهر به، ولا يكون كذلك.
[ ٣ / ١٠٩ ]
وهذه غير مراده بالحديث، لأن واحدًا منهما لا ينوء بالكفر في هذه الحال. ويعذر الرامي ولا يحد، وهذا إن قال له: يا لص! يا شارب الخمر، ويا كذاب، فإنه يعذر في هذا كله ولا يجد، لأن الملامسة يخفى حلالها وحرامها. فيعرض في قلب السامعين عند القذف أنه علم من المقذوف ما لم يعلمه غيره، فذاك والذي حمله على قذفه، ويتغير لأجله حال المقذوف في قلوب السامعين، فكأن القاذف أخذ شيئًا من عرض المقذوف، فلذلك اقتص منه بجلد ظهره. وأما سائر الفواحش فلا يخفها أهلها حياء منها، وإنما يخفى ما يخفى منها احترازًا وتوقيًا من تبعاتها. فمن رمى بشيء منها ولم يكن متعاطيًا له أمكن الوقوف على براءته منه باستبراء حاله، ولا يؤثر رمي من رماه به فيه ولا ينال عرضه منه بشيء، فلذلك سقط الحد عن الرامي والله أعلم.
فإن قيل: إذا كانت الأعراض في التحريم كالدماء والأموال، ثم كان القصاص من الدم بالدم، ومن المال بالمال، فلم لا كان القصاص من العرض بالعرض؟
فالجواب: إن القصاص لا يتحقق في هذا الباب، فلذلك لم يشرع. وتفسيره أن الرجل إذا قال لآخر: يا زاني، فقد نال بهذا القول من عرضه شيئًا، لأن السامعين يرون أنه علم منه ما قال، فلذلك رماه به، فينحط من رتبة المقذوف وتتغير من صورته عندهم بقدر ما رفع في قلوبهم من صدق القاذف عليه. فإذا قال له المقذوف: بل أنت الزاني، لم يقع قوله هنا ذلك الموقع، لأنه يخرج الكلام مخرج المجاراة فيقع للسامعين: أن ابتداء الأول بقذفه هو الذي حملة على ما قال، لا علم كان عنده بشيء بدر من قاذفه.
فلا يتغير من صورة القاذف عندهم بمجاراة المقذوف إياه ما يغير من صورة المقذوف بابتداء القاذف. فلا يكون قذفه قائلًا عن عرضه ما ناله هو بالابتداء من عرضه. ويكون كما جاء إلى قاتل أبيه وهو ميت فجز رقبته، فهو وإن فعل من جز الرقبة به فعل ما فعله هو بأبيه، فلم ينل منه ما نال هو من عرضه أولًا، فلم يكن ذلك قصاصًا والله أعلم.
ولا يحصل أحد أن يعير أحدًا بذنب كان منه، وقد كان التعبير بالزنا عقوبة للزاني
[ ٣ / ١١٠ ]
قبل أن ينزل الحد، فلما نزل الحد رفع، وأما التعبير بعد التوبة فلم يكن مباحًا قط. قال الله ﷿: ﴿واللذان بأتيانها منكم فأذوهما، فإن تابا وأصلحا فاعرضوا عنهما إن الله كان توابًا رحيمًا﴾. ولا أن يعيره بحسب مذموم ولا بحرفة دنية ولا بشيء يثقل عليه إذا سمعه، فإن إيذاء المؤمن في الجملة حرام. قال الله ﷿: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا﴾. والحسب المذموم ليس من اكتساب المعير به والحرمة، وإن كانت لنسبه فليس بمكسب محرم. فالتعير بكل واحد منهما بل لإيذاء المحظور المحرم. ويحتمل أن يكون معنى قوله ﴿بغير ما اكتسبوا﴾ أي من غير أن يكتسبوا، سواء بمكان المؤذي ولا الحرفة الدنية إساءة من المعير بهما، إذ المعير بمكان ذلك من الإيذاء الذي وصفه الله ﷿ بأنه بهتان وإثم.
وأيضًا فإن التثويب وإبداء ما يثقل على القلب من أحوال البغضاء والتقاطع، والمؤمنون يتوصون في أنفسهم بالتآلف والتعاطف وأن يكونوا إخوة في أعدائهم يدًا واحدة، ويصلوا الصلوات جماعة، فما دعا إلى التقاطع والتباين فهو مخالف للدين فلا يحل ولا يتبع بحال وبالله التوفيق.
ومر بهذا الباب قول الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرًا منهن، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون. يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن، إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه﴾.
فاشتملت هذه الآيات على تحريم الاستهزاء والسخرية وتحريم اللمز وهو الغيب والرفعة، ومعنى ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾: لا يلمز بعضكم بعضًا كما قال: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ أي لا يقتل بعضكم بعضًا وتحريم التنابز بالألقاب هو أن يدع الواحد أن يدعو صاحبه
[ ٣ / ١١١ ]
باسمه الذي سماه به أبوه ويضع له لقبًا يريد أن يسبه به ويستذله، فيدعوه به. ثم قال: ﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾ فأبان أن فعل هذه المحظورات فسوق بعد الإيمان. والإيمان يوجب مواصلة أنداده على اعتراض على الموجود منه بما لا يليق به. ثم قال: ﴿ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾. أي الظالمون أنفسهم يسوقها إلى النار والعذاب الأليم، ثم قال ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن، إن بعض الظن إثم﴾. فأبان أن ظن القبيح بالمسلم كهمزه ولمزه ونهره والسخر به والهزؤ به، ونهى عنه وأخبر أنه إثم. ونهى عن التجسس وهو تتبع أحواله في خلواته وجوف داره والتعرف له. فإن ذلك إذا بلغه شيئًا وشق عليه، فكان التعرض له من باب الأذى الذي لا موجب له، ولا مرخص فيه، ولأن تتبع هذه الأمور كالاطلاع على ما وراء الباب والستر، وإذا كان ذلك حرامًا كان التتبع من غير الاطلاع مثله.
ولأن البيوت أكناف الناس وحصونهم فمن يتبع عوراتهم ويجس أحوالهم في خلواتهم كان كمن أتاهم من مأمنهم وأفسد عليهم إحرازهم، وكل ذلك حرام ممنوع.
ثم نهى عن الغيبة، فقال: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضًا﴾ أي لا يذكره هو غائب عنه فلو كان حاضرًا فسمعه لسب عليه.
وشبه الاغتياب بأكل لحم الميت لأن الميت لا يشعر بأن يؤكل لحمه، كما لا يشعر الغائب بأن يثلب عرضه. وقال النبي ﷺ (ما صام من صلى يأكل لحوم الناس) فشبه الوقيعة في الناس بأكل لحومهم. فمن ينقص مسلمًا ويثلب عرضه فهو يأكل لحمه حيًا. ومن اغتابه فهو يأكل لحمه ميتًا.
ونهى النبي ﷺ عن الغيبة فقيل: (يا رسول الله، أرأيت إن كدته بما فيه، قال: إنك إن ذكرته بما ليس فيه فقد بهته) فأبان إن الغيبة المحترمة هو أن
[ ٣ / ١١٢ ]
يذكره بما يكون فيه، فأما ذكره بما ليس فيه فهو من الزور والبهتان وليس من الغيبة في شيء والله أعلم.
ولا ينبغي لمسلم أن يصاخب مسلمًا ولا أن يغلظ له قولًا، ولا أن يتعرض لمسًا، أنه وقد مضى ما يتصل بهذه المعاني في أبواب متفرقة من هذا الكتاب.
وفي ذلك عناية وكفاية إن شاء الله. ولا ينبغي لمسلم أن يبهت مسلمًا. قال ابن عمر ﵁: من بهت مؤمنًا أو مؤمنة بما لا يعلم حبسه الله في ردهة الجبال يوم القيامة حتى يجد مخرجًا مما قال، وعن ابن المسيب ﵁ قال: إن من أولى الرياء الاستطالة في عرض المسلم.
وقال رسول الله ﷺ: (رحم الله من كف لسانه عن أعراض المسلمين إلا بأحسن ما يقدر عليه، فإنه لا تحل شفاعتي لطعان ولا لعان).
[ ٣ / ١١٣ ]