وهو باب في الجود والسخاء
جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (السخاء قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة). وأنه قال: (خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق) وأنه قال: (لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبدًا أبدًا). ومن قبل ذلك فقد قال الله ﷿ فيما يثني به على الذين يسمحون بأموالهم لأجل الحاجة إليها، فقال: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، الذين ينفقون في السراء والضراء﴾. وقال: ﴿هدى للمتقين الذي يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾. وقال: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. وقال: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾.
وهذا السياق يدل على أن هذه النفقة غير الزكاة وذم المحالفي، غير أنه قال: ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما أتاهم الله من فضله واعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا﴾. وقال: ﴿فمنكم من يبخل، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه﴾. وقال:
[ ٣ / ٤٠٣ ]
﴿والله لا يحب كل مختال فخور، الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد﴾ وقال: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾. وقال: ﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذا أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون، فأصبحت كالصريم﴾. وعن ابن عباس ﵄ في قول الله ﷿: ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى﴾ يقول: من أعطى من ماله واتقى وصدق بالخلف من الله فسنيسره للخير. وأما من بخل واستغنى عن ربه وكذب بالخلف فسنيسره للعسرى، يقول: للشر.
فثبت بجمع ما ذكرت أن الجلود من مكارم الأخلاق والبخل من أرذلها. وليس الجواد الذي يعطي في غير موضع العطاء، والبخل الذي لا يمنع لا في موضع العطاء. لكن الجواد الذي يعطي في موضع العطاء، والبخيل الذي يمنع في موضع العطاء. فكل من استفاد مما يعطى أجرًا أو حمدًا، فهو جواد، ومن استحق بالمنع ذمًا أو عقابًا فهو البخيل ومن لم يستفد بالعطاء أجرًا ولا حمدًا، أو استوجب به ذمًا فليس بجواد، وإنما هو مسرف مذموم، وهو من المبذرين الذين جعلهم الله إخوان الشياطين، وأوجب الحجر عليهم. ومن لم يستوجب بالمنع عقابًا ولا ذمًا، أو استوجب به حمدًا فهو من أهل الرشد الذين يستحقون القيام على أموال غيرهم بحسن تدبيرهم وسد اذرائهم، ولا يقال لهذا بخيل.
وجاء عن النبي ﷺ في الحث على الجود وذم البخيل وقيل: (لا تنهمكوا على غير ما بكم) أي لا تسقصوا عليهم فتستوفوا جميع الحق ولا تدعوا منه شيئًا.
وجاء عنه في البخل، قال ﷺ: (من شر ما أعطي العبد شح هالع وجبن خالع) الهالع المحزن. والخالع المخيف، الذي يخلع القلب من شدته يقال: أقبل الفصل لبن أمه إذا استنفذه، فلم يبق الثدي شيئًا. قلت: يحتمل أن يكون نهى عن ذلك إذا كان في الاستيفاء إبعاد الغريم. قال ﷺ: (إن الله يبغض البخيل في حياته، الشحيح عند
[ ٣ / ٤٠٤ ]
موته) وإذا قد ظهر الجود والبخل فليتكلم على علة مدح الجواد وذم البخيل، فيقول إن الجواد متأدب بأدب الله، فإن الله تعالى عامل عباده بالخوف، فمن عليهم بالنعم التي سبق ذكرها. كذلك لما جعل لهم سبيلًا إلى أن ينعموا على غيرهم، كان الإنعام منهم محمودًا. ألا ترى أن الله تعالى لما وصف نفسه بأن يغفر الذنوب ويعفوا عن السيئات، ثم جعل لعباده سبيلًا إلى أن يعفوا عن من أساء إليهم، ويغفروا لهم، كان العفو والتجاوز عنهم محمودًا. ولما علم عباده ما لم يكن يعلمونه، ومن عليهم بذلك. جعل لهم السبل إلى أن يعلموا غيرهم ما علمهموه، كان التعليم منهم محمودًا. فكذلك الجواد بالمال هذا سبيله. وأيضًا فإن الجود مما يبعث عليه أهل الرأي والتمييز، لأن العاقل إذا ذكر في أنه إن لم يؤخذ ماله عنه بعوارض الآفات، أخذ عن ماله مما كتب عليه من الممات. ثم لا يدري أن الذي يخالفه في ماله، ماذا يصنع به، وفيم ينفقه. علم أن ما يجعله منه ما يوجب له حمدًا في العاجل، وأجرًا في الآجل، أولى به وأعود عليه، وانظر له من أن يمسكه حتى يأتيه المنية، فينتقل من ملكه وهو كاره إلى من إن أحسن فيه فلنفسه، ولا يرجع إليه من إحسانه شيئًا، ولا يجب له به أجر.
هذا والعوارض مخوفة والآفات غير مأمونة. وما يدريه لعله إذا أمسك ماله فقد بان له في الاحتياط، انقلب المال وبالًا عليه، فكانت منيته. ولعله يسرق أو يغضب أو تأكله النار أو الماء. وإذا كان كل ذلك ممكن لا يعصمه منه إمساكه والشح به، فإن ينظر لنفسه، ويجوز لها حظًا من حمد أو أجر، أولى به من أن يعرضه ويتعرض به للخطر وبالله التوفيق.
هذا وليس فائدة المال إمساكه، إنما فائدته صرفه فيما ينفع مالكه. ولا يقع أعظم من اكتساب الذكر الجميل والاسم الحسن الحميد، واستحباب الأجر العظيم. والثواب الكريم. فمن كان لا يستحقها بالإنفاق فيما يوجب له في العاجل المحمدة، وفي الآجل الجنة وبالله التوفيق. وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄. قالت: قلت يا رسول الله، إنه ليس في بيتي إلا ما أدخل على الزبير، أفأعطي؟ قال: (نعم ولا توكي فيو كأعليك).
[ ٣ / ٤٠٥ ]
وقال ﷺ: (السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار. والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار. والجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل). وقال ﷺ: (لا يدخل الجنة خب ولا بخيل ولا منان). فأما البخيل فإنه بخل لمخالفته بما رضى الله تعالى به لنفسه من المعاملة، ويمدح بها، وأوجب على عباده شكره عليها. وفيه أن الناس كلهم ليسوا بأغنياء ولكن منهم فقراء وأوساطًا. فإذا شح الغني بماله ضاق الأمر على من ليس له في مثل حاله، وذلك لؤم بالغني وقسوة، ويسوء دخله أن يرى بأخيه المسلم حاجة وهو قادر أن يقضيها له ويبلغ فيها مراده من غير ضرر يرجع عليه، فيتركه مرتبكًا في حاجته، مهتمًا بأمر نفسه لا لغرض يكون له في ذلك، أكثر من الإشفاق على ماله أن ينقص ذلك النقص إذا دفع، لم يبن عليه منه أثر، ولا لحقه لأجله ضرر. فلما كان هذا في العادات المعقولة كما ذكرنا، وفي الشريعة مخالفًا لما جاء عن النبي ﷺ من قوله: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) استحق أن يكون مذمومًا.
وأيضًا فإن البخيل مغرور بماله وهو عند نفسه محتاط. لأنا قد ذكرنا في الوجه الذي قيل، هذا ما في الجدد من الاحتياط والنظر في الجواد، وحبًا في الإمساك من التغرير. وكل ما قلنا فيه، فهو من البخيل بخلافه.
وأيضًا فإن المنفق ماله في الشهوات أنفق ولا لوجه الله تصدق فهو المحروم الذي خسر الدنيا والآخرة، ولو عدم المال فقال ذلة العدم لكان خيرًا له من أن يجد فيحرم فائدة الوجد، فيكون المال وبالًا عليه، والنكر حاصلًا له وواصلًا إليه. ولولا أن ذلك كذلك، لا شبه أن لا يقول الله ﷿ ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾.
فصل
وقد تتفق أحوال وداد الجود والسماحة فيها فضلًا، نحو إن شكر قوم يجوز وعد غيرهم من فضول المال ما يقدرون به على تخليصهم، أو نفع حاجة إلى عمارة مسجد
[ ٣ / ٤٠٦ ]
الجماعة، أو حفر نهرهم وليس عند الجميع ما يقدرون به على تحمل المؤونة، وعند بعضهم من المال ما يتسع المؤاساه، والجمالة عن الآخرين، أو يقع بين قوم ثأر ولزم أن يؤاخيهم أو غير ذلك، ويمكن إصلاح ذات بينهم بشيء من المال. فإن الأحسن في هذا كله البذل والإنفاق والسماحة، وفيه الذكر والثوبة. فأما إذا قحط الناس وأعوز بعضهم الطعام، وكان عند الآخرين من فضول أقواتهم ما يقدرون به على المواساة، فحرام عليهم أن يحرموهم ولا يطعموهم، إما متصدقين وإما معارضين، وليس الإطعام في هذه الحال بجود، إنما الجود أن لا يرغب في العوض، فإن تصدق على المحتاج ولم يبعه الطعام فقد جاد، والله أعلم.
ومن الأوقات التي يستحب فيها الجود شهر رمضان، لأن الناس كلهم يكونون مشاغيل بالصيام والصلاة وقراءة القرآن. فإذا قام المكفيون الموسعون، بأمر الأوساط والمحتاجين يفرغوا للعبادة وإذا خلوهم وأنفسهم اشتغلوا بالسعي على أنفسهم على العبادة. فكان حمل الكلفة عنهم إرفاقًا لنفوسهم حتى لا يجتمع عليها جهد الصوم ونصب الاضطراب والتصرف وأعانهم لهم على العبادة.
وجاء عن رسول الله ﷺ أنه كان أجود الناس بالخير، فكان أجود ما يكون في شهر رمضان. وكان يلقاه جبريل صلوات الله عليه، فيقرأ عليه القرآن. فكان إذا رآه أجود بالخير من الريح المرسلة ﷺ. وقيل: إن الريح المرسلة هي واحدة الرياح التي وصفها الله تعالى بأنه يرسلها بشرى بين يدي رحمته، وأنه يرسلها فتسير السحاب. وقال تعالى: ﴿والمرسلات عرفا﴾ وإنما أراد بذلك أنه لا يتمالك في تلك الحال، بل كان يسمح بما عنده كما أن الشيء الريح لا يملك حبس رائحته لكنها تفوح فيحبسها من يدنو منها والله أعلم.
فصل
ومن وجوه البخل أن يرد الواحد الصدقة، فيعمد إلى أرذل الأموال فيتصدق بها، وهذا بخل منه يجوده المال، كما أنه لو حبس الصدقة أصلًا لكان ذلك بخلًا منه بنفس
[ ٣ / ٤٠٧ ]
المال، والله ﷿ يقول في مثل هذا: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون، ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ ومن وجوه البخل أن يعطى ثم يحدث بالذي أعطى، أو يمن به على من أعطى، وهما جميعًا مذمومان. قال الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾. فالمن المتحدث به، والأذى التغير. وإنما ألحقنا الأمرين بالبخل لأن كل واحد منهما يوحش المعطى ويزيل عن قلبه السرور الذي كان له بالعطية، ويصفها عليه، فيصير المعطي كالمسترجع لها منه، أو كالراجع عليه بعوض، لأنه لا يسلم له منفعة ما أخذ إلا بما أخذ من عوضه بإزائه، ويكون ذلك شرًا من البيع في الابتداء والله أعلم.
فإن قال قائل: فإن البخلاء قد وصفوا لأنفسهم أصلًا فقالوا: المال لله، والعبد لله، فإنما عبد حرمه الله مالًا، فالأولى بالذي أعطاه أن يمنع من منعه الله، فإنه إن أعطاه فقد خالف ربه، وأراد أن يكون له الفضل عليه، إذ كان الرب قد منع وهذا يعطي.
فالجواب: إن هذا جهل عن قائله، وهو الذي حكاه الله تعالى عن الكفار فقال: ﴿وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله، قال الذين كفروا للذين آمنوا: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾. وهذا ظن فاسد، لأنه لو كان صحيحًا، لوجب أن يكون تعليم الجاهل ومداواة المريض وتخليص المحبوس، وكل عمل يعمله من يحسنه لمن لا يحسنه، ومن يقدر عليه، قبيحًا مستكبرًا لمثل العلة التي اعتل بها لتحسين البخل ومنع المحتاج. وإذا لم تكن هذه الأمور التي عددناها قبيحة بل كانت في نهاية الحسن، فكذلك الجود وإعطاء المحتاج مثلها والله أعلم.
[ ٣ / ٤٠٨ ]