وهو باب في حفظ اللسان عما لا يحتاج إليه
فأول ما دخل في هذا لزوم الصدق وبجانبه الكذب. وللكذب مراتب، فأعلاها في القبح والتحريم الكذب على الله ﷿ ثم عن نبيه ﷺ، ثم كذب المرء على عينيه ولسانه وسائر جوارحه، وكذبه على والديه، ثم كذبه على الأقرب، فالأقرب من المسلمين، وأغلظ ذلك ما يضر به أحدا في نفسه أو ماله أو أهله أو ولده. ثم الكذب الموثق باليمين أغلظ من الكذب المتجرد عن اليمين.
ويتلو الكذب في الكراهة الملق والإفراط في مدح الرجل، وأقبح ذلك ما كان في وجهه. ويتلوه الخوض فيها لا معنى له ولا يرجع إلى الخصائص فيه منه نفع، ولا يعود عليه من الشكر ضرر.
ويتلو هذا كثرة الكلام وإطالته مع الاكتفاء ببعضه وترديده، وتكريره مع الاستغناء بالمرة الواحدة. قال الله ﷿:﴾ إن المسلمين ﴿إلى قوله﴾ والصادقين والصادقات ﴿فإن الصدق يجري مجرى الإسلام والإيمان والخشوع وسائر ما ذكر معه وقال جل ثناؤه:﴾ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴿فدل بهذا أن الصدق من شعب الإيمان. لأن ذكر المؤمنين ثم الثناء عليهم بفعل كان منهم يقتضي أن يكون استحقاق المدح بمعناها فعلهم وإيمانهم.
[ ٣ / ٣ ]
وقال ﷿:﴾ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ﴿. ينادي المؤمنين باسم الإيمان يحركهم بذلك على أن يكونوا مع الصادقين. فإذا كان الكون مع الصادقين من الإيمان بهذه الدلالة فالأولى أن يكون الصدق نفسه من الإيمان.
وجاء في الأخبار: الكذب بجانب الإيمان، وفي هذا تحقيق ما دلت هذه الآية عليه. وما بينته: أن الكفر كله كذب. فثبت أنه بجانب الإيمان. وعنه ﷺ: (تمام إيمان العبد أن يصدق في كل حديث). وعنه ﷺ. (إذا كذب العبد تباعد عنه الإيمان). وقال ﷺ (علامات المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان). وهذه الثلاث إذا تؤملت كان مرجعها جميعا إلى الكذب، وإنما يقع الفرق بينهما في أوصاف الكذب، فإن الكذب في الحديث أن يخبر الواحد عن شيء خلاف ما كان عليه. وإخلاف الوعد أن يقول: أفعل كذا فلا يفعله، أو يقول: لا أفعل كذا فيفعله. فيغلب قوله الأول عند مخالفته إياه بفعله كذبا. والخيانة فيما أؤتمن عليه أن يلتزم الأمانة ثم لا يؤديها، فيصير عند الخيانة التزامه كذبا، والكذب في قول يلزم به نفسا شيئا أغلظ منه في وعد لا يلزم به نفسا شيئا. فجعل بهذا أن علامة المنافق ظهور الكذب وغلبته على كلامه. وإذا كان الكذب من النفاق، فقد وجب أن يكون الصدق من الإيمان. وقد قال الله تعالى فيما وصى به نبيه ﷺ:﴾ ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ﴿. وذلك أن يقول الرجل: سمعت أو رأيت أو علمت، فأبان الشرع أن إطلاق شيء من ذلك دون حقيقة بتأيدها الخبر، حرام ممنوع. وقال تعالى:﴾ يا أيها الذين ءامنوا، لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ﴿. فأبان أن خلاف الوعد خلاف ما يوجبه الإيمان، وإن كان نصير قول قد مضى كذبا غير لائق بالإيمان، فابتداء الكذب أولى أن يكون غير لائق به.
[ ٣ / ٤ ]
وقال في ذم المنافقين:﴾ ويحلفون على الكذب وهم يعلمون ﴿أي أنهم يكذبون ومع ذلك يحلفون على كذبهم، فيكونون جامعين بين شيئين، ثم توعدهم فقال:﴾ أعد الله لهم عذابا شديدا، إنهم ساء ما كانوا يعملون ﴿. فيؤيد هذا ما حكاه ﷿ عنهم في سورة براءة، فقال:﴾ يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر ﴿إلى قوله﴾ بما أخلفوا الله ما وعدوه ربما كانوا يكذبون ﴿. فجعل الكذب من أوصافهم إذا كانوا منافقين، وأخبر أنهم أعقبهم النفاق في قلوبهم بما كانوا يترخصون فيه من الكذب، فذلك على غليظ من الكذب ومجانيته الإيمان.
وقال ﷿ في الكذب:﴾ فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه ﴿. يحتمل أن يكون المراد بالكذب على الله أن يقول لكلامه ووحيه أنه ليس من عنده، أو يدعي شريك أو يجحده أصلا، وبالتكذيب بالصدق تكذيب الرسول ﷺ فيما جاء به مما هو صادق في أن الله تعالى أرسله به، وأنزله عليه، ثم قال ﷿:﴾ والذي جاء بالصدق، وصدق به أولئك هم المتقون ﴿. فمدح الصادق عليه، والمصدق بما جاء من عنده، وذم الكاذب عليه والمكذب بما جاء من عنده، فكان كل محق في خبره، وكل مبطل في خبره في استحقاق المدح أو الذم كما مدحه الله تعالى أو ذمه، قال:﴾ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب، هذا حلال وهذا حرام، لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، متاع قليل ولهم عذاب أليم ﴿. وقال:﴾ قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا، قل الله أذن لكم أم على الله تفترون، وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة ﴿. أي ما الذي يظنون أن يكون لهم يوم القيامة، أي يظنون إن هم لا يسألون عنه ولا يؤاخذون به، أي ليس الأمر كما يظنون، عن كان هذا ظنهم. وقال:﴾ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ﴿. أي لأهلكناه واستأصلناه.
[ ٣ / ٥ ]
وهذا من الله تعظيم الكذب العبد، وافترائه عليه. ثم إن الكذب جرى مجرى الظلم والجهل والسفه، ألا ترى أن من كذب الله في أخباره، كما أن من ظلمه في أحكامه، وجهله بمواقع الضرب والنظر، أو سفهه في تدبير خلقه كفر، وإذا كان كذلك كان الكاذب فيما يستحقه من الذم البليغ والعقاب الأليم كالظالم والجاهل والسفيه، ووجب إذا كان الكذب في مجانبة الإيمان كهذه القرائن أن يكون الصدق من الإيمان، كما أن الظلم لما كان مجانبا للإيمان، كان العدل من الإيمان والله أعلم.
وجاء عن النبي ﷺ: (من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) والكذب على النبي ﷺ ينزل منزلة الكذب على الله، لأن تكذيب النبي ﷺ كتكذيب الله تعالى في أنها جميعا كفر، فكذلك الكذب على النبي ﷺ كالكذب على الله تعالى في أنه أغلظ من سائر الكذب، وإن كان الكذب كله حراما قبيحا.
وجاء عن النبي ﷺ: (من كذب على عينيه ) وسنذكر هذا في موضعه. وقال أبو بكر ﵁: قام رسول الله ﷺ قبل وفاته على المنبر، فقال: (إن ابن ءادم لم يعط شيئا أفضل من العافية، فسلوا الله العافية، وعليكم بالصدق والبر، فإنهما في الجنة، وإياكم والكذب والفجور فإنهما في النار).
وعن علي ﵁ قال: كنت إذا حدثت عن رسول الله ﷺ حديثا، فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب، وسمعته يقول: (يكون في آخر الأزمان أقوام أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا تجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية). وجاء: (من تحلم كاذبا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين) وليس معنى هذا- والله أعلم- أن ذلك عذابه وجزاؤه، ولكن يكون لهم شعار يعلم به من يراه أنه كان يزور الأحلام في الدنيا، وذلك العقد بين
[ ٣ / ٦ ]
شعيرتين ليس ما يكون ويتأنى، في اليقظة. لكن النائم قد يرى في منامه أنه كان منه، فيجعل اشتغاله في اليقظة بما لا يليق إلا بالنوام مما لا إمكان ولا حقيقة له، دلالة على أنه كان يتصنع بالأحلام الكاذبة، ويخبر عما لا حقيقة له منها، والله أعلم.
وأما تأكيد الكذب باليمين فقد جاء فيه سواء، ما ذكرنا من قول الله ﷿، أو يحلفون على الكذب وهم يعلمون قول الله ﷿﴾ إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ﴿.
وقول النبي ﷺ: (من اقتطع يمينا فأجره حقا لمسلم لقي الله تعالى وهو عليه غضبان) وقال ﷺ: (إن الحلف الكاذب ينفق السلغة ويسحق البركة).
ويدل على عظم الإثم فيه إن إيمان الزوجين إذا قذفها بالزنا لما كانت على أمر ماض، وكان أحدهما كاذبا بيقين لم يقبل منهما الأمر بإيجاب اللعن من أحدهما والغضب من الآخر. ليعلم أن اليمين الفاجرة لا تخلو من أحدهما ولا تجرد عنه.
وجاء عن عبد الله بن مسعود ﵁: (اليمين الغموس تدع الديار بلاقع) وإنما سماها غموسا لأنها تغمس الحالف في المآثم، وذلك أنها تقع بنفسها كما يعقد كذبا، فتكون في أغلظ من أن يعقد اللبن ثم يعرض منها الكذب بعدد وبسبب حادث والله أعلم.
وأما الكذب الذي يضربه للكاذب غيره، فيجوز أن بشتمه بالباطل، ويضيف إليه ما يشبه به، ومنه القذف بالزنا وقد شرع في الحد، أو يشهد عليه زورا بمال أو طلاق أو عتاق، أو قتل، فيجمع ذلك ذنوبا منها الكذب، ومنها الإضرار بالمشهود عليه، ومنها أنه نصب نفسه منصب الإمقاء، ونصبه كذلك الحاكم ثم خان.
ومنها الجرأة على الله تعالى، فإنه إنما يشهد عند الحاكم المبعد عن الله تعالى في مجلس
[ ٣ / ٧ ]
يمضي فيه أحكامه، ولم يوضع إلا للعدل من الناس، فإذا ظهر تزويره لحاكم فينبغي أن يجلد ظهره ويحمم وجهه، ويأمر أن يطاف به في الناس، وينادى عليه: هذا شاهد زور فاعرفوه، وإذا صار إلى الآخرة فله من العذاب الأليم ما يستحقه إلا أن يعفو الله عنه.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من عدلت شهادة زورا، بالإشراك بالله ثم بلا فاجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور) وقال: (من شهد شهادة استباح بها مال مسلم، وسفك دمه، فقد أوجب النار).
وروى عن ابن عمر ﵄ أنه قال: من تكلم في خصومه بما لا علم له فهو في سخط الله حتى يفزع.
وأما الملق فهو مذموم إلا في طلب العلم، لأنه جاء أنه لا حسد ولا ملق إلا في العلم، وقد تقدمت رواية بهذا الحديث، وهو من أفعال أهل الضعة والذلة، ومما يروي بفاعله ويدل على سقاطته وقلة مقدار نفسه عنده، وليس لأحد أن يهين نفسه، كما ليس لغيره أن يهينه. ألا ترى أنه ليس لأحد أن يعير نفسه وبسببها لا صادقا ولا كاذبا، كما ليس لغيره أن يسبه ويعيره ويشتمه وتناول عرضه كذلك، هذا مما يشبهه. وجاء إذا رأيتم المداحين فاحشوا في وجوههم التراب، وذلك لأن الأغلب أنهم يكذبون فيعزرون اللمدوح فإذا حثا التراب في وجهه- وجه المادح- فقد أمن أن يغبره، أنس المادح من أن يعبره.
وأما الخفض فيما لا يعني، فقد جاء عن النبي ﷺ (إن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. وقد يجمع القول والفعل ومنه ما يدخل في قوله ﷿﴾ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ﴿. وقوله ﷿﴾ وإذا مروا باللغو مروا كراما ﴿، وقد ذكر في بابه.
وأما كثرة الكلام وإطالته، فقد جاء عن النبي ﷺ: (إن أبغكم إلى الثرثارون
[ ٣ / ٨ ]
المتفيهقون). وعنه ﷺ: (أنه لعن الذين يسغفون الخطب) يدل أن المعتق في الكلام محظور. وخطب رجل عند عمر ﵁ فأكثر، فقال عمر: إن كثيرا من الخطب من سفاسف الشيكان. والسفسفة التي تخرج من فم العجل إذا هدر شبها بالزبد.
وعنه ﷺ أنه قال: (إن الله تعالى يبغض البليغ من الرجال الذي يتحلل بلسانه كما يحلل النافرة). وقال عبد الله بن مسعود ﵁: أنكم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، كثير معطوه، قليل سؤاله، الصلاة فيه طويلة، والخطبة فيه قصيرة، وأن بعدكم زمانا كثير خطباؤه قليل علماؤه، كثير سؤاله، قليل معطوه، الصلاة فيه قصيرة، والخطبة فيه طويلة، فاقصروا الخطب وأطيلوا الصلاة. إن من البيان سحرا، من يرد الآخرة قصر بالدنيا، ومن يرد الدنيا أضر بالآخرة. يا قوم، فاقصروا بالفاني للباقي.
وجاء عنه أنه قال (الغنى من الإيمان) وهذا -والله أعلم- أن يكون غناء عن الباطل، وعما يخشى سوء عاقبته، وعن الفضل الذي لا يحتاج إليه، وهو كقوله ﷿:﴾ الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ﴿إنما أراد الغافلات عن السوء، لا الغفلة المذمومة، وكما يروي عن النبي ﷺ: (أكثر أهل الجنة البلد) إنما أراد الذي لا يفطن من أمور الدنيا لما يلهيه عن طاعة الله تعالى وعبادته، لا ضعف العقل الذي لا يعلم الخير كما لا يعلم الشر، ولا يميز بينهما والله أعلم.
وما يجب حفظ اللسان عنه أن يتكلم مما يضحك. قال رسول الله ﷺ: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها من حوله).
ومما ينبغي حفظ اللسان عنه الشعر، إلا ما كان محقا، لأن الله ﷿ يقول في
[ ٣ / ٩ ]
الشعراء:﴾ والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون ﴿
ثم استثنى فقال:﴾ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا، وانتصروا من بعد ما ظلموا ﴿. وقال:﴾ ولمن انتصر بعد ظلمه، فأولئك ما عليهم من سبيل ﴿. ولكن الانتصار حداء. وليس منه إذا شتم رجل أباه أو أمه، أن يشتم أبا الشاتم أو أمه، ولا إذا قال: يا زاني أن يقول: "بل أنت الزاني" إذا لم يكن كما يقول: وإنما الانتصار إذا كذب وزور عليه، أن يرميه بالكذب والبهت، ويفسقه بذلك، ويهجر مذهبه، ويعجب منه، وينسبه إلى الجهل وضعف الرأي وسوء الاختيار والضعة، وقلة المروءة فيما تسوغه نفسه من الكذب، وإغفال حق الدين وما وصاه الله تعالى منه من المؤاخاة المواصلة، ويقول فيه من الشعر ما يروي.
وليس شيء من هذا لمن لا يتصور بكذب الكاذب بل ينبغي له أن يسكت عنه. فهذا وما يشبهه هو الابمتصار دون مقابلة الشتم بالشتم والفرية بالفرية. فكل شعر قيل في باطل فلا يروي ولا ينشد، لقول النبي ﷺ: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا). ولا يشتغل به إلا نادبا، ومن لم يحتج إليه لك فتركه أولى به والله أعلم.
ومما جاء في حفظ اللسان حديث معاذ بن جبل ﵁ قال للنبي ﷺ: أكل ما يتكلم به في الدنيا يؤاخذ في الآخرة. فقال: (ثكلتك أمك، يا ابن أم معاذ، وهل بكت الناس على ما أخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم). وجاء أنه قال لعقبة بن عامر (أملك لسانك وأبل على خطبتك وتشغل بيتك) ومما جاء في ترك التحفظ في المقال: أن رجلا تكلم عند رسول الله ﷺ، فأكثر فقال رسول الله ﷺ: (كم دون لسانك من ناب؟ قال: أسناني وشفتاي! قال: أما كان في ذلك ما يرد من كلامك؟). وقال
[ ٣ / ١٠ ]
لعمر بن عبد العزيز رجل من أهله: إن بنتا لي خرج في بطنها دمل، قال: فهلا قلت: تحت يدها. وكان من أعف الناس لسانا.
ومما يجب حفظ اللسان عنه الفخر بالآباء، حصوصا بآباء الجاهلية، والتعظيم بهم. وذلك لا يحل لقول الله ﷿:﴾ يا آيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴿فأخبران أصل الجميع واحد، وأنهم إنما يتفضلون بالتقوى ليعلم أن لا فخر لبعضهم على بعض باب واحد.
ومثل ذلك جاء بالخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: (كلكم بنو آدم) ثم تلاه: (ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى).
فإن قيل: قد جاء عنه أنه قال: (إن الله اصطفى كنانة من العرب، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى هاشما من قريش، واصطفاني من هاشم).
قيل: لم يرد بذلك الفخر، إنما أراد تعريف منازل المذكورين ومراتبهم، كرجل يقول: كان أبي فقيها لا يريد الفخر، وإنما يريد به تعريف حاله دون ما عداه، وقد يكون أراد به الإشارة بنعمة الله تعالى عليا في نفسه، وفي آبائه، على وجه الشكر بها، وليس ذلك من الاستطالة والفخر في شيء. ومن ذلك أن يحلف الرجل بأبيه، وقد قال رسول الله ﷺ: (لا تحلفوا بآبائكم ولا بأسمائكم ولا بشيء دون الله) ومما ينبغي أن يعرف حكمه مما يدخل في هذا الباب التعريض، ومنه ما يجوز، ومنه ما لا يجوز، وجملته أن ما كان التصريح به حراما لعينه، فالتعريض به حرام. غير أن حرمته بمكان قصد المعرض دون ما سواه.
وما كان التصريح به حلالا أو حراما لعينه، لكن لا يحل بحال والوقت، فالتعريض جائز، والتصريح بالقذف باطل حرام، كذلك التعريض به حرام، والتصريح بالكفر والتصريح بالطعن في نسب الرجل، والافتخار عليه حرام، فالتعريض به مثله.
[ ٣ / ١١ ]
وأما التصريح بالخطبة فإنه حلال في غير العدة، فكان التعريض جائز، قال الله ﷿:﴾ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء، أو كنتم في أنفسكم، علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدونهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ﴿. جاء في تفسيره أنه قول الرجل للمرأة في عدتها والله إنك لجميلة، وإنك لشابة، وإن النساء لمن حاجتي، ولعل الله أن يسوق إليك خيرا ونحو ذلك، وهذا لأنه قول مأمور في بعض السلف أنه تصريح. وأن التعريض أن يقول: ما أطول عدتك، ولو قد انقضت وما يشبه هذا، والله أعلم.
وقد جاء في بعض السلف أن الكذب في الحرب حلال، وأن الكذب في الإصلاح بين الزوجين حلال. وليس ذلك على صريح الكذب فإنه لا يحل بحال. وإنما المباح من ذلك ما كان على سبيل التورية. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه كان إذا أراد سفرا وري بغيره لا أنه كان يقول: إني اريد وجه كذا، ثم يأخذ في وجه غيره، حاشا له صلى الله عليه ووسلم من ذلك، ولكن كما يقول القائل: إذا اراد أن يلبس الوجه الذي يقصده على غيره، فيسأل عن حال الطريق: أسهل هو أم وعر؟ خصب هو أم جدب! وعن عدد منازله. ليظن من يسمع أنه يريده. وهكذا الإصلاح بين الزوجين لم ينجح فيه صريح الكذب، لكن التعريض وما يظن بقائله أنه يكذب فيه، ولا يكون كذبا، كالمرأة تشكو إلى زوجها يبغضها ولا يحسن إليها، فيقول الرجل لها: لا تقولي ذلك، فمن له غيرك. وإذا لم يحبك فمن يحب! وإذا لم يحسن إليك، فلم يحسن إحسانه يعود لك، فما يوهمها أن زوجها لها بخلاف ما يعلمه. وإن كانت صادقة في ظنها ليصلح بذلك ما بينهما.
وعن الزهري أنه قال: ليس بكذاب من درأ عن نفسه، أي بالكذب المذموم. أي أن الكذب في حال الضرورة مباح. وقال: ليس بالكذاب الذي يتمنى خيرا، ويقول خيرا، ليقول خيرا، ليصلح بين الناس.
وقال سفيان: لو أن رجلا اعتذر إلى رجل فحرف الكلام وحسنه ليرضيه لم يكن بذلك كذبا. ومما روي عن إبراهيم ﵇ من أنه كذب ثلاث كذباات، فهي من هذا
[ ٣ / ١٢ ]
النوع. إحداها أنه قال: إني سقيم وهو أنه إنما أراد ما بسقيم، كما قال الله ﷿ لنبيه ﷺ:﴾ إنك ميت وإنهم ميتون ﴿. أي ستموت وسيموتون، يغر أن السامع ظن أنه يقول: إن بي سقما.
والثانية. قوله:﴾ بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ﴿أي فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون، فاسألوهم وهو على هذا لا يكون كذبا.
والثالثة. قوله لسارة: هي أختي إنما أراد بذلك في الدين لا في النسب.
وإذا قيل: هذه الألفاظ كذبات، لأنها أوهمت الكذب، وإن كانت بأنفسها غير كذب. وقد يسمى الإيهام كذبا، كما روي عن النبي ﷺ، أن رجلا جاءه فأخبره: أن أخاه يشكو بطنه. فأمره أن يسقيه عسلا فسقاه، ثم رجع، فأخبر أنه لم ينفعه، فقال: (صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلا، فسقاه، فبرأ). لم يرد بقوله كذب بظن أخيك، الكذب المعروف الذي هو نقيض الصدق، لأن الصدق والكذب يكون في الأخبار، والبطن لا خبر له. وإنما اراد أن يقال لوجع أو وهن. أن العسل لا ينفعه. وليس هذا الوهم بصحيح، فأعد عليه العسل فلما عاد، صدق الله نبيه، وعافاه عنده، والحمد لله.
والكذب في الجملة مذموم، وهو جملة الشتائم القبيحة التي يقذف منها من عرف منه. فيقال: يا كذاب، وي كاذب. وقد حكى الله تعالى عن الأمم الماضين، أنها كانت تقذف به أنبياءها. ثم توعدهم على ذلك، فقال حكاية عن ثمود أنهم قالوا لنبيهم:﴾ أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر ﴿. ثم توعدهم فقال:﴾ سيعلمون غدا من هو الكذاب الأشر ﴿. وحكى عن شعيب أنه قال لقومه:﴾ سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه، ومن هو كاذب ﴿. وهذا يدل على أن قومه كانوا رموا بالكذب فقال لهم: ستعلمون من هو كاذب! وقذف ﷿ من أراد بقبحه، فقال:﴾ إن الله
[ ٣ / ١٣ ]
لا يهدي من هو مسرف كذاب ﴿. وقال:﴾ إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله، وأولئك هم الكاذبون ﴿. وقال:﴾ إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم، ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون ﴿. إلى غير ذلك من الآيات التي دل بها على قبح الكذب وسقاطة أصله. فثبت بذلك أنه ليس من أخلاق المؤمنين، وأنه من أول ما ينبذه المسلم عنه، ويحمي عرضه أن يثلم به والله أعلم.
ومما يناسب هذا البااب ويلتحق بجملته شغل الزمان بقراءة كتاب الأعاجم، والركون إليها، والتكثر بحفظها، والتحدث بما فيها، والمذاكرة عند الاجتماع بها، قال الله تعالى:﴾ ومن الناس من يشتري لهو الحديث، ليضل عن سبيل الله بغير علم ﴿فقيل: نزلت في النصر بن الحارث كان اشترى كتبا فيها أخبار الأعاجم، فكان يقول للعرب: محمد يحدثكم عن عاد وثمود، وأنا أحدثكم عن فارس والروم. فالتحدث بأخبار الأعاجم ومدحهم والاحتجاج بسيرهم، وشغل الزمان بحفظها، وإنفاق المال في نسخها مكروه مذموم، لأنهم قوم رفع ككتابهم فلما بقوا بلا كتاب، وكان الملك فيهم، واحتاجوا إلى ما يسوسون له الناس، أحدثوا أشياء سموها أنسابا ورسوما. وكانت الرعايا لهم بها خوفا من سطواتهم، فصارت منزلة مضاهاتهم بها كتاب لله ﷿ منزلة مضاهاة المؤمنين بشركهم، وتوحيد الموحدين، وعبادة المؤمنين. فلا ينبغي لشيء منها أن ينزل منزلة ما يقرأ أو يسمع أو يعتد به، أو يستنسخ أو يشترى، وذلك من أشد ما يكره في الدين. وكذلك كان النبي ﷺ يرى خلافهم فقد روي أنه قال:) لا
تقوموا على رأسي كما تقوم الأعاجم على رؤوس أكاسرتها (فبان أن الشبه بهم خلاف الإسلام.
ورأى في بعض المغازي في يد رجل قوما فارسية، فقال: (ألقها، وعليكم بهذه وأشباهها وأشار إلى قوس عربية كانت في يده- ورمح القنا، فإن الله بها يؤيدكم في الدين ويمكن لكم في البلاد). وقيل أنه نهى عن الأكل والشرب في آنية الذهب
[ ٣ / ١٤ ]
والفضة، لأن ذلك كان من فعل الأعاجم. فبان أن الأصل في الباب خلافهم لأشياء نص على مثل ما كانوا عليه.
فإن قال قائل: قال النبي ﷺ: (ولدت في قصر الملك العادل- يعني أن شروان- فقد وصفه بالعدل).
قيل: حاشا لله ولرسوله أن يكون رسول الله ﷺ قال ذلك. فإن هذا ليس ما يعتمد من الحديث، ولو كان قاله لكان إطلاقه ذلك لتعريفه بالاسم الذي كان يدعى به لا لوصفه بالعدل والشهادة له به، فإن الفرس كانوا يسمون أنو شروان الملك العادل، أي في زمان ما كان عندهم ملكا، وقد قال الله ﷿:﴾ فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون ﴿. أي كانوا يسمونها آلهة، أي آلهتهم فيما عندهم. وقال: (وقال الملك) أي قال: من كان عندهم الملك. ولئن كان رسول الله ﷺ قال: ولدت في زمن الملك العادل) فعل هذا المعنى، إذ لا يجوز أن يسمى رسول الله ﷺ من غير حكم الله تعالى عدلا، ولم تكن الفرس تدعي أن سيرة ملوكها وحي من الله تعالى، من المشهور الذي لا تخفى تسميتهم إياها أبنية ورسوما وأوضاعا. وذلك يدل على أنهم لم يكونوا يصفونها إلى الله ﷿. وكيف يجوز أن يسميها رسول الله ﷺ عدلا؟ هذا وما حفظت لهم أحكام ولا عرفت ولا إدعاها أحدهم، وإنما كانوا ينظرون في ظلامات الناس بحسب ما يقع لهم أنه أرفق وأحسم وألسن، ولم يكن يقع لهم في الظلامات في الأمور الشرعية، بأن العقود المباحة كلها شرعية، فإذا لم يعرفوها لم يتعاملوا بها، وإذا لم يتعاملوا به لم يتظالموا فيها. وكذلك الأفعال فما فيها محظور، وإنما يقع التظالم فيها من الذين يعتقدون حدودها التي هي لها في الشريعة، فإذا جاء الذهاب عنه فلا تظالم فيها، فإذا كان ذلك كذلك لم يجز أن يكون من ملكهم ما يكون عند رسول الله ﷺ عدلا فيصفه به ويبني عليه لأجله إلا أن يقول: كان يظالمهم بحسب الأوضاع التي كانت لهم كما أن تظالم المسلمين بحسب الأوضاع الشرعية التي لهم، فيكون هذا نفس ما قلنا من أن تظالمهم لم يكن
[ ٣ / ١٥ ]
يقع على المحدودات الشرعية، فيكون الفضل بينهم عدلا مجال قط، إنما العدل في الحكم، ولا الحكم إلا لله جل ثناؤه، فكيف يجوز وجود العدل ممن لا يكون قوله حكما، وبالله التوفيق.
وأما الغناء فإن منه ما يحرم ومنه ما يحل. فأما ما يحرم فهو أن يكون بشعر قيل هي جنس غير حلال وفي غير محرمه من جنس حلال، وإنما حرم ذلك لما فيه من الإغراء بالحرام فدخل في قوله ﷿:﴾ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴿.
فإن كان الشعر ممن لا يحل للمغني، ولكنه يحل للمغني، فالمتغني به حرام على المغني والسمع، حلال للمغني، وإن كان الشعر ممن يحل للمغني ويحرم على التغني، فالقول والسماع جميعا محرمان. ولو كان الشعر ممن يحل للمغني فيغني به لنفسه من حيث لا سمعه من يفهم أو تتحرك نفسه فلا بأس. وإن كان الغناء يشعر قبل الجنس المحلل لا في غير خاصة فلا بأس به، إلا أنه لا ينبغي أن يكون بالأوتار. فإن ضربها لا يجوز لما جاء فيه من الأخبار.
وقال رسول الله ﷺ: (يكون في أمتي خسف ومسخ وقذن، قال: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهرت المعازف، والقيان، واستحلت الخمور) وفي حديث آخر عن رسول الله ﷺ. (إذا عملت أمتي خمس عشرة حل بها الملاء. قالوا: يا رسول الله، وم هي؟ قل: إذ كان المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته، وعتق أمه، وبر صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وإكرام الرجل مخافة شره، ولبست الحرير، وشربت الخمور، واتخذوا الفتيات والمعارف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقوا عند ذلك ريحا حمرا وخسفا ومسخا).
وفي حديث آخر عن النبي ﷺ قال: (تبين طائفة من أمتي على لهو وأكل وشرب
[ ٣ / ١٦ ]
فتصحوا قردة وخنازير، ويكون فيهم خسف وقذف، وبعث الله على حي من الأحياء ريحا فينسفهم كما نسف من كان قبلهم باستحلالهم الخمر، ولبسهم الحرير، وضربهم بالدفوف واتخاذهم القيان).
وعن عمر ﵁ قال: الدف حرام والمعازف حرام، والكدية حرام، والمزمار حرام. قال عبد لوهاب: الكدية الطبل.
وكان زيد اليماني إذا رأى بيد غلام زمارة من قصب أخذها وشقها. وعن عبد الله بن عمر ﵁. أن الله أنزل الحق ليذهب به الباطل، ويبطل له اللعب والدفف والمزمرات والمزاهر والكبارات. وروي أنه قال: نهى النبي ﷺ عن الخمر والميسر والكربة والعشراء وكل منكر، وذكر فيه. الكبارات، والعشراء. شراب يعمل من الذرة، والكبارات يقال: العيدان، ويقال الدفوف. وفي حديث آخر أن الله ﷿ يغفر لكل مذنب أو لصاحب عرطبة أو كوبة. والعرطبة: العود، ويحتمل أن يكون المعنى في تحريم الدف في غير النكاح. والطبل والمزهر والمزمار أنها آلات لا يراد بها إلا إشراب اللهو في القلب. واللهو إذا غمز القلب فسد على صاحبه، وفارقه الخشوع، ولم يمل بعد ذلك إلى لصلاح إلا قليلا. ومن كنت فيه هذه المفسدة العظيمة لم يلق بها إلا التحريم.
فأما الدف في النكاح، فإنه نافع لما يراد بالنكاح، والذي يراد بالنكاح عن عظم اللهو إلا أنه ملحق بالحق لما سبق بيانه. فكذلك ضرب الدف عليه، فأما الغناء فباطل مطلق، فكذلك ضرب الدف عليها باطل والله أعلم.
وأما التصفيق فمكروه للرجال لأنه ما خص به النساء، وقد منع الرجال من التشبه بالنساء، كما منعوا من لبس الحرير والمزعفر كذلك.
وأما الرقص فإنه لم يكن فيه تكسر وتحبب، فلا بأس به. فإنه روى أن رسول الله ﷺ قال لزيد: (أنت مولانا فحجل) قال: هو أن ترفع رجلا وتقفز على الأخرى
[ ٣ / ١٧ ]
من الفرح. وقال علي ﵁: أتينا رسول الله ﷺ أنا وجعفر وزيد، فقال لزيد: (أنت أخونا ومولانا فحجل، ثم قال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي فحجل، ثم قال لي: أنت مني وأنا منك فحجلت).
وأما ضرب القصب فإنه إشارة إلى وزن الشعر وتقطيع اللحن فقط وليس للتطريب ولا له والإسماع يستلذه، وإن لم يكن معه قول، فكان الضرب بالقصب على وسادة، والضرب بالمطرق على الطشت سواء والله أعلم.
وصارت منزلة تحريم الدن والمزهر والطبل على الغناء منزلة تحريم النياحة على الميت. فإنما لما كانت تقوي الغم وتعظم الحسرة كانت لتشفع فعل الله وقضائه عند المصائب وأشبهت النائحة من يوجد منه شيء فيقوم بوضعه ومدحه وذكر مرافقه وفوائده مبالغة في تشنيع فعل الأخذ وتهجين أمره، فحرمت النياحة لما فيه من إفساد قلب المصاب والحيلولة بينها وبين الصبر، واتهمه أن الإساءة من الله ﷿ إليه عظيمة وأديانه من أن يظن أنه فيهم مظلوم فيضطهد. فكذلك الملاهي تسعد لناس وتزعجهم، وتحول قلوبهم نحو الفساد وتلهيها عن الصلاح، فكان حكم ما يفسد القلب بم يملؤه من اللهو والطرب حكم ما يفسده بها يملأه من الحزن والأسف لذا كان القلب إذا امتلأ من اللهو لم يطق معه صاحبه صبرا عن المفاسد. كما أنه إذا امتلأ من الحزن لم يطق معه صاحبه صبرا على المصيبة والله أعلم.
وقد قرب النبي ﷺ حيث قل فيها روي عنه. (صوتان ملعون في الدنيا والآخرة). صوت مزمر عند نعمة إن حدث، وصوت رنة عند مصيبة إن نزلت) وذلك والله أعلم إشارة إلى ما يثيب من مشاكل الأمرين، وبالله التوفيق.
ويروي في هذا الباب أن عمر بن قرة ﵁ جاء إلى رسول الله ﷺ: يا رسول الله، إن الله كتب علي لشقوة، فلا أرني أرزق إلا من كفي وفمي، فإذن (لي) بالغناء من غير فاحشة، فقال رسول الله ﷺ: (لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة، كذبت علي والله، لقد رزقك الله حلالا طيبا، فاخترت ما حرم الله عليه من رزقه مكان ما أحل
[ ٣ / ١٨ ]
لك من حلاله، لو كنت تقدمت إليك لعقبتك، دعني وتب إلى الله، أما إنك لو عدت بعد التقدمة إليك ضربتك ضرب وجيعا، وحلقت رأسك مثله، ونفيتك من بلدك، وجعلت سكنك نهبة لفتيان أهل المدينة فقام عمر وبه من الشر والحزن ما لا يعلمه إلا الله.
قال النبي ﷺ بعد ما ولي. (أن هذه العصابة، من مات منهم من غير توبة حشره الله يوم القيمة عريانا لا يستقر من الله بهديه كلما قام صرع).
ثم إن الدف كما فارق ضربه للغناء ضربه للنكاح، فكذلك الطبل يفارق ضربه للغناء ضربه لركوب الغزاة ولحمل الحجيج أو نزولهم، أو لأجل العيد، لأن ذلك ليس للهو، وما خلص للهو فذاك هو الممنوع والله أعلم.
إلا أن ضرب الطبل إذا حل للرجال، وضرب الدف لا يحل إلا للنساء، لأنه في الأصل من أعمالهن. ولعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء.
فصل
وكل غناء ذكرت أنه حرام فقليله وكثيره سواء، وكله مسقد للعدالة وهو الذي وردت الآثار عن السلف بالنهي عنه. وأما ما يحل من الغناء، فإنه إذا قل من صاحبه وكان في وقت دون وقت، ولم يتشاغل به عن الصلاة، وغيرها من الطاعات لم تسقط عدالته. وإن أدمنه وتجرد له فصار المغنون يغنونه ويجتمعون عنده ويتشاغلون به عن الصلوات سقطت بذلك عدالتهم، ووجب على الإمام أن يردعهم عنه وكل عاجل أو حرم حرم فهو باطل، لأن الباطل ما لا قربة إلى الله تعالى فيه ولا يصلح التوصل به إلى قربه، هذا صفة الغناء إلا أنه ليس كل ما يسمى بالباطل يحرم. فإن اللعب بالصولجان باطل ولا يكره وكذلك المصارعة، فقد تصارع الحسن والحسين ﵄، فقال النبي ﷺ إيه يا حسن، وجبريل ﵇ يقول: يا حسين.
[ ٣ / ١٩ ]
وجلوس الرجل المستطيع للجهد والعبادة فارغا متورعا إلا من الفرائض باطل، لأن كل ساعة تمر بالعبد وهو فيها غير متعبد لله تعالى بما يقربه إليه بلا عذر وعلة فهي ضائعة لا حظ له فيها ولا فائدة له في إدراكها، ولكن ليس ذلك مما يحرم. فلذلك الغناء الذي سبق تحديده باطل ولكنه لا يحرم.
سئل القاسم بن محمد﵁- عن الغناء أحرام هو؟ فسكت. ثم سئل، فقال: الحرم ما حرم الله تعالى في كتابه. ولكنه أخبرني: إذا كان يوم القيامة فأتى إلى الله بالحق والباطل، أين الغناء؟ قال السائل: في الباطل فقال فأنت إذا خالفت نفسك فإن أفضل الغناء المباح لغرض صحيح، مثل أن يكون برجل وحشة وعلة عارضة لفكره فأشار عدد من الأطباء بأن رسول الله الساكن بالنزهة، ويعني ليتفرج لذلك وينشرح صدره ارتفع اسم الباطل، وكان اسم الحق أولى به. ألا ترى أن ضرب من الغناء، ولكنه لما كانت له فائدة معقولة، وهو تنشيط الإبل للسير زال عنه اسم الباطل. وما يراد به استصلاح نفس الإنسان وفكره أولى أن يزول عنه اسم الباطل، والله أعلم.
وجملة ما يتميز به الغناء المباح عن الغناء المحظور، أن كل غناء من الشعر المنظوم فمعتبر به لو كان كلاما نثرا غير منظوم، فإن كان مما يحل أن يتكلم به منثورا أحل أن يتكلم به منظوما. وإن كان مما لا يحل أن يستعمل منثورا لم يحل أن يستعمل منظوما، وبالله التوفيق.
ثم قد جاءت في تغليظ أمر الغناء أخبار، وكلها عندنا محمولة على ثلاثة أوجه.
أحدها: الغناء المحرم الذي سبق ذكره.
والآخر: الغناء الحلال غنيه إذا طال ودام وشغل عن الصلاة.
والثالث: الغناء الحلال غنيه إذا اتصل به المزاهر والصنوج، وما يجري مجراها. وما خلا عن هذه الأوجه الثلاثة فهو خارج مما جاء التغليظ فيه. من تلك الأخبار ما جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ في قول الله ﷿﴾ ومن الناس من يشتري لهو
[ ٣ / ٢٠ ]
الحديث ليضل عن سبيل الله ﴿قال: الغناء، والذي لا إله غيره يقولها ثلاث مرات. ويحتمل إن كان المراد به الغناء أن يكون المشتري لهذا الحديث، وهو الذي يوضح للمغني لنفسه، ويحتمل أن يكون الذي يوضح لمن يعلمه.
وعن ابن عباس ﵄ في هذه الآية قال: هو الغناء وأشباهه. وروى عن ابن عباس ﵄ قال: المغني وشري المغنية، فإن كان الشري داخلا في الآية، فشري اللهو إذا مختار. والمغني من الناس من يشتري لهو الحديث، فجعله مشتري للهو لما كان قصده فيمن يشتريه اللهو الذي عنده.
وجاء عن ابن عمر ﵄ بسنده إلى النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية﴾ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴿قال: (اللعب بالباطل كسب النفعة فيمسح فيه ولا تطيب نفسه بدرهم يتصدق به).
وقال مجاهد في هذه الآية: الغناء والشعر. وجاء أن أبا وائل كان في ملال فجاء المغنون، فقام. فقيل: يا أبا وائل، إن هذا يكون في الملال. فقال: لا، أن ابن مسعود حدثنا أن رسول الله ﷺ قال: (إن هذا الغناء يثبت في القلب النفاق كما يثبت الماء البقل). وفي حديث آخر عن ابن مسعود، موقوفا عليه- أنه قال: (إن الغناء يثبت النفاق في القلب كما يثبت الماء الزرع).
وعن مجاهد ﵁ في قوله ﷿:﴾ واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجلك ﴿. ومن استخف منهم يكون الخيل لحق بالمعاصي، ورجلك من استخف منهم مكب على رجليه نحو المعاصي، وشاركهم في الأموال والأولاد الأولاد أولاد الزنا.
[ ٣ / ٢١ ]
وقال عثمان بن عفان ﵁: ما تبينت ولا تعنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ، وعن محمد بن المنكدر ﵁ قال: فقال: إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين عبادي الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو وعن أمر الشياطين، احلوهم رياض المسك، وأخبروهم إني قد حللت لهم رضواني.
فإن قال قائل: ألا قلتم أن الغناء بالإطلاق مباح، لما روي عن عائشة ﵂ قالت: كانت عندنا جاريتان يغنيان في يوم عيد، وعندهما رسول الله ﷺ لا ينهاهما. فدخل علينا أبو بكر ﵁ فانتهرهما، فقال رسول الله ﷺ: (دعهما، فإن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا).
فقيل لهم: إن الغناء إذا كان أصنافا، ولم يكن من النبي ﷺ قول أن الغناء حلال: وإنما كان الذي يروي حكاية حال لا تليق بها العموم، لم يكن يعرف منه، إن ذلك الغناء ما كان يستدل بالحديث على جوازه، وعلى أنه قد روى في حديث آخر، أن ذلك الغناء كان ما قيل في يوم قتل صناديد الأوس والخزرج. ولسنا نذكر أن يكون المعنى بمثل هذا الشعر جائزا. وإنما الكلام فيما سبق وصفه، وذلك ما لم يثبت جوازه.
وقد روى أن جواري كن يلعبن في شكل المدينة، وهن يقلن عن جواري من بني النجار يا حبذا محمد من جار. والنبي ﷺ ينظر ويبتسم. فما كان من نحو هذا فلا بأس به، وما فوقه أيضا لم يكن بالحد الذي سبق ذكره.
ثم جاء في شر المغنيات ما فيه الشقاء والبيان بحكم الغناء، فمنه ما رواه عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ثم المغنية سحت، وغناؤها حرام، والنظر حرام، وثمنها مثل ثمن الكلب، وثمن الكلب سحت، ومن ينبت لحمه من النار قال النار) فيحتمل أن يكون الحديث في المغنية بالأوتار، فقال غناؤها حرام، إشارة إلى غنائها المعروف وهو الذي سوت إليه إحدى الآلات التي سبق ذكرها من الملاهي، ونظر إليها في تلك الحال.
[ ٣ / ٢٢ ]
لأن النظر إليها في تلك الحال لا يكون إلا للتلهي بجميع ما يشاهد منها، فذاك هو حرام وأما تحريم ثمنها فمعناه أن يوصل البائع إلى فضل على ثمنها للغناء حرام، ودفع المشتري فضلا عن الثمن الذي هو لها لأجل الغناء حرام. فكل واحد من الأمرين حرام، لكن العقد مع ذلك ماض، والملك به واقع، وهو كمن يشتري عنبا ليعصرها خمرا، اشترى العنب بهذا الغرض حرام، ودفعه الثمن حرام. والبائع إن علم ذلك منه كان تمكينه منه حراما، وأخذه الثمن حراما. ولكن العقد يكون ماضيا، والملك من الجانبين واقعا. وهكذا لو باع سيفا من قاطع طريق، أو سكينا من رجل قد أعلمه أنه يشتريه منه ليقتل به مسلما بغير الحق، كان البيع عليه حرام وأخذه الثمن حرام، وكان الشري علي المشتري حرام، وإعطاؤه الثمن حرام، ولكن العقد يكون ماضيا والملك من الجانبين واقعا. فكذلك بيع القينة وشراؤها.
واما تشبيهه ﷺ ثمن القينة بثمن الكلب، فهو في تحريم الأخذ والإعطاء لا في منافاة الملك. وعن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل اشتراء المغنيات ولا بيعهن ولا تجارة فيهن وثمنهن حرام) ثم تلا هذه الآية.﴾ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ﴿.
وما ذكره من المعنى قيل هذا، ففي سياق هذا الحديث دلالة عليه، لأنه ﷺ أخبر أن الاشتراء أو البيع لا يحلان، وليس في ذلك ما يمنع من اعتقاد العقد، ولا ما يوجب تحريم عين الثمن، وإنما يوجب تحريم أخذ عين الفضل الذي فيه لأجل الغناء.
وعن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن ولا شراؤهن، ولا الجلوس إليهن، ولا الاستمتاع بهن) وعن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ، أنه نهى عن بيع المغنيات وعن شراؤهن وعن كسبهن، وعن أكل أثمانهن، والنهي عن أكل أثمتنهن تنزيه لأن الملك إذا وجب حل الأكل. فأما التعليم
[ ٣ / ٢٣ ]
فإنه كان بالأوتار حتى لا يحسبن أن يغني إلا بمزهر فحرام. وإنما ينبغي أن يعرف حكم التعليم من الغناء، فأي غناء كان حلالا كان تعليمه حلالا، وأي عتاد كان حراما فتعليمه حراما.
وقال سفيان بن حسين ﵁. كتب عبد الحسن إذ جاءه رجل فقال: جارية لي، أعملها الغناء، أريد بها البيع، لست أريد غير ذلك، فقال:﴾ واذكر في الكتاب إسماعيل أنه كان صادق الوعد، وكان رسولا نبيا، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وكان عند ربه مرضيا ﴿.
فكان قتناه له هذا وبالله التوفيق.
[ ٣ / ٢٤ ]