وهو باب في الحياء بفصوله
قال النبي ﷺ (الحياء من الإيمان). وقال: (لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء). وقال: (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء من النار). وقال: (ما كان الفحش في شيء إلا شأنه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه).
وعنه ﷺ: (لو كان الحياء رجلًا لكان رجلًا صالحًا، وإن الفحش إن كان رجلًا لكان رجل سوء).
وروي أن رسول الله ﷺ وجد رجلًا من الأنصار يعظ أغشاه في الحياء، فقال له رسول الله ﷺ: (دعه فإن الحياء من الإيمان). ويشبه أن يكون الحياء خوف الذم والتوقي من الاستكبار، وقالة السوء، لأن من استحى، فإنما ترك لأجل استحيائه ما يوجب فعله ذمًا. أو ما ترى أنه يجلب إليه ذمًا سواء كان الذم لقبح الفعل في نفسه أو لمخالفته عادة الناس في مثله. أو لأن المتوقع من فاعله كان خلافه، فأما خوف العقوبة، فإسلام البدن دون ثلب العرض، فلا يسمى حياء، وإنما يسمى خضوعًا واستسلامًا ونحو ذلك.
[ ٣ / ٢٣٠ ]
والحياء اسم جامع يدخل فيه الاستحياء من الله ﷿، لأن ذمة فوق كل ذم، ومدحه فوق كل مدح. والمذموم بالحقيقة من ذمه ربه، والمحمود من حمده ربه. قال النبي ﷺ: (استحيوا من الله حق الحياء واحفظوا الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، واذكروا المقابر والبلى، من فعل ذلك، فله جنة المأوى).
وجاء في الحديث: (استحى الله استحياء من رجلين من صالحي قومك وعشيرتك). والحياء من الله تعالى طريق إلى إقامة كل طاعة واجتناب كل معصية لأنه إذا خاف الذم من الله ﷿ إياه، وإنكاره ما يبدو منه من القبيح لم يرفض له طاعة ولم يقرب له معصية لعلمه كان ذلك منكم، فيقوم عنده فإذا هو فاز باستكمال الإيمان لحيائه. فصح بذلك قوله النبي ﷺ (الحياء من الإيمان) وخلق هذا الدين الحياء.
وجاء عنه ﷺ أنه قال: (قلة الحياء كفر). وقد يجوز أن يكون معناه: أنه ربما يؤدي إلى الكفر، لأنه إذا لم ير أنه عليه في نفي الخالق وجحده ذمًا لم يعبأ به، فصرح به، ودعا إليه وجادل عليه، وإذا لم ير أن عليه من إنكار أن الله ﷿ مبدع كل شيء سواه ومدبره ما لم يحفل به، فأطلقه وسماه مرة علة ومرة شيئًا، وما يشبه ذلك تحصنًا من الاختراع أن يعرف به. وإذا لم ير أن عليه من إنكار أن يكون رزقه بيد الله إن شاء بسطه وإن شاء قدره لم ينل به، وأضاف ما نال عنه من ذلك إلى الكواكب وتدبرها.
وأما من علم أنه على الإطلاق هذه الأقوال مذموم، وهي منه منكرة ومستقبحة، فإنه يتوقاها ويتجنبها، فصح إذًا أن عدم الحياء هو الذي سل السبيل إلى الكفر. وإن وجوب الحياء ووقوره هو الذي دعا إلى لزوم الإيمان، فصح بذلك قول رسول الله ﷺ (الحياء من الإيمان)، (وقلة الحياء كفر).
ويدخل في جملة الحياء استحياء الناس بعضهم من بعض، وقد يجوز ذلك مما يتصل
[ ٣ / ٢٣١ ]
بحقوق الله ﷿، وفيما يتصل بما بين الناس خاصة. فأما الأول فكمحافظة الواحد على الجماعات حياء من الناس وهي على وجهين: أحدهما أن يخاف ذم الجيران إياه، وإن تقبح صورته عندهم، فلا يفارق المسجد ليحمدوه ويثنوا عليه خيرًا، فيكون ذكره فيما بينهم جاريًا بالخير لا بالشر، فهذا رياء، إذا لم يتجاوز قصده أمر الناس، وليس بمحمود وسنذكره في بابه. والآخر أن يكون حياء من الله تعالى بالحقيقة، يخشى أنه إن فارق الجماعة كان من عاجل مؤاخذة الله تعالى إياه، أن يبسط المسلمون فيه ألسنتهم بالذم. وإن كان معها كان من عاجل ما يثنيه الله تعالى أن يطلق المسلمون ألسنتهم فيه بالمدح، فيكون خوفه ذم الناس، وحبه مدحهم متعلقًا بالله ﷿ لا بغيره، فهذا محمود.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت). وفي معنى هذا قولان: أحدهما أن المراد به الدلالة على أن عدم الحياة يدل على أن الشد بأن
الذي لا يؤمن أن الاستحياء فتنة، وأن أعظم الموانع من القبائح عند العقلاء الذم وهو فوق عقوبة البدن، فمن طاب نفسًا بالذم ولم يخشه، لم يردعه عن قبيح ما هو رادع فلا نال شيئًا حتى ترك نفسه مهتوك الستر، مثلوب العرض، ذاهب ماء الوجه لا وزر له ولا قدر، قد ألحقه الناس بالبهائم وأدخلوه في عدادها، بل صار عندهم أسوأ حالًا بهذا القول، على ما في ترك الاستحياء من الضرر ولينتهي عيبه، ويستشعر من الحياء ما يردع عن إتيان القبيح فهو من يعينه.
والآخر: أن معناه إذا لم يفعل ما يستحي من مثله فلا حرج بعد ذلك فاصنع ما شئت. وكلاهما حسن وحق، والله أعلم بما أراد رسوله ﷺ.
وأما الحياء فيما يتصل بحقوق الناس، فكحياء الولد من والده، والمرأة من زوجها والجاهل من العالم والصغير من الكبير، والواحد من الجماعة وإنما يكون ذلك إذا أراد الأدون أن يعمل على عين الأكمل عملًا يحق مثله للأكمل، فيخاف أن يقع منه عنده على وجه يذمه فيدعه. فذاك استحياؤه.
وهذا أيضًا محمود. لأن فيه مراعاة الناقص حق الكامل، وإدمانه له لأجل الفضل
[ ٣ / ٢٣٢ ]
الذي يعمل له على نفسه. وقد يدخل في هذا الباب حياء الناس بعضهم من بعض، حياء البكر من الإفصاح بالرغبة في النكاح، وليس هذا خوفًا لذم يلحقها على إرادة النكاح وإنما هو خوف ذم على ما يخشى أن يستبدل بإظهارها الرغبة في النكاح عليه. وهو حب الرجل وقلة الصبر. فإنها إذا تصورت في القلوب في هذه الصورة لم يؤمن أن يظن بها غير الجميل. فالذم على ذلك هو الخوف لا على النكاح نفسه. والحياء من هذا، ليس أنه الحقيقة وإنما هو مما يخاف أن يكون وراءه وبالله التوفيق.
ويدخل في جملة الحياء من الله ﷿ ثم من الناس، ستر العورة لأن الشريعة كما جاءت بالأمر بستر العورة، فكذلك الناس بحكم طبائعهم يعد من كشفها شقاء عليه، وسفاهة خلاعة. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (استر عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك) يعني الإماء. قيل له: أرأيت إذا كان أحدنا خاليًا بنفسه، قال: (الله أحق أن يستحى منه). فدل ذلك على أن ستر العورة تجمع العبادة والمروءة.
فإن قال قائل: ما معنى قول النبي ﷺ (أحق أن يستحي منه) اللبس لا يحجب عن الله لأنه يرى المستور كما يرى المكشوف.
قيل: هو هذا، ولكنه يرى المكشوف مكشوفًا قد ترك أدبه من الستر فيه. ويرى المستور مستورًا أقيم أدبه من الستر فيه، فصح الاستحياء منه باللبس والستر فيه، وبالله التوفيق.
فإن قيل: أولًا يحل كشف العورة في البيت الخالي؟ قيل: يحل، وليس معنى قوله ﷺ (أحق أن يستحي منه) أن التكشف مع الخلوة لا يحل وإنما هو معنى أن المتكشف يرى نفسه كما كان غيره يراه لو كان حاضرًا والأحسن أن لا ينظر إلى عورته من غير أدب، وأن يستر عن نفسه ما يستره عن غيره. ألا ترى أنه لا يحترم عليه أن ينظر إلى فرج امرأته وجاريته، ولكن الأحسن والأشبه بالمروءة أن لا ينظر. فكذلك هذا في نفسه. فمعنى قوله (الله أحق أن يستحى منه) أن يتحمل على عيبته بالستر، لئلا يرى العبد
[ ٣ / ٢٣٣ ]
ناظرًا إلى عورة نفسه لا يرى عورة عبده، فإن الاحتجاب عن الله غيره ممكن، وبالله التوفيق.
والأصل في هذا قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات: من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء، ثلاث عورات لكم، ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن﴾ فأمر المؤمنين أن لا يتكشفوا للمماليك ولا للصغار المراهقين، فينظروا إليهم وهم غير متسترين، لئلا تقع أبصارهم على عوراتهم. وأمرهم أن يحتجبوا عنهم، فلا يدخلوا عليهم في هذه الأوقات، إلا بعد الاستئذان، فيستترون إذا سمعوا الاستئذان، ثم ينادون ولو جاز الإذن لهم على ما هم عليه من التكشف لم يكن لغرض الاستئذان، ففي هذا ما أبان أن ترك الاستحياء بالتكشف مذموم، وإن النظر إلى التكشف الذي رفض الحياء جانبًا مذموم مثله، والله أعلم.
قال أنس بن مالك ﵁، كنت خادمًا للنبي ﷺ، فكنت أدخل عليه بغير استئذان، فجئت يومًا فقال: (كما أتيتني يا بني، فإنه قد حدث بعدك أمرًا، لا تدخلن إلا بإذن). وهذا على أنه جاءه في بعض هذه الساعات الثلاث، فلذلك منعه من أن يدخل إلا بإذن. ولو جاءه في غيرها لم يمنع من الدخول بعد استئذان، لأنه كان خادمًا، وخادم الرجل قريب المعنى من مملوكه ومن الذي لم يبلغ الحلم. فإذا كان لهؤلاء أن يدخلوا في غير الساعات الثلاث من غير استئذان إن كان ذلك للخير الكبير إذا كان خادمًا لم ينه والله أعلم.
وأما الدخول على النساء، فإن النساء في عامة الأوقات بمنزلة الرجال في هذه الساعات الثلاث، لأن المرأة في بيتها خالية بنفسها أو بزوجها أو بقرابتها، وصغير ببابها فكان عنقها وبعض صدرها وقدماها متكشفة، ولعل شعرها أو بعضه لذلك يكون، فلا يجوز إلا لمن لا يحل له النظر إلى هذه الأشياء منها، فله أن يدخل من غير هذه الأوقات الثلاثة بغير إذن. ولا يدخل في هذه الأوقات الثلاثة إلا بإذن، لأنه قد تكون وضعت جميع
[ ٣ / ٢٣٤ ]
ثيابها، ولا يجوز أن يطلع على ما دون الإزار منها إلا الزوج. وأما غير هذه الأوقات فليس أوقاتها للتجرد في العادة، وإن كان قائمًا وضع الخمار ونحوه. وللخادم النظر إلى الصدر والشعر بالاتفاق. ولهم النظر عندما إلا ما لا يكون مثله عورة من الرجل من شعرها وبشرها، فلذلك لم يمنعوا من الدخول بغير إذن.
وجاء أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ، فقال: (يا رسول الله، أأستأذن على أمي؟ فقال: نعم. فقال الرجل: أني معها في البيت، فقال رسول الله صلى الله: استأذن عليها. فقال الرجل: إني خادمها. فقال رسول الله ﷺ: أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا. قال: فاستأذن عليها) وهذا- والله أعلم- على الساعات الثلاث التي هي أوقات التجرد دون ما عداها، الذي ليس في العادة وقتًا للتجرد الكامل والله أعلم.
وقال ﷿: ﴿والقواعد من الناس اللاتي لا يرجون نكاحًا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة﴾. وذلك يحتمل معنيين:
أحدهما: ليس عليهن أن يضع ما يعلو ثيابهن من الأردية أو الأكسية، ويدعن ما تحتها من الدروع والخمر.
والآخر: أن تكون التجرد. فإن كان التجرد هو المراد، والعجوز إذًا كالرجل فيما جعل لها من التجرد في هذه الساعات الثلاث، فمن لا يجوز له أن يدخل على الرجل ويراه متكشفًا، لم يجز له أن يدخل على العجوز فيراها منكشفة. وإن كان المراد بنزع الرداء أو اللحاف والكساء. فقد بان بأن العجوز لا يحل لها أن تنكشف لأعين الرجال. واجتمع الوجهان في أن نظرة الأجنبي، أن العجوز هي منكشفة غير جائزة.
وعن مجاهد قال: لا ينبغي للمرأة أن تجلس عند الرجل من الناس ليس بمجرد في أقل من أربعة أثواب: جلباب وردع وخمار وإزار. فأما العجوز التي صارت من القواعد، فلا بأس أن تضع جلبابها وتقتصر الدرع والخمار والإزار.
[ ٣ / ٢٣٥ ]
وروي عن عبد الله في قوله ﴿أن يضعن ثيابهن﴾ قال: الجلباب. وعن الحسن ﵁ قال: تمشي وتصلي في خمار ودرع.
وأما نظر المحرم إلى الشعر، ولمس البنفقة أو التعظيم، فقد جاء عنه: أن الحسن والحسين رحمة الله عليهما دخلا على أم كلثوم أختهما وهي تمشط. وأن عبد الله بن الزبير دخل على عائشة ﵂ تزين عذرها. قبل أبو بكر ﵁ رأسها فقالت: يا أبت ألا عذرتني، فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني، إذا قلت ما لا أعلم.
ولا ينبغي للمرأة المسلم أن تبدي للمرأة الكافرة، ما جعل لها إبداؤه من رتيبها لأهل دينها، أن الله ﷿ قال: ﴿أو نسائهن﴾. وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي عبيدة ﵁: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل دينها. وسئل عبادة بن أنس عن اليهودية والنصرانية تقبل ولد المسلمة فكره ذلك. وقال سليمان بن موسى: هذا مكروه.
وقال أبو بكر ﵁ لابنه له إذا أحضر شارب الغلام، فلا تجلسي عنده ولا تضعي جلبابك، ولا تسوكي عنده، ولا تضعي سواكك إليه، ولا تكتحلي عنده، ولا تضعي كحلك، ولا تتحمي عنده، ولا تضعي خاتمك عنده، ولا تضحكي إليه، ولا يضحل إليك، وامري نساءك بهذا. يحتمل معنى ولا سواكك ولا كحلك ولا خاتمك أي عند الغلام بعدما بلغ لئلا يلبس جلبابها ولا يتختم بخاتمها ولا يتسوك بسواكها، ولا يكتحل بمرودها من كحلها.
والنظر إلى الوجه والكفين من الأجنبية وإن كان مباحًا لا لشهوة، فإن لمس السبابة والتعظيم ليس إلا لمحرم دون الأجنبي. فإن رسول الله ﷺ روى عنه أنه كان لا يصافح النساء في البيعة. وروى أنه أجابه: كانت توضع وقتها ماء فيدخل النبي ﷺ في يده، فإذا أخرجها أدخلت المرأة يدها مكان ذلك منه لهن، كالمصافحة للرجال. رأيت امرأة جلس إليها من لا يحل له النظر إلى شعرها ولا إليها غير مختمرة، فلا ينبغي أن تجلس عنده في خمار رقيق وجلباب رقيق ما تحتاجه، فإنه روى أن النبي ﷺ استيقظ ليلة
[ ٣ / ٢٣٦ ]
فقال: (سبحان الله، فإذا أنزل الله الليلة من الفتنة، ماذا أنزل من الخير، أين من يوقظ صواحب الحجرات، يا رب كاسيه في الدنيا عارية في الآخرة). وروى أن دحية الكلبي لما رجع من عندهن قد أعطاه رسول الله ﷺ قبطية، فقال: (اجعل خديعًا لك قميصًا، واعط صاحبك صديعًا يختمر به- والصديع النصف وهو كالشقيق والشق- ثم قال له: مرها تجعل تحتها شيئًا لئلا تصف). وذكر أبو هريرة ﵁ ربة ثياب النساء، فقال: الكاسيات العاريات الناعمات السنيات. ورحل نسوة من بني تيم ابن مرة على عائشة ﵂، عليهن ثياب رقيقة. فقال عائشة: إن كنتن مؤمنات فليس هذا لباس المؤمنات. وإن لم تكن مؤمنات فتمنعنه.
وأدخلت امرأة عروس على عائشة ﵂، وعليها خمار قبطي معصفر، فلما رأتها قالت: لم يوص بسورة البقرة أمراء لبسوا هذا؟ وإنما أنكرت عائشة أفراد الرقيق الذي تصف ما تحته باللبس، ولو كان تحته غيره لم يكره، لأنه ليس في زنة الثوب ما يحرمه. ولا ينبغي للمرأة أن يطيل ذيلها أكثر ما يحتاج إليه ليستر قدميها، وكان رسول الله ﷺ حد لذيل المرأة شبرًا، فقالت أم سلمة: لا يكفيهن، فقال: (ذراع). وليس هذا إن شاء الله بوقتنا لازمًا، وإنما المراد ما تقع به الكفاية.
ولا تخرج بالنهار إلا عن ضرورة، فإن عمر ﵁ كان لا يدع امرأة تخرج نهارًا. وقال الحسن: إن كانت المرأة لتنخرق خصرها ومجلسها منه أخصر، وإن كانت المرأة لتخرج من الحاجة فترى الرجل فيخر فيقع. وعن الحسن قال: إن كان الرجل ليخرج من منزله أول النهار فما يرجع حتى يرتفع النهار،- وذكر: وسط النهار-، فما يرى امرأة في الطريق. وقالت امرأة عبد الله بن مسعود لابن مسعود: اكسي جلباب الله الذي جلبك،- يعني بيتك-. ولا ينبغي للمرأة أن تخرج إن خرجت من بيتها متطيبة ولا لابسة شهرة من الثياب، لا إلى مسجد ولا إلى سوق، ولا إلى بيت جارة. قال رسول الله ﷺ للنساء: (إذا خرجتن إلى مساجد الله فأخرجن بغلات وألصقن بالخدرات ولا تمسسن طيبًا).
[ ٣ / ٢٣٧ ]
وقال عمر ﵁: ما يمنع المرأة المسلمة إذا كان لها حاجة أن تخرج في اطمارها أو اطمار جارتها مستخفية لا يعلم بها أحد حتى ترجع إلى بيتها. وقال ابن مسعود: أن المرأة تلبس ثيابها، فقال لها: أين تذهبين، فتقول: أعود مريضًا، أشهد جنازة، آتي المسجد فأصلي فيه. فقال لها: ما تريدين إلى ذلك؟ فتقول: أريد وجه الله، ولا والذي لا إله غيره ما طلبت وجه الله بمثل ذلك إلا أن تتقي الله وتقعد في بيتها. ولا يحل لامرأة أن تصل شعرها بشعر إنسان، ولا شعر ما لا يؤكل لحمه، فإن وصلته بشعر ما يؤكل لحمه لزوجها فلا بأس وكذلك الوشم. لعن رسول الله ﷺ الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة. ولا ينبغي لها أن تدع الخضاب فإنه يروى أن رسول الله ﷺ رأى امرأة لا تختضب فقال: (تدع إحداكن يدها حتى كأنها يد رجل، فما زالت تختضب وقد جاوزت التسعين حتى ماتت).
ودخلت امرأة على عائشة ﵂ وهي مبيضة أظفارها فقالت: مال هذه التجارة، غيري أظفارك. وأرسلت أم الفضل بين يزيد بن المهلب إلى أنس بن مالك ﵁ تسأله عن الخضاب، فنهانا عن النقط وأمرها بالعشر. ويروى عن عمر ﵁ قال: يا معشر النساء، إياكم والنقش والتظاريف، وإذا اختضبت إحداكن فلتخضب إلى هذه- وأشار إلى الكوع-.
ويتسحب للمرأة أن لا تتعطل، وتكون في عنقها قلادة من سير في خرز. فإن ذلك يروى عن رسول الله ﷺ، قالت عائشة ﵂: لا ينبغي للمرأة أن تكون بغير قلادة أما بخيط أو بسير. وقال أنس ﵁: يستحب للمرأة أن تعلق في عنقها في الصلاة ولو سير. وقيل لعائشة ﵂: يا أم المؤمنين، كيف ترين في حق المرأة عن حبيبها، فقالت: أميطي عنك للأخرى وتتصنع المرأة لبعلها بما شاءت. وقيل لها: يا أم المؤمنين، ما تقولين في الخضاب والصباغ والتماغر، والقرطين، والخلخال وخاتم الذهب ورقاق الثياب؟ فقالت: يا معشر النساء قصتكن قصة امرأة واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكن أن يروا منكن محرمًا. وسألت امرأة عائشة
[ ٣ / ٢٣٨ ]
﵂ عن كلف بوجهها: هل تداويه؟ فقالت: إن كنت ولدت وهي بلك فلا تحركيه وإن كان شيء حدث فداويه. وعندها ابن أخت لها وبوجهه أثر الجدري، فقالت: وددت أني وجدت من يذهب عنه هذا عن وجهه.
ولا ينبغي للرجل إذا أقرب أهله أن يكشفها، فإنه يروى عن رسول الله ﷺ قال: (إذا جامع الرجل أهله فليلقين عليها ثوبًا، ولا يتعريا فعل الحمارين، فإنه إذا فعلا كذلك خرجت الملائكة من بيوتهما). وفي رواية أخرى، قال رسول الله ﷺ: (إذا أتى أحدكم أهله فليستر، ولا يتجرد تجرد البعيرين).
وسئل الحسن عن الرجل يكون له جاريتان في بيت فيطأ إحداهما، فكره ذلك. أو قال: كرهوا ذلك. فقيل له: ما يكره من ذلك؟ قال: الفحشى. وجاء في هذا الباب عن النبي ﷺ أنه نهى عن دخول الحمامات، ثم أذن للرجل أن يدخلوها بالمئزر، ونهى النساء عن دخولها بالإطلاق. وذلك لما بنى عليه أمرهن من المبالغة في الستر، ألا ترى أن الواحدة منهن لا تخرج عطرة من بيتها كما يخرج الرجل. وأن النساء إذا اجتمعن على الصلاة تقوم أمامهن وسطهن ولا تتقدمهن كما يتقدم أمام الرجال. وأن المرأة إذا صلت لا ترفع صوتها بالقراءة في صلاة قط، وإنها لا تؤذن كما يؤذن الرجال. فكذلك لا تدخل الحمام متغطية، وإن دخل الرجل بعد أن تستر.
وروى أن نساء دخلن على عائشة ﵂ من أهل الشام قالت لهن: أتين من اللائي يدخلن الحمامات، ما من واحدة تضع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت الستر فيما بينها وبين الله.
فإن قيل: قد وصف الله تعالى نبيه ﷺ بالاستحياء، فقال: ﴿إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم﴾ الآية. فلو كان حد الحياء خوف الذم لما استحى النبي ﷺ، لأنه لم يكن يخاف من أحد ذمًا، وقد جاء في صفته: إنه كان أشد حياء من العاتق في
[ ٣ / ٢٣٩ ]
خدرها. وهذا يدل على معنى الحياء غير ما ذكرتم. وقد يرى أن الصبيان الذين لا يدرون الحمد والذم يستحيون، فلو كان معنى الحياء ما ذكرتم لم يوجد الحياء إلا من عارف بالذم.
فالجواب أن استحياء النبي ﷺ هو أن لا يفعل ما يمنع خوف الذم غيره من فعله، ولا شك أن غير النبي ﷺ لو يبرم بضيف، قد فرغ من الطعام والرياء، لكان الذي يمنعه من أن يخرجه من المنزل أو يقول: أبرمت لكم خوف الذم، وأن يقال: كان أول هذا الذم دعاء وآخره جفاء. فإذا وقع هذا النبي ﷺ وهو من البشر، كان من هذا في قلبه ما يدور في قلب غيره فذلك حياؤه.
وأما الصبيان فإن وجود الحياء فهم لا يبطل أن يكون حقيقة الحياء ما قلنا، لأن الحياء ما جبل الناس عليه في كثير من الأشياء فهم يستحون، وإن كانوا لا يدرون ما الحياء، كما يجوعون ولا يدرون ما حقيقة الجوع ويعطشون ولا يدرون ما أحقية العطش، وينامون ولا يدرون ما حقيقة النوم، فكذلك يستحون وإن لم يدروا ما حقيقة الحياء. على معنى يمنعون من فعل ما لا يمنع من مثله إلا خوف الاستنكار والذم، وإن كانوا لا يخشون بذلك من نفوسهم، لكنهم لا يخلون من نفور يجدونه في قلوبهم، وذلك النفور حيلة، كما أن كراهية الذم حيلة، وحب المدح حيلة فما الصبي بنفور قلبه ولم يدر علة النفور حتى إذا عقل أدرك، سيكون الفعل من جنس ما يذم فاعله، أو ما يخشى أن يكون كذلك. وفي هذا بيان أن وجود الحياء من الصبيان لا يبطل ما حددنا به والله أعلم.
[ ٣ / ٢٤٠ ]